النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
سورة الإسراء
تر أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض ، والشمس والقمر والنجوم والجبال
والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب .. ﴾(١).
وقال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ﴾
أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل ، لما أسند اليها فعل العاقل وهو التسبيح . وقوله
ومن فيهن ﴾ يريد الملائكة والإِنس والجن، ثم عمم بعد ذلك الأشياء كلها فى قوله :
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
واختلف فى هذا العموم هل هو مخصص أوّلا . فقالت فرقة : ليس مخصوصا ، والمراد به
تسبيح الدلالة ، كل محدث يشهد على نفسه بأن الله - عز وجل - خالق قادر .
وقالت طائفة : هذا التسبيح حقيقة ، وكل شىء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه
البشر : ولا يفقهونه ، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصفة والدلالة ، لكان أمرا
مفهوما ، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفْقَه . .
ويستدل لهذا القول من الكتاب بقوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا ياجبال
أوبى معه والطير ..
وقوله - تعالى -: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن
بالعشى والإِشراق
ثم قال : فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك ، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح
دلالة ، فأى تخصيص لداود ، وإنما ذلك تسبيح المقال ، بخلق الحياة والإِنطاق بالتسبيح . وقد
نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شىء فالقول به أولى(٢).
والذى تطمئن إليه النفس أن التسبيح حقيقى وبلسان المقال ، لأن هذا هو الظاهر من الآية
الكريمة ، ولأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤيد ذلك .
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته ، وأثبت أن كل شىء يسبح بحمده ، أتبع
ذلك ببيان أحوال المشركين عند سماعهم للقرآن الكريم ، وبيان ما جعله الله - تعالى - على
حواسهم بسبب جحودهم وعنادهم ، فقال - تعالى - :
(١) الآية ١٨ من سورة الحج وراجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٧٦ طبعة دار الشعب.
(٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٦٦.
٣٦٢
المجلد الثامن
وَإِذَا قَرَأْتَ
اُلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
مَسْتُورًا(٥) وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ
وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَ أَدْبَرِ هِمْ نُفُورًا
﴿ْ نَحْنُ أَ عْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْهُم ◌َجْوَى
إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلََّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٦) أُنْظُرْ
كَيْفَ ضَرَبُوْلَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً
٤٨
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿وإذا قرأت القرآن ... ﴾ للرسول - حول * - وقوله
حجابا ﴾ من الحجب بمعنى المنع .
قال صاحب المصباح: حجبه حجبا - من باب قتل - : منعه . ومنه قيل للستر :
حجاب ؛ لأنه يمنع المشاهدة . وقيل للبواب : حاجب ، لأنه يمنع من الدخول . والأصل فى
الحجاب : جسم حائل بين جسدين ، وقد استعمل فى المعانى فقيل : العجز حاجب ، أى : بين
الإِنسان ومراده .. (١).
وقوله ﴿ مستورا﴾ ساترا ، فهو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل. كميمون
بمعنى يامن . ومشئوم بمعنى شائم .
واختار بعضهم أن مستورا على معناه الظاهر ، من كونه اسم مفعول ، لأن ذلك الحجاب
مستور عن أعين الناس فلا يرونه ، أو مستورا به القارىء فلا يراه غيره ، ويجوز أن يكون
مستورا ، أى : ذا ستر فهو للنسب كمكان مهول : ذو هول ..
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال ، أشهرها قولان :
أولهما يرى أصحابه ، أن المراد بالحجاب المستور: ما حجب الله به قلوب هؤلاء الكافرين
-
(١) المصباح المنير جـ ١٢١ للشيخ الفيومى.
:
٣٦٣
سورة الإسراء
عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم ، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم . فهو
حجاب معنوى خفى ، حال بينهم وبين الانتفاع بالقرآن .
فهم يستمعون إليه ، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له ، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به ،
فكان استماعهم له كعدمه ، وعاقبهم اللّه على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه .
والمعنى : وإذا قرأت - أيها الرسول الكريم - القرآن الهادى إلى الطريق التى هى أقوم .
جعلنا - بقدرتنا ، ومشيئتنا - ، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ، حجابا يحجبهم ويمنعهم
عن إدراك أسراره وهداياته ، وساترا بينك وبينهم ، بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول
انتفاع وهداية .
ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا
وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون ﴾(١).
ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول ، فلم يذكروا غيره ، الإِمام البيضاوى ، فقد قال
- رحمه الله: قوله: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا
يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم ﴿ مستورا﴾ ذا ستر: كقوله - تعالى -: ﴿ إنه كان
وعده مأتيا﴾ أى مستورا عن الحس .. (٢).
أما القول الثانى فيرى أصحابه : أن المراد بالحجاب المستور ، أن الله - تعالى - يحجب
نبيه - * - عن أعين المشركين ، بحيث لا يرونه فى أوقات معينة ، لحكم منها : النجاة من
شرورهم .
فيكون المعنى : وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين هؤلاء
الكافرين ، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك ، عندما تكون المصلحة فى ذلك .
وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى بكر
قالت : لما نزلت سورة ﴿تبت يد أبي لهب) جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة ، وفى يدها
فِهْر - أى حجر - وهى تقول: مُذْمما أتينا، وأمَره عصينا، ودينه قَلْنا: ورسول الله
- - جالس، وأبو بكر إلى جنبه .
فقال أبو بكر: يارسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك، فقال - * -: « إنها
(١) سورة فصلت الآية ٥ .
(٢) تفسير البيضاوى جـ ١ ص ٥٨٧ .
٣٦٤
المجلد الثامن
لن ترانى)» وقرأ قرآنا اعتصم به منها، ومما قرأه -: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين
الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا﴾ .
فجاءت حتى قامت على أبى بكر، فلم تر النبى - وَ ﴿ - ، فقالت : يا أبا بكر ، بلغنى أن
صاحبك هجانى : فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك .
فانصرفت وهى تقول : لقد علمت قريش أنى بنت سيدها(١) .
ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول ، الإِمام القرطبى ، فقد قال بعد أن ذكر ماروى
عن أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عنهما -: وقال سعيد بن جبير : لما نزلت سورة ( تبت
يدا أبي لهب وتب﴾ جاءت امرأة أبى لهب إلى النبى - جزر - ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر
لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها أمرأة بَذِيَّة .
فقال - ﴿﴿ -: ((إنه سيحال بينى وبينها)) فلم تره . فقالت لأبى بكر : يا أبا بكر هجانا
صاحبك .
فقال أبو بكر : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله . فاندفعت راجعة . فقال أبو بكر :
يارسول الله، أما رأتك ؟.
قال : لا . مازال ملك بينى وبينها يسترنى حتى ذهبت .
ثم قال القرطبى : وقيل : الحجاب المستور، طَيْعُ اللّه على قلوبهم حتى لا يفقهوه:
ولا يدركوا ما فيه من الحكمة . قاله قتادة . وقال الحسن : أى أنهم لإِعراضهم عن قراءتك ،
وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب فى عدم رؤيتهم لك ، حتى كأن على قلوبهم أغطية ...
ثم قال : والقول الأول أظهر فى الآية(٢).
ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح فى ذاته ، وأن كل واحد منهما يحكى حالات معينة ، ويشهد
لذلك ما نقله الجمل فى حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال - رحمه الله - . قوله :
حجابا مستورا ﴾، أى: ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم، كان يحجب
بصره عن رؤية النبى - * - إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن: وبعضهم كان يحجب قلبه
عن إدراك معانى القرآن .. وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن .. (٣).
وقوله - تعالى -: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٨٩ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٦٩.
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٨ , بتصرف وتلخيص - .
٣٦٥
سورة الإسراء
فى القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ﴾ يؤكد أن المشركين كانوا طوائف متعددة بالنسبة
لموقفهم من القرآن الكريم، ومن النبى - وَالهرم - .
أى : وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴿أكنة أن يفقهوه ﴾ أى :
أغطية تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم ، وفهمه فهما سليما .
وجعلنا - أيضا -: ﴿ فى آذانهم وقرا﴾ أى: صمما وثقلا عظيما يمنعهم من سماعه سماعا
ينفعهم .
وقوله : - سبحانه - : ﴿ وإذا ذكرت ربك فى القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ﴾
بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة .
أى: وإذا ذكرت أيها الرسول الكريم - ربك فى القرآن وحده ، دون أن تذكر معه آلهتهم
المزعومة انفضوا من حولك ورجعوا على أعقابهم نافرين شاردين ﴿ كأنهم حمر مستنفرة .
فرت من قسورة
وبذلك ترى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ تصوير ، لتزيد فى
فضيحتهم وجهلهم ، ولتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم .
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه . وأنه - تعالى - سيجازى هؤلاء الكافرين
بما يستحقون من عقاب ، فقال - عز وجل -: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به . إذ يستمعون
إليك وإذ هم نجوى ، إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ .
والباء فى قوله - سبحانه -: ﴿ بما يستمعون ﴾ متعلقة بأعلم، ومفعول ﴿يستمعون
محذوف ، تقديره ، القرآن .
قال الآلوسى: قوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ أى: متلبسين به من اللغو
والاستخفاف، والاستهزاء بك وبالقرآن. يروى أنه - وَ﴿ - كان يقوم عن يمينه رجلان من
بنى عبد الدار ، وعن يساره رجلان منهم ، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار - إذا
قرأ القرآن - .
ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام . أى : نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله
من الهزء ، وهم متعلقة بيستمعون .. وأفعل التفضيل فى العلم والجهل يتعدى بالباء ، وفى سوى
ذلك يتعدى باللام ، فيقال : هو أكسى للفقراء ، والمراد من كونه - سبحانه - أعلم بذلك :
الوعيد لهم .. (١) .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٨٩ .
٣٦٦
المجلد الثامن
وإذ فى قوله ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ ظرف لأعلم.
ولفظ ﴿ نجوى ﴾ مصدر بمعنى التناجى والمسارة فى الحديث. وقد جعلوا عين النجوى على
سبيل المبالغة ، كما فى قولهم : قوم عدل .
ويجوز أن يكون جمع نَجِىٍّ، كقتلى جمع قتيل أى : وإذ هم متناجون فى أمرك .
والمعنى : نحن - أيها الرسول الكريم - على علم تام بأحوال المشركين عند استماعهم
للقرآن الكريم . حين تتلوه عليهم ، وبالطريقة التى يستمعون بها وبالغرض الذى من أجله
يستمعون إليك . وعلى علم تام بأحوالهم حين يستمعون إليك فرادى : وحين يستمعون إليك ثم
يتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ، والتواصى بمعصيتك .
فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشركين على استماعهم المصحوب بالاستهزاء والسخرية من
الرسول -* - ومن القرآن. وتسلية له - ﴿ - عما أصابه منهم ، وبيان لشمول علم الله
- تعالى - لكل أحوالهم الظاهرة والخفية .
وقوله - تعالى -: ﴿إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ بدل من قوله
- تعالى -: ﴿وإذ هم نجوى ﴾.
والمسحور . هو الذى سحر فاختلط عقله ، وزالت عنه الهيئة السوية .
أى : ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء - أيضا - عندما يقول بعضهم لبعض : لا تتبعوا محمدا
-* - فيما يدعو إليه، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم رجلا مسحورا ، أصابه
السحر فأخرجه عن وعيه وعقله .
وقال - سبحانه -: ﴿إذ يقول الظالمون ) بالإظهار دون الإضمار، لتسجيل الظلم
عليهم فيما تفوهوا به ، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم .
وقوله - تعالى -: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا
﴾
تسلية عظيمة للرسول -* - ، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذى هداهم الله
- تعالى - إليه .
أى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين . قد بلغ بهم الجحود
والفجور ، أنهم مثلوا لك الأمثال ، فوصفوك تارة بأنك مسحور ، وتارة بأنك شاعر .
وهم فى وصفهم هذا ، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا ، وضاروا كالحيران الذى التبست
عليه الطرق ، فأمسى لا يعرف السبيل الذى يسلكه .
هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمة الله - عند تفسيره لهذه الآيات ، ما يدل على أن
٣٦٧
سورة الإسراء
المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول - خلف - عند قراءته للقرآن .
فقال : قال محمد بن إسحاق فى السيرة : حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، أنه
حُدِّث أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق .. خرجوا ليلة
ليستمعوا من رسول الله - 18 - وهو يصلى بالليل فى بيته ، فأخذ كل واحد منهم مجلسا
يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا .
حتى إذا جمعتهم الطريق ، تلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض
سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا ، ثم انصرفوا .
حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا
طلع الفجر تفرقوا . حتى إذا جمعتهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم
انصرفوا .
حتى إذا كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه . فباتوا يستمعون له ، حتى إذا
طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود
فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا .
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب فى بيته ،
فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد - وَل﴿ - ؟ فقال أبو سفيان : يا
أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت
معناها . ولا ما يراد بها .
فقال الأخنس : وأنا والذى حلفت به ، قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل .
فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد - وَليزر - ؟ قال : ماذا
سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا
فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسَىْ رهان قالوا : منّانبى يأتيه الوحى من
السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس
وتر که(١) .
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم الباطلة ، فى شأن البعث والحساب يوم القيامة ورد عليها بما
يزهق باطلهم ، فقال - تعالى - :
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٨١ طبعة دار الشعب - القاهرة.
٣٦٨
المجلد الثامن
٤٩
وَقَالُواْأَ ذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَّا أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًّا جَدِيدًا!
قُلْ كُنُواْحِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ◌ْ أَوْخَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي
صُدُ ورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُ نَا قُلِ الَّذِىِ فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرََّ
فَسَيُنْعِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَّقُلْ عَسَى أَن
يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ،
وَتَغُونَ إِن ◌َّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
قال الإمام الرازى : اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا فى الإِلهيات ، ثم أتبعه بذكر شبهاتهم فى
النبوات ، ذكر فى هذه الآية شبهات القوم فى إنكار المعاد والبعث والقيامة .. (١) .
والرفات : ما تكسر وبَلىَ من كل شىء كالفتات . يقال : رفت فلان الشىء يرفته
- بكسر الفاء وضمها - ، إذا كسره وجعله يشبه التراب .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ أئذا كنا ... ) وفى قوله ﴿ أثنا لمبعوثون .. ﴾
للاستبعاد والإِنكار .
أى: وقال الكافرون المنكرون لوحدانية الله - تعالى -، ولنبوة النبى - ﴿ - ،
وللبعث والحساب، قالوا للنبى -* - على سبيل الإِنكار والاستبعاد ، أئذا كنا يا محمد ،
عظاما بالية ، ورفاتا يشبه التراب فى تفتته ودقته ، أثنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى ، بحيث
تعود إلينا أرواحنا ، وتدب الحياة فينا ثانية ، ونبعث على هيئة خلق جديد ، غير الذى كنا عليه
فى الدنيا ؟ .
وقولهم هذا ، يدل على جهلهم المطبق ، بقدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء ، وکرر
- سبحانه - الاستفهام فى الآية الكريمة ، للإِشعار بإيغالهم فى الجحود والإِنكار .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ٢٢٤.
٣٦٩
سورة الإسراء
والعامل فى ﴿إذا ﴾ محذوف، والتقدير: أنبعث أو أنحشر إذا كنا عظاما ورفاتا، وقد دل
٠
على هذا المحذوف قوله - تعالى - : ﴿ أثنا لمبعوثون
وقوله - سبحانه -: ﴿ قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر فى صدوركم ﴾ أمر
من الله - تعالى - لرسوله - * - بالرد عليهم فيما استبعدوه وأنكروه من إعادتهم الى
الحياة بعد موتهم .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الرد على استبعادهم ، والتحقير من
شأنهم، والتعجيز لهم: ((كونوا)) - إن استطعتم - ﴿حجارة ﴾ كالتى تعبدونها من دون
الله، ﴿ أو حديدا﴾ كالذى تستعملونه فى شئون حياتكم، ﴿أو﴾ كونوا ﴿خلقا﴾ أى:
مخلوقا سوى الحجارة والحديد ﴿ مما يكبر﴾ أى: يعظم ويستبعد - ﴿ فى صدوركم﴾
المظلمة - قبوله للحياة ، قل لهم: كونوا أى شىء من ذلك أو غيره إن استطعتم ، فإن الله
- تعالى - لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى ، لكى يحاسبكم على أعمالكم ،
ويجازيكم عليها بما تستحقون من عقاب .
فالمقصود من الجملة الكريمة ، بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء ..
قال الجمل : أجابهم الله - تعالى - بما معناه : تحولوا بعد الموت إلى أى صفة تزعمون أنها
أشد منافاة للحياة ، وأبعد عن قبولها ، كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما . فليس المراد
الأمر ، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله - تعالى - عن الإعادة(١).
وقوله - تعالى -: ﴿فسيقولون من يعيدنا ﴾ أى: فسيقولون لك - أيها الرسول
الكريم - من يعيدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد أن نكون حجارة أو حديدا أو غيرهما ؟ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قل الذى فطركم أول مرة) رد على جهالاتهم وإنكارهم للبعث
والحساب .
أى: قل لهم : الله - تعالى - الذى فطركم وخلقكم ، أول مرة ، على غير مثال سابق ،
قادر على أن يعيدكم الى الحياة مرة أخرى . كما قال - تعالى - : ﴿وهو الذى يبدأ الخلق ثم
يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عندما يسمعون من الرسول
- رَلي - هذه الإجابات السديدة، فقال: ﴿ فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى
هو ... ﴾
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٢٩ .
(٢) سورة الروم الآية ٢٧ .
٣٧٠
المجلد الثامن
أى : فسيحركون إليك رءوسهم عندما يسمعون ردك عليهم ، ويقولون على سبيل
الاستهزاء والسخرية والتكذيب : متى هو ؟ أى ما ذكرته من الإعادة بعد الموت ، أو متى هو
ذلك اليوم الذى سنعود فيه إلى الحياة بعد أن نصير عظاما ورفاتا .
فالجملة الكريمة تصور تصويرا بليغا ما جبلوا عليه من تكذيب بيوم القيامة ومن استهزاء
بمن يذكرهم بأحوال ذلك اليوم العصيب . ومن استبعاد لحصوله كما قال - تعالى - : حكاية
عنهم فى آية أخرى : ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾.
وقوله - تعالى - : ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾ تذييل قصد به التهديد والوعيد لهم.
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التأنيب والوعيد : عسى هذا اليوم
الذی تستبعدون حصوله، يكون قريبا جدا وقوعه .
ولاشك فى أنه قريب ، لأن عسى فى كلام اللّه - تعالى - لما هو محقق الوقوع ، وكل ما هو
محقق الوقوع فهو قريب، ولأن الرسول -وَ ل48 - قال: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) -
وأشار بالسبابة والوسطى .
ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يُدْعَوْن فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال: ﴿يوم
﴾ .
يدعوكم فتستجيبون بحمده ...
والظرف ﴿ يوم) منصوب بفعل مضمر أى: اذكروا يوم يدعوكم .. ويجوز أن يكون
منصوبا على البدلية من ﴿ قريبا ﴾.
والداعى لهم هو ((إسرافيل)) - عليه السلام - عندما يأذن الله - تعالى - له بالنفخ فى
الصور، كما قال - تعالى -: ﴿ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض
إلا من شاء اللّه، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾(١).
وكما قال - سبحانه -: ﴿ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شىء نكر . خشعا أبصارهم
يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر . مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم
عسر ﴾ (٢) .
وقوله ﴿ بحمده ﴾ حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار، والباء للملابسة.
أى : اذكروا - أيها المكذبون - يوم يدعوكم الداعى إلى البعث والنشور فتلبون نداءه
(١) سورة الزمر الآية ٦٨ .
( ٢ ) سورة القمر. الآيات ٦، ٧، ٨.
٣٧١
سورة الإسراء
بسرعة وانقياد ، حال كونكم حامدين الله - تعالى - على كمال قدرته ، وناسين ما كنتم
تزعمون فى الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب .
قال صاحب الكشاف : وقوله ﴿ بحمده ﴾ حال منهم. أى: حامدين، وهى مبالغة فى
انقيادهم للبعث ، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويتمنع ، ستركبه وأنت حامد
شاكر ، يعنى: أنك تحمل عليه وتقسر قسرا . حتى أنك تلين لين المسمح - أى الذليل -
الراغب فيه ، الحامد عليه .
وعن سعيد بن جبير : ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون : سبحانك اللهم
وبحمدك(١).
وقوله : ﴿ فتستجيبون﴾ بمعنى تجيبون ، إلا أن الاستجابة تقتضى طلب الموافقة، فهى
أوكد من الإجابة ، وأسرع فى التلبية .
وجملة ((وتظنون إن لبثتم إلا قليلا)) حالية ، أى: والحال أنك تظنون عند بعثكم أنكم
ما لبثتم فى الدنيا أو فى قبوركم إلا زمنا قليلا .
قال قتادة : إن الدنيا تحقرت فى أعينهم وقلّت ، حين رأوا يوم القيامة ، هول ما يرون
فقالوا هذه المقالة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ .. كم ليتثم فى الأرض عدد سنين . قالوا لبثنا يوما
﴾(٢) .
أو بعض يوم فاسأل العادين
وقوله - تعالى -: ﴿ ونفخ فى الصور فإذا هم من الأحداث إلى ربهم ينسلون .
قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقنا ؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾٣.
وقوله - تعالى -: ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾(٤).
ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور فى طغيانهم يعمهون ، ووجه
خطابه إلى المؤمنين ، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة ، ومبينا لهم ولغيرهم ، أن مصائرهم
بيد الله - تعالى - وحده ، فقال - تعالى - :
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٢ .
(٢) سورة المؤمنون الآية ١١٢، ١١٣ .
(٣) سورة يس الآيات ٥١، ٥٢ .
(٤ ) سورة النازعات الآية ٤٦ .
٣٧٢
المجلد الثامن
وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوْلَّتِىِ هِىَ
أَحْسَنٌ إِنَّالشَّيْطَانَ يَفْزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ
عَدُوًّا مُبِينًا (٥) رَبِّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْيَرْ حَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ
يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥)، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِسْعَنَ عَلَى بَعْضٍّ
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ®
قال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ... ) الآية
نزلت فى عمر بن الخطاب . وذلك أن رجلا من العرب شتمه ، وسبه عمر وهَمَّ بقتله ، فكادت
تثير فتنة ، فأنزل الله فيه: ﴿ وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن﴾.
وقيل : نزلت لما قال المسلمون : ائذن لنا يارسول اللّه فى قتال المشركين ، فقد طال إيذاؤهم
لنا فقال: ((لم أومر بعد بالقتال)»(١).
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين ، أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم ،
الكلمة التى هى أحسن ، والعبارة التى هى أرق وألطف .
وذلك لأن الكلمة الطيبة ، تزيد فى المودة التى بين المؤمنين ، وتكسر حدة العداوة التى بينهم.
وبين أعدائهم .
قال - تعالى -: ﴿ ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتى هى أحسن ، فإذا الذى
بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم﴾(٢).
قال الآلوسي : ومقول فعل الأمر محذوف ، أى : قل لهم قولوا التى هى أحسن يقولوا
ذلك . فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر . وإلى هذا ذهب الأخفش .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٧٦ .
(٢) سورة فصلت الآية ٣٤.
٣٧٣
سورة الإِسراء
وقال الزجاج : إن قوله ﴿يقولوا﴾ هو المقول، وجزمه بلام الأمر محذوفة، أى: قل لهم
ليقولوا ... (١).
وقوله - سبحانه - : ﴿إن الشيطان ينزغ بينهم﴾ تعليل للأمر السابق.
أى : إن الشيطان يتربص بكم ، ويتلمس السقطات التى تقع من أفواهكم ، والعثرات التى
تنطق بها ألسنتكم ، لكى يشيع الشر بينكم ، ويبذر بذور الشر والبغضاء فى صفوفكم، وهيج
أعداءكم عليكم .
وينزغ بمعنى يفسد . يقال : نزغه - كنفعه - ينزغه ، إذا طعن فيه واغتابه ، وقوله :
إن الشيطان كان للإِنسان عدوا مبينا ﴾ تعليل لحرص الشيطان على الإِفساد بينهم .
أى إن الشيطان حريص على الإِفساد بين الناس ، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم ولقد
حذرنا الله - سبحانه - من الشيطان وكيده فى كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله
- تعالى -: ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب
﴾ (٢)
السعير
٠
وقوله - تعالى -: ﴿ يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما
لباسهما ليريهما سوءاتهما. إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء
(٣)
للذين لا يؤمنون
٠
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: يأمر الله - تبارك وتعالى - عبده ورسوله - وَ ل - أن
يأمر عباد الله المؤمنين ، أن يقولوا فى مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن ، والكلمة الطيبة ،
فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم ، وأخرج الكلام إلى الفعال ، ووقع الشر والمخاصمة
والمقاتلة ، فإنه عدو لآدم وذريته .. وعداوته ظاهرة بينة ، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه
المسلم بحديدة ، فإن الشيطان ينزغ فى يده . أى : فربما أصابه بها .
روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله - * - قال: ((لا يشيرن أحدكم إلى
أخيه بالسلاح ، فإنه لا يدرى أحدكم ، لعل الشيطان أن ينزغ فى يده ، فيقع فى حفرة من
النار(٤).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٩٤ .
(٢) سورة فاطر. الآية ٦ .
( ٣) سورة الأعراف الآية ٢٧ .
( ٤) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٤٥ .
٣٧٤
المجلد الثامن
ثم بين - سبحانه - أن مصير جميع الخلائق إليه ، وأنه محيط بأحوالهم فقال . ﴿ربكم
أعلم بكم ، إن يشأ يرحمكم، وإن يشأ يعذبكم ﴾ ...
أى : ربكم - أيها الناس - أعلم بكم من أنفسكم ، وهو - سبحانه - إن يشأ بفضله
يرحمكم ، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه ، وإن يشأ بعدله يعذبكم ، بسبب معاصيكم وفسوقكم
عن أمره، لا يسأل - عز وجل - عما يفعل، ﴿ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب
العالمين
وقوله - تعالى -: ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ بيان الوظيفة الرسول - ﴿ ف1 - .
أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلى الناس ، لتكون حفيظا ورقيبا. وموكولا
إليك أمرهم فى إجبارهم وإكراههم على الدخول فى الإسلام ، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا
ونذيرا . وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
ثم انتقل - سبحانه - من بيان كمال علمه بأحوال الناس ، إلى بيان كمال علمه بجميع من
فى السموات والأرض ، فقال - تعالى -: ﴿وربك أعلم بمن فى السموات والأرض﴾.
أى : وربك - أيها الرسول الكريم - أعلم بأحوال من فى السموات والأرض من إنس
وجن وملك ، وغير ذلك ، ولا يخفى عليه شىء من ظواهرهم أو بواطنهم ، ولا يعزب عن علمه
- تعالى - شىء من طاعتهم أو معصيتهم ، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف
بحمل رسالته ، وتبليغ وحيه كما قال : - تعالى -: ﴿اللّه أعلم حيث يجعل رسالته﴾ ..
وقوله - سبحانه -: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ﴾ بيان
لمظهر من مظاهر علمه المطلق ، وفضله العميم : وعطائه الواسع .
والزبور : هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على داود - عليه السلام .
أى : ولقد فضلنا - على علم وحكمة منا - بعض النبيين على بعض ، بأن جعلنا منهم من
كلم الله، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا ، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس ، ومنهم
من آتيناه الزبور وهو داود - عليه السلام - .
قال الإِمام ابن كثير : وقوله - تعالى -: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) وقوله
- تعالى -: ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ... ﴾ لا ينافى ماثبت من الصحيحين أن
رسول الله -* - قال: ((لا تفضلوا بين الأنبياء)» فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد
التشهى والعصبية ، لا بمقتضى الدليل ، فإذا دل الدليل على شىء وجب اتباعه ، ولا خلاف
أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء ، وأن أولى العزم منهم أفضلهم ، وهم الخمسة المذكورون
٣٧٥
سورة الإسراء
نصا فى قوله - تعالى -: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى
وعيسى ابن مريم .. ﴾ .
ولا خلاف فى أن محمدا - وَي - أفضلهم .. (١).
وإنما خص كتاب داود بالذكر ، لأن اليهود زعموا أنه لانبى بعد موسى ، ولا كتاب بعد
التوراة، فكذبهم الله - تعالى - فى ذلك، ولأن فى هذا الإِيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم
يكن بسبب ما أعطاه الله من ملك، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل
الرسول - * - وأمته، قال - تعالى -: ﴿ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن
الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾(٢).
والمراد بالعباد الصالحين: محمد - مَ له - وأمته.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا عرف الزبور ، كما عرف فى قوله: ﴿ولقد كتبنا فى
الزبور ... ﴾؟.
قلت : يجوز أن يكون الزبور وزبور ، كالعباس وعباس ، والفضل وفضل . ويجوز أن
يريد: وآتينا داود بعض الزبر - وهى الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله - صل * - من
الزبور، فسمى ذلك زبورا ، لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا(٣) .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - * - أن يتحدى المشركين ، بأن يبين لهم : أن آلهتهم
المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم ، أو جلب الخير لهم ، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله،
وترجو رحمته ، فقال - سبحانه - :
قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلاَ
يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥) أُوْلَكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ.
رَحْمَتَهُ، وَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٤٦.
(٢) سورة الأنبياء الآية ١٠٥ .
(٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٣ .
٣٧٦
المجلد الثامن
أورد المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها :
قال ابن كثير : قال العوفى عن ابن عباس فى قوله : ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من
دونه ... ﴾ .
قال : كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا .
وروى البخارى وغيره عن ابن مسعود فى قوله : ﴿ أولئك الذين يدعون ﴾ قال : كان
ناس من الإِنس يعبدون ناسا من الجن ، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء - أى الإِنس - بدينهم ..
فنزلت هذه الآية (١) .
وقال القرطبى: لما ابتليت قريش بالقَحْط، وشكَوْا إلى رسول الله - وَله - ، أنزل الله
هذه الآية: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ... ﴾(٢).
والمراد بالزعم هنا : الظن الكاذب الذى لا أساس له من الحقيقة والواقع .
قال الآلوسى ما ملخصه : والزعم قريب من الظن ، ويقال إنه القول المشكوك فيه ،
ويستعمل بمعنى الكذب ، حتى قال ابن عباس : كل ما ورد فى القرآن زعم فهو كذب .
وقد يطلق على القول المحقق، والصدق الذى لا شك فيه ... فقد ورد عن النبى - صل *1 -
أنه قال: ((زعم جبريل كذا ... )).
وهو مما يتعدى إلى مفعولين ، وقد حذفا هنا ، أى : زعمتموهم آلهة .. والظاهر أن المراد من
الموصول - الذين - كل من عبد من دون الله من العقلاء))(٣).
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله - تعالى -
آلهة أخرى فى العبادة . قل لهم على سبيل الإِرشاد والتحدى : هذه الآلهة التى تعبدونها ، اطلبوا
منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض أو فقر أو قحط ؛ أو أن تحوله منكم إلى
غيركم ...
فإذا لم تستطع ذلك - وهى بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع - فاتركوا عبادتها ،
وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شىء قدير ، وهو الله - عز وجل - .
واكتفى - سبحانه - بذكر كشف الضر ، لأنه هو الذى تتطلع إليه النفوس عند نزول
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٤٦ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٧٩ .
( ٣) تفسير الآلوسى جـ١٥ ص ٩٧ .
٣٧٧
سورة الإِسراء
المصائب ، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع ، إذ عند نزول الضر ، لا تشتغل الألسنة والقلوب
إلا برجاء كشفه .
ثم بين - سبحانه - أن كل معبود - سوى الله - عز وجل - يفتقر إلى عونه
- سبحانه -، وإلى رجاء الثواب منه، وإلى دفع العذاب عنه، فقال - تعالى - ﴿أولئك
الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه .. ﴾
واسم الإشارة ﴿ أولئك﴾ يعود على المعبودين من دون الله، وهو مبتدأ، وخبره. قوله:
يبتغون﴾ وما عطف عليه من قوله: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.
والضمير فى ﴿ يدعون﴾ يعود إلى المشركين، وفى يبتغون يعود إلى المعبودين و ﴿ أيهم﴾
بدل من واو الفاعل فى يبتغون ، و ﴿ أقرب ﴾ خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو، أى :
يبتغيها الذى هو أقرب ، والجملة صلة أى .
والوسيلة : ما يتقرب به الإِنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة .
والمعنى : أولئك المعبودون الذين يزعم المشركون أنهم آلهة . ويسمونهم أربابا ، وينادونهم
لكشف الضر عنهم ، هؤلاء المعبودون ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾.
أى: يتقربون إلى خالقهم ومالك أمرهم بصالح الأعمال ، ويبتغى أكثرهم صلاحًا وطاعة لله
- تعالى - الرضا منه - عز وجل - .
وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربًا فكيف يكون حال من هو أقل منه ؟ لا شك أنه يكون أشد
طلبًا لرضا الله - تعالى - وعفوه ، وأشد حرصًا على طاعته .
وقوله - تعالى - ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) زيادة بيان لشدة حرص هؤلاء
المعبودين على طاعة الله - تعالى -
أى : وهم فوق ذلك يرجون رحمة الله - تعالى - وفضله ، بأن يحشرهم مع الأبرار،
ويخشون عذابه ونقمته ، ويتضرعون إليه أن يجنبهم عذاب النار ، وبالرجاء والخشية يحيى
الصالحون الأخيار ، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من العمل الصالح ، والخشية تمنعه من
الوقوع فى المعاصى .
٠,
وقوله - تعالى -: ﴿إن عذاب ربك كان محذورًا﴾ تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو
خوف العذاب .
٣٧٨
المجلد الثامن
أى : إن عذاب ربك كان جديرًا وقمينا بأن يحذره ، ويحترز منه كل عاقل .
وقدم - سبحانه - الرجاء على الخوف ، لأن متعلقه أسبق ، ولأنه بجانب الله - تعالى -
أظهر، ففى الحديث القدسى: ((إن رحمتى سبقت غضبى)).
هذا ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله،
لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ، وما لهم فيها من شرك ، وماله منهم من
ظهير ﴾(١) .
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد قررتا بأسلوب منطقى بليغ ، أن الله - تعالى - هو الخالق
لكل شىء ، وأنه وحده هو المتصرف فى شئون عباده ، وأن كل مخلوق سواه - سبحانه -
محتاج إلى عونه وعفوه ورضاه ، وأن الذين زعمهم المشركون آلهة كعيسى وعزير والملائكة ...
ما هم إلا من عباد الله الذين يبتغون إليه الوسيلة ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه .
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ، وبين جانبًا من مظاهر فضله على هذه
الأمة ونبيها - * - . فقال - تعالى - :
وَإِنِ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْدِكُوْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ
أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا(﴾
وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهِأَ وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَلْتِ
إِلَّا تَخْوِفًا ، وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا
جَعَلْنَا الْرُّغْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ
فِي الْقُرْءَانِ وَتُخَوِ فُهُمْ فَمَا يَزِيِدُ هُمْ إِلَّأَ طُغْيَانًا كَبِيرًا
(٦٠
(١) سورة سبأ الآية ٢٢ .
٣٧٩
سورة الإسراء
والمقصود بالقرية فى قوله - تعالى -: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة
أو معذبوها عذابًا شديدًا﴾: قرى الكفار والظالمين، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين ،
فيكون المعنى :
وما من قرية من قرى الظالمين ، إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة بالموت أو الخراب ،
أو معذبوها عذابًا شديدًا، يستأصل شأفتها ، ويقطع دابرها ، كما فعلنا مع قوم نوح وعاد
وثمود وغيرهم .
ومن المفسرين الذين ساروا على ذلك ، الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية :
هذا إخبار من الله - عز وجل - ، بأنه قد حتم وقضى ، بما كتب عنده فى اللوح المحفوظ ،
أنه ما من قرية إلا سيهلكها ؛ بأن يبيد أهلها جميعهم ، أو يعذبهم عذابًا شديدًا، إما بقتل
أو ابتلاء بما يشاء ، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم ، كما قال - تعالى - عن الأمم
الماضية: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة، إن أخذه أليم شديد﴾(١).
ويرى آخرون ، أن المقصود بالقرية هنا : القرى كلها سواء أكانت للمؤمنين أم
للكافرين .
ومن المفسرين الذين ذهبوا إلى ذلك الآلوسى - رحمه الله - فقد قال: قوله - تعالى - :
{ وإن من قرية﴾ الظاهر العموم، لأن ﴿ إن) نافية، و﴿ من) زائدة لاستغراق
الجنس . أى: وما من قرية من القرى . ﴿ إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بإماتة
أهلها حتف أنوفهم ﴿ أو معذبوها عذابًا شديدًا﴾ بالقتل وأنواع البلاء .. وروى عن مقاتل
أنه قال: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ... )) (٢).
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن هناك آيات كثيرة تؤيده ، ومن ذلك
قوله - تعالى -: ﴿ وماكنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون﴾(٣). وقوله - سبحانه - :
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾ (٤). وقوله - عز وجل - :
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾(٥)، ولأن الله - تعالى - قيد
الإِهلاك بكونه قبل يوم القيامة ، وكونه كذلك يقتضى أنه للقرى الظالمة . إذ الإِهلاك يوم
القيامة يشمل جميع القرى ، سواء أكان أهلها مؤمنين أم كافرين ، بسبب انقضاء عمر الدنيا .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٤٧ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٠٠.
(٣) سورة القصص الآية ٥٩ .
( ٤ ) سورة الأنعام الآية ١٣١ .
(٥ ) سورة هود الآية ١١٧ .
٣٨٠
المجلد الثامن
وقوله - سبحانه - : ﴿ كان ذلك فى الكتاب مسطورًا ﴾ تأكيد لقضاء الله النافذ،
وحكمه الثابت .
أى: ﴿ كان ذلك﴾ الإهلاك والتعذيب، فى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ
مسطورًا ﴾ أى: مكتوبًا وثابتًا .
قال القرطبى: ﴿مسطورًا﴾ أى: مكتوبًا. والسطر: الخط والكتابة، وهو فى الأصل
مصدر . والسطر - بالتحريك - مثله ، وجمعه أسطار ، مثل سبب وأسباب ، وجمع السطر -
بسكون الطاء - أسطر وسطور مثل أفلس وفلوس . والكتاب هنا يراد به اللوح
المحفوظ)»(١) .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية ، ورحمته بها ، فقال
- تعالى -: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ... ﴾.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية آثارًا منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن ابن
عباس - رضى الله عنهما - قال: سأل أهل مكة رسول الله - وَ له - أن يجعل لهم الصفا
ذهبًا، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له: إن شئت أن تستأنى بهم ، وإن شئت أن
يأتيهم الذى سألوا . فإن كفروا، هلكوا كما أهلكتُ من كان قبلهم من الأمم .
فقال - ﴿﴿ -: ((لا .. بل استأنى بهم))، وأنزل اللّه قوله: ﴿ وما منعنا أن نرسل
بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ... ﴾(٢) .
قال الآلوسى : والمنع لغة : كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ، ولاستحالة ذلك فى
حقه - تعالى - لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا : إنه مستعار هنا للصرف
والترك ... )) (٣).
وقوله: ﴿ أن نرسل﴾ فى محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا، أو فى محل جر، على حذف
الجار ، أى : من أن نرسل ، وقوله: ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ فى محل رفع لأنه فاعل منعنا،
والتقدير : وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٨٠ .
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٤٧ .
( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٠٣ .