النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة الإِسراء وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا ، استقدرها كل طبع سليم ، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ، ولا يتم السكن والازدواج .. ورابعها : أنه إذا فتح باب الزنا ، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإِنسان ، وبين سائر البهائم فرق فى هذا الباب . وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة للرجل فى ترتيب المنزل وإعداد مهماته .. وهذه المهات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد ، منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل الا بتحريم الزنا ... فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح (١) . ولقد سد الإِسلام جميع المنافذ التى تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة ، وسلك لذلك وسائل من أهمها : ١ - تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء الا فى حدود الضرورة الشرعية ، ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله - ﴿ - قال: ((لا يخلون أحدكم بامرأة الا مع ذى محرم)). وروى الشيخان - أيضا - عن عقبة بن عامر أن رسول الله - والخير - قال: ((إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو - بفتح الحاء وسكون الميم - وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال - وَل﴿ -: ((الحمو الموت))(٢) . أى: دخوله قد يؤدى إلى الموت . - ٢ - تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية . ووجوب غض البصر . قال - تعالى -: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم .. ﴾ (٣) وقال - سبحانه - : ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .. وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - * - قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ... والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه))(٤). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ١٩٨. (٢) رياض الصالحين ص ٦٢٤ باب تحريم الخلوة بالأجنبية . (٣) سورة النور الآيتان ٣٠، ٣١. (٤) رياض الصالحين ص ٦٢٢ للإمام النووى. ٣٤٢ المجلد الثامن ٣ - وجوب التستر والاحتشام للمرأة ؛ فإن التبرج والسفور يغرى الرجال بالنساء ، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما . قال - تعالى -: ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. (١) ﴾. ٤ - الحض على الزواج ، وتيسير وسائله ، والبعد عن التغالى فى نفقاته ، وتخفيف مؤنه وتكاليفه .. فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإِنسان ، ويجعله يقضى شهوته فى الحلال .. فإذا لم يستطع الشاب الزواج ، فعليه بالصوم فإنه له وقاية - كما جاء فى الحديث الشريف - . ٥ - إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء ، كما قال - تعالى -: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة . ولا تأخذكم بها رأفة فى دين الله إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين﴾(٢). وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى ، أما بالنسبة للمحصن وهو المتزوج أو الذى سبق له الزواج ، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى ، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة . ففى الصحيحين أن رسول الله - * - قضى فى زان لم يتزوج وزانية متزوجة ، بقوله لوالد الرجل: ((على ابنك مائة جلدة وتغريب عام)) ثم قال -﴿ - لأحد أصحابه واسمه أنيس : اغد ياأنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)» فغدا عليها فاعترفت فرجها. ومما لاشك أنه لو تم تنفيذ حدود الله - تعالى - على الزناة ، لمحقت هذه الفاحشة محقا ، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه - عز وجل - لتركها خوفا من تلك العقوبة الرادعة ، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد . هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة ، ولو اتبعها المسلمون ، لطهرت أمتهم من رجسها ، ولحفظت فى دينها ودنياها . ثم نهى - سبحانه - عن قتل النفس المعصومة الدم ، بعد نهيه عن قتل الأولاد ، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق (١) سورة الأحزاب الآية ٥٩ . (٢) سورة النور الآية ٢. ٣٤٣ سورة الإسراء أى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، إلا بالحق الذى يبيح قتلها شرعا ، كردة ، أو قصاص ، أو زنا يوجب الرجم . قال الإِمام ابن كثير : يقول - تعالى - ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعى ، كما ثبت فى الصحيحين - عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله - صل18 - قال: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزانى المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة )). وفى السنن: ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم (١))). وقوله: ﴿ إلا بالحق) متعلق بلا تقتلوا، والباء للسببية ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى : لا تقتلوها فى حال من الأحوال ، إلا فى حال ارتكابها لما يوجب قتلها . وذلك : لأن الإِسلام ينظر إلى وجود الإِنسان على أنه بناء بناه الله - تعالى - فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق . وبهذا يقرر الإِسلام عصمة الدم الإِنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة ، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا. قال - تعالى -: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .. ﴾ (٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا ﴾ إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل عند المطالبة بحقه. والمراد بوليه : من يلى أمر المقتول ، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من أقاربه الذين لهم الحق فى المطالبة بدمه . فإن لم يكن للمقتول ولى ، فالحاكم وليه . والمراد بالسلطان : القوة التى منحتها شريعة الله - تعالى - لولى المقتول على القاتل، حيث جعلت من حق هذا الولى المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو أخذ الدية منه ، أو العفو عنه ، ولا يستطيع أحد أن ينازعه فى هذا الحق ، أو أن يجبره على التنازل عنه . والمعنى : ومن قتل مظلوما ، أى : بدون سبب يوجب قتله ، فإن دمه لم يذهب هدرا ، فقد شرعنا ((لوليه سلطانا)) على القاتل ، لأنه - أى الولى - إن شاء طالب بالقصاص منه ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه . وبذلك يصير الولى هو صاحب الكلمة الأولى فى (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٧٠ . ( ٢ ) سورة المائدة الآية ٣٢. ٣٤٤ المجلد الثامن التصرف فى القاتل ، حتى لكأنه مملوك له . وما دامت شريعة الله - تعالى - قد أعطت الولى هذا السلطان على القاتل ، فعليه أن لا يسرف فى القتل، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله - تعالى - . ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين - مثلا - فى مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير القاتل ، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله . قال الآلوسى ما ملخصه : كان من عادتهم فى الجاهلية ، أنهم إذا قتل منهم واحد ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره ... وأخرج البيهقى فى سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس فى الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا ، لم يقتلوه به ، وقتلوا شريفا من قومه ، فنهوا عن ذلك ، كما نهوا عن المثلة بالقاتل . وقرأ حمزة والكسائى: ((فلا تسرف)) بالخطاب للولى على سبيل الالتفات (١). وقوله : ﴿ إنه كان منصورا ﴾ تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإسراف فى القتل. والضمير يعود إلى الولى - أيضا - . أى : فلا يسرف هذا الولى فى القتل ، لأن الله - تعالى - قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم ، من مظاهره : المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو بأخذ الدية ، ومن مظاهره - أيضا - وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل ، دون أن ينازعه منازع فى هذا الحق . ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ﴿إنه ﴾ يعود إلى المقتول ظلما، على معنى: أن الله - تعالى - قد نصره فى الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا يضيع دمه ، ونصره فى الآخرة بالثواب الذى يستحقه ، وما دام الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف فى القتل . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب . لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة . قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأشبه ذلك بالصواب عندى ، قول من قال : عنى بها - أى بالهاء فى إنه - الولى ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول ، وهى إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور - أيضا - لأن الله - جل ثناؤه - قضى فى كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء ، (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٧٠ . ٣٤٥ سورة الإسراء واستبقاءه على الدية إن أحب ، والعفو عنه إن رأى . وكفى بذلك نصرة له من الله - تعالى - ، فلذلك هو المعنى بالهاء التى فى قوله ﴿ إنه كان منصورا﴾(١). والمتأمل فى هذه الآية الكريمة التى هى أول آية نزلت فى شأن القتل كما قال الضحاك(٢): يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما . فهى أولا : تنهى عن القتل ، لأنه من أكبر الكبائر التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه ، قال - تعالى - : ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴾(٣). وجاء النهى عنه فى بعض الآيات بعد النهى عن الإشراك بالله - عز وجل - . قال - سبحانه -: ﴿والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق .. ﴾(٤). كما جاء النهى عنه فى كثير من الأحاديث النبوية ، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أن رسول الله - * - قال: ((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء )) . وفى حديث آخر يقول - * -: ((الآدمى بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب)). وفى حديث ثالث: ((لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم الله فى النار» . وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه : أنه يؤدى إلى شيوع الغل والبغض والتقاتل ... بين الأفراد والجماعات ؛ إذ النفس البشرية فى كل زمان ومكان ، يؤلمها ، ويثير غضبها وانتقامها ، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على الأرض .. وهى ثانيا : تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة ، ما يهدئ نفسه ، ويقلل من غضبه ، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة . وقد أجاد صاحب الظلال - رحمه الله - فى توضيح هذا المعنى فقال : ((وفى تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم (١) تفسير ابن جرير جـ ٨ ص ٦٠ - طبعة دار المعرفة - بيروت. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٧٠ . (٣) سورة النساء الآية ٩٣ . (٤) سورة الفرقان الآية ٦٨. ٣٤٦ المجلد الثامن لنصرته ، تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذى تستشعره نفس الولى ، الغليان الذى قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا ، فى حمى الغضب والانفعال على غير هدى . فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل . وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ، ونفسه تسكن ، ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ . والإنسان إنسان ، فلا يطالب بغير ما ركب فى فطرته من الرغبة العميقة فى القصاص . لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها فى الحدود المأمونة ، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا . إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ، ويحبب فيه ، ويأجر عليه ، ولكن بعد أن يعطى الحق . فلولى الدم أن يقتص أو يصفح . وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما ، قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه، ويدفع به إلى الغلو والجموح (١) . هذا ، والذى نعتقده وندين اللّه - تعالى - عليه ، أنه لا علاج لجريمة القتل - وغيرها - إلا بتطبيق شريعة الله - تعالى - التى جمعت بين الرحمة والعدل . وبالرحمة والعدل : تتلاقى القلوب بعد التفرق ، وتلتئم بعد التصدع ، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو . وبعد أن نهى - سبحانه - عن إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا ، أتبع ذلك بالنهى عن إتلاف الأموال التى هى قوام الحياة ، وبدأ - سبحانه - بالنهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ، ثم ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان عند التعامل ، فقال - تعالى - : ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا. وأوفوا الكيل إذا كلتم ، وزنوا بالقسطاس المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾. واليتيم : هو الصغير الذى مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد ، ومنه الدرة اليتيمة . والخطاب فى قوله: ﴿ولا تقربوا ... ﴾ لأولياء اليتيم، والأوصياء على ماله . والأشد : قوة الإِنسان ، واشتعال حرارته ، ومن الشدة بمعنى القوة . يقال : شد النهار إذا ارتفع واكتمل ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. أو هو جمع لا واحد له من لفظه ، أو جمع شدة كأنعم ونعمة . (١) فى ظلال القرآن جـ ١٥ ص ٢٢٣٥. ٣٤٧ سورة الإسراء أى : ولا تقربوا - أيها الأولياء على اليتيم - ماله الذى منحه الله إياه عن طريق الميراث أو غيره ، إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق ، والتى من شأنها أن تنفعه ، كالمحافظة عليه ، واستثماره له ، وإنفاقه فى الوجوه المشروعة . واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك الدائرة - دائرة الأنفع والأحسن - فهو تصرف محظور ومنهى عنه ، وسيحاسبكم الله - تعالى - عليه . وتعليق النهى بالقربان ، للمبالغة فى الزجر عن التصرف فى مال اليتيم ، إلا بالطريقة التى هى أحسن . وقوله : ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ ليس غاية للنهى، إذ ليس المعنى: فإذا بلغ أشده فاقربوه ، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولى لمال اليتيم بعد بلوغه ، وإنما هو غاية لما يفهم من النهى ، فيكون المعنى : لا تقربوا مال اليتيم إلا بالطريقة التى هى أحسن ، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده ، أى : حتى يصير بالغا عاقلا رشيدا ، فإذا ما صار كذلك ، فسلموا إليه ماله بأمانة واستعفاف عن التطلع إلى شىء منه . هذا ، وقد أمرت شريعة الإِسلام ، بحسن رعاية اليتيم ، وبالمحافظة على حقوقه ، ونهت عن الإِساءة إليه ، بأى لون من ألوان الإِساءة . قال - تعالى -: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم .. ﴾ (١). وقال - سبحانه -: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ، إنما يأكلون فى بطونهم نارا ، وسيصلون سعيرا﴾(٢). وقال رسول الله - رَعليه - فى الحديث الذى رواه الإِمام البخارى عن سهل بن سعد رضى الله عنه: ((أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى(٣). وروى الشيخان عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - - أنه قال : (( اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يارسول اللّه وماهن؟ قال: الشرك بالله، والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات )). (١) سورة البقرة الآية ٢٢٠ . (٢ ) سورة النساء الآية ١٠ . (٣) من كتاب رياض الصالحين ص ١٣٧ للإمام النووى . ٣٤٨ المجلد الثامن ومن الحكم التى من أجلها أمر الاسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه ، أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى ، والعائل والنصير منذ صغره .. فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه .. شب محبا لمن حوله ، وللمجتمع الذى يعيش فيه . وإذا نشأ فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه .. نظر إلى من حوله ، وإلى المجتمع الذى يعيش فيه ، نظرة العدو إلى عدوه .. وكأنه يقول لنفسه: إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فى صغرى وفى حالة ضعفى ، فلماذا أحسن اليهم فى حال كبرى وقوتى !! وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى !! . هذه بعض الأسباب التى من أجلها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه ، وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم . وبعد أن نهى - سبحانه - عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ، أمر بالوفاء بالعهود فقال: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ) والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كالوصية واليمين . وعهد الله: أوامره ونواهيه وعهد الناس : ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما تقتضيه شئون حياتهم . أى : وأوفوا بالعهود التى بينكم وبين الله - تعالى - ، والتى بينكم وبين الناس ، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة ، وأن تقوموا بما تقتضيه من حقوق شرعية . وقوله ﴿إن العهد كان مسئولا ﴾ تعليل لوجوب الوفاء بالعهد . أى: كونوا أوفياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا عنه ، أمام الله - تعالى - وأمام الناس ، فالكلام على حذف مضاف كما فى قوله - سبحانه - ﴿ واسأل القرية ﴾ . وقال - سبحانه -: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد ... ﴾ بالإظهار دون الإضمار للإشعار بكمال العناية بشأن الوفاء بالعهود . ويجوز أن يكون المعنى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ، أى : كان مطلوبا بالوفاء به وقد مدح الله - تعالى - الذين يوفون بعهودهم فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب. الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾(١). وقوله - تعالى -: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين فى البأساء والضراء (١) سورة الرعد الآية ١٩، ٢٠ . ٣٤٩ سورة الإسراء وحين البأس ، أولئك الذين صدقوا ، وأولئك هم المتقون ﴾(١) . وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بصفة عامة ، أتبع ذلك بالوفاء فى شئون البيع والشراء ، فقال - تعالى -: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم ، وزنوا بالقسطاس المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ . والقسطاس : الميزان الذى يوزن به فى حالتى البيع والشراء . قال صاحب الكشاف: قرئ ((بالقسطاس)) بكسر القاف وضمها .. قيل : كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها(٢) . وقال الآلوسى ما ملخصه : وهذا اللفظ رومى معرب .. وقيل : عربى .. وعلى القول بأنه رومى معرب - وهو الصحيح - لا يقدح استعماله فى القرآن فى عربيته المذكورة فى قوله - تعالى -: ﴿ إنا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ لأنه بعد التعريب والسماع فى فصيح الكلام، يصير عربيا ، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه .. (٣) . وقوله: ﴿تأويلا) من الأول - بفتح الهمزة وسكون الواو - بمعنى الرجوع. يقال: آل هذا الأمر إلى كذا ، إذا رجع إليه . والمعنى : وأتموا أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيركم عند بيعكم لهم ما تريدون بيعه ، وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ما تريدون وزنه لهم . وقيد - سبحانه - الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان فى حالة البيع ، لأنها الحالة التى يكون فيها التطفيف فى العادة ، إذ أن البائع هو الذى غالبا ما يطفف للمشترى فى المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا . قال - تعالى -: ﴿ويل للمطففين. الذى إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أى: ذلك الذى أمرناكم به . من وجوب إتمام المكيال والميزان عند التعامل ، خير لكم فى الدنيا ، لأنه يرغب الناس فى التعامل معكم ، أما فى الآخرة فهو أحسن عاقبة ومآلا ، لما يترتب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله - عز وجل - . ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات السامية السديدة ، بالنهى عن تتبع مالا علم للإِنسان به ، وعن الفخر والتكبر والخيلاء .. فقال - تعالى - : (١) سورة البقرة الآية ١٧٧ . ( ٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٤٨ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٧٢ . ٣٥٠ المجلد الثامن ولا تقف ما ليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد ، كل أولئك كان عنه مسئولا ولاتمش فى الأرض مرحا ، إنك لن تخرق الأرض ، ولن تبلغ الجبال طولا . كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها . ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة . ولا تجعل مع الله إلها آخر ؛ فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا ﴾ . قال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ أى : ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك - من قول أو فعل - قال قتادة : لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم .. ثم قال: وأصل القَّفْو البُهْت ، والقذف بالباطل . ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أَمَّنا، ولا ننتفى من أبينا)) أى : لا نسُبُّ أمنا. وقال : قفوته أقفوه ... إذا اتبعت أثره . وقافية كل شىء آخره ، ومنه اسم النبى -* - : المُقَفَى، لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ، ومنه القائف، وهو الذى يتبع الآثر .. (١) . وقال صاحب الكشاف - رحمه الله -: قوله: ﴿ ولا تقف ماليس لك به علم ﴾: يعنى، ولا تكن فى اتباعك مالا علم لك به من قول أو فعل ، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال . والمراد : النهى عن أن يقول الرجل مالا يعلم ، وأن يعمل بما لا يعلم . ويدخل فيه النهى عن التقليد الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده .. (٢) . وقوله : ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد ، كل أولئك كان عنه مسئولا ﴾ تحذير شديد من أن يقول الإِنسان قولا لا علم له به ، أو أن يفعل فعلا بدون تحقق ، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل . أى: إن السمع الذى تسمع به - أيها المكلف - ، والبصر الذى تبصر به ، والفؤاد - أى القلب - الذى تحيا به ، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا عن أفعالها يوم القيامة ، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ : لماذا سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ونظرت إلى ما لا يجوز لك النظر إليه ، وسعيت إلى مالا يصح لك أن تسعى إليه !! . (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٥٧ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٤٩. ٣٥١ سورة الإسراء وعلى هذا التفسير يكون السؤال فى قوله - تعالى - : ﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ للانسان الذى تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل . ومن الآيات التى تشهد لهذا التفسير قوله - تعالى -: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين. عما ﴾ (١). كانوا يعملون ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء ، لتنطق بما اجترحه صاحبها ، ولتكون شاهدة عليه ، فيكون المعنى : . إن السمع والبصر والفؤاد ، كل واحد من أولئك الأعضاء ، كان مسئولا عن فعله ، بأن يقال له : هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أوْلا ؟ . ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها ، كما قال - تعالى - : ﴿ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ﴾(٢). وكما قال - سبحانه -: ﴿ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النار فهم يوزعون . حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون﴾(٢). واسم الإشارة ﴿ أولئك﴾ على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد ، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء ، كما فى قول الشاعر: ثُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء ، لأنها جزء منهم ، وشاهدة عليهم . وعلى كلا التفسيرين أيضا ، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ليس له به علم . قال الجمل : وقوله - تعالى -: ﴿ كل أولئك) مبتدأ، خبره جملة ﴿ كان عنه مسئولا ﴾، والضمير فى ((كان)) وفی (( عنه)) وفى « مسئولا )» يعود علی کل . أى : کان کل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعنى عما فعل به صاحبه: ويجوز أن يكون الضمير فى: ((عنه» لصاحب السمع والبصر والفؤاد .. (٤). % (١) سورة الحجر الآية ٩٢ ، ٩٣ . (٢) سورة يس الآية ٦٥ . (٣) سورة فصلت الآيتان ١٩، ٢٠. (٤) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٢٥ . ٣٥٢ المجلد الثامن وشبيه بهذه الآية فى النهى عن اتباع ما لا علم للانسان به. قوله - تعالى: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والإِثم والبغى بغير الحق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ (٢). قال الإِمام ابن كثير : ومضمون ما ذكروه - فى معنى قوله - تعالى - : ﴿ولا تقف. ما ليس لك به علم .. ﴾ أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم، كما قال - سبحانه - : اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .. ﴾ وفى الحديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ... )) وفى سنن أبى داود: ((بئس مطية الرجل زعموا)) وفى الحديث الآخر : ((إن أفْرَى الفِرَى - أى أكذب الكذب - أن يُرِىَ الرجل عينيه مالم تريا))(٣). وقال بعض العلماء : وهذه الكلمات القليلة - التى اشتملت عليها الآية - تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل ، يشمل المنهج العلمى الذى عرفته البشرية حديثا جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ، ومراقبة الله ، ميزة الإِسلام على المناهج العقلية الجافة ! . فالتثبت من كل خبر ، ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة ، قبل الحكم عليها ، هو دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإِسلام الدقيق .. فلا يقول اللسان كلمة ، ولا ينقل رواية ، ولا يروى حادثة ، ولا يحكم العقل حكما ، ولا يبرم الإِنسان أمرا . إلا وقد تثبت من كل جزئية ، ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة فى صحتها .. (٤) . ثم ينتقل القرآن الكريم من النهى عن أن يتبع الإنسان مالا علم له به ، إلى النهى عن التفاخر والتكبر والإعجاب فى النفس فيقول: ﴿ ولا تمشٍ فى الأرض مرحا .. ﴾. والمرح فى الأصل : شدة الفرح، والتوسع فيه ، مع الخيلاء والتعالى على الناس ، يقال : مرح - بزنة فرح - يمرح مرحا ، إذا اشتد فرحه ومشى مشية المتكبرين . وهو مصدر وقع موقع الحال . (١) سورة الأعراف الآية ٣٣ . (٢) سورة البقرة الآية ١٦٨، ١٦٩. (٣) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٧٢ . (٤) من تفسير ((فى ظلال القرآن)) جـ ١٥ ص ٢٢٢٧. ٣٥٣ سورة الإسراء أى : ولا تمش - أيها الانسان - فى الأرض مشية الفخور المتكبر المختال بل كن متواضعا متأدبا بأدب الإِسلام فى سلوكك . وتقييد النهى بقوله ((فى الأرض)) للتذكير بالمبدأ والمعاد ، المانعين من الكبر والخيلاء ، إذ من الأرض خلق وإليها يعود ، ومن كان كذلك كان جديرا به أن يتواضع لا أن يتكبر . قال - تعالى -: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ إنك لن تخرق الأرض ، ولن تبلغ الجبال طولا ﴾ تعليل للنهى عن التفاخر مع السخرية والتهكم من المتفاخر المغرور . أى : إنك - أيها الماشى فى الأرض مرحا - لن تخرق الأرض بوطئك عليها، أو بمشيك فوقها ، ولن تبلغ - مهما ارتفعت قامتك - الجبال فى الطول والعلو . ومادام شأنك كذلك ، فكن متواضعا ، فمن تواضع لله - تعالى - رفعه . وقوله ((طولا )) تمييز محول عن الفاعل . أى: لن يبلغ طولك الجبال. وشبيه بهذه الآية فى النهى عن التعالى والتطاول ، قوله - تعالى - : ﴿ولا تصعر خدك للناس ، ولا تمش فى الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾(٢). وقد أمر النبى - * - بالتواضع، ونهى عن التكبر والغرور ، وبين سوء عاقبة ذلك فى أحاديث كثيرة ، منها مارواه مسلم فى صحيحه عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله -* - : ((إن الله - تعالى - أوحى إلى أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغى أحد على أحد))(٣). وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله -* - قال: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا)) (٤). وروى الترمذى عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله -* -: ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه - أى يرتفع ويتكبر - حتى يكتب فى الجبارين - فيصيبه ما أصابهم))(٥) . ورحم الله القائل : فكم تحتها قوم همو منك أرفع ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم مات من قوم همو منك أمنح وإن كنت فى عز وحِرْزٍ ومَنْعَة (١) سورة طه الآية ٥٥ . (٢) سورة لقمان الآية ١٨ . (٣)، (٤)، (٥) من كتاب رياض الصالحين ص ٢٨٥ للإمام النووى. ٣٥٤ المجلد الثامن ثم ختم - سبحانه - تلك التكاليف التى يغلب عليها طابع النهى عن الرذائل بقوله : كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها . واسم الإشارة ﴿ ذلك﴾ يعود إلى ما تقدم ذكره من التكاليف والأوامر والنواهى. التى لا يتطرق إليها النسخ، والتى تبلغ خمسة وعشرين تكليفا ، تبدأ بقوله - تعالى - : : لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ ثم يأتى بعد ذلك النهى عن عقوق الوالدين، والأمر بصلة الأرحام ، وبالعطف على المسكين وابن السبيل ، ثم النهى عن البخل ، والإِسراف ، وقتل الأولاد ، والاقتراب من الزنا ، وقتل النفس إلا بالحق ، والاعتداء على مال اليتيم .. الخ . والضمير فى ﴿ سيئه﴾ يعود إلى ما نهى الله عنه من أفعال، كالشرك، وعقوق الوالدين ، والزنا . أى : كل ذلك الذى بيناه لك فيما سبق ، كان الفعل السيىء منه ، عند ربك مكروها ، أى : مبغوضا عنده - سبحانه - وأما الفعل الحسن كالوفاء بالعهد ، وإعطاء ذى القربى حقه ، فهو محمود عند ربك - عز وجل - . قال الآلوسى : ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر - كالشرك والزنا ... - للإِيذان بأن مجرد الكراهة عنده - تعالى - كافية فى وجوب الكف عن ذلك . وتوجيه الإشارة إلى الكل ، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء ، لما قيل : من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة ، بل على وجه الاختلاط لنكتة اقتضته ، وفيه إشعار بكون ماعداه مرضيا عنده - سبحانه - . وإنما لم يصرح بذلك ، إيذانا بالغنى عنه ، أو اهتماما بشأن التنفير من النواهى .. (١). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿كل ذلك كان سيئة ﴾ بالتاء والتنوين. وعلى هذه القراءة يكون اسم الإشارة ، يعود إلى المنهيات السابقة فقط ، ويكون المعنى : كل ذلك الذى نهيناك عنه فى الآيات السابقة ، من الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، واتباع ما ليس لك به علم .. كان اقترافه سيئة من السيئات المبغوضة عند ربك ، المحرمة فى شرعه ، المعاقب مرتكبها . ثم ختم - سبحانه - تلك الأحكام المحكمة ، والتكاليف السامية ، بقوله : ﴿ ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٧٦ . ٣٥٥ سورة الإسراء أى : ذلك الذى أمرناك به ، ونهيناك عنه - أيها الرسول الكريم - بعض ما أوحاه الله - تعالى - عليك ((من الحكمة)) التى هى علم الشرائع ومعرفة الحق ، والعمل به ، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم ، مع الله - تعالى - إلها آخر - أيها المخاطب - فتلقى وتطرح فى جهنم ، ملوما من نفسك ومن غيرك ، مدحورا أى: مبعدا من رحمة الله - تعالى - . قال صاحب الكشاف : ولقد جعل الله - تعالى - فاتحتها - أى تلك الآيات المشتملة على تلك الأوامر والنواهى - وخاتمتها ، النهى عن الشرك ، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذّفيها الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم(١). وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة التى اشتملت على بضع وعشرين تكليفا ، والتى ابتدأت بقوله - تعالى - لا تجعل مع الله إلها آخر ... وانتهت بقوله - سبحانه -: ﴿ولا تجعل مع اللّه إلها آخر .. ) قد ربطت قواعد السلوك والآداب : والتكاليف الفردية والاجتماعية ، بإخلاص العبادة لله - تعالى - لأن هذا الإخلاص لله - تعالى - فى العقيدة والعبادة والقول والعمل .. هو رأس كل حكمة وملاكها . كما قال صاحب الكشاف - رحمه الله - . وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ذكر من الأوامر والنواهى فى الآيات السابقة ، التى بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك بالله - تعالى - أتبع ذلك بإقامة الأدلة على استحالة أن يكون له شريك أو ولد ، بل كل من فى السموات ومن الأرض ، خاضع لسلطانه ، وما من شىء إلا ويسبح بحمده ، فقال - تعالى - . أَفَأَ صْفَتَكُمْرَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّا إِنَّكُمْلَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًافَ ٤٠ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلََّ نُفُورًا ٤١ قُل لَّوْكَانَ مَعَهُ: ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّا بَنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا ﴿٣ سُبْحِّنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا(٦) تُسَيِّعُ لَهُ السَّمَوَتُ - . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٥٠ . ٣٥٦ المجلد الثامن السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنِفِيهِنَّ وَإِنِ مِن شَىءٍ إِلَّا يُسُِّ بِ وَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًاهـ ٤٤ والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ أفأصفاكم .. ﴾ للكافرين الذين قالوا، الملائكة بنات الله . والإِصفاء بالشىء: جعله خالصا . يقال: أصفى فلان فلانا بالشىء، إذا آثره به . ويقال للأشياء التى يختص السلطان بها نفسه : الصوافى . وفعله : صفا يصفو ، وتضمن هنا معنى التخصيص . والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتهكم . والمعنى - كما يقول صاحب الكشاف - أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد ، وهم الذكور، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ أدونهم ، وهن البنات ، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم ، بل تندوهن وتقتلونهن !! فهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم . فإن العبيد لا يُؤْثَرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ، ويكون أردؤها وأدونها للسادات(١). والمقصود من الجملة الكريمة نفى مازعموه من أن الملائكة بنات اللّه بأبلغ وجه ، أى : لم يخصكم ربكم بالبنين ، ولم يتخذ من الملائكة إناثا ، لأنه - سبحانه - تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه . قال - تعالى -: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه هو الله الواحد القهار ﴾ (٢). وقال - تعالى -: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى (٣) وقوله - سبحانه -: ﴿إنكم لتقولون قولا عظيما﴾ تسفيه لأقوالهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة وعقولهم السقيمة . (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٥٠. ( ٢) سورة الزمر الآية ٤ . (٣) سورة النجم الآية ٢١، ٢٢. ٣٥٧ سورة الإسراء أى: إنكم بنسبتكم البنات إلى الله - تعالى - ، لتقولون قولا عظيما فى قبحه وشناعته ، وفى استهجان العقول السليمة له ، وفيما يترتب عليه من عقوبات أليمة من الله - تعالى - لكم . قال - تعالى -: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا . تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا . إن كل من فى السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا . لقد أحصاهم وعدهم عدا . وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ﴾(١). ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن الذى أنزله على نبيه محمد - وصاليه - قد اشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام ، فقال - تعالى -: ﴿ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا ، وما يزيدهم إلا نفورا ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ صرفنا﴾ من التصريف وهو فى الأصل صرف الشىء من حالة إلى أخرى ، ومن جهة إلى أخرى . والمراد به هنا : بينا . وكررنا ، ومفعوله محذوف للعلم به . والمعنى : ولقد بينا وكررنا فى هذا القرآن أنواعا من الوعد والوعيد ، والقصص ، والأمثال ، والمواعظ والأخبار، والآداب والتشريعات ، ليتذكر هؤلاء الضالون ويتعظوا ويعتبروا ، ويوقنوا بأنه من عند الله - تعالى - فيهديهم ذلك إلى اتباع الحق ، والسير فى الطريق القويم . وقوله - تعالى -: ﴿ وما يزيدهم إلا نفورا﴾ تصوير بديع لإصرارهم على كفرهم وعنادهم ، وإيثارهم الغى على الرشد . والنفور : التباعد والإِعراض عن الشىء . يقال : نفرت الدابه تنفر - بكسر الفاء وضمها - نفورا ، إذا جزعت وتباعدت وشردت . أى: وما يزيدهم هذا البيان والتكرار الذى اشتمل عليه القرآن الكريم ، إلا تباعدا عن الحق ، وإعراضا عنه ، وعكوفا على باطلهم ، بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم للرسول -* - على ما آتاه الله من فضله . (١) سورة مريم الآيات من ٨٨ - ٩٥ . ٣٥٨ المجلد الثامن وكان بعض الصالحين إذا قرأ هذه الآية قال : زادنى لك خضوعا ، ما زاد أعداءك نفورا . ثم أمر الله - تعالى - رسول الله - ول﴿ - أن يوبخهم على شركهم ، وأن يسوق لهم الدليل الواضح على فساد عقولهم ، فقال - تعالى -: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ، إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ . وقد قرأ جمهور القراء ((كما تقولون)) وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ((كما يقولون)). وللمفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان ، أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه أن المعنى . قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين ، لو كان مع الله - تعالى - آلهة أخرى - كما يزعمون - إذا لطلبوا إلى ذى العرش - وهو الله عز وجلى - طريقا وسبيلا لتوصلهم إليه ، لكى ينازعوه فى ملكه ، ويقاسموه إياه ، كما هى عادة الشركاء ، وكما هو ديدن الرؤساء والملوك فيما بينهم . قال - تعالى -: ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون وقال سبحانه -: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا، فسبحان الله ربّ العرش عما يصفون ﴾(٢). وهذا الاتجاه قد صدر به صاحب الكشاف كلامه فقال ما ملخصه : قوله ﴿إذا لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء للو. أى: إذا لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالية ، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض .. (٣) . وأما الإتجاه الثانى فيرى أصحابه أن المعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين ، لو كان مع الله - تعالى - آلهة أخرى - كما يزعمون - ، إذا لا بتغوا - أى الآلهة المزعومة - إلى ذى العرش سبيلا وطريقا ليقتربوا إليه ، ويعترفوا بفضله ، ويخلصوا له العبادة ، كما قال - تعالى -: ﴿ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ، (١) ويخافون عذابه ، إن عذاب ربك كان محظورا (١) سورة المؤمنون الآية ٩١ . (٢ ) سورة الأنبياء الآية ٢٢ . (٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٥١ . (١) سورة الإسراء الآية ٥٧ . ٣٥٩ سورة الإسراء وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه فى تفسيره للآية فقال : يقول - تعالى - : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه ، لو كان الأمر كما تقولون ، من أن معه آلهة تعبد .. لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه يبتغون إليه الوسيلة والقربة . (٢). ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن الرأى الأول أظهر ، لأن فى الآية فرض المحال ، وهو وجود الآلهة مع الله - تعالى - ، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه - سبحانه - ، بل الذى يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة ، ولأن هذا الرأى يناسبه - أيضا - قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ﴾. أى : تنزه الله - تعالى - عما يقوله المشركون فى شأنه وتباعد، وعلا علوا كبيرا، فإنه - جل شأنه - لا ولد له ، فلا شريك له .. . قال - تعالى -: ﴿ قل هو الله أحد. الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد ﴾ . والتعبير بقوله - سبحانه -: ﴿إذا لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا ﴾ يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة ، وأنها دون عرشه - تعالى - وتحته ، وليست معه .. ثم بين - سبحانه - أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى -: ﴿ تسبح له السموات السبع ، والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ . والتسبيح: مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء ، فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئته من السوء ، ومن كل مالا يليق به - سبحانه - . أى تنزه الله - تعالى - وتمجده السموات السبع، والأرض ، ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك ، وما من شىء من مخلوقاته التى لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه - تعالى -، ولكن أنتم يابنى آدم ((لا تفقهون تسبيحهم)» لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم ، وفوق مستوى فهمكم ، وإنما الذى يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل ، وصدق - سبحانه - إذ يقول: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾. والمتدبر فى هذه الآية الكريمة ، يراها تبعث فى النفوس الخشية والرهبة من الخالق - عز وجل - ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد ، وكل حيوان ، وكل طير ، وكل حشرة .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٧٦ . ٣٦٠ المجلد الثامن بل كل كائن فى هذا الوجود يسبح بحمده - تعالى - . وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله ، وإخلاص العبادة له ، ومداومة ذكره ... حتى لا يكون - وهو الذى كرمه ربه وفضله - أقل من غيره طاعة لله - تعالى - . وقوله: ﴿ إنه كان حليما غفورا﴾ تذييل قصد به بيان فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده مع تقصيرهم فى تسبيحه وذكره . أى: ﴿ إنه كان حليما﴾ لا يعاجل المقصر بالعقوبة، بل يمهله لعله يرعوى وينزجر عن تقصيره ومعصيته ، ﴿ غفورا﴾ لمن تاب وآمن وعمل صالحا واهتدى إلى صراطه المستقيم. هذا ، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه الكائنات بلسان الحال . قال بعض العلماء تسبيح هذه الكائنات لله - تعالى - هو دلالتها - بإمكانها وحدوثها ، وتغير شئونها ، وبديع صنعها - على وجود مبدعها ، ووحدته وقدرته ، وتنزهه عن لوازم الإمكان والحدوث ، كما يدل الأثر على المؤثر . فهى دلالة بلسان الحال ، لا يفقهها إلا ذوو البصائر . أما الكافرون فلا يفقهون هذا التسبيح ، لفرط جهلهم وانطاس بصيرتهم .. (١) . ومنهم من يرى أن تسبيحها بلسان المقال ، أى أن التسبيح بمعناه الحقيقى ، فالكل يسبح بحمد اللّه، ولكن بلغته الخاصة التى لا يفهمها الناس . قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وقوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ أى: وما من شىء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ أى: لا تفقهون تسبيحهم - أيها الناس - لأنها بخلاف لغتكم وهذا عام فى الحيوانات والنبات والجماد . وهذا أشهر القولين كما ثبت فى صحيح البخارى وغيره ، عن ابن مسعود أنه قال : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . وفى حديث أبى ذر: أن النبى - ﴿ - أخذ فى يده حصيات ، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل . وكذا فى يد أبى بكر وعمر وعثمان - رضى الله عنهم - وهو حديث مشهور فى المسانيد .. . ثم قال ويشهد لهذا القول آية السجدة فى أول سورة الحج - وهو قوله - تعالى -: ﴿ألم (١) صفوة البيان لمعانى القرآن جـ ١ ص ٤٥٧ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف.