النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الإِسراء
التفسير
قال الله تعالى :
بِسْـ
سُبْحَنَ الَّذِىَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ مِنْءَايَتِنَاْإِنَّهُ.
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (
١
افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله ، كما يدل على
ذلك لفظ ((سبحان)» الذى من أحسن وجوه إعرابه ، أنه اسم مصدر منصوب - على أنه
مفعول مطلق - بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله - تعالى - سبحانا أى تسبيحا ، بمعنى
نزهته تنزيها عن كل سوء .
قال القرطبى : وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة
- أنه قال للنبى - وَلّ -: ما معنى سبحان الله؟ فقال: ((تنزيه الله من كل سوء))(١).
وقوله ﴿ أسرى﴾ من الإِسراء، وهو السير بالليل خاصة .
قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار فى الليل ، وهما لازمان ، لكن مصدر الأول
الإِسراء ومصدر الثانى السرى - بضم السين كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول ،
وإنما جاءت التعدية هنا من الباء . ومعنى أسرى به ، صيره ساريا فى الليل(٢).
والمراد ﴿ بعيده﴾ خاتم أنبيائه محمد - رولز - ، والإِضافة للتشريف والتكريم ..
وأوثر التعبير بلفظ العبد ، للدلالة على أن مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات
(١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٠٤.
(٢) حاشية الجمل جـ ٢ ص ٦٠٨ .

٢٨٢
المجلد الثامن
المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به ، وللإشارة
- أيضا - إلى تقرير هذه العبودية لله - تعالى - وتأكيدها ، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام
الألوهية ، كما التبسا فى العقائد المسيحية ، حيث ألهوا عيسى - عليه السلام - ، وألهوا أمه
مريم ، مع أنهما بريئان من ذلك ..
قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإمام ابن القيم فى كتاب ((طريق الهجرتين)): أكمل الخلق
أكملهم عبودية لله - تعالى -، ولهذا كان النبى - * - أقرب الخلق إلى الله - تعالى -
وأعظمهم عنده جاها، وأرفعهم عنده منزلة ، لكماله فى مقام العبودية. وكان - هو - يقول :
(( أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى. إنما أنا عبد)). وكان يقول: ((لا تطرونى كما
أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله)).
وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته : فى مقام الإِسراء حيث قال :
سبحان الذي أسرى بعبده
.
لما قام عبد الله يدعوه
وأنه
وفى مقام الدعوة حيث قال :
وفى مقام التحدى حيث قال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
﴾(١)
وقوله : ﴿ ليلا ) ظرف زمان لأسرى.
٤ ..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الإِسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ .
قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير ، تقليل مدة الإِسراء ، وأنه أسرى به بعض الليل من
مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ... ) (٢).
وقوله: ﴿ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) بيان لابتداء الإسراء وانتهائه.
أى : جل شأن الله - عز وجل - وتنزه عن كل نقص ، حيث أسرى بعبده محمد
- ◌َ﴿ - فى جزء من الليل، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى
بفلسطين .
ووصف مسجد مكة بالحرام ، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ، ولا بقطع
شجره .
(١) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٨٤.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٦.

٢٨٣
سورة الإسراء
ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما كان يقطعها
الراكب للإِبل فى مدة شهر أو أكثر .
قال الآلوسى : ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز . وقال غير
واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة .
وقيل - وصف بذلك -: لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها .. (١).
وظاهر الآية يفيد أن الإِسراء كان من المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان والترمذى
والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن رسول الله - روض الفر - قال: ((بينا
أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم ، بين النائم واليقظان ، إذ أتانى آت فشق ما بين هذه
إلى هذه ، فاستخرج قلبى فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال
له البراق فحملت عليه)» ...
وقيل أُسرِى به من بيت أم هانىء بنت أبى طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام : الحرم
لإحاطته بالمسجد والتباسه به . فعن ابن عباس - رضى الله عنهما - : الحرم كله مسجد .
ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأن الرسول - وَل﴿ه - بقى فى بيت أم هانىء لفترة من
الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان فى الحِجْر أو فى الحطيم بين النائم
واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات
العلا . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات .
وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول - مياه - فى تلك الليلة فى بيت أم هانىء، لا ينفى
أن الإِسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية الكريمة .
وقوله ﴿ الذى باركنا حوله) صفة مدح للمسجد الأقصى.
أى: جل شأن الله الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذى
أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية .
أما البركات الدينية فمن مظاهرها: أن هذه الأرض التى حوله ، جعلها الله - تعالى -
مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى
وعيسى .
قال - تعالى -: (ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا
فيها .. ﴾(٢).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٩.
(٢) سورة الأنبياء الآية ٨١ .

٢٨٤
المجلد الثامن
وقال - سبحانه - فى شأن إبراهيم: ﴿ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها
للعالمين﴾(١).
والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التى منها فلسطين .
وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك
الأماكن .
قال بعض العلماء : وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء السابقين ،
ومسرى خاتم النبين ، ومعراجه إلى السموات العلا .. وأولى القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث
الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿لنريه من آياتنا﴾ إشارة الى الحكمة التى من أجلها أسرى الله
- تعالى - بنبيه - الصّ - فقوله ﴿لنريه﴾ متعلق بأسرى.
و((من)) للتبعيض لأن ما رآه النبى - وص له - وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض
آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب .
أى : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ،
ثم عرجنا به إلى السموات العلا ، لتطلعه على آياتنا ، وعلى عجائب قدرتنا ، والتى من بينها :
مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون .
ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه - وَّليه - فى تلك الليلة
المباركة، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول الله - وصل * - قال : ...
ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على
آدم السلام فقال: مرحبا وأهلا بابنى ، فنعم الابن أنت ...
وفى رواية للإِمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله - صل1 -: ((لما عرج بى ربى - عز
وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء
يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون فى أعراضهم .. (٣))).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال
- تعالى - : ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾.
(١) سورة الأنبياء الآية ٧١ .
(٢) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٨٥ .
(٣) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص ٨ طبعة دار الشعب .

٢٨٥
سورة الإسراء
أى : إنه - سبحانه - هو السميع لأقوال عباده : مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ومكذبهم .
بصير بما يسرونه ويعلنونه ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، بدون ظلم
أو محاباة .
هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها :
١ - أن هذه الآية دلت على ثبوت الإِسراء للنبى - وَير - من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى ، وأما العروج به - وسلم - إلى السموات العلا فقد استدل عليه بعضهم
بآيات سورة النجم ، وهى قوله - تعالى - : ﴿والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم
وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة
فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده
ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى ﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ومتونها ، وقال فى
أعقاب ذكر بعضها :
قال البيهقى : وفى هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به - عليه الصلاة
والسلام - من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لاشك فيه ولا مرية (١).
وقال القرطبى : ثبت الإِسراء فى جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة فى كل أقطار
الإِسلام ، فهو من المتواتر بهذا الوجه ، وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيا (٢) .
٢ - قال بعض العلماء ما ملخصه : ذهب الاكثرون إلى أن الإِسراء كان بعد المبعث ، وأنه
قبل الهجرة بسنة . قاله الزهرى وابن سعد وغيرهما . وبه جزم النووى ، وبالغ ابن حزم فنقل
الإجماع فيه . وقال : كان فى رجب سنة اثنتى عشرة من النبوة .
وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين من شهر رجب(٣).
والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإسراء والمعراج ، كان بعد وفاة أبى طالب والسيدة
خديجة - رضى الله عنها - .
ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاثة . وفى هذه الفترة التى أعقبت وفاتهما اشتد أذى
(١) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص ٧ طبعة دار الشعب .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٠٥
(٣) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٢٨٨٨ .

٢٨٦
المجلد الثامن
المشركين بالنبى - * - فكان هذا الحادث لتسليته - وصل18 - عما أصابه منهم ، ولتشريفه
وتكريمه . .
٣ - من المسائل التى ثار الجدل حولها ، مسألة: أكان الإسراء والمعراج فى اليقظة أم فى
المنام ؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط ؟ .
وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء فى هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا الإِسراء به
- وَّ - المذكور فى هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده، زاعما أنه
فى المنام لا فى اليقظة ، لأن رؤيا الأنبياء وحى .
وزعم بعضهم أن الإِسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد .
ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده - وَال# - يقظة لا مناما ، لأنه قال :
بعبده ﴾ والعبد مجموع الروح والجسد .
ولأنه قال: ﴿سبحان﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن
له كبير شأن حتى يتعجب منه .
ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة، ولا سببا لتكذيب قريش له - * - لأن رؤيا المنام
ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح .
ولأنه - سبحانه - قال ﴿لنريه من آياتنا﴾ والظاهر أن ما أراه الله - تعالى - لنبيه
- * - إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿ ما زاغ البصر
وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ولأنه ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول
- * - قد استعمل فى رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان
بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام .
وما ثبت فى الصحيحين عن طريق شريك عن أنس - رضى الله عنه - أن الإِسراء
المذكور وقع مناما ، لا ينافى ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة ، ودلت عليه نصوص الكتاب
والسنة من أنه كان يقظة وبالروح والجسد، لإمكان أنه - ليزر - رأى الإسراء المذكور مناما ،
ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح ، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية (١) .
(١) تفسير أضواء البيان جـ ٣ ص ٣٤٨ لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

٢٨٧
سورة الإسراء
هذا ، ومن العلماء الذين فصلوا القول فى تلك المسألة تفصيلا محققا ، القاضى عياض فى
كتابه (« الشفا)» فقد قال - رحمه الله - بعد أن ساق الآراء فى ذلك:
والحق فى هذا والصحيح - إن شاء الله - أنه إسراء بالروح والجسد فى القصة كلها ، وعليه
تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار . ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند
الاستحالة ، وليس فى الإِسراء بجسده وروحه حال يقظته استحالة .. (١).
وما قاله القاضى عياض - رحمه الله - فى هذه المسألة هو الذى نعتقده ، ونلقى الله
- تعالى - عليه .
وبعد أن بين الله - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه وتشريفه لنبيه محمد - اضطر - عن
طريق إسرائه به . أتبع ذلك بالحديث عما أكرم به نبيه موسى - عليه السلام - فقال : ..
وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ
هُدَّى لِّبَنِي إِسْرَِّ يلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلًا
٢
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
٣
والواو فى قوله - تعالى -: ﴿وآتينا موسى الكتاب)، استئنافية ، أو عاطفة على
قوله : ﴿ سبحان الذى, أسرى .. ﴾.
والمراد بالكتاب : التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام -
والضمير المنصوب فى قوله : ﴿وجعلناه ﴾ يعود إلى الكتاب.
وقوله ﴿ لبنى إسرائيل﴾ متعلق بهدى.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه
وجعلناه هدى لبنى إسرائيل
و﴿ أن﴾ فى قوله ﴿ أن لا تتخذوا من دونى وكيلا﴾ يصح أن تكون زائدة وتكون الجملة
مقولة لقول محذوف ، والمعنى :
(١) راجع الشفا للقاضى عياض جـ ١ ص ١٤٥ وما بعدها .

٢٨٨
المجلد الثامن
وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط المستقيم .
وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا ، أى : معبودا ، تفوضون إليه أموركم ،
وتكلون إليه شئونكم ، فهو - سبحانه -: ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه
وكيلا ﴾ .
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قرأ أبو عمرو ((ألا يتخذوا)) بالياء خبرا عن بنى
إسرائيل : وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، أى : قلنا لهم لا تتخذوا . ويصح أن تكون
أن ﴾ ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا ... وأن تكون ﴿ أن ﴾ بمعنى
أى التى للتفسير - أى هى مفسرة لما تضمنه الكتاب من النهى عن اتخاذ وكيل سوى الله
- تعالى - (١) .
وقوله : ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ... ﴾ منصوب على الاختصاص ، أو على النداء
والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإِيمان والعمل الصالح ، وتنبيههم إلى نعمه
- سبحانه - عليهم ، حيث جعلهم من ذرية أولئك الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه
السلام - وحضهم على السير على منهاجهم فى الإِيمان والعمل الصالح ، فإن شأن الأبناء أن
يقتدوا بالآباء فى التقوى والصلاح .
والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى - ، فأنتم أبناء أولئك القوم
الصالحين ، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من
الغرق .
قال الآلوسى : وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه : أحدها تذكيرهم بالنعمة
فى إنجاء آبائهم . والثانى : تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث : أنهم أضعف
منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال
والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر(٢) .
وقوله: ﴿ إنه كان عبدا شكورا﴾ تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - أى:
إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا ، المستعملين لها فيما خلقت له ،
المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ١٥٣ طبعة دار الكتاب العالمية .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٥ .

٢٨٩
سورة الإِسراء
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾ ما وجه ملاءمته لما
قبله ؟ .
قلت : كأنه قيل لا تتخذوا من دونى وكيلا ، ولا تشركوا بى ، لأن نوحا كان عبدا شكورا ،
وأنتم مَنْ آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون
تعليلا لاختصاصهم ، والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم
متصلون به ، فاستأهلوا لذلك الاختصاص .. (١) .
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسلوب يرضى
العقول السليمة ، والعواطف الشريفة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سنة من سننه التى لا
تتخلف فى خلقه فقال - تعالى -:
وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَءِيِلَ فِى الْكِتَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ®) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا
عَلَيَكُمْ عِبَادًا لَنَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ
وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُوْلًا (٥) ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيًا )
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمُ فَلَهَاَ فَإِذَا جَآءَ
وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ لِيَسُنُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ
٧
كَمَادَ خَلُوهُ أَوَّلَ مَزَّةٍ وَلِيُتَِّرُواْمَا عَلَوْ أَ تَبِبِيرًا
عَسَى رَبّكُمْأَنْ يَرْ حَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْتًاوَحَمَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَفِرِينَ
حَصِيرًا﴾
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٣٨.
..

٢٩٠
المجلد الثامن
وقوله - سبحانه -: ﴿ وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض
مرتين ... ﴾ إخبار من الله - تعالى - لهم ، بما سيكون منهم ، حسب ما وقع فى علمه المحيط
بكل شىء ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو صفة انكشافية ، تنبىء عن مآلهم
وأحوالهم .
قال أبو حيان: والفعل ﴿ قضى﴾ يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى - : ﴿ فلما
قضى موسى الأجل .. ﴾ ولما ضَمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى : وأوحينا أو
أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم .. (١).
والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ .
واللام فى قوله ﴿ لتفسدن ... ﴾ جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.
ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: ﴿وقضينا ... ﴾ لأنه مضمن معنى القسم،
كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...
والمقصود بالأرض : عمومها أو أرض الشام .
و((مرتين)) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ﴿لتفسدن﴾ من غير لفظه، والمراد
لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: ﴿ولتعلن .. ﴾ من العلو وهو ضد السفل ، والمراد
به هنا : التكبر والتجبر والبغى والعدوان .
والمعنى : وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا : وأوحينا إليهم بواسطه
رسلنا ، بأن قلنا لهم : لتفسدن فى الأرض مرتين ، ولتستكبرن على الناس بغير حق ، إستكبارا
كبيرا ، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار .
والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب ، يدل على ثبوته ، إذ أصل
القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشىء والفراغ منه .
وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب
بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان .
(١) تفسير البحر المحيط لابى حيان جـ ٦ ص ٨ طبعة دار الفكر - بيروت.

٢٩١
سورة الإسراء
وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض : تحريفهم للتوراة ، وتركهم العمل بما فيها من
أحكام ، وقتلهم الأنبياء والمصلحين .
ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، من يقهرهم
ويستبيح حرماتهم ، ويدمرهم تدميرا ، فقال - تعالى - : ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا
عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد . فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ﴾ .
والمراد بالوعد : الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض ، فالكلام على حذف
مضاف، والضمير فى ﴿ أولاهما﴾ يعود على المرتين المعبر عنها بقول: ﴿لتفسدن فى الأرض
مرتين ﴾ .
وقوله ﴿ فجاسوا ﴾ معطوف على ﴿ بعثنا﴾ وأصل الجوس : طلب الشىء باستقصاء
واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب .
والمعنى : فإذا حان وقت عقابكم - يابنى إسرائيل - على أولى مرتی إفسادكم بعثنا عليكم
ووجهنا إليكم ﴿ عبادا لنا أولى بأس شديد ﴾ أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال،
فأذلوكم وقهروكم ، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار ، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة ،
وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم ، وهتك أعراضكم ، وتخريب
دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له ، ولا مفر لكم منه .
قال الآلوسى : واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد
إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة : هم جالوت وجنوده ، وقال ابن جبير وابن
إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده . وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر(١) .
وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين ، بعد تفسيرنا لهذه الآيات
الكريمة .
فإن قال قائل : وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوارة أنهم يفسدون فى
الأرض مرتين . وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان ، بأن يسلط عليهم من
يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم ؟ .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٧ .

٢٩٢
المجلد الثامن
فالجواب : أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا ، وإنما
يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير ، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا
وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم .
وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار ، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة
المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك ، وأن يحذروا أمهم من ذلك ، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى
طريق الغى ، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل - .
ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى - 3 194 -
ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين ، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى
أن الإِفساد عاقبته الخسران .
فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول - له - الذى ثبتت نبوته ثبوتا لاشك
فيه ، لكى يسعدوا في دنياهم وآخرتهم .
ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار ، وهى أن الأمم المغلوبة على
أمرها . تستطيع أن تسترد مجدها ، متى أصلحت من شأن أنفسها ، ومتى استقامت على أمر الله
- تعالى - فقال - سبحانه - : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم بأموال وبنين ،
وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ .
ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم ، بعد أن أصابهم
ما أصابهم من أعدائهم .
أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ .
والكَرَّة : المرة من الشىء: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع ، مصدر كريكر - من باب
قتل - ، يقال : كرَّ الفارس كَرًّا ، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال .
والمراد بالكرة هنا : الدولة والغلبة على سبيل المجاز .
أى : ثم أعدنا لكم - يابنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم
وأذلوكم ، بعد أن أحسنتم العمل ، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم .
والتعبير بثم لإفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان ، وما أفاءه الله عليهم
بعد ذلك من نصر وظفر .
قال أبو حيان : وجعل - سبحانه - ﴿ رددنا﴾ موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع

٢٩٣
سورة الإسراء
الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى(١).
وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ﴿وأمددناكم بأموال وبنين ﴾.
أى : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، أمددناكم بالكثير
من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم .
وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾.
والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على التمييز .
والمفضل عليه محذوف ، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال
دیارکم . .
فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن تشكروا الله
- تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم ،
وكثّركم بعد قتلكم .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان عاقبته
الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ونتائج هذا العمل -
سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : ﴿ إن أحسنتم أحسنتم
لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ﴾ .
أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله
- تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل ، وإن
أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم
وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى - .
وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن ﴿ بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد
فجاسوا خلال الديار
٠
وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن ﴿رددنا لكم الكرة ) على أعدائكم ﴿وأمددناكم
بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ .
قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب ((وإن أسأتم)) قوله ((فلها)) وهو خبر لمبتدأ
محذوف أى: فالإِساءة لها . قال الكرمانى: قال - سبحانه -: ﴿ فلها ﴾ باللام ازدواجا.
(١) تفسير أبي حيان جـ ٦ ص ١٠.

٢٩٤
المجلد الثامن
أى: أنه قابل ﴿ لأنفسكم﴾ بقوله ﴿ فلها). وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها
ترجع الإساءة .
وقيل : اللام بمعنى على. أى: فعليها ، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم (١).
ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - :
فإذا جاء وعد الآخرة ، ليسوءوا وجوهكم ، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ،
وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ .
والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله
بعثنا عليكم عبادا لنا ﴾ فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى
الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على
وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل .
قال الجمل ما ملخصه : وقوله ﴿ ليسوءوا﴾ الواو للعباد أولى البأس الشديد.
وفى عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم
هنا بختنصر وجنوده .
وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ﴿ ليسوء﴾ والفاعل إما
الله - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث .
وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة . أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله :
بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون . ليسوءوا ،
مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : ﴿ وليدخلوا
المسجد﴾ ﴿وليتبروا﴾(٢).
وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإساءة إلى
الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل
الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب ، ظهر الكلوح
فى الوجه (٣).
وقوله - سبحانه -: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ معطوف على ما قبله
ليسوءوا وجوهكم
وهو قوله - سبحانه -
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ص ١١.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦١٧ .
( ٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٢ ص ١٥٩ .

٢٩٥
سورة الإسراء
والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس ، وقوله ((كما دخلوه )» صفة لمصدر
محذوف .
والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة .
قال أبو حيان : ومعنى ﴿ كما دخلوه أول مرة﴾ أى بالسيف والقهر والغلبة والإذلال(١).
أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم
وقهر وهم .
وقوله - تعالى -: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك
العباد ببنى إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه . ومنه
قول الشاعر :
وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبنى وآخر رافع
أى : يخرب ويهد ما يبنى .
و((ما)) فى قوله ﴿ ما علوا﴾ اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد
والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله .
أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى حوزتهم ، تدميرا تاما
لا مزيد عليه .
وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل ، عقب إفسادهم
الثانى فى الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى
قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا
فظيعا لا يوصف .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب
إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا فى توبتهم وإنابتهم ، إن فتحوا
قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا
تتخلف ، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك .
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه . فقال - تعالى - : ﴿ عسى
ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا ، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾ .
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٥ ص ١١ .

٢٩٦
المجلد الثامن
أى: عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة
والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب ،
ولا يرفعه إلا بتوبة .
قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هى من باب ترحم المطيع
منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا
إلى فسادهم وإفسادهم .
أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن تداركتكم رحمتی ،
عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار .
ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها
الرسول - 38 -، ولم يكتفوا بهذا الإعراض بل هموا بقتله - ليزر - وأيدوا كل متربص
بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى - بصل - وأصحابه بما يستحقون من
إجلاء وتشريد وقتل . .
قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: ((عادوا فلسط اللّه عليهم المؤمنين)).
ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾
أى : إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، أما فى الآخرة فقد جعلنا
جهنم للكافرين منكم ومن غيركم ((حصيرا)) أى: سجنا حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب
منه ، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه ، كما قال - تعالى - : ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن
فوقهم غواش . وكذلك نجزى الظالمين ﴾ .
قال بعض العلماء : قوله ﴿ حصيرا﴾ فيه وجهان: الأول : أن الحصير المحبس
والسجن . من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه وأحاط به .
والثانى أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذى يفرش ، لأن العرب تسمى
البساط الصغير حصيرا .. ))(٢) .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فی بنی إسرائيل ، وساقت
لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى من أبرزها أن
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ص ١١.
-
(٢) تفسير أضواء البيان جـ ٣ صـ٣٧٢ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

٢٩٧
سورة الإِسراء
الايمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ولعذاب الآخرة أشد
وأبقى
هذا ، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى
إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض ، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها
الاضطراب والضعف(١) .
ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابنٍ عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله
- تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة ﴿لتفسدن فى الأرض مرتين) فكان أول
الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى ((صحابين)) فبعث الجنود ،
وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم ((بختنصر)) - أحد جنود
صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ(٢).
وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى اسرائيل سابق على زمان
زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون .
لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : الأولى فى
سنة ٦٠٦ ق.م والثانية فى سنة ٥٩٩ ق. م، والثالثة فى سنة ٥٨٨ ق. م .
وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل .
أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو
مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى .
وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك البنط ومع
((بختنصر)) يتنافى مع الحقائق التاريخية .
وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن ((صحابين)) ملك النبط ، هو الذى
يسميه المؤرخون ((سنحاريب)) وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة
٧١٣ ق . م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أى : أن بختنصر لم يكن معاصرا
له .
والرأى الذى نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم
(١) ذكرنا معظم هذه الأقوال فى كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ ٢ ص ٣٥٩ وناقشناها، وضعفنا ما يستحق
التضعيف منها ، ورجحنا ما يستحق الترجيح .
( ٢) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١٧ - بتصرف وتلخيص .

٠ ٢
٢٩٨
المجلد الثامن
الأول ، هم جالوت وجنوده . ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى : .
١ - ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت
قائد بنى إسرائيل، وبين ((جالوت)) قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل
ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم .
ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى - : ﴿ ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد
موسى ، إذ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله ، قال هل عسيتم إن كتب عليكم
القتال أن لاتقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا
وأبنائنا .. .
فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من
ديارنا وأبنائنا .. ﴾ يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم
إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة أبنائهم .
٢ - قوله - تعالى -: ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ صريح فى أن الله - تعالى -
نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم .
وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا ، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد
انتصروا على جالوت وجنوده . .
قال - تعالى -: ﴿ ولما برزوا(١) لجالوت وجنوده ، قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ، وثبت
أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله
الملك والحكمة ، وعلمه ممايشاء .. ﴾ .
ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم
وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد
قليل منهم . ولاشك أن النصر فى هذه الحالة ، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه .
٣ - قوله - تعالى -: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ أكثر ما يكون
انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم .
ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم وأمدهم الله
خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة .
(١) أى بنو إسرائيل.

٢٩٩
سورة الإسراء
أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى
والنكبات . .
فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة ٩٧٥ ق. م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى
قسمين : مملكة يهوذا فى الجنوب ، ومملكة إسرائيل فى الشمال ، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى
قضى الأشوريون سنة ٧٢١ ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى ((بختنصر)) على مملكة يهوذا
سنة ٥٨٨ ق . م .
٤ - ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم
جالوت وجنوده .
أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا
عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد﴾ قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت ، فجاس خلال
ديارهم ، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا ، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ،
وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم . فلما أفسدوا بعث الله
عليهم فى المرة الآخرة (( بختنصر)) فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا .. (١).
هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى
إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، هم جالوت وجنوده .
أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم
(( بختنصر )) وجنوده .
وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، وسوقهم أسارى
إلى بابل سنة ٥٨٨ ق . م .
إلا أننا نؤثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى ، هم الرومان
بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة ٧٠ م . لأمور من أهمها : .
١ - أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل
((تبطس)) بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال ((بختنصر)) لهم. فهم - على
سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليها
السلام - ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من
شرورهم .
(١) تفسير الدر المنثور السيوطى جـ ٤ ص ١٦٣ .

٣٠٠
المجلد الثامن
٢ - ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل . من ضربات
((بختنصر)) لهم .
فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة (( تيطس )» بلغ مليون قتيل ، وبلغ عدد
الأسرى نحو مائة ألف أسير (١).
بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد ((بختنصر)) كان أقل من هذا العدد بكثير .
ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه
البابليون بقيادة بختنصر بهم .
يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد ((تيطس)) الرومانى: كان ((تيطس)) فى
الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة ٧٠ م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه ، بعد أن بدأت
المدينة تعانى من أهوال الحصار .
وبعد أن اقتحم (( تيطس)) وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا وانهبوا
واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه ،
وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل
الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ،
وستطأ أورشليم الأقدام(٢) .
٣ - النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها
بختنصر بهم . لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء
خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة ((قورش)) ملك الفرس ، الذى انتصر
على ((بختنصر)) سنة ٥٣٨ ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد .
أما بعد تنكيل ((تيطس)) بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا فى الأرض شر ممزق ، وانقطع
دابرهم كأمة .
وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه ((تيطس )) بهم
من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد
((تيطس)) تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ المالك التى توطنوها
أو نزلوا فيها (٣) .. .
(١) من كتاب ((تاريخ الإسرائيليين)) ص ٧٦ لشاهين مكاريوس .
(٢) من مقال للاستاذ عمر طلعت زهران عنوانه ((تدمير أورشليم)) نشر بمجلة الأزهر المجلد ٢١ ص ٤٧ .
( ٣) تاريخ الإسرائيليين ص ٧٧ لشاهين مكاريوس.
٠
٠