النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة الإِسراء التفسير قال الله تعالى : بِسْـ سُبْحَنَ الَّذِىَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ مِنْءَايَتِنَاْإِنَّهُ. هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١ افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله ، كما يدل على ذلك لفظ ((سبحان)» الذى من أحسن وجوه إعرابه ، أنه اسم مصدر منصوب - على أنه مفعول مطلق - بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله - تعالى - سبحانا أى تسبيحا ، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء . قال القرطبى : وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة - أنه قال للنبى - وَلّ -: ما معنى سبحان الله؟ فقال: ((تنزيه الله من كل سوء))(١). وقوله ﴿ أسرى﴾ من الإِسراء، وهو السير بالليل خاصة . قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار فى الليل ، وهما لازمان ، لكن مصدر الأول الإِسراء ومصدر الثانى السرى - بضم السين كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول ، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء . ومعنى أسرى به ، صيره ساريا فى الليل(٢). والمراد ﴿ بعيده﴾ خاتم أنبيائه محمد - رولز - ، والإِضافة للتشريف والتكريم .. وأوثر التعبير بلفظ العبد ، للدلالة على أن مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٠٤. (٢) حاشية الجمل جـ ٢ ص ٦٠٨ . ٢٨٢ المجلد الثامن المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به ، وللإشارة - أيضا - إلى تقرير هذه العبودية لله - تعالى - وتأكيدها ، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ، كما التبسا فى العقائد المسيحية ، حيث ألهوا عيسى - عليه السلام - ، وألهوا أمه مريم ، مع أنهما بريئان من ذلك .. قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإمام ابن القيم فى كتاب ((طريق الهجرتين)): أكمل الخلق أكملهم عبودية لله - تعالى -، ولهذا كان النبى - * - أقرب الخلق إلى الله - تعالى - وأعظمهم عنده جاها، وأرفعهم عنده منزلة ، لكماله فى مقام العبودية. وكان - هو - يقول : (( أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى. إنما أنا عبد)). وكان يقول: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله)). وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته : فى مقام الإِسراء حيث قال : سبحان الذي أسرى بعبده . لما قام عبد الله يدعوه وأنه وفى مقام الدعوة حيث قال : وفى مقام التحدى حيث قال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ﴾(١) وقوله : ﴿ ليلا ) ظرف زمان لأسرى. ٤ .. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الإِسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ . قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير ، تقليل مدة الإِسراء ، وأنه أسرى به بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ... ) (٢). وقوله: ﴿ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) بيان لابتداء الإسراء وانتهائه. أى : جل شأن الله - عز وجل - وتنزه عن كل نقص ، حيث أسرى بعبده محمد - ◌َ﴿ - فى جزء من الليل، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى بفلسطين . ووصف مسجد مكة بالحرام ، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ، ولا بقطع شجره . (١) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٨٤. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٦. ٢٨٣ سورة الإسراء ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما كان يقطعها الراكب للإِبل فى مدة شهر أو أكثر . قال الآلوسى : ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز . وقال غير واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة . وقيل - وصف بذلك -: لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها .. (١). وظاهر الآية يفيد أن الإِسراء كان من المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن رسول الله - روض الفر - قال: ((بينا أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم ، بين النائم واليقظان ، إذ أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه ، فاستخرج قلبى فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه)» ... وقيل أُسرِى به من بيت أم هانىء بنت أبى طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام : الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . فعن ابن عباس - رضى الله عنهما - : الحرم كله مسجد . ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأن الرسول - وَل﴿ه - بقى فى بيت أم هانىء لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان فى الحِجْر أو فى الحطيم بين النائم واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات العلا . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات . وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول - مياه - فى تلك الليلة فى بيت أم هانىء، لا ينفى أن الإِسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية الكريمة . وقوله ﴿ الذى باركنا حوله) صفة مدح للمسجد الأقصى. أى: جل شأن الله الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذى أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية . أما البركات الدينية فمن مظاهرها: أن هذه الأرض التى حوله ، جعلها الله - تعالى - مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى وعيسى . قال - تعالى -: (ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها .. ﴾(٢). (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٩. (٢) سورة الأنبياء الآية ٨١ . ٢٨٤ المجلد الثامن وقال - سبحانه - فى شأن إبراهيم: ﴿ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾(١). والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التى منها فلسطين . وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك الأماكن . قال بعض العلماء : وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبين ، ومعراجه إلى السموات العلا .. وأولى القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه(٢). وقوله - سبحانه -: ﴿لنريه من آياتنا﴾ إشارة الى الحكمة التى من أجلها أسرى الله - تعالى - بنبيه - الصّ - فقوله ﴿لنريه﴾ متعلق بأسرى. و((من)) للتبعيض لأن ما رآه النبى - وص له - وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب . أى : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، ثم عرجنا به إلى السموات العلا ، لتطلعه على آياتنا ، وعلى عجائب قدرتنا ، والتى من بينها : مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون . ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه - وَّليه - فى تلك الليلة المباركة، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول الله - وصل * - قال : ... ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على آدم السلام فقال: مرحبا وأهلا بابنى ، فنعم الابن أنت ... وفى رواية للإِمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله - صل1 -: ((لما عرج بى ربى - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون فى أعراضهم .. (٣))). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال - تعالى - : ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾. (١) سورة الأنبياء الآية ٧١ . (٢) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٨٥ . (٣) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص ٨ طبعة دار الشعب . ٢٨٥ سورة الإسراء أى : إنه - سبحانه - هو السميع لأقوال عباده : مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ومكذبهم . بصير بما يسرونه ويعلنونه ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، بدون ظلم أو محاباة . هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها : ١ - أن هذه الآية دلت على ثبوت الإِسراء للنبى - وَير - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وأما العروج به - وسلم - إلى السموات العلا فقد استدل عليه بعضهم بآيات سورة النجم ، وهى قوله - تعالى - : ﴿والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى ﴾. وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ومتونها ، وقال فى أعقاب ذكر بعضها : قال البيهقى : وفى هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به - عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لاشك فيه ولا مرية (١). وقال القرطبى : ثبت الإِسراء فى جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة فى كل أقطار الإِسلام ، فهو من المتواتر بهذا الوجه ، وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيا (٢) . ٢ - قال بعض العلماء ما ملخصه : ذهب الاكثرون إلى أن الإِسراء كان بعد المبعث ، وأنه قبل الهجرة بسنة . قاله الزهرى وابن سعد وغيرهما . وبه جزم النووى ، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه . وقال : كان فى رجب سنة اثنتى عشرة من النبوة . وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين من شهر رجب(٣). والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإسراء والمعراج ، كان بعد وفاة أبى طالب والسيدة خديجة - رضى الله عنها - . ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاثة . وفى هذه الفترة التى أعقبت وفاتهما اشتد أذى (١) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص ٧ طبعة دار الشعب . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٠٥ (٣) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٢٨٨٨ . ٢٨٦ المجلد الثامن المشركين بالنبى - * - فكان هذا الحادث لتسليته - وصل18 - عما أصابه منهم ، ولتشريفه وتكريمه . . ٣ - من المسائل التى ثار الجدل حولها ، مسألة: أكان الإسراء والمعراج فى اليقظة أم فى المنام ؟ وبالروح والجسد أم بالروح فقط ؟ . وقد لخص بعض المفسرين أقوال العلماء فى هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا الإِسراء به - وَّ - المذكور فى هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده، زاعما أنه فى المنام لا فى اليقظة ، لأن رؤيا الأنبياء وحى . وزعم بعضهم أن الإِسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد . ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده - وَال# - يقظة لا مناما ، لأنه قال : بعبده ﴾ والعبد مجموع الروح والجسد . ولأنه قال: ﴿سبحان﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه . ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة، ولا سببا لتكذيب قريش له - * - لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح . ولأنه - سبحانه - قال ﴿لنريه من آياتنا﴾ والظاهر أن ما أراه الله - تعالى - لنبيه - * - إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿ ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ولأنه ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول - * - قد استعمل فى رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام . وما ثبت فى الصحيحين عن طريق شريك عن أنس - رضى الله عنه - أن الإِسراء المذكور وقع مناما ، لا ينافى ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة ، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أنه كان يقظة وبالروح والجسد، لإمكان أنه - ليزر - رأى الإسراء المذكور مناما ، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح ، فأسرى به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية (١) . (١) تفسير أضواء البيان جـ ٣ ص ٣٤٨ لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ٢٨٧ سورة الإسراء هذا ، ومن العلماء الذين فصلوا القول فى تلك المسألة تفصيلا محققا ، القاضى عياض فى كتابه (« الشفا)» فقد قال - رحمه الله - بعد أن ساق الآراء فى ذلك: والحق فى هذا والصحيح - إن شاء الله - أنه إسراء بالروح والجسد فى القصة كلها ، وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار . ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس فى الإِسراء بجسده وروحه حال يقظته استحالة .. (١). وما قاله القاضى عياض - رحمه الله - فى هذه المسألة هو الذى نعتقده ، ونلقى الله - تعالى - عليه . وبعد أن بين الله - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه وتشريفه لنبيه محمد - اضطر - عن طريق إسرائه به . أتبع ذلك بالحديث عما أكرم به نبيه موسى - عليه السلام - فقال : .. وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِّبَنِي إِسْرَِّ يلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلًا ٢ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣ والواو فى قوله - تعالى -: ﴿وآتينا موسى الكتاب)، استئنافية ، أو عاطفة على قوله : ﴿ سبحان الذى, أسرى .. ﴾. والمراد بالكتاب : التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - والضمير المنصوب فى قوله : ﴿وجعلناه ﴾ يعود إلى الكتاب. وقوله ﴿ لبنى إسرائيل﴾ متعلق بهدى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه وجعلناه هدى لبنى إسرائيل و﴿ أن﴾ فى قوله ﴿ أن لا تتخذوا من دونى وكيلا﴾ يصح أن تكون زائدة وتكون الجملة مقولة لقول محذوف ، والمعنى : (١) راجع الشفا للقاضى عياض جـ ١ ص ١٤٥ وما بعدها . ٢٨٨ المجلد الثامن وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط المستقيم . وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا ، أى : معبودا ، تفوضون إليه أموركم ، وتكلون إليه شئونكم ، فهو - سبحانه -: ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ﴾ . قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قرأ أبو عمرو ((ألا يتخذوا)) بالياء خبرا عن بنى إسرائيل : وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ، أى : قلنا لهم لا تتخذوا . ويصح أن تكون أن ﴾ ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا ... وأن تكون ﴿ أن ﴾ بمعنى أى التى للتفسير - أى هى مفسرة لما تضمنه الكتاب من النهى عن اتخاذ وكيل سوى الله - تعالى - (١) . وقوله : ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ... ﴾ منصوب على الاختصاص ، أو على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإِيمان والعمل الصالح ، وتنبيههم إلى نعمه - سبحانه - عليهم ، حيث جعلهم من ذرية أولئك الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم على السير على منهاجهم فى الإِيمان والعمل الصالح ، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى والصلاح . والمعنى : لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى - ، فأنتم أبناء أولئك القوم الصالحين ، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من الغرق . قال الآلوسى : وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه : أحدها تذكيرهم بالنعمة فى إنجاء آبائهم . والثانى : تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث : أنهم أضعف منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر(٢) . وقوله: ﴿ إنه كان عبدا شكورا﴾ تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - أى: إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا ، المستعملين لها فيما خلقت له ، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ١٥٣ طبعة دار الكتاب العالمية . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٥ . ٢٨٩ سورة الإِسراء قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾ ما وجه ملاءمته لما قبله ؟ . قلت : كأنه قيل لا تتخذوا من دونى وكيلا ، ولا تشركوا بى ، لأن نوحا كان عبدا شكورا ، وأنتم مَنْ آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم ، والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم متصلون به ، فاستأهلوا لذلك الاختصاص .. (١) . وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسلوب يرضى العقول السليمة ، والعواطف الشريفة . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سنة من سننه التى لا تتخلف فى خلقه فقال - تعالى -: وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَءِيِلَ فِى الْكِتَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ®) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيَكُمْ عِبَادًا لَنَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُوْلًا (٥) ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيًا ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمُ فَلَهَاَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ لِيَسُنُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ ٧ كَمَادَ خَلُوهُ أَوَّلَ مَزَّةٍ وَلِيُتَِّرُواْمَا عَلَوْ أَ تَبِبِيرًا عَسَى رَبّكُمْأَنْ يَرْ حَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْتًاوَحَمَلْنَا جَهَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٣٨. .. ٢٩٠ المجلد الثامن وقوله - سبحانه -: ﴿ وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ... ﴾ إخبار من الله - تعالى - لهم ، بما سيكون منهم ، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شىء ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو صفة انكشافية ، تنبىء عن مآلهم وأحوالهم . قال أبو حيان: والفعل ﴿ قضى﴾ يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى - : ﴿ فلما قضى موسى الأجل .. ﴾ ولما ضَمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى : وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم .. (١). والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ . واللام فى قوله ﴿ لتفسدن ... ﴾ جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن. ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: ﴿وقضينا ... ﴾ لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ... والمقصود بالأرض : عمومها أو أرض الشام . و((مرتين)) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ﴿لتفسدن﴾ من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: ﴿ولتعلن .. ﴾ من العلو وهو ضد السفل ، والمراد به هنا : التكبر والتجبر والبغى والعدوان . والمعنى : وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا : وأوحينا إليهم بواسطه رسلنا ، بأن قلنا لهم : لتفسدن فى الأرض مرتين ، ولتستكبرن على الناس بغير حق ، إستكبارا كبيرا ، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار . والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب ، يدل على ثبوته ، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشىء والفراغ منه . وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان . (١) تفسير البحر المحيط لابى حيان جـ ٦ ص ٨ طبعة دار الفكر - بيروت. ٢٩١ سورة الإسراء وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض : تحريفهم للتوراة ، وتركهم العمل بما فيها من أحكام ، وقتلهم الأنبياء والمصلحين . ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ، ويدمرهم تدميرا ، فقال - تعالى - : ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد . فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ﴾ . والمراد بالوعد : الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض ، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى ﴿ أولاهما﴾ يعود على المرتين المعبر عنها بقول: ﴿لتفسدن فى الأرض مرتين ﴾ . وقوله ﴿ فجاسوا ﴾ معطوف على ﴿ بعثنا﴾ وأصل الجوس : طلب الشىء باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب . والمعنى : فإذا حان وقت عقابكم - يابنى إسرائيل - على أولى مرتی إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم ﴿ عبادا لنا أولى بأس شديد ﴾ أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم ، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار ، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة ، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم ، وهتك أعراضكم ، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له ، ولا مفر لكم منه . قال الآلوسى : واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة : هم جالوت وجنوده ، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده . وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر(١) . وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين ، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة . فإن قال قائل : وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوارة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين . وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان ، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم ؟ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٧ . ٢٩٢ المجلد الثامن فالجواب : أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا ، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير ، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم . وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار ، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك ، وأن يحذروا أمهم من ذلك ، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى ، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل - . ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى - 3 194 - ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين ، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران . فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول - له - الذى ثبتت نبوته ثبوتا لاشك فيه ، لكى يسعدوا في دنياهم وآخرتهم . ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار ، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها . تستطيع أن تسترد مجدها ، متى أصلحت من شأن أنفسها ، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه - : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم بأموال وبنين ، وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ . ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم ، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم . أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ . والكَرَّة : المرة من الشىء: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع ، مصدر كريكر - من باب قتل - ، يقال : كرَّ الفارس كَرًّا ، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال . والمراد بالكرة هنا : الدولة والغلبة على سبيل المجاز . أى : ثم أعدنا لكم - يابنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم ، بعد أن أحسنتم العمل ، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم . والتعبير بثم لإفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان ، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر . قال أبو حيان : وجعل - سبحانه - ﴿ رددنا﴾ موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع ٢٩٣ سورة الإسراء الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى(١). وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ﴿وأمددناكم بأموال وبنين ﴾. أى : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم . وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾. والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على التمييز . والمفضل عليه محذوف ، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دیارکم . . فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم ، وكثّركم بعد قتلكم . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ﴾ . أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى - . وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن ﴿ بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار ٠ وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن ﴿رددنا لكم الكرة ) على أعدائكم ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ . قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب ((وإن أسأتم)) قوله ((فلها)) وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها . قال الكرمانى: قال - سبحانه -: ﴿ فلها ﴾ باللام ازدواجا. (١) تفسير أبي حيان جـ ٦ ص ١٠. ٢٩٤ المجلد الثامن أى: أنه قابل ﴿ لأنفسكم﴾ بقوله ﴿ فلها). وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإساءة . وقيل : اللام بمعنى على. أى: فعليها ، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم (١). ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - : فإذا جاء وعد الآخرة ، ليسوءوا وجوهكم ، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ، وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ . والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله بعثنا عليكم عبادا لنا ﴾ فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل . قال الجمل ما ملخصه : وقوله ﴿ ليسوءوا﴾ الواو للعباد أولى البأس الشديد. وفى عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده . وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ﴿ ليسوء﴾ والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث . وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة . أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون . ليسوءوا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : ﴿ وليدخلوا المسجد﴾ ﴿وليتبروا﴾(٢). وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب ، ظهر الكلوح فى الوجه (٣). وقوله - سبحانه -: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ معطوف على ما قبله ليسوءوا وجوهكم وهو قوله - سبحانه - (١) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ص ١١. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦١٧ . ( ٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٢ ص ١٥٩ . ٢٩٥ سورة الإسراء والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس ، وقوله ((كما دخلوه )» صفة لمصدر محذوف . والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة . قال أبو حيان : ومعنى ﴿ كما دخلوه أول مرة﴾ أى بالسيف والقهر والغلبة والإذلال(١). أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهر وهم . وقوله - تعالى -: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه . ومنه قول الشاعر : وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبنى وآخر رافع أى : يخرب ويهد ما يبنى . و((ما)) فى قوله ﴿ ما علوا﴾ اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله . أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى حوزتهم ، تدميرا تاما لا مزيد عليه . وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل ، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف . ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا فى توبتهم وإنابتهم ، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك . وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه . فقال - تعالى - : ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا ، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾ . (١) تفسير البحر المحيط جـ ٥ ص ١١ . ٢٩٦ المجلد الثامن أى: عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة . قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم . أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن تداركتكم رحمتی ، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار . ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول - 38 -، ولم يكتفوا بهذا الإعراض بل هموا بقتله - ليزر - وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى - بصل - وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . . قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: ((عادوا فلسط اللّه عليهم المؤمنين)). ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾ أى : إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم ((حصيرا)) أى: سجنا حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه ، كما قال - تعالى - : ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش . وكذلك نجزى الظالمين ﴾ . قال بعض العلماء : قوله ﴿ حصيرا﴾ فيه وجهان: الأول : أن الحصير المحبس والسجن . من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه وأحاط به . والثانى أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذى يفرش ، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا .. ))(٢) . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فی بنی إسرائيل ، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى من أبرزها أن (١) تفسير البحر المحيط جـ ٦ ص ١١. - (٢) تفسير أضواء البيان جـ ٣ صـ٣٧٢ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ٢٩٧ سورة الإِسراء الايمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى هذا ، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض ، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف(١) . ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابنٍ عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة ﴿لتفسدن فى الأرض مرتين) فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى ((صحابين)) فبعث الجنود ، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم ((بختنصر)) - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ(٢). وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى اسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون . لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : الأولى فى سنة ٦٠٦ ق.م والثانية فى سنة ٥٩٩ ق. م، والثالثة فى سنة ٥٨٨ ق. م . وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل . أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى . وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك البنط ومع ((بختنصر)) يتنافى مع الحقائق التاريخية . وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن ((صحابين)) ملك النبط ، هو الذى يسميه المؤرخون ((سنحاريب)) وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة ٧١٣ ق . م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أى : أن بختنصر لم يكن معاصرا له . والرأى الذى نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم (١) ذكرنا معظم هذه الأقوال فى كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ ٢ ص ٣٥٩ وناقشناها، وضعفنا ما يستحق التضعيف منها ، ورجحنا ما يستحق الترجيح . ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١٧ - بتصرف وتلخيص . ٠ ٢ ٢٩٨ المجلد الثامن الأول ، هم جالوت وجنوده . ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى : . ١ - ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين ((جالوت)) قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم . ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى - : ﴿ ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى ، إذ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله ، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لاتقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. . فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. ﴾ يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة أبنائهم . ٢ - قوله - تعالى -: ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم . وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا ، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده . . قال - تعالى -: ﴿ ولما برزوا(١) لجالوت وجنوده ، قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة ، وعلمه ممايشاء .. ﴾ . ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم . ولاشك أن النصر فى هذه الحالة ، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه . ٣ - قوله - تعالى -: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ﴾ أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم . ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة . (١) أى بنو إسرائيل. ٢٩٩ سورة الإسراء أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات . . فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة ٩٧٥ ق. م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى قسمين : مملكة يهوذا فى الجنوب ، ومملكة إسرائيل فى الشمال ، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة ٧٢١ ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى ((بختنصر)) على مملكة يهوذا سنة ٥٨٨ ق . م . ٤ - ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده . أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد﴾ قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا ، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم . فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة (( بختنصر)) فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا .. (١). هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، هم جالوت وجنوده . أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم (( بختنصر )) وجنوده . وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة ٥٨٨ ق . م . إلا أننا نؤثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى ، هم الرومان بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة ٧٠ م . لأمور من أهمها : . ١ - أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل ((تبطس)) بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال ((بختنصر)) لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليها السلام - ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم . (١) تفسير الدر المنثور السيوطى جـ ٤ ص ١٦٣ . ٣٠٠ المجلد الثامن ٢ - ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل . من ضربات ((بختنصر)) لهم . فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة (( تيطس )» بلغ مليون قتيل ، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير (١). بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد ((بختنصر)) كان أقل من هذا العدد بكثير . ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم . يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد ((تيطس)) الرومانى: كان ((تيطس)) فى الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة ٧٠ م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه ، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار . وبعد أن اقتحم (( تيطس)) وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا وانهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه ، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ، وستطأ أورشليم الأقدام(٢) . ٣ - النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم . لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة ((قورش)) ملك الفرس ، الذى انتصر على ((بختنصر)) سنة ٥٣٨ ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد . أما بعد تنكيل ((تيطس)) بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا فى الأرض شر ممزق ، وانقطع دابرهم كأمة . وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه ((تيطس )) بهم من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد ((تيطس)) تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ المالك التى توطنوها أو نزلوا فيها (٣) .. . (١) من كتاب ((تاريخ الإسرائيليين)) ص ٧٦ لشاهين مكاريوس . (٢) من مقال للاستاذ عمر طلعت زهران عنوانه ((تدمير أورشليم)) نشر بمجلة الأزهر المجلد ٢١ ص ٤٧ . ( ٣) تاريخ الإسرائيليين ص ٧٧ لشاهين مكاريوس. ٠ ٠