النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة النحل لأن هذه الفضائل متى سرت بينكم ، نلتم السعادة فى دينكم ودنياكم ، إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإِحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون .. . وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل ، نهى عن رءوس الرذائل فقال - تعالى - : ﴿ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى .. والفحشاء : كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل . وخصها بعضهم بالزنا . والمنكر : كل ما أنكره الشرع بالنهى عنه، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . والبغى : هو تجاوز الحد فى كل شىء يقال : بغى فلان على غيره ، إذا ظلمه وتطاول عليه . وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد ... أى : كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، فإنه - تعالى - ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل - . وذلك لأن هذه الرذائل ماشاعت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا ، وأمرها فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القويمة . ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة ، تلفظها بعيدا عنها ، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون﴾ أى: ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نهاكم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم ، وتعملون بمقتضى ما علمكم - سبحانه . هذا ، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال ، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة .. قال : بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى - * - فأراد أن يأتيه ، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه . قال: فليأته من يبلغه عنى ويبلغنى عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبى - صل﴿ - فقالا له : نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبى - 14 -: (( أما أنا فمحمد ابن عبدالله، وأما ما أنا، فأنا عبد الله ورسوله)). ٢٢٢ المجلد الثامن ثم تلا عليهم هذه الآية: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. ) الآية. فقالوا : ردد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه ، فأتيا أكثم فقالا له : أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكى النسب .. وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا فى هذا الامر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا(١). وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: أعظم آية فى كتاب الله: ((اللّه لا إله إلا هو الحى القيوم .. )). وأجمع آية فى كتاب اللّه للخير والشر: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإِحسان﴾ وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب .. ﴾. وأشد آية فى كتاب الله رجاء: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا .. ﴾(٢). ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بالعهود فقال: ﴿وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم .. ﴾. والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كاليمين والوصية وما يشبههما . وعهد الله : أوامره ونواهيه وتكاليفه الشرعية التى كلف الناس بها ، والوفاء بعهد الله - تعالى - : يتأتى بتنفيذ أوامره وتكاليفه ، واجتناب ما نهى عنه . قال القرطبى: قوله - تعالى - : ﴿وأوفوا بعهد الله ... ) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإنسان من بيع أوصلة ، أو مواثقة فى أمر موافق للديانة . وهذه الآية مضمن قوله - تعالى -: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإِحسان ) لأن المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ، فعطف على ذلك التقدير . وقد قيل إنها نزلت فى بيعة النبى - ﴿ - على الإِسلام . وقيل : نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية ، وجاء الإسلام بالوفاء به - كحلف الفضول - . والعموم يتناول كل ذلك ... (٣). (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥٨٣ . (٢) تفسير فتح القدير ج ٥ ص ٢٨٩ . (٣) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ١٦٩. ٢٢٣ سورة النحل والمعنى: إن الله يأمركم - أيها المسلمون - بالعدل والإحسان وإبتاه ذى القربى ، ويأمركم - أيضا - بالوفاء بالعهود التى التزمتم بها مع الله - تعالى - أو مع الناس . والآيات التى وردت فى وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ وأوفوا (6 بالعهد إن العهد كان مسئولا وخص - سبحانه - الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر - مع أنه داخل فى المأمورات التى اشتملت عليها الآية السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبى فى كلامه السابق - لأن الوفاء بالعهود من آكد الحقوق وأوجبها على الإِنسان . وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى فارهبون﴾(٢). ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - * - قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان)).(٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ... ﴾ تأكيد للأمر بالوفاء، وتحذير من الخيانة والغدر . والنقض فى اللغة : حقيقة فى فسخ ماركب بفعل يعاكس الفعل الذى كان به التركيب . واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إبطال العهد . والأيمان : جمع يمين . وتطلق بمعنى الحلف والقسم. وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه ، ووضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين صاحبه . أى : كونوا أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، أى : بعد توثيقها وتغليظها عن طريق تكرارها بمرة ومرتين ، أو عن طريق الإتيان فيها ببعض أسماء الله - تعالى - وصفاته . وقوله - تعالى -: ﴿ بعد توكيدها﴾ للإشعار بأن نقض الأيمان وإن كان قييحا فى كل حالة ، فهو فى حالة توكيد الأيمان وتغليظها أشد قبحا . ولذا قال بعض العلماء : وهذا القيد لموافقة الواقع ، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم فى (١) سورة الإسراء الآية ٣٤ . (٢) سورة البقرة الآية ٤٠ . (٣) رياض الصالحين للإمام النووى ص ٣٠٢ . ٢٢٤ المجلد الثامن المعاهدة ، وحينئذ فلا مفهوم له ، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد ، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا . أو يراد بالتوكيد القصد ، ويكون احترازا عن لغو اليمين . وهى الصادرة عن غير قصد للحلف))(١). وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله -* - فيما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها - وفى رواية - وكفرت عن يمينى )) لأن هذه الأيمان المراد بها فى الآية: الداخلة فى العهود والمواثيق، لا الأيمان التى هى واردة فى حث أو منع .. ))(٢). والخلاصة ، أن الآية الكريمة تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما ، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل خير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله - تعالى -: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس .. ﴾(٢) . وجملة ((وقد جعلتم الله عليكم كفيلا .. )) حال من فاعل ((تنقضوا))، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى عن نقضها . والكفيل : من يكفل غيره ، أى : يضمنه فى أداء ما عليه . أى : ولا تنقضوا الأيمان بعد تو کیدها ، والحال أنكم قد جعلتم الله - تعالى - ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود ، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم . فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله - تعالى - كفيلا عليهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال - تعالى -: ﴿ إن الله يعلم ما تفعلون). أى: إن الله - تعالى - يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض ، وسيجاز بكم بما تستحقون من خير أو شر، فالمراد من العلم لازمه ، وهو المجازاة على الأعمال . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لتقبيح نقض العهد ، فقال - تعالى -: ﴿ ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٩٤ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٣ . (٣) راجع تفسير هذه الآية فى تفسيرنا لسورة البقرة ص ٤٩٩ . ٢٢٥ سورة النحل وقوله : ﴿ غزلها﴾ أى: مغزولها، فهو مصدر بمعنى المفعول . والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاى .. من باب ضرب . يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا . والجار والمجرور فى قوله ﴿ من بعد قوة﴾ متعلق بالفعل ﴿نقضت﴾ أى: نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه . أنكاثا﴾ حال مؤكدة من ﴿غزلها)، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت . والأنكاث : جمع نكث - بكسر النون - ، بمعنى منكوث أى منقوض ، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ثانيا ، والجمع أنكاث كحمل وأحمال . يقال : نكث الرجل العهد نكنا - من باب قتل - إذا نقضه ونبذه ، ومنه قوله - تعالى - ومن نكث فإنما ينكث على نفسه قال ابن كثير : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه . وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا(١) . والمعنى : كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوها بعد إبرامها ، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء ، التى كانت تفتل غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك ، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة .. فالجملة الكريمة تحقر فى كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتائه فى عقلها ، مضطربة فى تصرفاتها . وقوله - سبحانه -: ﴿ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هى أربى من أمة ﴾ . إبطال للأسباب التى كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود . والدَّخَل - بفتح الخاء -: المكر والغش والخديعة . وهو فى الأصل اسم للشىء الذى يدخل فى غيره وليس منه . قال الراغب : والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدَّغلَ ، وعن الدعوة فى النسب ... ومنه قيل : شجرة مدخولة - أى ليست من جنس الأشجار التى حولها(٢) . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٤. (٢) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٦٦ . ٢٢٦ المجلد الثامن وقوله ﴿ أن تكون أمة ... ﴾ متعلق بقوله ﴿ تتخذون وقوله ﴿ أربى﴾ مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة. يقال: رَبَا الشىء يربو إذا زاد وكثر . والمعنى : لا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها ، حالة كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة ، من أجل أن هناك جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى . قال القرطبى : قال المفسرون : نزلت هذه الآية فى العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فنهاهم الله - تعالى - : أن ينقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا ... وقال الفراء : المعنى : لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم ، أو لقلتكم وكثرتهم وقد عزز تموهم بالأيمان(١) . وقال ابن كثير : قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجدون أكثر منهم وأعز ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك(٢). والخلاصة : أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود فى جميع الأحوال ، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة ، من أجل نقض العهود ، إذ الإِسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات ، بدعوى أن هناك جماعة أقوى من جماعة ، أو دولة أعز من دولة ، وإنما الذى يقره الإِسلام هو مراعاة الوفاء بالعهود ، وعدم اتخاذ الأيمان وسيلة للغش والخداع . والضمير المجرور فى قوله: ﴿ إنما يبلوكم الله به﴾ يعود على مضمون الجملة المتقدمة وهى قوله - تعالى - : ﴿ أن تكون أمة هى أربى من أمة ﴾ أى: إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أربى من أمة، لينظر أتفُون بعهودكم أم لا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله - تعالى -: ﴿إنما يبلوكم الله به ﴾ الضمير لقوله : ﴿ أن تكون أمة .. ﴾ لأنه فى معنى المصدر. أى: إنما يختبركم بكونهم أربى ، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله ، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله - - أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم. وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم (٣) .. (١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٧١ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٤ . ( ٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٣١ . ٢٢٧ سورة النحل ويجوز أن يعود إلى ما أمر الله به من الوفاء بالعهد ، فيكون المعنى : إنما يبلوكم الله ويختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهود ، ومن النهى عن النقض ليظهر لكم المطيع من العاصى ، وقوى الإِيمان من ضعيفه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا فيه إليه - تعالى - وحده ، فقال: ﴿وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ﴾ فيجازى أهل الحق بما يستحقون من ثواب ، وبجازى أهل الباطل بما هم أهله من عقاب . ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شىء فقال - تعالى - : ﴿ولو شاء الله لجعلكم﴾ أيها الناس ﴿ أمة واحدة) متفقة على الحق ﴿ولكن﴾ لحكم يعلمها ولا تعلمونها ، ولسنن وضعها فى خلقه ﴿يضل من يشاء﴾ إضلاله لاستحبابه العمى على الهدى ، وإيثاره الغى على الرشد ﴿ويهدى من يشاء﴾ هدايته لحسن استعداده ، وسلامة اختياره، ونهيه النفس عن الهوى . : ولتسألن ﴾ أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة ﴿عما كنتم تعملون﴾ فى الدنيا ، فيثيب الطائعين بفضله ، ويعاقب العصاة بعدله . وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة ، أتبع ذلك بالنهى عن الحنث فى الإِيمان بصفة خاصة ، فقال تعالى : وَلَا تَتَّخِذُوَأْأَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَخَّةٌلَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٥) مَا عِندَ كُمْيَفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِبَانُّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَأْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا ◌ْيَعْمَلُونَ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ ٢٢٨ المجلد الثامن أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَتَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (® فقواله - سبحانه - ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم﴾ تصريح بالنهى عن اتخاذ الإِيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهى عن نقض العهود بصفة عامة . أى : ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى - ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإِفساد ما بينكم وبينهم من مودة . ثم رتب - سبحانه - على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال: ﴿ فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم. يقال: زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أى : لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإفساد بين الناس ، فتزل أقدامكم عن طريق الإِسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا : والجملة الكريمة مثل يُضْرَب لكل من وقع فى بلية ومحنة ، بعد أن كان فى عافية ونعمة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحدت القدم ونكرت ؟ قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق . بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة (١) ؟. وقوله ﴿ وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله﴾ بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم . أى : وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوى من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغیر کم عن الدخول فى دين الله، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم . والتعبير يتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوى الذى سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ، كما يحس الشارب للشىء المر مرارته ، ويتذوق آلامه . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٧ . ٢٢٩ سورة النحل قال ابن كثير : حذر الله - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أى : خديعة ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها ؛ مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول فى الإِسلام(١). وقوله : ﴿ولكم عذاب عظيم﴾ لا يعلم مقدار شدته وهو له إلا الله - عز وجل - فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب حالة الإنسان من الخير إلى الشر ، ونزول العذاب الدنيوى والأخروى به . ثم نهاهم - سبحانه - عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى -: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ﴾ . والاشتراء هنا : استعارة للاستبدال ، والذى استبدل به الثمن القليل هو الوفاء بعهد الله . والمراد بعهد الله - تعالى - : أوامره ونواهيه التى كلفنا بالتزامها والعمل بمقتضاها . والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها من الأموال وغيرها . والمعنى : ولا تستبدلوا بأوامر الله - تعالى - ونواهيه ، عرضا قليلا من أعراض الدنيا الزائلة ، بأن تنقضوا عهودكم فى مقابل منفعة دنيوية زائلة . وليس وصف الثمن بالقلة فى قوله : ﴿ ثمنا قليلا ﴾ من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى مقابل عدم الوفاء بالعهد ، إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - تعالى - . ورحم الله الإِمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: ﴿ولا تشتروا بعهد القه ثمنا قليلا ﴾ أى: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها ، فإنها قليلة ، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له(١) . ثم رغبهم - سبحانه - فيما عنده فقال: ﴿إنما عند اللّه هو خير لكم إن كنتم . تعلمون ﴾ أى: إن ما ادخره الله - تعالى - لكم من ثواب عظيم ، وأجر جزيل ، وحياة طيبة ، هو خير لكم من ذلك الثمن القليل الذى تتطلعون إليه ، وتنقضون العهود من أجله ، إن كنتم من أهل العلم والفطنة ، الذين يؤثرون الباقى على الفانى . ( ١ ) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٥ . ٢٣٠ المجلد الثامن قال الألوسى : قوله ﴿ إن كنتم تعلمون﴾ أى: إن كنتم من أهل العلم والتمييز. فالفعل منزل منزلة اللازم . وقيل : متعد ، والمفعول محذوف ، وهو فضل ما بين العوضين ، والأول أبلغ ويمستغن عن التقدير(١). ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم فى العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال : ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله باق . أى : ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضى ويزول ، وما عند الله - تعالى - فى الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآثروا ما يبقى على ماينفد . يقال : نفد الشىء بكسر الفاء - ينفد - بفتحها - نفادا ونفودا ، إذا ذهب وفنى . ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أى : ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه فى الدنيا من خيرات وطاعات . وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم ، ونون التوكيد ، لترغيبهم فى الثبات على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد . قال الجمل ما ملخصه : وقوله ﴿ أجرهم﴾ مفعول ثان لنجزى. وقوله ﴿بأحسن﴾ نعت لمحذوف ، أى : بجزاء أحسن من عملهم الذى كانوا يعملونه فى الدنيا ، والباء بمعنى على(٢) . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الذين يحرصون على العمل الصالح فقال - تعالى - : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم ﴾ . أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون أى : من عمل عملا صالحا ، بأن يكون خالصا لوجه الله - تعالى - وموافقا لما جاء به النبى - ﴿ - سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أو أنثى، فلنحيينه حياة طيبة ، يظفر معها بصلاح البال ، وسعادة الحال . وقال - سبحانه -: ﴿من ذكر أو أنثى﴾ مع أن لفظ (( مَنْ)) فى قوله: ﴿ من عمل﴾ (١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٢٤ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٩٦ . ٢٣١ سورة النحل يتناول الذكور والإناث ؛ للتنصيص على النوعين ، حتى يكون أغبط لهما ، ولدفع ما قد يتوهم من أن الخطاب للذكور وحدهم . ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت ((مَن)) متناول فى نفسه للذكر والأنثى فما معنى تبيينه بهما ؟ قل : هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين ، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور ، فقيل ((من ذكر أو أنثى)) على التبيين ليعم الوعد النوعين جميعا (١). وقيد - سبحانه - العامل بكونه مؤمنا فقال: ﴿وهو مؤمن ﴾ لبيان أن العمل لا يكون مقبولا عند الله - تعالى - إلا إذا كان مبنيا على العقيدة الصحيحة ، وكان صاحبه یدین بدين الإِسلام، وقد أوضح القرآن هذا المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾(٢) . والمراد بالحياة الطيبة فى قوله - تعالى -: ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ الحياة الدنيوية التى يحياها المؤمن إلى أن ينقضى أجله . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : هذا وعد من اللّه - تعالى - لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى ، بأن يحييه الله حياة طيبة فى الدنيا .. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أى جهة كانت . وقد روى عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال ، وعن على بن أبى طالب أنه فسرها بالقناعة . والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله ، كما جاء فى الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله - وَ ل﴿ - قال: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه(٣))). وقيل المراد بالحياة الطيبة هنا : الحياة الأخروية ، وقد صدر الشيخ الآلوسى تفسيره بهذا الرأى فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ والمراد بالحياة الطيبة التى تكون فى الجنة ، إذ هناك حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وسعادة بلا شقاوة .. فعن الحسن : لا تطيب الحياة لأحد إلا فى الجنة . وقال شريك : هى حياة تكون فى البرزخ .. وقال غير واحد هى فى الدنيا(٤). (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٧ . (٢) سورة الفرقان الآية ٢٣. ( ٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٥ . (٤ ) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٢٧ . ٧ ٠. ٢٣٢ المجلد الثامن ويبدو لنا أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها الحياة الدنيوية أرجح ، لأن الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك فى قوله - تعالى - : ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ . فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان فى الآية الكريمة ما يشبه التكرار ، ولكننا لو فسرناها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة مبينة لجزاء المؤمنين فى الدارين . وأيضا فإن قول النبى - وَ ل﴿ - السابق: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافا)) يشير إلى أن المراد بالحياة الطيبة ، الحياة الدنيوية ، لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة . وعلى ذلك يكون المعنى الإجمالى للآية الكريمة : من عمل عملا صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة فى الدنيا ، يظفر معها بالسعادة وصلاح البال ، والأمان والاطمئنان ، أما فى الآخرة فسنجزيه جزاء أكرم وأفضل مما كان يعمله فى الدنيا من أعمال صالحة . قال صاحب الكشاف قوله : ﴿ حياة طيبة) يعنى فى الدنيا، وهو الظاهر لقوله ولنجزينهم﴾ وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ... ﴾(١) . وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ، يعيش عيشا طيبا ، إن كان موسرا فلا مقال فيه ، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله . وأما الفاجر فأمره على العكس . إن كان معسرا فلا إشكال فى أمره ، وإن كان موسرا ، فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه (٢). ثم أشار - سبحانه - إلى أن من الأعمال الصالحة ، أن يستعيذ المسلم عند قراءته للقرآن الكريم ، من الشيطان الرجيم ، فقال - تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٍ (١) سورة آل عمران الآية ١٤٨. ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٨ . ٢٣٣ سورة النحل عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَيْهِمْ يَتَوَ كَّلُونَ ) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يُتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ١٠٠ والمراد بقوله - تعالى -: ﴿فإذا قرأت القرآن .. ﴾ أى فإذا أردت قراءته . فالكلام على حذف الإِرادة ، وذلك لأن المعنى الذى طلبت من أجله الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارىء بها - أى بالاستعاذة - قبل القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية فى حذف الإِرادة لدلالة المقام عليها قوله - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق .. ﴾(١) أى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا . وقوله - تعالى -: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ﴾(٢) أى: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا . والمعنى : فإذا أردت - أيها المسلم - قراءة القرآن ﴿ فاستعذ بالله ) أى: فاستجر بالله، والتجىء إلى حماه ﴿ من الشيطان الرجيم ﴾. قال ابن كثير : والشيطان فى لغة العرب ، كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شىء ، وهو مشتق من شطن بمعنى بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير ... )) (٣) . والرجيم بزنة فعيل بمعنى مفعول . أى: أنه مرجوم ومطرود من رحمة الله - تعالى - . قال بعض العلماء : وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة ، مع أنه قد أمر بها على وجه العموم فى جميع الشئون ، لأن القرآن مصدر هداية ، والشيطان مصدر ضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد فى هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، فيفوت عليه الانتفاع بهدى اللّه وآياته . فعلمنا الله - تعالى - أن نتقى ذلك كله بهذه الاستعاذة التى هى فى الواقع عنوان صادق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب (١) سورة المائدة الآية ٦ . (٢ ) سورة الأعراف الآية ٤ . ( ٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤ . ٢٣٤ المجلد الثامن المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله. وقوة عزيمته فى طرد الشيطان ووساوسه ، واستقبال هدايته بقلب طاهر ، وعقل واع وإيمان ثابت (١). وكيفية الاستعاذة أن يقول القارىء عند إرادة قراءته للقرآن ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فقد تضافرت الروايات عن رسول الله - صل * - بهذه الصيغة. قال الآلوسى. وروى الثعلبى والواحدى أن ابن مسعود قرأ عن النبى - وَلفيه - فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له النبى - 18 -: ((يابن أم عبد ، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنى جبريل .. ))(٢). وقال صاحب تفسير آيات الأحكام : والأمر بها - أى بالاستعاذة - للندب عند الجمهور . وعن الثورى أنها واجبة . وظاهر الآية يؤيده ، إذ الأمر للوجوب . والجمهور يقولون: إنه صرفها عن الوجوب ما ورد من أنه - مح له - لم يعلمها للأعرابى - أى الذى سأله عن كيفية الصلاة - وأيضا فقد روى أنه كان - وَير - يتركها .. (٣). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين الصادقين فقال - تعالى -: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ﴾ أى: إن الشيطان مهما تمرد وعتا فإنه ((ليس له سلطان)) أى : ليس له تسلط واستيلاء واستحواذ بالقهر والغلبة ، على نفوس الذين آمنوا بالله - تعالى - حق الإِيمان والذين هم عليه - تعالى - وحده يتوكلون ويعتمدون لا على غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) وقوله (٤) - تعالى -: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ﴾(٥) . وبعد أن نفى - سبحانه - أن يكون للشيطان سلطان على نفوس المؤمنين الصادقين ، أثبت - سبحانه - أن تسلط الشيطان إنما هو على نفوس الضالين ، فقال - تعالى - : ﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ، والذين هم به مشركون أى : إنما تسلط الشيطان وتأثيره على الضالين الفاسقين الذين ﴿ يتولونه ﴾ أى : يتقربون منه ، ويجعلونه واليا عليهم ، فيحبونه ويطيعونه ويتبعون خطواته . (١) تفسير القرآن الكريم جـ ١٦ لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٢٨. (٣) تفسير آيات الأحكام ص ٥٢ جـ ٣ لفضيلة الشيخ محمد على السايس رحمه الله. (٤ ) سورة الحجر الآية ٤٢ . ( ٥ ) سورة الأسراء الآية ٦٥ . . ٢٣٥ سورة النحل فقوله ﴿ يتولونه ﴾ من الوَلى - بفتح الواو وسكون اللام - بمعنى القرب والنصرة وقوله : ﴿ والذين هم به مشركون﴾ أى: والذين هم بسبب الشيطان وإغوائه لهم، مشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة . فالضمير فى ((به)) يعود إلى الشيطان ، والباء للسببية . ويرى بعضهم أن الضمير فى ((به)) يعود على الله - تعالى، وأن الباء للتعدية ، فيكون المعنى : إنما سلطان الشيطان على الذين يطيعونه ، والذين هم بالله - تعالى - مشركون . قالوا ، والأول أرجح لاتحاد الضمائر فيه ، ولأنه هو المتبادر إلى الذهن . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، تأمر المؤمنين بأن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم ، عند قراءتهم للقرآن الكريم ، كما نراها تبشرهم بأنه لا سلطان للشيطان عليهم ما داموا معتصمين بحبل الله - تعالى - ومنفذين لأوامره ، ومعتمدين عليه . * ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الأقاويل التى قالها المشركون عن النبى - 3 198 - وعن القرآن الكريم ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال تعالى : وَإِذَا بَدَّلْنَآءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُوْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُنَّبِتَ (١٠١ ١٠٢١) اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ قل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبٌِّ ◌ُبِينٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِلَآَ يَهْدِيهِمُ اَللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيهُ ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ ١٠٥ ٢٣٦ المجلد الثامن وقوله - تعالى -: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية ... ﴾ التبديل رفع الشىء مع وضع غيره مكانه . فتبديل الآية رفعها بآية أخرى . وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا : الآية القرآنية . وعلى أن المراد بتبديلها نسخها . قال صاحب الكشاف : تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، والله - تعالى - ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح ، وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة . والله - تعالى - عالم بالمصالح والمفاسد ، فيثبت ما يشاء، وينسخ ما يشاء بحكمته .. (١) وقال الجمل: قوله - تعالى -: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية ... ) وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا - وَ﴾ - يسخر بأصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ... ﴾ والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر(٢). وقال الألوسى: قوله - تعالى -: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ أى: وإذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه . وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها .. (٣) . ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا ((الآية الكونية)) أى المعجزة التي أتى بها كل نبى لقومه وأن المراد بتبديلها : الإِتيان بمعجزة أخرى سواها . قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية : وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين . كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علمية ، وهى كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل . فبدلت تلك - وهى الآيات الكونية - بآية هو كتاب العلم والهدى من نبى أمى - عَد الله _(٤) ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ قل نزله روح القدس من ربك ... ﴾ يدل دلالة واضحة على أن المراد بالآية، الآية القرآنية .. (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٨. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٩٨ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٣١ . ( ٤ ) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٥٨. ٢٣٧ سورة النحل وقوله - سبحانه -: ﴿ والله أعلم بما ينزل) جملة معترضة بين الشرط وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين وتجهيلهم . أى : والله - تعالى - أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده ، وبما ينزله من آيات ، وبما يغير ويبدل من أحكام ، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾. وقوله - تعالى -: ﴿ قالوا إنما أنت مفتر ﴾ جواب الشرط ، وهو حكاية لما تفوهوا به من باطل وبهتان: وقوله ﴿ مفتر ﴾ من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب . أى: قال المشركون للنبى - وسل ◌ّ - عند تبديل آية مكان آية: إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك ، وتفتريه من إنشائك واختراعك .. وقوله - تعالى -: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ تسلية للنبى - رولز - عما أصابه منهم . أى : لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما قاله هؤلاء المشركون فى شأنك وفى شأن القرآن الكريم ، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء ، لا يعلمون ما فى تبديلنا للآيات من حكمة ، ولا يفقهون من أمر الدين الحق شيئا . وقال - سبحانه - ﴿بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق وتدركه ، ولكنها تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول الله - صل38 - على ما آتاه الله من فضله . ثم لقن الله - تعالى - رسوله - * - الرد الذى يقذفه على باطلهم فيزهقه فقال : . قل نزله روح القدس من ربك بالحق ، ليثبت الذين آمنوا ، وهدى وبشرى للمسلمين﴾ وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام - ، والإِضافة فيه إضافة الموصوف إلى الصفة . أى : الروح المقدس . ووصف بالقدس لطهارته وبركته . وسمى روحا المشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر ، فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح تحيا به الأجسام . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين ، إن هذا القرآن الذى تزعمون أننى افتريته ، قد نزل به الروح الأمين على قلبى من عند ربى ، نزولا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، ليزيد المؤمنين ثباتا فى إيمانهم ، وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين . ٢٣٨ المجلد الثامن وفى قوله ﴿من ربك﴾ تكريم وتشريف للرسول - صل﴿ - حيث اختص - سبحانه - هذا النبى الكريم بإنزال القرآن عليه ، بعد أن رباه برعايته ، وتولاه بعنايته . وقوله ﴿ بالحق﴾ فى موضع الحال ، أى : نزله إنزالا ملتبسا بالحكمة المقتضية له ، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه . وقوله : ﴿ ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ﴾ بيان للوظيفة التى من أجلها نزل القرآن الكريم ، وهى وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم ، أما الكافرون فهم بعيدون عنها . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال - تعالى - : ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر .. ﴾. قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول - تعالى - مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء: إن محمدا - * - إنما يعلمه هذا الذى يتلوه علينا من القرآن بشر ، ويشيرون إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان النبى - وَّل - يجلس إليه ويكلمه بعض الشىء، وذاك كان أعجمى اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية . وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل ((يعيش)»، وعن ابن عباس كان اسمه ((بلعام))، وكان أعجمى اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله - صل * - يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام ، فأنزل الله هذه الآية (١) . والمعنى : ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - علما مستمرا لا يعزب عنه شىء مما يقوله المشركون فى شأنك ، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر . قال الآلوسى: وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه - عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل فى ظهور كذبهم، للإيذان بأن مدار خطئهم ، ليس بنسبته - ◌َّيه - إلى التعلم من شخص معين ، بل من البشر كائنا من كان ، مع كونه - وَليو - معدنا لعلوم الأولين والآخرين(٢) . وقوله - تعالى -: ﴿ لسان الذى يلحدون إليه أعجمى، وهذا لسان عربى مبين﴾ رد عليهم فيما زعموه وافتروه . والمراد باللسان هنا : الكلام الذى يتكلم به الشخص ، واللغة التى ينطق بها . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨٦ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٢٣٣ . ,٠ ٢٣٩ سورة النحل وقوله: ﴿يلحدون ﴾ من الإلحاد بمعنى الميل. يقال لحد والحد، إذا مال عن القصد، وسمى الملحد بذلك ، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها . والأعجمى : نسبة إلى الأعجم : وهو الذى لا يفصح فى كلامه سواء أكان من العرب أم من العجم . وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد . والمعنى : لقد كذبتم - أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا ، حيث زعمتم أن رسول الله -* - يعلمه القرآن بشر، مع أن لغة هذا الإنسان الذى زعمتم أنه يعلم الرسول - * - لغة أعجمية ، ولغة هذا القرآن لغة عربية فى أعلى درجات البلاغة والفصاحة ، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته ، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله . فخبرونى بربكم ، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من العلوم ، فضلا عن أن ينطق به ، فضلا عن أن يكون معلما له !! . ثم هدد - سبحانه - المعرضين عن آياته بقوله : ﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق نبيه - وَّار - فيما يبلغه عنه . ﴿ لا يهديهم اللّه﴾ إلى طريق الحق فى الدنيا، بسبب زيغهم وعنادهم وإيثارهم الغى على الرشد. ﴿ ولهم﴾ فى الآخرة عذاب أليم جزاء إصرارهم على الباطل ، وإعراضهم عن الآيات التى لو تأملوها واستجابوا لها لاهتدوا إلى الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن الرسول الأمين ، وإنما يصدر عن الكافرين فقال - تعالى -: ﴿إنما يفترى الكذب﴾ أى: يختلقه ويخترعه الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ الدالة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى صدق رسله ، وعلى صحة البعث يوم القيامة ، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا . ﴿ وأولئك ﴾ الكافرون بما يجب الإِيمان به ﴿هم الكاذبون ﴾ فى قولهم عن الرسول - وَل﴿ - إنما يعلمه بشر، وفى قولهم ﴿إنما أنت مفتر) وفى غير ذلك من أقوالهم الباطلة ، التى حاربوا بها دعوة الحق . قال بعض العلماء : ولا يخفى ما فى الحصر بعد القصر من العناية بمقامه - صلوات الله عليه - ، وقد كان أصدق الناس وأبرهم .. بحيث كانوا يلقبونه بالصادق الأمين . ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له - من بين ما قال - : هل كنتم تتهمونه ٢٤٠ المجلد الثامن بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا . فقال هرقل : ما كان ليدع الكذب على الناس ، ويكذب على الله - تعالى - . وفى هذه الآية دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر ، وأفحش الفواحش . والدليل عليه أن كلمة ((إنما )) للحصر . وروى أن النبى - ﴿ - قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: ((لا، ثم قرأ هذه الآية(١). ثم بين - سبحانه - بعدَ ذلك حكم من أكره على النطق بكلمة الكفر ، وحكم من استحب الكفر على الإِيمان فقال - تعالى - : مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٠ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللهَلَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ ﴿ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِهُمُ الْخَسِرُونَ ١٠٩ ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ... ﴾ روايات منها قول الآلوسى : روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه: ياسرا ، وسمية ، على الارتداد فأبوا ، فربطوا سمية بين بعيرين ... ثم قتلوها وقتلوا ياسرا ، وهما أول شهيدين فى الإِسلام . وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه ، فقيل يارسول الله: إن عمارا قد كفر. (١) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٦١.