النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة النحل
هذا، ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ خلق السموات بغير عمد
ترونها ، وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم .. ))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا ﴾ (٢).
ثم بين - سبحانه - نعما أخرى لما ألقاه فى الأرض فقال: ﴿ وأنهارا وسبلا لعلكم
تهتدون﴾. أى: وجعل فى الأرض (( أنهارا)) تجرى من مكان إلى آخر، فهى تنبع فى
مواضع . وتصب فى مواضع أخرى ، وفيها نفع عظيم للجميع ، إذ منها يشرب الناس والدواب
والأنعام والنبات .
وجعل فيها كذلك طرقا ممهدة، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر. ((لعلكم
تهتدون)) بتلك السبل إلى المكان الذى تريدون الوصول إليه. بدون تحير أو ضلال.
وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى فى آيات كثيرة ، منها قوله تعالى -: ﴿ والله جعل لكم
الأرض بساطا . لتسلكوا منها سبلا فجاجا ﴾(٣).
والمراد بالعلامات فى قوله - تعالى -: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ الامارات
والمعالم التى يضعها الناس على الطرق بإلهام من الله - تعالى - للاهتداء بها عند السفر .
والمراد بالنجم : الجنس ، فيشمل كل نجم يهتدى به المسافر .
أى ومن مظاهر نعمه - أيضا - ، أنه - سبحانه - جعل فى الأرض معالم وأمارات من
جبال كبار ، وآكام صغار ، وغير ذلك ، ليهتدى بها المسافرون فى سفرهم ، وتكون عونا لهم
على الوصول إلى غايتهم ، وبمواقع النجوم هم يهتدون فى ظلمات البر والبحر ، إلى الأماكن التى
يبغون الوصول إليها .
والضمير ((هم)) فى قوله ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ يشمل كل سالك فى ظلمات البر
والبحر ، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة ، لأنهم كانوا كثيرى الأسفار للتجارة ، كما كانوا
معروفين بالاهتداء فى سيرهم بمواقع النجوم .
(١) سورة لقمان الآية ١٠ .
( ٢) سورة النبأ الآيتان ٧،٦ .
(٣) سورة نوح الآيتان ١٩، ٢٠ .

:"
١٢٢
المجلد الثامن
وقدم - سبحانه - المتعلق وهو ((وبالنجم)) للاهتمام به ، إذ أن الاهتداء بالنجوم ، أمر
هام فى حياة المسافرين ولا سيما الذين يسافرون فى البحر .
وعدل - - سبحانه - عن الخطاب إلى الغيبة فى قوله (( هم يهتدون )) على سبيل
الالتفات ، ليزداد الكلام طلاوة وانتباها إلى ما اشتمل عليه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات
البر والبحر ، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾(١) .
وإلى هنا نرى السورة الكريمة ، التى هى سورة النعم ، قد حدثتنا فى بضع عشرة آية . عن
ألوان متنوعة من نعم الله - تعالى - على عباده .
حدثتنا عن نعمة الروح الذى يحيى القلوب الميتة وينقذها من الكفر والضلال .
وحدثتنا عن نعمة خلق الإِنسان ، وخلق السموات والأرض .
وحدثتنا عن نعمة خلق الأنعام ، والخيل والبغال والحمير .
وحدثتنا عن نعمة إنزال الماء من السماء ، وما يترتب على هذه النعمة من فوائد ومنافع .
وحدثتنا عن نعمة تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لمصلحة الإِنسان .
وحدثتنا عن نعمة تسخير البحر وتذليله للانتفاع بخيراته .
وحدثتنا عن كل ذلك وغيره . لكى يخلص الإنسان عبادته لخالقه ، ولكى يطيعه حق
الطاعة ، ويشكره عليها ، ويستعملها فيما خلقت له .
وبعد أن حدثتنا السورة عن كل ذلك ، ساقت لنا جملة من صفات الله - تعالى - ووبخت
المشركين على شركهم، وأبطلته بأبلغ أسلوب ، ودعتهم إلى الدخول فى الدين الحق ،
فقال - تعالى - :
ـوَ إِن
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُّ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ))
تَعُدُّ وانِعْمَةَ اللَّهِلَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
( ١) سورة الأنعام الآية ٩٧ .

١٢٣
سورة النحل
مِن دُونِ اللَّهِ لَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٥) أَمْوَتُّ غَيْرُ
ج
أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ
فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
﴿ لَاجَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَهُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ.
٢٣)
لَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِيِنَ
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ﴾ للإِنكار والتوبيخ
لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله - تعالى -
أى : أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبة ، والمخلوقات البديعة ، التى بينا لكم بعضها ، وهو
الله - عز وجل - كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإِطلاق ، بل هو مخلوق ، كتلك الأصنام
والأوثان وغيرها، التى أشركتموها فى العبادة مع الله - تعالى - ؟
إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم - أيها المشركون - وعلى انطماس بصيرتكم ،
وقبح تفكير كم .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلماذا جىء بمن الذى هو
الأولى العلم ؟ .
قلت : فيه أوجه : أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم .
الثانى : المشاكلة بينه وبين من يخلق .
الثالث : أن يكون المعنى : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم ، فكيف بما
لا علم عنده . كقوله - تعالى - ﴿ألهم أرجل يمشون بها .. ﴾ يعنى أن الآلهة - التى
عبدوها - حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم
أموات ، فكيف تصح لهم العبادة ، لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا .
فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله - تعالى - : فكان من
حق الإِلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟

١٢٤
المجلد الثامن
قلت حين جعلوا غير الله مثل الله فى تسميته باسمه والعبادة له، وسووا بينه ، فقد جعلوا الله
من جنس المخلوقات وشبيها بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله : ﴿ أفمن يخلق كمن
لا يخلق .. ﴾(١).
وقوله - سبحانه - : ﴿ أفلا تذكرون﴾ زيادة فى توبيخهم وفى التهكم بهم .
أى : أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم فى العبادة بين من يخلق ومن لا يخلق ، والحال أن
هذه التسوية لا يقول بها عاقل ، لأن من تفكر أدنى تفكر ، وتأمل أقل تأمل ، عرف وتيقن
أنه لا يصح التسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق ، فهلا فكرتم قليلا فى أمركم ، لكى تفيئوا
إلى رشدكم ، فتخلصوا العبادة لله الخلاق العليم .
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه على سبيل الإجمال ، بعد أن فصل جانباً منها فى الآيات
السابقة فقال - تعالى - ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾.
والمراد بالنعمة هنا جنسها ، الذى يشمل كل نعمه ، لأن لفظ العدد والإحصاء قرينة على
ذلك ، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد فى معنى الجمع اعتمادا على القرينة - من أبلغ
الأساليب الكلامية .
أى : وإن تعدوا نعمة الله - تعالى - التى أنعمها عليكم ، فى أنفسكم ، وفيما سخره لكم
لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ولتنوعها .
وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم ، وأخلصوا له العبادة والطاعة . .
وقوله : ﴿ إن اللّه لغفور رحيم﴾ استئناف قصد به فتح باب الأمل أمامهم لكى يتداركوا
ما فرط منهم من جحود وتقصير فى حقه - سبحانه - .
أى: إن الله - تعالى - لغفور لعباده على ما فرط منهم متى تابوا إليه توبة نصوحا ،
رحيم بهم ، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم . بل منحهم نعمه مع تقصيرهم فى شكره - تعالى .
قال ابن كثير - رحمه الله - قوله: ﴿إن اللّه لغفور رحيم﴾ أى يتجاوز عنكم ، ولو
طالبكم بشكر جميع نعمه لعجز تم عن القيام بذلك ، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم ، ولو عذبكم
لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم ، يغفر الكثير ، ويجازى على اليسير» (١).
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٠٥ - بتصرف يسير.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٨٢ .

١٢٥
سورة النحل
وقوله - سبحانه -: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ بيان لكمال علمه - تعالى -
وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه ، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية .
أى: والله - تعالى - وحده ، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال ، وما تظهرونه منها ، وهو
محص عليكم ذلك ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .
ثم وصف - سبحانه - الأوثان التى يعبدها المشركون من دونه ، بثلاثة أوصاف . تجعلها
بمعزل عن النفع ، فضلا عن استحقاقها للعبادة ، فقال - تعالى - ﴿ والذین تدعون من دون
الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون﴾.
فوصفها - أولا - بالعجز التام ، فقال - تعالى -: ﴿ والذين تدعون من دون الله
لا يخلقون شيئا ..
أى: وهذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله - تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما
صغرت ، بل هم يخلقون بأيديكم ، فأنتم الذين تنحتون الأصنام . كما قال - سبحانه -
حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - الذى قال لقومه على سبيل التهكم بهم : ﴿ قال
أتعبدون ما تنحتون . والله خلقكم وما تعملون ﴾(١).
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم ، أو هو مفتقر إلى من
يوجده ؟!
وهذه الآية الكريمة أصرح فى إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التى تقول :
﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق .. ﴾ لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا،
أما هذه الآية التى معنا فنفت عنهم ذلك ، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله - عز
وجل - ، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير ، فهم أعجز من عبدتهم ،
وعليه فلا تكرار بين الآيتين .
وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - ﴿ أموات غير أحياء ﴾.
أى : هؤلاء المعبودون من دون الله - تعالى - ، هم أموات لا أثر للحياة فيهم ، فهم
لا يسمعون ، ولا يبصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم
للحياة فقدانا تاما .
وجملة ((غير أحياء)) جىء بها لتأكيد موتهم ، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت ، حيث
(١ ) سورة الصافات الآيتان ٩٥، ٩٦ .

١٢٦
المجلد الثامن
إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم ، ولم يكونوا أحياء - كعابديهم - ثم ماتوا ، بل هم أموات
أصلا . أو جىء بها على سبيل التأسيس ، لأن بعض مالا حياة فيه من المخلوقات ، قد تدركه
الحياة فيما بعد ، كالنطفة التى يخلق الله - تعالى - منها حياة ، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها
حياة ، وهذا أتم فى نقصها ، وفى جهالة عابديها .
وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى -: ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾.
ولفظ (( أيان)) ظرف زمان متضمن معنى متى .
وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق ، وعدم إحساسهم بشىء .
أى : أن من صفات هذه المعبودات الباطلة ، أنها لا تدرى متى يبعثها الله - تعالى -
لتكون وقودا للنار .
وبعضهم يجعل الضمير فى ((يشعرون)) يعود على الأصنام، وفى ((يبعثون)) يعود على
العابدين لها ، فيكون المعنى : وما تدرى هذه الأصنام التى تعبد من دون الله - تعالى - متى
تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة .
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله: ((وما يشعرون أيان يبعثون)) الضمير فى
((يشعرون)) للآلهة وفى ((يبعثون)) للكفار الذين يعبدون الأصنام.
والمعنى : وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار ، ويكون هذا
على طريقة التهكم بهم ، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة . فضلا عن
الأمور التى لا يعلمها إلا الله - سبحانه - .
ويجوز أن يكون الضمير فى الفعلين للآلهة . أى : وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث . ويدل
على ذلك قوله تعالى -: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم .. ﴾ (١).
وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم ، صرح بأنه
لا معبود بحق سواه ، فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾.
أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له ، لا فى ذاته ولا فى صفاته :
فأخلصوا له العبادة ، ولا تجعلوا له شركاء .
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ١٥٦ .

١٢٧
سورة النحل
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى
على الهدى ، فقال - تعالى -: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم
مستكبرون ﴾ .
أى : فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة
للحق ، جاحدة لنعم الله ، منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها ،
وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد
مرشد . ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار - ، حالفه البوار
والخسران ، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد .
والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته ((فالذين لا يؤمنون بالآخرة .. )) دون التصريح
بذواتهم ، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة ، والإيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة ، هو أساس
خيبتهم ، وخسرانهم وجحودهم .. .
وعبر بالجملة الاسمية فى قوله ((قلوبهم منكرة وهم مستكبرون)) للدلالة على تأصل صفتى
الجحود والاستكبار فى قلوبهم ، وعلى أن الإِنكار للحق سمة من سماتهم التى لا يتحولون عنها
مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها ، وعلى أن التعالى والغرور لا ينفك عنهم ، وأنهم ممن
قال - سبحانه - فيهم : ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم
داخرين﴾(١) . أى : صاغرين أذلاء.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم ، فقال: ﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون
وما يعلنون ، إنه لا يحب المستكبرين ﴾ .
وكلمة ((لاجرم)) وردت فى القرآن فى خمسة مواضع ، وفى كل موضع كانت متلوة بأن
واسمها ، وليس بعدها فعل .
وجمهور النحاة على أنها مركبة من ((لا)) و((جرم)) تركيب خمسة عشر ومعناها بعد
التركيب معنى الفعل : حق وثبت ، والجملة بعدها فاعل .
قال الخليل : لا جرم ، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال :
لا جرم سيندمون .
(١ ) سورة غافرة . الآية ٦٠ .

١٢٨
المجلد الثامن
وقال الفراء: (( لا جرم)) كلمة كانت فى الأصل بمنزلة لابد ولا محالة ، فجرت على ذلك
وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمنزله حقا فلذلك یجاب عنها باللام ، کما یجاب
بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتيتك .
والمعنى : حق وثبت أن الله - تعالى - يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما يعلنونه من
أقوال وأفعال ، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات ، لأنه - سبحانه - لا يحب
المستكبرين عن الاستجابة للحق ، المغرورين بأموالهم وأولادهم ، الجاحدين لنعم الله وآلائه.
قال القرطبى : قال العلماء : وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه ، إلا الكبر ، فإنه فسق
يلزمه الإعلان ، وهو أصل العصيان كله .
وفى الحديث الصحيح: ((إن المتكبرين يحشرون أمثال الذَّرِّ يوم القيامة ، يطؤهم الناس
بأقدامهم لتكبرهم)) أو كما قال - وَ -: ((تصغر لهم أجسامهم فى المحشر حتى يضرهم
صغرها ، وتعظم لهم فى النار حتى يضرهم عظمها))(١) .
وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة ، على وحدانية الله ، وقدرته ، وعلى بطلان
عبادة غيره .. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين ، وردت عليها بما يدحضها ، وببيان
سوء عاقبتهم ، وعاقبة أشباههم من قبلهم ، فقال - تعالى - :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ ليَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً
يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَا
سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقُفُ
مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (
٢٦
(١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٩٥.

١٢٩
سورة النحل
...
ثُمَّيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْرِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ
١
كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ إِنَّالْخِزْىَ
اَلْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى الْكَفِرِينَ * الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَبِكَهُ
ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوْالسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ بَلَىّ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢) فَادْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ
٢٩
خَلِينَ فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّنَ
1
وقوله - سبحانه : ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ، قالوا أساطير الأولين ﴾ حكاية
لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين ، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن
الكريم .
والأساطير : جمع أسطورة ، كأعاجيب وأعجوبة ، وأحاديث وأحدوثة .
والمراد بها : الأكاذيب والترهات التى لا أصل لها ، والتى كانت مبثوثة فى كتب الأولين .
والمعنى : وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين ، أى شىء أنزل ربكم على نبيه
محمد - ◌َلـ - .
قالوا له على سبيل الجحود للحق : لم ينزل عليه شىء ، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه
محمد - ٤ - على أتباعه ، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من
يستمع إليه .
روى ابن أبى حاتم عن السدى قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا - 13 - رجل
حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله ، فانظرو أناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة
أنسابهم ، فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين ، فمن جاءه يريده
ردوه عنه .
فخرج ناس فى كل طريق ، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول
محمد - وَل﴿ - ووصل إليهم ، قال أحدهم : أنا فلان بن فلان ، فيعرفه نسبه ، ثم يقول
للوافد: أنا أخبرك عن محمد - وخلفه - إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد

١٣٠
المجلد الثامن
ومن لا خير فيهم ، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له ، فيرجع الوافد . فذلك
قوله - تعالى - ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم، قالوا : أساطير الأولين :
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد ، فقالوا له مثل ذلك قال : بئس الوافد لقومى أنا،
إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم - من مكه - رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل ،
وأنظر ما يقول ، وآتى قومى ببيان أمره . فيدخل مكة ، فيلقى المؤمنين فيسألهم : ماذا يقول
محمد - وَل﴿ - ؟ فيقولون: خيرا .. )) (١).
وعبر - سبحانه - بالفعل ((قيل)) المبنى للمجهول ، للإشارة إلى أن هذا القول الذى
تفوه به عتاة الكافرين ، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم ، لكى يصدوه عن
الدخول فى الإسلام. وجملة ((ماذا أنزل ربكم)) نائب فاعل لقيل .
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ((أساطير الأولين )) خبر لمبتدأ محذوف .
أى : قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه : أساطير الأولين .
ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا ، ورد عليه بما يدحضه فى آيات كثيرة ، ومن ذلك
قوله - تعالى -: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا . قل أنزله
الذى يعلم السر فى السموات والأرض ، إنه كان غفورا رحيما ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم ، ونطقهم بالباطل ، فقال - تعالى -: ﴿ ليحملوا
أوزارهم كاملة يوم القيامة ... ﴾ .
واللام فى قوله - ((ليحملوا)) هى التى تسمى بلام العاقبة ، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن
بأنه أساطير الأولين ، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة .
والأوزار جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشىء الثقيل .
المراد بها الذنوب والآثام التى يثقل حملها على صاحبها يوم القيامة ، كما قال - تعالى - :
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم؛ وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ (٣).
والمعنى : قالوا ذلك فى القرآن الكريم ، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير
منقوصة يوم القيامة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ١٣١ .
( ٢ ) سورة الفرقان . الآيتان ٥، ٦.
(٣) سورة العنكبوت. الآية ١٣ .

١٣١
سورة النحل
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله ((ليحملوا )) متعلق - بقالوا - كما هو الظاهر .. واللام
للعاقبة ، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم .
وعن ابن عطية: أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا ، أى : قدر
صدور ذلك منهم ليحملوا ... (١) .
وقال - سبحانه - ﴿ كاملة) لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شىء من ذنوبهم ، بل سيعاقبون
عليها جميعها دون أن ينقص منها شىء .
قال الفخر الرازى : وهذا يدل على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على
المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا فى حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا
التكميل معنى .. (٢) .
وقال بعض العلماء: ((ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل - وساءت
أحمالا وأثقالا - ، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور ، وهى تثقل القلوب ، كما
تثقل الأحمال العواتق ، وهى تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها ، بل هى أدهى
وأنكى)) (٣).
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح
ما خلق الله وجها ، وأنتنه ريحا ، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شىء زاده فزعا ، وكلما تخوف
من شىء زاده خوفا . فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت ؟ فيقول له وما تعرفنى ؟
فيقول : لا . فيقول : أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا ، وكان منتنا فلذلك ترانى
منتنا . طأطئ إلى أركبك ، فطالما ركبتنى فى الدنيا ، فيركبه ، وهو قوله - تعالى - ﴿ ليحملوا
أوزارهم كاملة يوم القيامة .. ﴾(٤).
وقوله: ((ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)) بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم .
أى : أن أولئك المستكبرين ، قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين ، فكانت عاقبة قولهم
الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة ، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم .
قال ابن كثير : أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم فى أنفسهم ، وخطيئة إغوائهم لغيرهم ،
(١) تفسير الألوسى جـ ١٤ ص ١٢٤ .
(٢) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٢٠ ص ١٨.
( ٣) فى ظلال القرآن جـ ١٤ ص ٢١٦٧ للأستاذ سيد قطب .
( ٤ ) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٦٦ .

١٣٢
المجلد الثامن
واقتداء أولئك بهم، كما جاء فى الحديث: (( من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور
من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام
من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)).
كما قال - تعالى -: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ، وليسألن يوم القيامة عما
(١)
.
كانوا يفترون
فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بينها وبين قوله - تعالى - ﴿ولا تكسب كل نفس إلا
عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾(٢) .
لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم ، بل تسببوا فى إضلال غيرهم ،
فعوقبوا على هذا التسبب السىء ، الذى هو فعل من أفعالهم القبيحة .
وقوله ((بغير علم)) فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى قوله ((يضلونهم)).
أى : يضلون ناسا لا علم عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفى ذلك ما فيه من مدح
أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، يستطيعون إضلال من لا علم
عنده ، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم .
قالوا : واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ، وأن يميز بين الحق والباطل ،
ولا يعذر بسبب جهله .
وقيل: إن قوله ((بغير علم)) فى موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله ((يضلونهم)).
أى: هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب ، إذ لو
علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ ألا ساء ما يزرون). قال الجمل :
و ((ساء)) فعل ماض لإنشاء الذم بمعنى بئس، و((ما)) تمييز بمعنى شيئا، أو فاعل بساء،
و((يزرون)) صفة لما والعائد محذوف، أو ((ما)) اسم موصول، وقوله ((يزرون)) صلة
الموصول، والعائد محذوف أى: يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف))(٣).
والتقدير : بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم ؛ وافتتحت
( ١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٨٤.
( ٢) سورة الأنعام الآية ١٦٤ .
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٦٦ .

١٣٣
سورة النحل
الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح ((ألا)) للاهتمام بما تضمنه التحذير ، حتى يقلعوا عن كفرهم ،
ويثوبوا إلى رشدهم ، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من القول .
ثم سلى الله - تعالى - نبيه والمؤمنين ، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين قالوا فى
القرآن : إنه أساطير الأولين ، سيحيق بهم مكرهم السيئ ، كما حاق بالذين من قبلهم .
فقال - تعالى: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ، فأتى اللّه بنيانهم من القواعد ، فخر عليهم
السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ .
وقوله - سبحانه - (( مكر )) من المكر ، وهو التدبير المحكم ، أو صرف الغير عما يريده
بحيلته ، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل ، ومحمود إن تحرى به الخير والحق .
والمراد به هنا النوع الأول .
والمراد بالذين من قبلهم : الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة ، كقوم نوح وهود وصالح .
وقوله: ((فأتى اللّه بنيانهم .. )) أى: أهلكهم، كما فى قوله - تعالى - ﴿ ... فأتاهم الله
من حيث لم يحتسبوا .. ﴾(١) .
ويقال : أتى فلان من مأمنه أى : نزل به الهلاك من جهة أمنه . وأتى عليه الدهر . أى :
أهلكه وأفناه . ومنه الأتوّ . وهو الموت والبلاء.
يقال : أتى على فلان أُتوّ، أى موت أو بلاء يصيبه .
والقواعد : جمع قاعدة . وهى أساس البناء ، وبها يكون ثباته واستقراره .
والمعنى : لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما يقوله المستكبرون من قومك فى شأن القرآن
الكريم لكى يصرفوا الناس عن الدخول فى الإِسلام ، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم ،
فكانت عاقبة مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد ، بأن اجتث هذا البنيان من أصله ؛
واقتلعه من أساسه ((فخر عليهم السقف من فوقهم)) أى: فسقط عليهم سقف بنيانهم
فأهلكهم ((وأتاهم العذاب)) المبير المدمر ((من حيث لا يشعرون)) ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم
من هذه الجهة ، بل كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك .
فالآية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز ، كيف أن هؤلاء الماكرين ، قد حصنوا أنفسهم
بالبناء المحكم المتين ، ليتقوا ما يؤذيهم ، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت وتساقطت على
(١) سورة الحشر. الآية ٢ .

١٣٤
المجلد الثامن
رءوسهم، أمام قوة الله - تعالى - التى لا ترد ، فإذا بالبناء الذى بنوه ليحتموا به ، قد صار
مقبرة لهم .
وصدق الله إذ يقول: ﴿ومكروا مكرا، ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون . فانظر كيف كان
عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، إن فى ذلك لآية لقوم
يعلمون ﴾(١).
وقال - سبحانه -: ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ مع أن السقف لا يكون إلا من
فوق ، لتأكيد الكلام وتقويته .
وقال القرطبى: قال ابن الأعرابى: وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول:
خر علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: ((من
فوقهم)) ليخرج هذا الشك الذى فى كلام العرب، فقال: ((من فوقهم)) أى: عليهم وقع
وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا .. )) (٢).
هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل ، الفخر الرازى .
فقد قال : وفى قوله - سبحانه - ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ قولان :
الأول : أن هذا محض التمثيل .
والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله، فجعل الله - تعالى - حالهم فى تلك
الحيل ، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين ، فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك
الأساطين ، فسقط السقف عليهم ، ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه.
- ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم ، صار سبب استئصالهم وفنائهم .
الثانى : أن المراد منه مادل عليه الظاهر ، وهو أن الله - تعالى - أسقط عليهم السقف
وأماتهم تحته .
والأول أقرب إلى المعنى(٣).
ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته ، الإِمام ابن جرير فقد قال - بعد أن
سرد بعض الأقوال - : وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك ، تساقطت
(١) سورة النمل الآيات ٥٠، ٥١، ٥٢ .
( ٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٩٧ .
( ٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ٢٠ .

٠٠
سورة النحل
١٣٥
عليهم سقوف بيوتهم ، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله ، فأنكفأت بهم منازلهم ، لأن ذلك
هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف .
وتوجيه معانى كلام اللّه إلى الأشهر الأعرف منها ، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد
إليه سبيل)) (١) .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - رحمه الله - أولى بالقبول ، لأنه مادام اللفظ صالحا
للحمل على الحقيقة ، فلا داعى لصرفه عن ذلك .
وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذى أنزله الله - تعالى - بالظالمين ،
ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا . ومنهم من
أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة ، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا
فقال - تعالى - : ﴿ ثم يوم القيامة يخزيهم ، ويقول أين شركائى الذين كنتم تشاقون
فيهم .. ﴾ .
أى : هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا ، أما مصيرهم فى الآخرة فإن
الله - تعالى - يذلهم وبهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ، ويقول لهم على سبيل التقريع
والتوبيخ : أين شركائى فى العبادة والطاعة ، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين فى
شأنهم ، قائلين لهم : إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى فى العبادة .
وجىء بثم المفيدة للترتيب النسبى ، للإشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزى
الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار فى الدنيا .
والاستفهام فى قوله ((أين شركائى .. )) للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التى كانوا يعبدونها
فى الدنيا ، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب فى الآخرة ، فان
الأصنام ستشفع لنا .
أى : أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين ؟!
وأضاف - سبحانه - الشركاء إليه ، لزيادة توبيخهم ، لأنهم فى هذا اليوم العظيم ، يعلمون
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٦٨ .
(٢) سورة العنكبوت . الآية ٤٠ .

١٣٦
المجلد الثامن
علم اليقين أنه لا شركاء له - سبحانه - وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ويوم يناديهم
فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ﴾(١).
قال الجمل ما ملخصه: وقوله: ((تشاقون)) من المشاقة وهى عبارة عن كون كل واحد
من الخصمين فى شق غير شق صاحبه .
وقرأ نافع ((تشاقون)) بكسر النون خفيفه، وقرأ الباقون بفتح النون ، ومفعوله محذوف .
أى: تشاقون المؤمنين، أو تشاقون اللّه، بدليل القراءة الأولى ... )) (٢).
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أولو العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد
فقال - تعالى -: ﴿ قال الذين أوتوا العلم ، إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين ﴾.
والمراد بالذين أوتوا العلم ، كل من اهتدى إلى الحق فى الدنيا ؛ وأخلص لله - تعالى -
العبادة والطاعة .
أى : قال الذين هداهم الله - تعالى - إلى صراطه المستقيم، فى هذا اليوم العصيب ، إن
الخزى الكامل ، فى هذا اليوم ، والسوء الذى ليس بعده سوء ، على هؤلاء الكافرين ،
أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب .
وجىء بجمله (( قال الذين أوتوا العلم .. )) غير معطوفة على ما قبلها ، لأنها واقعة موقع
الجواب لقوله - سبحانه - ((أين شركائى ... )) وللتنبيه على أن الذين أوتوا العلم سارعوا
بالجواب بعد أن وجم المستكبرون ، وعجزوا عن الإِجابة .
وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى - ، وتوبيخهم لهم على كفرهم ،
واستكبارهم عن الإستماع إلى كلمة الحق .
وقال - سبحانه -: ﴿ قال الذين أوتوا العلم ... ﴾ بلفظ الماضى ، مع أن هذا القول
سيكون فى الآخرة ، للاشارة إلى تحقق وقوعه ، وأنه كائن لا محالة .
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ساعة انتزاع أرواحهم من أجسادهم وساعة
وقوفهم للحساب ، فقال - تعالى -: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم ، فألقوا
السلم ما كنا نعمل من سوء .
....
قال الآلوسى : وفى الموصول أوجه الإعراب الثلاثة : الجر على أنه صفة للكافرين ،
(١) سورة القصص : الآية ٧٤ .
( ٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٦٧ .

١٣٧
سورة النحل
أو بدل منه ، أو بيان له ، والنصب والرفع على القطع للذم . وجوز بعضهم كونه مرتفعا
بالابتداء، وجملة ((فألقوا)) خبره .. ))(١).
والمراد بالملائكة : عزرائيل ومن معه من الملائكة .
والمراد بظلمهم لأنفسهم: إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العيادة .
أى : إن أشد أنواع الخزى والعذاب يوم القيامة على الكافرين ، الذين تنتزع الملائكة
أرواحهم من أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن يتوبوا منهما ، أو يقلعوا
عنهما. وقوله: ((ظالمى أنفسهم)) حال من مفعول تتوفاهم.
وفى وصف هؤلاء الكافرين بكونهم ((ظالمى أنفسهم)) إشعار إلى أن الملائكة تنتزع
أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة ، ويشهد لذلك قوله - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ يتوفى
الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ... ﴾(٢).
وقوله ((فألقوا السلم)) بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع فى الآخرة ،
بعد أن كانوا مغترين متجبرين فى الدنيا .
وأصل الإِلقاء يكون فى الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع والطاعة ،
حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه ، بدون أية مقاومة أو حركة .
والمراد بالسلم: الاستسلام والاستكانة . أى: أنهم عندما عاينوا الموت ، وتجلت لهم
الحقائق يوم القيامة ، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا ، وقالوا : ما كنا فى الدنيا نعمل
عملا سيئا ، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم .
وقد حكى الله - تعالى - عنهم فى آيات أخرى ما يشبه هذا القول ، ومن ذلك
قوله - تعالى -: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا، والله ربنا ماكنا مشركين ﴾.
وقوله - سبحانه - ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ تكذيب لهم فى دعواهم أنهم
ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ ((بلى)) لإِبطال مانفوه .
أى : بلى كنتم تعملون السوء ، لأن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ،
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ١٢٨.
( ٢ ) سورة الأنفال الآية ٥٠ .

١٣٨
المجلد الثامن
وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من الملائكة بأمر الله - تعالى -
وقد يكون من قبله - سبحانه - .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ... ﴾ بيان لما انتهى إليه
أمرهم من عذاب مهين .
وأبواب جهنم قد ذكر - سبحانه - عددها فى قوله - تعالى -: ﴿ لها سبعة أبواب لكل
باب منهم جزء مقسوم ﴾(١).
أى : فادخلوا - أيها الكافرون - من أبواب جهنم ، حالة كونكم خالدين فيها خلوداً
أبدياً ((فلبئس مئوى المتكبرين)) أى فلبئس مقام المتعاظمين عن الإِيمان بالله جهنم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة . قد بينت بأسلوب مؤثر ، مصير المستكبرين الذين وصفوا
القرآن بأنه أساطير الأولين ، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق .
وبعد أن بين - سبحانه - أقوال المستكبرين ، وأحوالهم ، وسوء عاقبتهم أتبع ذلك ببيان
أحوال المتقين ، وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال - تعالى -:
وَقِيلَ
لِلَّذِينَ اتَّقَوْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَ اْلِلَّذِينَ أَحْسَنُواْفِى
هَذِهِالدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُالْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
جَنَّكُ عَدْنٍ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرَُّهُمْ فِيهَا
٣٠
مَا يَشَآءُ ونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اللهُ الْمُنَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ
اُلْمَلَبِكَةُ طَيِنٌ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ آَدْ خُلُواْالْجَنَّةَ بِمَا
٣٢
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(١ ) سورة الحجر الآية ٤٤ .

١٣٩
سورة النحل
فقوله - سبحانه -: ﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً .. ﴾ بيان لما رد به
المؤمنون الصادقون، على من سألهم عما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد - الثقة -
وهو معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين ما قاله المتقون ، وما قاله المستكبرون .
ووصفهم بالتقوى ، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما نهى الله - تعالى -
عنه ، وخوفهم منه - سبحانه - ومراقبتهم له ، كل ذلك حملهم على أن يقولوا هذا القول
السديد. وكلمة ((خيرا)) مفعول لفعل محذوف أى : أنزل خيرا . أى : رحمة وبركة ونورا
وهداية، إذ لفظ (( خيرا)) من الألفاظ الجامعة لكل فضيلة .
قال صاحب الكشاف : فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول ؟ .
قلت : فَضْلاً بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا
الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا خيرا . أى أنزل خيرا . وأولئك
عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير الأولين وليس من الإِنزال فى شىء (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ) جملة مستأنفة لبيان
ماوعدهم به - تعالى - على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب .
أى : هذه سنتنا فى خلقنا أننا نجازى الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن الكريم ،
دون أن نضيع من أعمالهم شيئا .
وقوله (( حسنة)) صفة لموصوف محذوف أى : مجازاة حسنة بسبب أعمالهم الصالحة .
كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ،
فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - جزاءهم فى الآخرة فقال: ﴿ولدار الآخرة خير ، ولنعم دار
المتقين﴾. والمراد بدار الآخرة : الجنة ونعيمها .
و ((خير)) صيغة تفضيل ، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف ، كما قال
ابن مالك :
عن قولهم أخير منه وأشر
" وغالبا أغناهم خير وشر
-
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٠٧ .
( ٢ ) سورة النحل الآية ٩٧ .

١٤٠
المجلد الثامن
ونعم : فعل ماض لإنشاء المدح ، وهو ضد بئس .
والمعنى : ولدار الآخرة ومافيها من عطاء غير مقطوع ، خير لهؤلاء المتقين مما أعطيناهم فى
الدنيا، ولنعم دارهم هذه الدار. قال - تعالى -: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة
خير وأبقى ﴾(١) .
ووصفها - سبحانه - بالآخرة ، لأنها آخر المنازل ، فلا انتقال عنها إلى دار أخرى ، كما
قال - تعالى -: ﴿ خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ﴾ .
والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليهم ، والتقدير : ولنعم دار المتقين ، دار
الآخرة .
ثم وصف - سبحانه - ما أعده لهم من نعيم فقال : ﴿ جنات عدن يدخلونها تجرى من
تحتها الأنهار ﴾ .
والعدن : الإقامة الدائمة : يقال : عدن فلان ببلد كذا ، إذا توطن فيه وأقام دون أن يبرحه
أى : لهؤلاء المتقين : جنات دائمة باقية ، يدخلونها بسرور وحبور ، تجرى من تحت بساتينها
وأشجارها الأنهار .
((لهم فيها ما يشاءون)) مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ((كذلك يجزى الله المتقين)) أى :
مثل هذا الجزاء الحسن ، يجزى الله - تعالى - عباده المتقين ، الذين جنبوا أنفسهم
ملا يرضيه .
ثم حكى - سبحانه - ما تحييهم به الملائكة فقال : ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين
يقولون سلام عليكم .. ﴾ .
أى : هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين ، الذين تتوفاهم الملائكة ، أى : تقبض أرواحهم ،
حال كونهم ((طيبين )) أى : مطهرين من دنس الشرك والفسوق والعصيان .
((يقولون)) أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم، ((سلام عليكم)) أى: أمان
عليكم من كل شر ومكروه .
((ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)) أى: بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم
(١) سورة الأعلى الآيتان ١٦، ١٧ .