النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة الحجر
أمرتك ... ﴾(١).
فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله - تعالى - قد أمر إبليس بالسجود لآدم ...
ووجود إبليس مع الملائكة لا يستلزم أن يكون منهم ، ومثل ذلك كمثل أن تقول : حضر بنو
فلان إلا محمدا ، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء ، وإنما هو معهم بالمجاورة أو المصاحبة أو غير
ذلك .
هذا ما نختاره ونميل إليه، إستنادًا إلى ظاهر الآيات وظاهر الأحاديث، والله - تعالى -
أعلم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين. قال لم أكن لأسجد
لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون ﴾ بيان لما وبخ الله - تعالى - به إبليس ، ولرد
إبليس - لعنه الله - على خالقه - عز وجل - .
أى : قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التوبيخ والزجر: أى سبب حملك على مخالفة
أمرى ، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له ؟
فكان رد إبليس : ما كان ليليق بشأنى ومنزلتى أن أسجد مع الساجدين لبشر خلقته - أيها
الخالق العظيم - من صلصال من حما مسنون .
ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم ، كما حكى عنه - سبحانه - ذلك فى قوله
- تعالى - ﴿ قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾(٢).
وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه ، وعدم الرضا بحكمه ، وسوء أدبه مع خالقه
- سبحانه - .
قال الآلوسى : وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة ، وما درى أنه
يكون باعتبار الفاعل ، وباعتبار الصورة ، وباعتبار الغاية ، بل إن ملاك الفضل والكمال هو
التخلى عن الملكات الردية ، والتحلى بالمعارف الربانية .
فشمال والكأس فيها يمين ويمين لا كأس فيها شمال(٣)
وقوله - سبحانه - : ﴿ قال فاخرج منها فإنك رجيم . وإن عليك لعنتی إلى يوم الدين
بيان للحكم العادل الذى أصدره الله - تعالى - على إبليس .
(١ ) سورة الأعراف الآية ١٢ .
(٢ ) سورة ص الآية ٧٦ .
( ٣) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٤٣ .
٤٢
المجلد الثامن
والضمير فى قوله: ((منها)) يعود إلى السماء لأنها مسكن الطائعين الأخيار، أو إلى الجنة
لأنها لا يسكنها إلا من أطاع الله - تعالى - ، أو إلى المنزلة التى كان فيها قبل طرده من رحمة
اللّه .. أى: قال الله - تعالى - لإِبليس على سبيل الزجر والتحقير: فاخرج من جنتى ومن
سمائى فإنك ﴿رجيم﴾ مطرود من كل خير وكرامة، وإن عليك اللعنة والإبعاد من رحمتى إلى
يوم الدين ، وهو يوم الحساب والجزاء .
وليس المراد أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين ، بل المراد أن هذه اللعنة مستمرة عليه إلى يوم
الدين ، فإذا ما جاء هذا اليوم استمرت هذه اللعنة ، وأضيف إليها العذاب الدائم المستمر
الباقى ، بسبب عصيانه لأمر ربه ، فذكر يوم الدين ، إنما هو للمبالغة فى طول مدة هذه اللعنة
ودوامها ما دامت الحياة الدنيا .
وعبر - سبحانه - بعلى فى قوله ﴿وإن عليك اللعنة ﴾ للاشعار بتمكنها منه ، واستعلائها
عليه ، حتى لكأن اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه فى لحظة من اللحظات .
ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه ، ومارد الله به عليه ، فقال - تعالى - :
قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون . قال فإنك من المنظرين . إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ .
والفاء فى قوله ﴿ فأنظرنى﴾ للتفريع وهى متعلقة بمحذوف يدل عليه سياق الكلام.
والإِنظار: التأخير والإِمهال ومنه قوله - تعالى - ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرة ﴾ ..
أى : قال إبليس لربه . عز وجل : ما دمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سمائك ، وجعلتنى
مرجومًا ملعونًا إلى يوم الدين ، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته للحساب وخاطب الله
- تعالى - بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكى يجاب طلبه .
وقد أجاب الله - تعالى - له طلبه فقال: ﴿فإنك﴾ يا إبليس من جملة ﴿المنظرين﴾
أى الذين أخرت موتهم ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم) وهو يوم القيامة الذى استأثرت بعلم
وقته ، والذى وصفت أحواله للناس . كى يستعدوا له بالإِيمان والعمل الصالح .
ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم : وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ويموت
هو معهم .
قال ابن كثير : أجابه الله - تعالى - إلى ما سأل ، لما له فى ذلك من الحكمة والإِرادة
والمشيئة التى لا تخالف . ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب .
٤٣
سورة الحجر
وقال بعض العلماء : وهذا الإِنظار رمز إلهى على أن ناموس الشر لا ينقضى من عالم الحياة
الدنيا ، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر، وبين الأخيار والأشرار .
قال - تعالى -: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ... ﴾(١).
ولذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح ، وإيداعها إلى الكفاة
لتنفيذها والذود عنها))(٢).
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة ،
والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى - : ﴿ قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى
الأرض ولأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين ﴾.
والباء فى قوله ﴿ بما أغويتنى لأزينن لهم .. ﴾ للسببية أو للقسم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : الباء ههنا بمعنى السبب ، أى : بسبب كونى غاويا لأزينن
لهم كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة .
أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم . والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم .
ونظيره قوله - تعالى - ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ﴾(٣).
وقوله ﴿ أغويتنى﴾ من الإغواء، وهو خلق الغى فى القلوب. وأصل الغى الفساد، ومنه
غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته . أو منع من الرضاع فهزل وكاد
بهلك ، ثم استعمل فى الضلال . يقال : غوى فلان يغوى غيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن
الطريق المستقيم . وأغواه غيره وغواه : أضله .
وقوله ﴿لأزينن لهم﴾ من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشى زينًا،
أى : حسنًا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه .
والضمير فى ﴿ لهم﴾ يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر ،
وقد جاء ذلك صريحًا فى قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ قال أرأيتك هذا الذى كرمت على
لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾(٤).
وحذف مفعول ﴿ لأزينن﴾ لدلالة المقام عليه .
(١) سورة الأنبياء الآية ١٨.
(٢) تفسير التحرير والتنوير ج ١٤ ص ٤٩.
(٣) تفسير الفخر الرازى ج ١٩ ص ١٨٥ .
(٤) سورة الأسراء الآية ٦٣ .
٤٤
المجلد الثامن
أى : لأزينن لهم المعاصى والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح . وأزين لهم المنكر . وأحبب
الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدى فى صرفهم عن طاعتك ... وقال
- سبحانه - ﴿ فى الأرض) لتحديد مكان إغوائه، إذ هى المكان الذى صار مستقرًّا له
ولآدم وذريته ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها) - أى الجنة -
فأخرجها - أى آدم وحواء - مما كانا فيه ، ﴿ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم فى
الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾(١) .
وقوله ﴿ ولأغوينهم أجمعين﴾ مؤكدًا لما قبله .
أى: والله لأغوينهم جميعًا مادمت قادرًا على ذلك، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور
أو يأس، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾(٢).
قال القرطبى : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى الهيثم ، عن أبى
سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - 18 -: ((إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك
لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم فى أجسامهم ، فقال الرب : وعزتى وجلالى لا أزال
أغفر لهم ما استغفرونى)).
وقوله - سبحانه - ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ اعتراف من إبليس بأن من عباد الله
- تعالى - قومًا لا يستطيع أن يغويهم ، ولا يقدر على إضلالهم .
وكلمة ((المخلصين)) قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائى - بفتح اللام - ، فيكون
المعنى : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك ، وصنتهم عن اقتراف
ما نهيتهم عنه .
وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو - بكسر اللام - ، فيكون المعنى : لأضلنهم
جميعًا ، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل ، وابتعدوا عن الرياء فى أقوالهم وأفعالهم .
وهذا الاستثناء الذى اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه - هو سنة الله -
تعالى - فى خلقه ، فقد جرت سنته التى لا تغيير ولا تبديل لها ، بأن يستخلص لذاته من
يخلص له قلبه ، وأن يرعى من يرعى حدوده ، ويحفظ من يحفظ تكاليفه ، ولذا كان جوابه
(١) سورة البقرة الآية ٣٦.
(٢) سورة الأعراف الآية١٧.
٤٥
سورة الحجر
- سبحانه - على إبليس ، هو قوله - تعالى - ﴿ قال هذا صراط على مستقيم . إن عبادى
ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ .
واسم الاشارة ﴿ هذا﴾ يعود إلى الاستثناء السابق وهو قوله ﴿ إلا عبادك منهم
المخلصین
وقد اختار هذا الرأى الإِمام الآلوسى فقال: قال الله - تعالى - ﴿ هذا صراط على ﴾
أى: حق لابد أن أراعيه ﴿ مستقيم) لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره .
والإِشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلمة على تستعمل فى
الوجوب . والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه - تعالى - .
وقال أهل السنة ، إن ذلك وإن كان تفضلاً منه - سبحانه - إلا أنه شبه بالحق الواجب
لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه، بمقتضى وعده - عز وجل - ، فجىء بعلىَّ لذلك)).
ثم قال : وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب .. ﴿وهذا صراط عَلِىٌّ﴾ - بكسر اللام وضم
الياء المشددة وتنوينها - أى: عال لارتفاع شأنه))(١).
وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإشارة إلى ما بعده فقال : قال الله - تعالى -
هذا صراط على مستقيم ﴾ أى هذا طريق حق على أن أراعيه ، وهو أن لا يكون لك
سلطان على عبادى ، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته (٢) .
ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى ، فقد قال - رحمه الله - قوله - تعالى - ﴿ هذا
صراط على مستقيم ) بمعنى هذا طريق إلى مستقيم .
فكان معنى الكلام : هذا طريق مرجعه إلى ، فأجازى كلا بأعمالهم ، كما قال - تعالى -
﴿ إن ربك لبالمرصاد ) وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك على وأنا على
طريقك ، فكذلك قوله ﴿ هذا صراط﴾ معناه: هذا طريق علىّ وهذا طريق إلى ... (٣).
ويبدو لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذى كتبه الله - تعالى - على نفسه
فضلًا منه وكرمًا ، والميزان العادل الذى وضعه - سبحانه - لتمييز الخبيث من الطيب .
فكأنه - سبحانه - يقول فى الرد على إبليس الذى اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من
(١) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٤٦.
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٩١ .
(٣) تفسير ابن جرير ج ١٤ ص ٣٣ .
٤٦
المجلد الثامن
عباد الله: يا إبليس، إن عدم قدرتك على إغواء عبادى المخلصين منهج قويم من مناهجى التى
اقتضتها حكمتى وعدالتى ورحمتى ، وسنة من سننى التى آليت على نفسى أن ألتزم بها مع
خلقى . إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم ، لأنهم حتى إذا مسهم طائف
منك . أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى ، فقبلتها منهم . وغفرت لهم زلتهم ... ولكنك تستطيع
إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم ؛ فانقادوا لك ...
وفى هاتين الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين ، ومن المديح لهم بقوة
الإِيمان ، وعلو المنزلة ، وصدق العزيمة ؛ وضبط النفس ...
قال - تعالى -: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾(١).
قال الآلوسى وقوله : ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ... ﴾ أى تصرف وتسلط،
والمراد بالعباد ؛ المشار إليهم بالمخلصين ، فالإِضافة للعهد والاستثناء على هذا فى قوله
﴿ إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ منقطع.
واختار هذا غير واحد ... وجوز أن يكون بالعباد العموم والاستثناء متصل ، والكلام
كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين ، ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم
المخلصين، بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء ... ))(٢).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المتبعين لإبليس فقال: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين . لها
سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ .
والضمير فى قوله ﴿لموعدهم﴾ يعود إلى الغاوين، أو إلى ﴿ من اتبعك﴾ والموعد:
مكان الوعد .
والمراد به هنا المكان الذى سينتهون إليه حتماً بعد أن كانوا غافلين عنها فى الدنيا ، وهو
جهنم أى وإن جهنم لمكان محتوم لهؤلاء الذين أغواهم إبليس دون أن يفلت أحد من سعيرها .
وجملة (( لها سبعة أبواب)) مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها .
وجملة ((لكل باب منهم جزء مقسوم)) صفة لأبواب، وضمير ((منهم)) يعود إلى
الغاوين أتباع إبليس .
والمقسوم : من القَسْمِ وهو إفراز النصيب عن غيره تقول: قسمت كذا قسمًا وقسمة إذا
ميزت كل قسم عن سواه .
(١) سورة الإسراء الآيية ٦٥.
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٤٧ .
٤٧
سورة الحجر
والمعنى : إن لجهنم سبعة أبواب ، لكل باب منها ، فريق معين من الغاوين يدخلون منه ،
على حسب تفاوتهم فى الغواية وفى متابعة إبليس ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالأبواب
هنا الأطباق والدركات .
أى لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق بعض ، ينزلها الغاوون ، بحسب أصنافهم
وتفاوت مراتبهم فى الغى والضلال .
قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ أى: قد كتب
لكل باب منها جزء من أتباع إبليس ، يدخلونه لا محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل
يدخل من باب بحسب عمله ، ويستقر فى درك بقدر فعله .... ثم قال : وعن عمرة بن
جندب - رضى الله عنه - عن النبى - ر184َ - فى قوله ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾
قال: (( إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته(١)،
ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه ... )) (٢).
وبعد : فهذه قصة خلق الإِنسان ، وقصة خلق الجان - كما بينتها هذه السورة الكريمة -
ومن الدروس والعظات التى نأخذها منها :
١ - دلالتها على كمال قدرة الله - تعالى - ، وبديع خلقه ، وبليغ حكمته ، حیث خلق
- سبحانه - الإِنسان من مادة تختلف عن المادة التى خلق منها الجان ، وحيث كرم الإنسان
بخاصية أخرى أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى - ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من
روحى .. ﴾ .
وهذه الخاصية هى التى تجعل من هذا الإِنسان ، إنسانًا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء
الأخرى التى تشاركه فى هذه الحياة ..
٢ - أن خلق الجان سابق على خلق الإنسان، بدليل قوله - تعالى - ﴿ولقد خلقنا
الإِنسان من صلصال من حما مسنون . والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .
٣ - أن الملائكة عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فهم
بمجرد أن أمرهم الله - تعالى - بالسجود لآدم ، سجدوا جميعًا دون أن يشذ منهم أحد .
(١) الحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الازار.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٥٥ .
٤٨
. المجلد الثامن
٤ - أن الإصرار على معصية الله - تعالى - يؤدى إلى الطرد من رحمته - سبحانه - ومن
الخروج من رضوانه ومغفرته .
٥ - أن التكبر والغرور والحسد ، من أبرز الصفات الذميمة التى حملت إبليس على
الامتناع عن السجود لآدم ، وعلى مخالفة أمر ربه - عز وجل - .
٦ - أن إجابته - سبحانه - لطلب إبليس فى تأخير موته ، لم يكن لكرامة له عنده -
عز وجل - ، وإنما كان استدراجًا له وإمهالاً ، وابتلاء لبنى آدم ليتميز قوى الإِيمان من
ضعيفه .
٧ - أن العدواة بين إبليس وقبيله ، وبين آدم وذريته ، باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها ، وأن إبليس وجنوده لم ولن يتركوا بابا من أبواب الشر إلا وزينوه وجملوه لبنى آدم ،
وحرضوهم على الدخول فيه ، ليكتسبوا السيئات التى نهاهم الله - تعالى - عنها .
قال - تعالى - ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا . إنما يدعو حزبه ليكونوا من
أصحاب السعير ﴾(١).
٨ - أن عدالة الله - تعالى - ورحمته قد اقتضت أن يحمى عباده المخلصين من تسلط
الشيطان عليهم ، لأنهم منه فى حمى ، ولأن مداخله إلى نفوسهم مغلقة ، إذ أنهم خافوا مقام ربهم
ونهوا أنفسهم عن الهوى ..
أما الذين يستطيع الشيطان التسلط عليهم ، والتأثير فيهم ، فهم أولئك الذين انقادوا
لوساوسه ، واستجابوا لنزعاته ، وصاروا مطية له يسخرها كما يشاء ...
وهؤلاء هم الذين تنتظرهم جهنم بأبوابها السبعة ..
قال - تعالى -: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن
جهنم لموعدهم أجمعين . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ .
هذه هى عاقبة الغاوين أتباع إبليس ، أما عاقبة المخلصين الذين أخلصوا نفوسهم لله
- تعالى - وأطاعوه فى السر والعلن ، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله :
(١) سورة فاطر الآية ٦ .
٤٩
سورة الحجر
إِنَّ
﴾ أَدْ خُلُوهَابِسَلَمِءَاِمِنِينَ (١)
الْمُنَّقِينَ فِى جَنَاتٍ وَعُيُونٍ {٤٥
وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِمْ مِنْ عِلّ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَبِلِينَ
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌّ وَمَاهُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَحِينَ
٤٨
٤٧
وقوله - سبحانه - ﴿ إن المتقين ... ﴾ كلام مستأنف لإظهار حسن عاقبة المتقين ، بعد
بيان سوء عاقبة الغاوين .
والمتقون : جمع متق اسم فاعل من اتقى . وأصله اوتقى - بزنة افتعل - من وقى الشىء
وقاية ، أى : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه .
والجنات : جمع جنة ، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته
ويستره . من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة ..
والمراد بها هنا الدار التى أعدها اللّه - تعالى - لتكريم عباده المؤمنين فى الآخرة .
والعيون جمع عين . والمقصود بها هنا المياه المنتشرة فى الجنات .
والمعنى: ((إن المتقين)) الذين صانوا أنفسهم عن الشرك . وقالوا ربنا الله ثم استقاموا
((فى جنات)) عالية، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وفيها منابع للماء تلذ لها الأعين.
وجملة ((ادخلوها بسلام آمنين)) معمولة لقول محذوف. والباء فى قوله ((بسلام))
للمصاحبة .
أى : وتقول لهم الملائكة - على سبيل التكريم - والتحية - لهؤلاء المتقين عند دخولهم
الجنات واستقرارهم فيها : ادخلوها - أيها المتقون - تصاحبكم السلامة من الآفات ، والنجاة
من المخافات .
ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من صفاء نفسى ، ونقاء قلبى فقال: ﴿ونزعنا
ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ .
والنزع : القلع يقال : نزع فلان هذا الشىء من مكانه إذا قلعه منه ، وفعله من باب ضرب
والغل : الحقد والضغينة ، وأصله من الغلالة ، وهى ما يلبس بين الثوبين : الشعار والدثار .
٥٠
المجلد الثامن
أو من الغلل وهو الماء المتخلل بين الأشجار . ويقال : غلّ صدر فلان يغل - بالكسر -
غلا إذا كان ذا غش ، أو ضغن ، أو حقد .
والسرر : جمع سرير وهو المكان المهيأ لراحة الجالس عليه وإدخال السرور على قلبه .
أى : وقلعنا ما فى صدور هؤلاء المتقين من ضغائن وعداوات كانت موجودة فيها فى الدنيا ،
وجعلناهم يدخلون الجنة إخوانًا متحابين متصافين ، ويجلسون متقابلين ، على سرر مهيأة
لراحتهم ورفاهيتهم وإدخال السرور على نفوسهم .
وقوله : ﴿ إخوانًا على سرر متقابلين﴾ حال عن فاعل ﴿ادخلوها﴾.
وعبر بقوله ﴿ متقابلين﴾ لأن مقابلة الوجه للوجه أدخل فى الإِيناس، وأجمع للقلوب.
والآية الكريمة تشعر بأنهم فى الجنة ينشئهم الله - تعالى - نشأة أخرى جديدة وتكون
قلوبهم فيها خالية من كل ما كان يخالطهم فى الدنيا من ضغائن وعداوات وأحقاد وأطماع وغير
ذلك من الصفات الذميمة ، ويصلون بسبب هذه النشأة الجديدة إلى منتهى الرقى البشرى ...
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث والآثار منها ما رواه
القاسم عن أبى أمامة قال : يدخل أهل الجنة على ما فى صدورهم فى الدنيا من الشحناء
والضغائن ، حتى إذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما فى صدورهم فى الدنيا من غل ، ثم قرأ:
ونزعنا ما فى صدورهم من غل .. ﴾ .
ومنها : ما رواه أبو مالك الأشجعى عن أبى حبيبة - مولى لطلحة - قال : دخل عمران
بن طلحة على الإِمام على بن أبى طالب بعد ما فرغ من أصحاب الجمل ، فرحب على - رضى
الله عنه - به، وقال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله وإياك من الذين قال الله فيهم: ﴿ونزعنا
ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ... ﴾(١).
ثم ختم - سبحانه - بيان جزائهم بقوله : ﴿ لا يمسهم فيها نصب وما هم منها
بمخرجين ﴾ .
والنصب : التعب والإعياء . يقال : نصب الرجل نصبا - من باب طرب - إذا نزل به
التعب والهم . ويقال فلان فى عيش ناصب ، أى فيه كد وجهد .
قال ابن كثير قوله - تعالى -: ﴿ لا يمسهم فيها نصب) يعنى مشقة وأذى كما جاء فى
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٥٩ وابن جرير ج ١٤ ص ٣٦ .
٥١
سورة الحجر
الصحيحين، عن رسول الله - ولي - أنه قال: ((إن الله أمرنى أن أبشر خديجة ببيت فى الجنة
من قصب لا صخب فيه ولا نصب)).
وقوله ﴿ وما هم منها بمخرجين﴾ - بل هم باقون فى الجنات بقاء سرمديا دائماً
لا ينقطع - كما جاء فى الحديث: ((يقال - لأهل الجنة - يا أهل الجنة : إن لكم أن تصحوا
فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا ،
وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدًا))(١).
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على بشارات للمؤمنين الصادقين ، هذه
البشارات مقرونة بالتعظيم ، خالية من الشوائب والأضرار ، باقية لا انقطاع لها .
أما البشارات فتراها فى قوله - تعالى - ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾.
وأما اقترانها بالتعظيم والتكريم ، فتراه فى قوله - تعالى -: ﴿ادخلوها بسلام
آمنين ﴾ .
وأما خلوها من الشوائب والأضرار، فتراه فى قوله - تعالى - : ﴿ونزعنا ما فى صدورهم
من غل إخوانا ...
وأما بقاؤها واستمرارها ، فتراه فى قوله - تعالى - : ﴿ وما هم منها بمخرجين﴾.
٠
هذا، وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - : ﴿إن المتقين في جنات وعيون . آخذين
ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ... ﴾(٢) .
وقوله - تعالى - ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهار ، وقالوا الحمد
لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ... ﴾ (٣).
وقوله - تعالى - : ﴿ وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.
الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾(٤).
وقوله - تعالى - : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا .
(٥)
خالدين فيها لا يبغون عنها حولا
( ١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٥٨.
(٢) سورة الذاريات الآيتان ١٥، ١٦ .
( ٣) سورة الأعراف الآية ٤٣ .
(٤) سورة فاطر الآيتان ٣٤ ٣٥.
(٥) سورة الكهف الآيتان ١٠٧، ١٠٨ .
٥٢
المجلد الثامن
ثم بين - سبحانه - نماذج لمن شملتهم رحمته الإِيمانهم وعملهم الصالح ، ولمن شملتهم نقمته
لكفرهم وعملهم الطالح ، ومن هذه النماذج تبشيره لإِبراهيم - وهو شيخ كبير - بغلام عليم ،
وإنجاؤه لوطا ومن آمن معه من العذاب المهين ، وإهلاكه المجرمين من قومه .. قال
- تعالى - :
نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنَ عَذَابِ
هُوَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ (١٥) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
٥١
إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْسَلَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَحِلُونَ ﴿٥) قَالُواْ
لَا نَوَجَلْ إِنَّا نُبَشِّرَُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴿®) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَ أَنْ
مَّسَّتِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِرُونَ ﴿﴿، قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ
ـا قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ
(٥٥
فَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْقَنِطِينَ ﴾
رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُّونَ ﴿ قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَ اُلْمُرْسَلُونَ
قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُّجْرِمِينَ ﴿ إِلَّءَالَ لُوطٍ
إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ فَدَّرْنَا إِنَهَا لَمِنَ
الْغَبِرِينَ
٦٠
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿نبىء عبادى .. ﴾ للرسول - صل * - والنبأ: الخبر
العظيم. والمراد ((بعبادى)): المؤمنون منهم، والإِضافة للتشريف .
أى : أخبر - أيها الرسول الكريم - عبادى المؤمنين أنى أنا الله - تعالى - الكثير المغفرة
لذنوبهم ، الواسع الرحمة لمسيئهم ، وأخبرهم - أيضًا - أن عذابى هو العذاب الشديد
٥٣
سورة الحجر
الإِيلام ، فعليهم أن يقدموا القول الطيب، والعمل الصالح ، لكى يظفروا بمغفرتى ورحمتى ،
وينجو من عذابى ونقمتى .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع فى هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب ، وبين الرحمة
والانتقام ، وبين الوعد والوعيد ، لبيان سنته - سبحانه - فى خلقه ، ولكى يعيش المؤمن
حياته بين الخوف والرجاء ، فلا يقنط من رحمة الله ، ولا يقصر فى أداء ما كلفه - سبحانه -
به .
وقدم - سبحانه - نبأ الغفران والرحمة ، على نبأ العذاب والانتقام ، جريا على الأصل
الذى ارتضته مشيئته ، وهو أن رحمته سبقت غضبه ، ومغفرته سبقت انتقامه .
والضمير ((أنا)) و((هو)) فى الآيتين الكريمتين، للفصل ؛ لإفادة تأكيد الخبر.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى الآيتين لطائف :
إحداها : أنه أضاف - سبحانه - العباد إلى نفسه بقوله ﴿ عبادى ﴾ وهذا تشريف
عظيم لهم ...
وثانيها . أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ فى التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله ﴿ أنى ﴾
وثانيها قوله ﴿ أنا﴾، وثالثها. إدخال حرف الألف واللام على قوله ﴿الغفور الرحيم﴾،
ولما ذكر العذاب لم يقل: إنى أنا المعذب ، بل قال ﴿ وأن عذابى هو العذاب الأليم ﴾.
وثالثها: أنه أمر رسوله - وَ ل و - أن يبلغ إليهم هذا المعنى ، فكأنه أشهده على نفسه فى
التزام المغفرة والرحمة .
ورابعها : أنه لما قال ﴿ نبىء عبادى﴾ كان معناه نبىء كل من كان معترفًا بعبوديتى،
وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع . فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصى ، وكل ذلك يدل على
تغليب جانب الرحمة من الله - تعالى -)) (١).
وقال الآلوسى: وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - ص84 * - قال :
إن الله - تعالى - خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة ،
وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذى عنده من رحمة لم ييأس من
الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله - تعالى - من العذاب، لم يأمن من النار)).
( ١ ) تفسير الفخر الرازى ج ٤٩ ص ٥٥ .
٥٤
المجلد الثامن
وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال فى الآية: بلغنا أن رسول الله - والخير -
قال: (( لو يعلم العبد قدر عفو الله - تعالى - لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع
نفسه »(١) .
وقوله - سبحانه - ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم ... ﴾ معطوف على قوله قبل ذلك
نبىء عبادى ...
قال الجمل : وأصل الضيف : الميل ، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه . والضيف من مال
إليك نزولاً بك ، وصارت الضيافة متعارفة فى القرى وأصل الضيف مصدر ، ولذلك استوى فيه
الواحد والجمع فى غالب كلامهم. وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف ... (٢).
والمراد بضيف إبراهيم هنا : الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفًا فى صورة بشرية ، وبشروه
بغلام عليم ، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإِهلاكهم ...
ثم فصل - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وضيوفه فقال: ﴿إذا دخلوا عليه فقالوا
سلامًا .. ﴾ .
والظرف ((إذ)) منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر .
أى: ونبئهم - أيضًا - أيها الرسول الكريم - عن ضيف إبراهيم ، وقت أن دخلوا
عليه ، فقالوا له على سبيل الدعاء أو التحية ﴿ سلاما﴾ أى: سلمت سلاما. أو سلمنا
سلاما .
فلفظ ((سلاما)) منصوب بفعل محذوف .
وقوله - سبحانه - ﴿ قال إنا منكم وجلون ﴾ بيان لما رد به إبراهيم - عليه السلام -
على الملائكة .
و ((وجلون)) جمع وجل ، والوجل : اضطراب يعترى النفس لتوقع حدوث مكروه .
يقال : وجل الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف .
أى : قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه وبادروه بالتحية إنا منكم خائفون .
وقال ((إنا منكم ... )) بصيغة الجمع، لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو، واعترى
أهله معه .
(١) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٥٥.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٥٤٨ .
٥٥
سورة الحجر
وكان من أسباب خوفه منهم ، أنهم دخلوا عليه بدون إذن ، وفى غير وقت الزيارة وبدون
معرفة سابقة لهم ، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذى قدمه إليهم ..
هذا ، وقد ذكر - سبحانه - فى سورة الذاريات أنه رد عليهم السلام فقال - تعالى -
· هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين . إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ، قال سلام قوم
منكرون ﴾(١) .
كما بين - سبحانه - فى سورة هود أن من أسباب خوفه منهم ، عدم أكلهم من طعامه . قال
- تعالى -: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ... ﴾(٢). أى خاف
إبراهيم لما رأى أبدى الضيف لا تصل إلى طعامه .
ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكة لإدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال
- تعالى - : ﴿ قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ﴾.
أى : قالت الملائكة لإبراهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور على قلبه : لا تخف منا
يا إبراهيم ، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذى علم كثير بشريعة الله - تعالى - وبأوامره
ونواهيه ، وهو إسحق - عليه السلام - .
وجملة ((إنا نبشرك .. )) مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل .
وقد حكى - سبحانه - هنا أن البشارة كانت له ، وفى سورة هود أن البشارة كانت
لامرأته ، ومعنى ذلك أنها كانت لهما معًا ، إما فى وقت واحد ، وإما فى وقتين متقاربين بأن بشروه
هو أولاً، ثم جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضًا ، ويشهد لذلك قوله - تعالى - ﴿وامر أته
قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ... ﴾(٢).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم ، فقال
- تعالى - ﴿ قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر فيم تبشرون ﴾.
والاستفهام للتعجب . كأنه عجب من أن يرزقه الله - تعالى - بغلام عليم بعد أن مسه
الكبر ، وبلغ سن الشيخوخة .
و ((على)) بمعنى مع ، والمس : اتصال شىء بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .
(١) الآيتان، ٢٤، ٢٥ .
( ٢ ) الآية ٧٠ .
(٣) سورة هود الآية ٧١ .
٥٦
المجلد الثامن
أى : قال إبراهيم للملائكة ، بعد أن بشروه بالولد ، أبشرتمونى بذلك مع أن الكبر قد
أصابنى ، والشيخوخة قد اعترتنى فبأى شىء عجيب قد بشرتمونى .
وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله - تعالى - ونفاذ أمره ، حيث وهبه هذا الغلام فى
تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته ، والتى جرت العادة أن لا يكون معها إنجاب الأولاد .
وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم فى قوله - تعالى - ﴿ قالت
يا ويلتى أالد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا، إن هذا لشىء عجيب .. ﴾(١).
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : والسبب فى هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل
الولد حال الشيخوخة التامة ...
وهناك جواب آخر ، وهو أن الإِنسان إذا كان عظيم الرغبة فى شىء ، وفاته الوقت الذى
يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره ،
ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة
مرة أخرى، طلبا للالتذاذ بسماعها ... ))(٢).
وقوله - سبحانه - ﴿ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ﴾ .
أى : قال الملائكة لإبراهيم لزيادة اطمئنانه ، ولتأكيد بشارته بالغلام العليم:
يا إبراهيم إنا بشرناك بالأمر المحقق الوقوع ، وباليقين الذى لا خلف معه ، وهو أن الله
- تعالى - سيهبك الولد مع تقدم سنك وسن زوجك ، فلا تكن من الآيسين من رحمة الله
- تعالى - فإن قدرته - عز وجل - لا يعجزها شىء .
وهنا دفع إبراهيم - عليه السلام - عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله . فقال على سبيل
الإِنكار والنفى ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أى: أنا ليس بى قنوط أو يأس
من رحمة الله ، لأنه لا ييأس من رحمة الله - تعالى - إلا القوم الضالون عن طريق الحق
والصواب ، الذين لا يعرفون سعة رحمته - تعالى - ونفاذ قدرته ، ولكن هذه البشارة
العظيمة - مع تقدم سنى وسن زوجى - هى التى جعلتنى - من شدة الفرح والسرور -
أعجب من كمال قدرة الله - تعالى - ، ومن جزيل عطائه ، ومن سابغ مننه ، حيث رزقنى
الولد فى هذه السن التى جرت العادة بأن لا يكون معها إنجاب أو ولادة .
(١) سورة هود الآية ٧٢ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى ج ١٩ ص ١٩٧.
٥٧
سورة الحجر
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة ، بعد أن اطمأن إليهم ، فقال :
قال فما خطبكم أيها المرسلون ﴾ .
والخطب : مصدر خطب يخطب ، ومنه قولهم : هذا خطب يسير ، وخطب جلل ، وجمعه
خطوب ، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور . وأصله الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب
ويخطب له .
أى : قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن سبب
مجيئهم : فما شأنكم الخطير الذى من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة . وكأنه قد فهم أن
مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة ، بل من وراء البشارة أمر آخر جاءوا من أجله .
وهنا بادره الملائكة بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم
مجرمين﴾. أى: قالوا له إنا أرسلنا - بأمر الله - تعالى - إلى قوم شأنهم الإِجرام ، ودأبهم
الفجور، والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا يسكنون مدينة ((سدوم)) بمنطقة وادى
الأردن وقوله ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ﴾ استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل
الملائكة لإهلاكهم .
والمراد بآل لوط : أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه . ولم يشاركوا قومهم فى كفرهم
وشذوذهم .
أى : إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم ، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين .
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : قوله - تعالى - ﴿ إلا آل
لوط ﴾ استثناء متصل أم منقطع ؟
قلت : لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعًا ، لأن القوم موصوفون
بالإِجرام فاختلف لذلك الجنسان ، وأن يكون استثناء من الضمير فى ﴿ مجرمين ﴾ فيكون
متصلاً، كأنه قيل : قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم ، كما قال :
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ .
فإن قلت : فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين ؟ قلت : نعم ، وذلك أن آل لوط
مخرجون فى المنقطع من حكم الإِرسال ، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ، ولم
يرسلوا إلى آل لوط أصلاً ... كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين ، ولكن آل لوط أنجيناهم .
٥٨
المجلد الثامن
وأما فى المتصل ، فهم داخلون فى حكم الإِرسال ، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعًا
ليهلكوا هؤلاء، وينجوا هؤلاء ، فلا يكون الإِرسال مخلصًا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما فى
الوجه الأول » (١) ...
وقوله - سبحانه - ﴿ إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ استثناء من الضمير فى
لمنجوهم﴾، إخراجا لها من التنجية. أى: إلا امرأة لوط - عليه السلام - فليست ممن
سننجيه ، بل هى ممن سنهلكه مع القوم المجرمين .
ومعنى ( قدرنا ) : قضينا وحكمنا .
والغابر : الباقى . يقال غبر الشىء غبورًا إذا بقى وأصله من الغبرة وهى بقية اللبن فى
الضرع . وقد يستعمل فى الماضى فيكون هذا اللفظ من الأضداد .
ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا ﴿ إلا امرأته قدرنا ... ﴾ مع أنه فعل الله
- تعالى - ، لما لهم من الزلفى عنده - سبحانه - ، ولأنهم ما أرسلوا لإِهلاك المجرمين
وإنجاء المؤمنين إلا بأمره .
قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن قوله - تعالى - ﴿ إلا امرأته قدرنا ... ﴾ من
كلام الملائكة ، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم - وهو فعل الله - سبحانه - لما لهم من القرب
والاختصاص ، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان: أمرنا بكذا .. والآمر فى الحقيقة هو
السلطان . وقيل - ولا يخفى بعده - : هو من كلام الله - تعالى - فلا يحتاج إلى تأويل ،
وكذا لا يحتاج إلى تأويل إذا أريد بالتقدير العلم .
قال بعض العلماء : وفى هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز
الاستثناء من الاستثناء ، لأنه - تعالى - استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله ﴿ إلا آل
لوط إنا لمنجوهم أجمعين ﴾ ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله (إلا امرأته قدرنا
(٢)
إنها لمن الغابرين
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، ما دار بين إبراهيم وبين
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٩٣.
(٢) تفسير ( أضواء البيان) ج ٣ ص ١٥٥ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
٥٩
سورة الحجر
الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم ، وإخباره بإهلاك القوم المجرمين ، وهم قوم لوط
- عليه السلام - ..
ثم حكت السورة بعد ذلك ما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - بعد أن جاءوا إليه ،
وما دار بين لوط - عليه السلام - وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات ، وما حل
بهؤلاء المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها .. فقال - تعالى - :
فَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (١) قَالَ
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ () قَالُواْبَلْ جِئْتَكَ بِمَا كَانُواْفِيهِ
يَمْتَرُونَ ﴿ وَأَيْنَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّالَصَدِقُونَ ﴿٦)فَأَسْرِ
بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ الَّيْلِ وَشَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَنَفِتْ مِنْكُمْ أَ حَدٌ
وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَأَنَّ
دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ ﴿ وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِىِ فَلَا نَفْضَحُونِ ) وَأَنَّقُواْ
اُللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ؟ قَالُواْأَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ )
قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيّ إِن كُنْتُمْ فَعِلِينَ ﴿٨) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ
يَعْمَهُونَ ﴿) فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿)، فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ و
قال الآلوسي : وقوله - تعالى -: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ شروع فى بيان
إهلاك المجرمين ، وتنجية آل لوط . ووضع الظاهر موضع الضمير ، للإِيذان بأن مجيئهم لتحقيق
٦٠
المجلد الثامن
ما أرسلوا به من ذلك .
﴾(١).
والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يفهم من السياق، والتقدير : وخرج الملائكة من
عند إبراهيم - بعد أن بشروه بغلامه، وبعد أن أخبروه بوجهتهم - فاتجهوا إلى المدينة التى
يسكنها لوط - عليه السلام - وقومه. فلما دخلوا عليه قال لهم: ((إنكم قوم منكرون)).
أى : إنكم قوم غير معروفين لى ، لأنى لم يسبق لى أن رأيتكم ، ولا أدرى من أى الأقوام
أنتم ، ولا أعرف الغرض الذى من أجله أتيتم ، وإن نفسى ليساورها الخوف والقلق من
وجودكم عندى ...
ويبدو أن لوطًا - عليه السلام - قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس ، لأنه يعرف شذوذ
المجرمين من قومه ، ويخشى أن يعلموا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه الجميلة عنده ،
فيعتدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم ...
وقد صرح القرآن الكريم بهذا الضيق النفسى ، الذى اعترى لوطا بسبب وجود هؤلاء
الضيوف عنده ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم
ذرعًا، وقال هذا يوم عصيب﴾(٢) .
وقال - سبحانه -: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ مع أن المجىء كان للوط - عليه
السلام - والخطاب كان معه ، تشريفًا وتكريمًا للمؤمنين من قوم لوط ، فكأنهم كانوا حاضرين
ومشاهدين لوجود الملائكة بينهم ، ولما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون . وأتيناك بالحق وإنا
الصادقون ﴾ .
حكاية لما رد به الملائكة على لوط ، لكى يزيلوا ضيقه بهم ، وكراهيته لوجودهم عنده .
وقوله ﴿يمترون﴾ من الامتراء، وهو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على
الأوهام لا على الحقائق .
وهو - كما يقول الإمام الفخر الرازى - مأخوذ من قول العرب : مريت الناقة والشاة إذا
أردت حلبها ، فكأن الشاك يجتذب بشکه مراء ، كاللبن الذى يجتذب عند الحلب . يقال : قد
مارى فلان فلانا، إذا جادله كأنه يستخرج غضبه))(٣).
(١) تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٦٢ .
( ٢) سورة هود الآية ٧٧ .
(٣) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠٨٠.