النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ سورة إبراهيم بدون واو العطف . لأن الجملة الثانية بيان وتفسير للجملة الأولى . فيكون المراد من سوء العذاب فى سورة البقرة تذبيح الأبناء واستحياء النساء . واسم الاشارة فى قوله: ﴿وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ يعود إلى المذكور من النعم والنقم ، والبلاء : الامتحان والاختبار ، ويكون فى الخير والشر. قال - تعالى - ﴿ ونبلوكم بالخير والشر فتنة ﴾ . أى : وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه امتحان عظيم لكم من ربكم بالسراء لتشكروا وبالضراء لتصبروا ، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الشقاء والهوان . ثم حكى - سبحانه - أن موسى - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى سنة من سنن الله التى لا تتخلف فقال: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتكم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾ وقوله: ((تأذن)) بمعنى آذن أى أعلم ، يقال: آذن الأمر وبالأمر أى: أعلمه ، إلا أن صيغة التفعل تفيد المبالغة فى الإِعلام، فيكون معنى ((تأذن)): أعلم إعلاما واضحا بليغا لا التباس معه ولا شبهة . واللام فى قوله: ﴿ لئن شكرتم﴾ موطئة للقسم. وحقيقة الشكر: الاعتراف بنعم الله - تعالى - واستعمالها فى مواضعها التى أرشدت الشريعة إليها . وقوله: ((لأزيدنكم)) ساد مسد جوابى القسم والشرط . والمراد بالكفر فى قوله : ((ولئن كفرتم)» كفر النعمة وجحودها ، وعدم نسبتها إلى واهبها الحقيقى وهو الله - تعالى - كما قال قارون ﴿ إنما أوتينه على علم عندى ﴾ وعدم استعمالها فيما خلقت له ، إلى غير ذلك من وجوه الانحراف بها عن الحق . وجملة: ﴿ إن عذابي لشديد﴾ دليل على الجواب المحذوف لقوله ﴿ولئن كفرتم﴾ إذ التقدير : ولئن كفرتم لأعذبنكم ، إن عذابى لشديد . قال الجمل: ((وإنما حذف هنا وصرح به فى جانب الوعد ، لأن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد))(١) . والمعنى : واذكر أيها المخاطب وقت أن قال موسى لقومه: يا قوم إن ربكم قد أعلمكم إعلاما واضحا بليغا مؤكداً بأنكم إن شكرتموه على نعمه ، زادكم من عطائه وخيره ومننه ، وإن (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥١٥ . ۔ ٥٢٢ المجلد السابع جحدتم نعمه وغمطتموها واستعملتموها فى غير ما يرضيه ، محقها من بين أيديكم ، فإنه - سبحانه - عذابه شديد ، وعقابه أليم . هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الموجبة للشكر ، والمحذرة من الجحود فقال : وقد جاء فى الحديث الشريف: ((إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)). وروى الإِمام أحمد عن أنس قال: أتى النبى - وَلّ - سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها - أو وحش بها أى : رماها - قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقال السائل : سبحان الله !! تمرة من رسول الله - ويلز - فقال للجارية: إذهبى إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التى عندها (١) . ثم بين - سبحانه - أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم ، لأن الله - تعالى - غنى عن العالمين فقال - تعالى -: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا ، فإن اللّه لغنى حميد﴾. أى : وقال موسى - عليه السلام - لقومه: إن تجحدوا نعم اللّه أنتم ومن فى الأرض جميعا من الخلائق ، فلن تضروا اللّه شيئا ، وإنما ضرر ذلك يعود على الجاحد لنعمه ، والمنحرف عن طريقه ، فإن اللّه - تعالى - لغنى عن شكركم وشكرهم ، مستحق للحمد من جميع المخلوقين طوعا وكرها . ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى - عليه السلام - إنما قال لقومه ذلك ، بعد أن شاهد منهم علامات الإصرار على الكفر والفساد ، وترجح لديه أنهم قوم لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب ، ولمس منهم أنهم يمنون عليه أو على الله - تعالى - بطاعاتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن الإِدلال بإيمانهم، والمن بطاعتهم . فالغرض الذى سيقت له الآية إنما هو بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإِيمان إنما تعود على الطائعين الشاكرين المؤمنين ، وأن مضرة الجحود والكفران إنما تعود على الجاحدين الكافرين . أما الله - تعالى - فلن تنفعه طاعة المطيع ، ولن تضره معصية العاصى . ففى الحديث القدسى الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى ذر الغفارى ، عن رسول الله - عزَّ - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال: ((ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئا . (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٩ . ٥٢٣ سورة إبراهيم يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)) .(١) وبذلك نرى الآيات الكريمة قد زخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة ، التى ساقها الله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام - وهو يعظ قومه ، ويذكرهم بأيام الله، وبسننه فى خلقه ، وبغناه عنهم .. ثم حكى - سبحانه - جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم ، ومن المحاورات التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال - تعالى - : مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَأَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَابِمَا أَرْسِلْتُم قَالَتْ بِهِ، وَ إِنَّالَفِى شَاقِّ مِّمَا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦ رُسُلُهُمْ أَفِى اَللَّهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَلَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَخَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا (١) صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم . ٥٢٤ المجلد السابع عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَآ أَلَّانَتَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَ ننَا سُبُلَنَا ١١ وَلَنَصْبِرَّ عَلَى مَآءَ اذَيْتُمُونَا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَُّونَ ١٢ ١٠ وقوله - سبحانه -: ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ... ﴾. يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى - عليه السلام - فيكون المعنى : أن موسى - عليه السلام - بعد أن ذكر قومه بأيام الله - تعالى - ، وبنعمه عليهم ، وبسننه - سبحانه - فى خلقه .. بعد كل ذلك شرع فى تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، فقال لهم - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم .. ﴾. ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف، والخطاب فيه لأمة الرسول - وَله - فيكون المعنى: أن الله - تعالى - بعد أن بين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله - الهرم - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور ، وبين - سبحانه - أن له ما فى السموات وما فى الأرض ، وهدد الكافرين بالعذاب الشديد ، وحكى ما قاله موسى لقومه .. بعد كل ذلك وجه - سبحانه - الخطاب إلى مشركى مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال : ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ... ﴾. قال الفخر الرازى ما ملخصه: (( يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه ، والمقصود منه أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم . ويجوز أن يكون مخاطبة من الله - تعالى - على لسان موسى لقومه ، يذكرهم أمر القرون الأولى . والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود حاصل على ٥٢٥ سورة إبراهيم التقديرين، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول - وَلي) - (١). ومع أننا نؤيد الإِمام الرازى فى أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا ميل مع الأكثرين إلى الرأى الثانى، لأن قوم الرسول - عليه - هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى ، ولأن الإِمام ابن كثير - رحمه الله - يرى أنه لم يرد ذكر فى التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال : قال ابن جرير: (( هذا من تمام قول موسى لقومه ... وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله - تعالى - لهذه الأمة ، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست فى . التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ، فلاشك حينئذ أن تكون هاتان القصتان فى التوراة (٢). والاستفهام فى قوله ﴿ ألم يأتكم ... ﴾ للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذى كان مشهورا بينهم ، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب ، ومساكنهم فى بلادهم ، وهم يمرون على ديار قوم صالح فى أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة . والمراد بالذين من بعدهم: أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، كقوم إبراهيم وقم لوط وغيرهم . وقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ أى: لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا اللّه تعالى . وقوله ﴿ والذين من بعدهم﴾ مبتدأ، وقوله ﴿لا يعلمهم إلا الله ﴾ خبره، والجملة اعتراض بين المفسر - بفتح السين - وهو ﴿ نبأ الذين من قبلهم ﴾ وتفسيره وهو ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات والمعنى : لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعادتكم ، لكى تنجوا من العذاب الأليم الذى حل بالظالمين من قبلكم . وجملة ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ مستأنفة فى جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم ؟ (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٨٨ طبعة دار الكتب العلمية - طهران. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٠٠. ٥٢٦ المجلد السابع فكان الجواب : جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات الظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه . وقوله ﴿ فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ... ﴾. بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم . والضمائر فى ((ردوا)) و((أيديهم)) و((أفواههم)) تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات . وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون فى معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال : منها : أن الكفار وضعوا أناملهم فى أفواههم فعضوها غيظا وبغضا مما جاء به الرسل ، وقالوا لهم بغضب وضجر : إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات ، فاغربوا عن وجوهنا ، واتركونا وشأننا . ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإمام ابن جرير، فقد قال: ((وقوله: ﴿ فردوا أيديهم فى أفواههم ... ﴾ اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معنى ذلك ، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم فى دعائهم إياهم إلى مادعوهم إليه .. روى ذلك عن ابن مسعود وغيره . ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى : وأشبه هذه الأقوال عندى بالصواب فى تأويل هذه الآية ، القول الذى ذكرناه عن عبدالله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم فى أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال : وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ فهذا هو الكلام المعروف ، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه (١). ومنها : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها ، وقالوا للرسل على سبيل التحدى والتكذيب. ((إنا كفرنا بما أرسلتم به)) أى: لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه . ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإِمام الآلوسى ، فقد صدر الأقوال التى ذكرها به ، فقال ما ملخصه : قوله ﴿ فردوا أيديهم فى أفواههم ﴾ أى: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ، وقالوا لهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أى: على زعمكم ، وهى البينات التى (١) تفسير ابن جرير جـ ١٣ ص ١٢٧ . ٠ ٠ ٥٢٧٠ سورة إبراهيم أظهروها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها : الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم .. ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال : والذى يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة : هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار ، حيث جمعوا فى الإِنكارين : الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب ... ))(١). ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا . وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال: (( وهذا التركيب لا أعهد مثله فى كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن : ومعنى ﴿ فردوا أيديهم فى أفواههم ﴾. يحتمل عدة وجوه أنهاها فى الكشاف إلى سبعة ، وفى بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل(٢). ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل تركوهم إهمالا لشأنهم . وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه : ((وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل . أى: لم يؤمنوا ولم يجيبوا . والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده فى فيه . وهكذا قال الأخفش ، واعترض على ذلك القتيبى فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول : رد يده فى فيه، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدى حنقا وغيظا .. فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب ... (٣). وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق فى أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب .. إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال فى معناها ، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر : (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٧٣ . ( ٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ١٣ ص ١٩٦ . (٣) راجع تفسير الشوكانى جـ ٣ ص ٩٧ ففيه ما يقرب من عشرة أقوال فى معنى الآية. ٥٢٨ المجلد السابع ترون فى فيه غش الحسو د حتى يعض على الأكفا يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى بعض على أصابعه وكفيه(١). وقوله - سبحانه - ﴿ وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب ﴾ معطوف على قوله ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ . ومريب : اسم فاعل من أراب . تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة ، فمعنى مريب : موقع فى الريبة أى : فى القلق والاضطراب . أى : قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات . وإنا لفى شك كبير موقع فى الريبة مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحدانية الله، وبإخلاص العبادة له .. قال الجمل ما ملخصه: ((فإن قيل : إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل . ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون فى صحة قولهم فكيف ذلك ؟ فالجواب : كأنهم قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإن لم نكن كذلك ، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين فى صحة نبوتكم . أو يقال: المراد بقولهم ((إنا كفرنا بما أرسلتم به)) أى بالمعجزات والبينات ، وبقولهم: وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب ﴾ وهو الإِيمان والتوحيد . أو يقال: إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى شكت ... (٢). ثم بين - سبحانه - ما رد به الرسل على المكذبين من أقوامهم فقال : ﴿ قالت رسلهم أفى الله شك، فاطر السموات والأرض ، يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى .. ﴾ . والاستفهام فى قوله ﴿أفى اللّه شك﴾ للتوبيخ والإنكار، ومحل الانكار هو وقوع الشك فى وجود الله - تعالى - وفى وحدانيته . وقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ من الفطر بمعنى الخلق والإبداع من غير سبق مثال وأصله : الشق وفصل شىء عن شىء ، ومنه فطر ناب البعير أى : طلع وظهر ، واستعمل فى (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٣٤٦. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥١٦ . ٥٢٩ سورة إبراهيم الإِيجاد والإبداع والخلق لاقتضائه التركيب الذى سبيله الشق والتأليف ، أو لما فيه من الإِخراج من العدم إلى الوجود . والمعنى : قال الرسل لأقوامهم على سبيل الإِنكار والتعجب من أقوالهم الباطلة : أفى وجود الله - تعالى - وفى وجوب إخلاص العبادة له شك ، مع أنه - سبحانه - هو ﴿ فاطر : السموات والأرض ﴾ أى خالقهما ومبدعهما ومبدع ما فيهما على أحكم نظام ، وعلى غير مثال سابق .. وهو - سبحانه - فضلا منه وكرما (( يدعوكم)) إلى الإِيمان بما جئناكم به من لدنه ((ليغفر لكم)) بسبب هذا الإِيمان ((من ذنوبكم ويؤخركم)) فى هذه الدنيا ((إلى أجل مسمى)) أى : إلى وقت معلوم عنده تنتهى بانتهائه أعماركم ، دون أن يعاجلكم خلال حياتكم بعذاب الاستئصال (( رحمة بكم)) وأملا فى هدايتكم . فأنت ترى أن الرسل الكرام قد أنكروا على أقوامهم أن يصل بهم انطماس البصيرة إلى الدرجة التى تجعلهم ينكرون وجود الله مع أن الفطر شاهدة بوجوده ، وينكرون وحدانيته مع أنه وحده الخالق لكل شىء ، ويشركون معه فى العبادة آلهة أخرى ، مع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع . وجملة ﴿ فاطر السموات والأرض﴾ جىء بها كدليل على نفى الشك فى وجوده - سبحانه - وفى وجوب إخلاص العبادة له ، لأن وجودهما على هذا النسق البديع يدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقا قادرا حكيماً ، لاستحالة صدور تلك المخلوقات من غير فاعلٍ مختار . وجملة ((يدعوكم ... )) حال من اسم الجلالة، واللام فى قوله ((ليغفر لكم من ذنوبكم)) متعلقة بالدعاء . أى : يدعوكم إلى الإِيمان بنا لكى يغفر لكم . قال الشوكانى ما ملخصه: ((ومن)) فى قوله ((من ذنوبكم)) قال أبو عبيدة: إنها زائدة ، ووجه ذلك قوله - تعالى - فى موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ وقال سيبويه: هى للتبعيض ، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع ، وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران الذنوب لأمة محمد - * - غفران جميعها لغيرهم .. وقيل هى للبدل ، أى : لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ... (١). وقال الجمل: ((ويحتمل أن يضمن ((ويغفر)) معنى يخلص أى : يخلصكم من ذنوبكم ، (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ٩٨ . - ٥٣٠ المجلد السابع ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب ، وهو أولى من دعوى زيادتها ))(١). وقوله - سبحانه - ﴿ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ﴾ حكاية لرد آخر من الردود السيئة التى قابل بها المكذبون رسلهم . أى : قال الظالمون لرسلهم الذين جاءوا لهدايتهم ، ما أنتم إلا بشر مثلنا فى الهيئة والصورة والمأكل والمشرب ، تريدون بما جئتمونا به أن تصرفونا وتمنعونا عن عبادة الآلهة التى ورثتا عبادتها عن آبائنا .. فإن كنتم صادقين فى دعواكم هذه ﴿فأتونا بسلطان مبين ﴾ أى بحجة ظاهرة تدل على صدقكم وتتسلط هذه الحجة بقوتها على نفوسنا وتجذبها إلى اليقين ، من السلاطة وهى التمكن من القهر . وكأن هؤلاء الظالمين بقولهم هذا ، يرون أن الرسل لا يصح أن يكونوا من البشر، وإنما يكونون من الملائكة . وكأن ما أتاهم به الرسل من حجج باهرة تدل على صدقهم ، ليس كافيا فى زعم هؤلاء المكذبين للإِيمان بهم ، بل عليهم أن يأتوهم بحجج محسوسة أخرى ، وهكذا الجحود العقلى ، والانطماس النفسى يحمل أصحابه على قلب الحقائق ، وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية . وهنا يحكى القرآن أن الرسل - عليهم السلام - قد قابلوا هذا السفه من أقوالهم بالمنطق الحكيم ، وبالأسلوب المهذب فيقول: ﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده .. ﴾ . أى : قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإِرشاد والتنبيه : نحن نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم ، ولكن هذه الماثلة بيننا وبينكم فى البشرية ، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التى لا تحصى . فأنت ترى أن الرسل - عليهم السلام - قد سلموا للمكذبين دعواهم المماثلة فى البشرية ، فى أول الأمر ، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم ، بأن أفهموهم بطريق الاستدراك ، أن المشاركة فى الجنس لا تمنع التفاضل، فالبشر كلهم عباد الله، ولكنه - سبحانه - يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم .. فالمقصود بالاستدراك دفع ما توهمه المكذبون ، من كون المماثلة فى البشرية تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ صث ٥١٧ . ٥٣١ سورة إبراهيم قال الآلوسى: قوله - تعالى - : ﴿ قالت لهم رسلهم﴾ مجاراة لأول مقالتهم ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم ﴾ كما تقولون، وهذا كالقول بالموجب ، لأن فيه إطاعا فى الموافقة ، ثم كروا على قولهم بالإِبطال فقالوا : ﴿ولكن اللّه يمن على من يشاء من عباده ﴾. أى: إنما اختصنا الله - تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان ، والبشرية غير ما نعة لمشيئته - جل وعلا - . وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئته - تعالى - ولا يخفى ما فى العدول عن ((ولكن اللّه مَنَّ علينا))، إلى ما فى النظم الجليل منهم - عليهم السلام - (١) . . وقوله - سبحانه -: ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ﴾ حكاية لرد الرسل على قول المكذبين لهم ﴿ فأتونا بسلطان مبين ﴾. أى : وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم - أيضا -: وما صح وما استقام لنا نحن الرسل أن نأتيكم - أيها الضالون - بحجة من الحجج ، أو بخارق من الخوارق التى تقترحونها علينا ، إلا بإذن اللّه وإرادته وأمره لنا بالإِتيان بما اقترحتم ، فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه . ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضى فى دعوتهم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون والتوكل على الله معناه: الاعتماد عليه ، وتفويض الأمور إليه، مع مباشرة الأسباب التى أمر - سبحانه - بمباشرتها . أى : وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فليتوكل المؤمنون ، الصادقون ، دون أن يعبأوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين . فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده ، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا ، بدليل قولهم بعد ذلك - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ﴾. أى: وما عذرنا إن تركنا التوكل على الله - تعالى - والحال أنه - عز وجل - قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه ، فقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ، وهى طريق إخلاص العبادة له والاعتماد عليه وحده فى كل شئوننا . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٧٧ . ٥٣٢ المجلد السابع فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم فى تفويض أمورهم إلى الله ، وإلى رعاية الله - تعالى - حيث هداهم إلى طريق النجاة والسعادة . ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم ، فقالوا ﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ . أى : والله لنصبرن صبرا جميلا فى حاضرنا ومستقبلنا - كما صبرنا فى ماضينا - على إيذائكم لنا . والذى من مظاهره : عصيانكم لأقوالنا ، ونفوركم من نصحنا ، واستهزاؤكم بنا ، ومحاربتكم لنا .. ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات فى وجه الباطل فقالوا ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون ٠ أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فليثبت المتوكلون على توكلهم . وليفوضوا أمورهم إلى خالقهم ، فهو القاهر فوق عباده ، وهو الذى لا يعجزه شىء . وتقديم الجار والمجرور فى الجملة الكريمة وفيما يشبهها مؤذن بالحصر ، وأن هؤلاء الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله - تعالى - . وبهذا نرى أن الآيات الكريمة ، قد حكت لنا بأسلوب مؤثر حكيم ، جانبا من المحاورات التى دارت بين الرسل وبين مكذبيهم ، وبينت لنا كيف دافع الرسل عن عقيدتهم ، وكيف ردوا على الأقوال السيئة ، والأفعال القبيحة ، التى واجههم بها المكذبون ، وكيف أعلنوا فى قوة وعزم وإصرار ثباتهم فى وجوه أعدائهم ، ومقابلتهم الأذى بالصبر الذى لا جزع معه ، مهما صنع الأعداء فى طريقهم من عقبات ، ومهما أثاروا من أباطيل وشبهات .. ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التى دارت بين الرسل وبين أعدائهم ، وجانبا مما وعد الله به رسله - عليهم السلام - وجانبا من العذاب الذى أعده للظالمين فقال - تعالى - : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْلِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودُنَ فِى مَِّتِنَافَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْرَتُهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ، وَأَسْتَفْتَحُواْ ٥٣٣ سورة إبراهيم وَغَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿﴿مِّن وَرَآبِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ, وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ فقوله - سبحانه -: ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا ، أو لتعودن فى ملتنا ... ﴾ حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم ، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة ، وبالمنطق الحكيم . واللام فى ((لنخرجنكم)) هى الموطئة للقسم. و((أو)) للتخيير بين الأمرين. أى : وقال الذين عتوا فى الكفر - على سبيل التهديد - لرسلهم ، الذين جاءوا لهدايتهم ، والله لنخرجنكم - أيها الرسل - من أرضنا ، أو لتعودن فى ديننا وملتنا . قال الإمام الرازى: ((اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا فى دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه ، والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء ولنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا )). والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا . والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين . وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة (١). والتعبير بقوله - سبحانه - ﴿ أو لتعودن فى ملتنا﴾ يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها ، فإن العود معناه : الرجوع إلى الشىء بعد مفارقته . وهذا محال ، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر ، فضلاً عن الشرك. وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها : أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع الرسل ، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون ، الذين (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٩٩ . ٥٣٤ المجلد السابع كانوا قبل الإِيمان بالرسل على دين أقوامهم ، فكأنهم يقولون لهؤلاء الأتباع : لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها ، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا ، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب . ومنها : أن العود هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيرًا ما يرد ((عاد)) بمعنى صار، فيعمل عمل. كان ، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة ، بل يستدعى الانتقال من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفة ، فيكون المعنى : لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفارًا مثلنا . ومنها : أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم ، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم ، لسكوتهم قبل البعثة عن الإِنكار عليهم ، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا ، وهم كاذبون فيما قالوه . وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب - عليه السلام - له ﴿ لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا ... ﴾(١) . وقول قوم لوط له ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ﴾(٢). من وقوله - سبحانه -: ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم .. ﴾ بشارة عظيمة من الله - تعالى - لرسله ، ووعد لهم بالنصر على أعدائهم .. أى : فأوحى الله - تعالى - إلى الرسل - بعد أن قال لهم الكافرون - ما قالوا - : أبشروا أيها الرسل ﴿ لنهلكن الظالمين﴾ الذين هددوكم بالإخراج من الديار، أو بالعودة إلى ». ملتهم ، ﴿ ولنسكننكم﴾ - أيها الرسل - ﴿الأرض﴾ أى أرضهم ﴿ من بعدهم ﴾ أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم . قال الألوسى ما ملخصه: ((وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإِيحاء فلا مفعول . له )» . وقوله ﴿ لنهلكن﴾ على إضمار القول، أى: قائلاً لنهلكن، ويحتمل أن يكون جاريًا مجرى القول لكونه ضربًا منه ، وقوله ﴿ لنهلكن ﴾ مفعوله .. وخص - سبحانه - الظالمين من الذين كفروا ، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون ، فالتوعد لإهلاك من خلص للظلم)) (٣). (١) سورة الأعراف الآية ٨٨. ( ٢ ) سورة النمل الآية ٥٦ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ١٣ صم ١٧٩ . ٥٣٥ سورة إبراهيم وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم ، بلام القسم ونون التوكيد .. زيادة فى إدخال السرور على نفوس الرسل ، وفى تثبيت قلوبهم على الحق ، وردًا على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم . قال صاحب الكشاف: ((والمراد بالأرض فى قوله ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ﴾ ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم﴾ .. وعن النبى -* -: ((من آذى جاره ورثه الله داره)). ثم قال : ولقد عاينت هذا فى مدة قريبة ، كان لى خال يظلمه عظيم القرية التى أنا منها ويؤذينى فيه ، فمات ذلك العظيم وملكنى اللّه ضيعته ، فنظرت يومًا إلى أبناء خالى يترددون فيها ، ويدخلون فى دورها ويخرجون ويأمرون وينهون، فذكرت قول رسول الله - وله - وحدثتهم به ، وسجدنا شكرًا لله))(١) . واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - ﴿ ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد ﴾ يعود إلى ما قضى اللّه به من إهلاك الظالمين ، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم . أى : ذلك الذى قضيت به كائن لمن خاف قيامى عليه ، ومراقبتى له ، ومكان وقوفه بين يدى للحساب ، وخاف وعيدى بالعذاب لمن عصانى . قال الجمل: ((ومقامى فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقحم - وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم ، أى ذلك لمن خافنى - الثانى : أنه مصدر مضاف للفاعل . قال الفراء : مقامى مصدر مضاف لفاعله : أى قيامى عليه بالحفظ . الثالث : أنه اسم مكان ، قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدى للحساب))(٢) . وقوله - سبحانه - ﴿ واستفتحوا﴾ من الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى: طلب النصر من الله - تعالى - على الأعداء . والسين والتاء للطلب . ومنه قوله - تعالى - ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح .. ﴾ وقوله - تعالى - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا .. ﴾ . أو يكون ﴿واستفتحوا﴾ من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء، أى: واستحكموا اللّه (١) تفسير الكشاف جـ٣ ص٣٧١. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥١٨ ٥٣٦ المجلد السابع - تعالى - وطلبوا منه القضاء والحكم ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا ﴾ . بالحق وأنت خير الفاتحين والجملة الكريمة معطوفة على ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾، والضمير يعود إلى الرسل . والمعنى : والتمس الرسل من خالقهم - عز وجل - أن ينصرهم على أعدائه وأعدائهم ، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين . قالوا : ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن ﴿واستفتحوا ﴾ - بكسر التاء - أمرًا للرسل . ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين : الرسل ومكذبيهم . أى: أن كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر . وقوله ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ بيان لنتيجة الاستفتاح. والجبار: الإِنسان المتكبر المغرور المتعالى على غيره ، المدعى لمنزلة أو لشىء ليس من حقه . والعنيد : مأخوذ من العند - بفتح النون - بمعنى الميل . يقال : عند فلان عن الطريق - كنصر وضرب وكرم - عنودا ، إذا مال عنها . وعند فلان عن الحق ، إذا خالفه . والجملة الكريمة معطوفة على محذوف ، والتقدير : واستفتحوا فنصر الله - تعالى - رسله على أعدائهم ، وخاب وخسر ، كل متكبر متجبر معاند للحق . قال ابن كثير: قوله: ﴿وخاب كل جبار عنيد ﴾ أى: متجبر فى نفسه معاند للحق ، كما قال - تعالى - ﴿ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * الذى جعل مع اللّه إلهًا آخر فألقياه فى العذاب الشديد ﴾(١). وفى الحديث: ((يؤتى بجهنم يوم القيامة ، فتنادى الخلائق فتقول : إنى وكلت بكل جبار عنيد .. ))(٢) . وقال - سبحانه - ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ ولم يقل وخاب الذين كفروا كما هو مقتضى الظاهر من السياق ، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة معاندين للحق ، وأن كل من كان كذلك فلابد من أن تكون عاقبته الخيبة والخسران . وقوله ﴿ من ورائه جهنم ﴾ صفة لجبار عنيد. (١) سورة ق الآيات من ٢٤ - ٢٦ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٠٣ . ٥٣٧ سورة إبراهيم والمراد بقوله : ﴿ من ورائه﴾ أى: من أمامه، أو من بعد هلاكه . أى : من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم ، تنتظر ليحل بها ، بسبب كفره وظلمه . قال صاحب أضواء البيان : قوله ﴿ من ورائه جهنم ... ﴾ الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر ، ومنه قوله - تعالى - ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ﴾ أى : وكان أمامهم ملك .. ومنه قول الشاعر : وقومى تميم والفلاة ورائيا أترجو بنو مروان سمعی وطاعتى أى : والفلاة أماميا . وقال بعضهم : قوله ﴿ من ورائه﴾ أى من بعد هلاكه، ومنه قول النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء اللّه للمرء مذهب أى: وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الحق(١). وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد ، وتترصد له ، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها ، أو الهرب عنها . وجملة ((ويسقى من ماء صديد)) معطوفة على مقدر، أى : من ورائه جهنم يلقى فيها مذءومًا مدحورًا ، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة ، هو الصديد ، أى ما يسيل من أجساد أهل النار من دم مختلط بقيح ، واشتقاقه من الصد ، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته . وهو بدل أو عطف بيان من ماء . وقوله ﴿ يتجرعه ولا يكاد يسيغه .. ﴾ بيان لحالة هذا الجبار العنيد عند تعاطيه الصديد. والتجرع : تكلف الجرع وهو بلع الماء ، وفعله - كسمع ومنع - . ويسيغه : من السوغ وهو انحدار الشراب فى الحلق بسهولة وقبول . يقال : ساغ الشراب سوغا وسواغا ، إذا كان سهل المدخل . أى : يتكلف بلع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه ، ولا يقارب أن يسيغه فضلاً عن الإِساغة . بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة)) . وقوله ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ معطوف على قوله ﴿ يتجرعه ﴾ لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه. (١) تفسير أضواء البيان جـ ٣ ص ١٠٦ للشيخ محمد أمين الشنقيطى. ٥٣٨ المجلد السابع أى : وتأتيه الأسباب المؤدية للموت والهلاك من كل جهة من الجهات ، ومن كل موضع من مواضع بدنه ، وما هو بميت فيستريح من هذا الشقاء والعذاب ، ومن وراء كل ذلك عذاب غليظ أى : شاق شديد لا يقل فى ألمه عما هو فيه من نكال . وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزى كل كفور ﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾(٢). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق تصویرًا مؤثرًا ، تهتز له النفس ، وتوجل منه القلوب . ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم القيامة ، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة ، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم العصيب ، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - : مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَتِهِمٌّ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍأُشْتَذَتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ! (١٨ أَلَمْتَرَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ وَ مَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِبِعَزِيزٍ وَبَرَزُوْلِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ ٢٠ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَاتٍ اَللَّهِ (١) سورة فاطر الآية ٣٦. ( ٢) سورة الأعلى الآيات ١١ - ١٣ . ٠ ٥٣٩ سورة إبراهيم مِن شَىْءٍ قَالُواْلَوْهَدَ نِنَا اللَّهُ لَهَدَ يْنَكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَآَ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَالَنَا مِن مَّحِيصِ ، وَقَالَ الشَّيْطَرُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَ تُّكُمـ فَأَخْلَفْتُحِكُمْ وَمَاكَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَبْتُمْلِ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوْ أَنفُسَكُمْ قَّا أَنَأْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىٌَّ إِنِّ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّالظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ ٢٢ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِ مَّ تِيِّئُهُمْ فِهَا سَلَمُ (٢٣ قال الإمام الرازى: ((اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية المتقدمة ، بين فى هذه الآية وهى قوله - تعالى - ﴿ مثل الذين كفروا بربهم .. ﴾ . أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة ، لا ينتفعون بشىء منها . وعند هذا يظهر كمال خسرانهم ، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه فى الدنيا وجدوه ضائعًا باطلًاً))(١). والمثل : النظير والشبيه . ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمائلة مضربه بمورده ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة ، أو الحال ، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة . والمراد بأعمال الذين كفروا فى الآية الكريمة : ما كانوا يقومون به فى الدنيا من أعمال حسنة (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ١٠٤ . ٥٤٠ المجلد السابع كإطعام الطعام ، ومساعدة المحتاجين ، وإكرام الضيف ، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة . والرماد : ما يتبقى من الشىء بعد احتراق أصله ، كالمتبقى من الخشب أو الحطب بعد احتراقهما . والعاصف : من العصف وهو اشتداد الريح ، وقوة هبوبها . قال الجمل: ((وقوله: ﴿مثل الذين كفروا .. ﴾ فيه أوجه للإِعراب: أحدها وهو مذهب سيبويه : أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره : فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، وتكون الجملة من قوله ﴿ أعمالهم كرماد .. ﴾ مستأنفة جواب السؤال مقدر، كأنه قيل : كيف مثلهم .. ؟ فقيل : كيت وكيت . والثانى: أن يكون ((مثل)) مبتدأ و((أعمالهم)) مبتدأ ثان، و((كرماد)) خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول .... )) (١). والمعنى : حال أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشىء منها فى الآخرة ، كحال الرماد المكدس الذى أتت عليه الرياح العاصفة ، فمحقته وبددته ، ومزقته تمزيقًا لا يرجى معه اجتماع . فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون فى الدنيا من أعمال البر والخير . ووجه الشبه : الضياع والتفرق وعدم الانتفاع فى كل ، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا ، فكذلك أعمال الكافرين فى الآخرة تصير هباء منثورًا ، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإِيمان وإخلاص العبادة الله - تعالى - . ووصف - سبحانه - اليوم بأنه عاصف - مع أن العصف شدة الريح - للمبالغة فى وصف زمانها - وهو اليوم - بذلك ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما . وقوله - سبحانه - ﴿ لا يقدرون مما كسبوا على شىء ﴾ بيان للمقصود من التشبيه ، وهو أن هؤلاء الكافرين ، لا يقدرون يوم القيامة ، على الانتفاع بشىء مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير ، لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثوابًا ، أو تخفف عنهم عذابا . قال الآلوسى: ((وفى الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت : يا رسول - (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥٢٠ .