النص المفهرس
صفحات 501-520
تفسير سُورَة إبراهيم ٥٠٣ سورة إبراهيم بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ . مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه . وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة ابراهيم - عليه السلام - ، توخيت فيه أن يكون تفسيرا تحليليا ، خاليا من الآراء السقيمة ، والأقوال الضعيفة . والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه ، نافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم المؤلف د . محمد سيد طنطاوى ٠ المدينة المنورة : ٢٨ من المحرم سنة ١٤٠٢ هـ ٢٤ من نوفمبر سنة ١٩٨١ م ٦ ٥٠٥ مقدمة تعريف بسورة إبراهيم - عليه السلام - ١ - سورة إبراهيم - عليه السلام - هى السورة الرابعة عشرة فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول ، فقد كان بعد سورة نوح - عليه السلام - . وقد ذكر السيوطى قبلها سبعين سورة من السور المكية(١) . ٢ - وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية فى المصحف الكوفى، وإحدى وخمسون فى البصرى ، وأربع وخمسون فى المدنى ، وخمس وخمسون فى الشامى . ٣ - وسميت بهذا الاسم ، لاشتمالها على الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه ، ولا يعرف لها اسم آخر سوى هذا الاسم . ٤ - وجمهور العلماء على أنها مكية ، وليس فيها آية أو آيات غير مكيه . وقال الآلوسى: (( أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة . والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك ، وهو الذى عليه الجمهور . وأخرج النحاس فى ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما قوله - تعالى -: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار ﴾ فإنهما نزلتا فى قتلى بدر من المشركين .. (٢). وسنرى عند تفسيرنا لهاتين الآيتين ، أنه لم يقم دليل يعتمد عليه على أنهما مدنيتان . وأن السورة كلها مكية كما قال جمهور العلماء . ٥ - هذا ، وبمطالعتنا لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل نراها فى مطلعها تحدثنا عن وظيفة القرآن الكريم ، وعن جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وعن سوء عاقبة الكافرين ، وعن الحكمة فى إرسال كل رسول بلسان قومه قال - تعالى -: ﴿الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ﴾ .. (١) راجع الاتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ ، تحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٦١ طبعة منير الدمشقى . ٥٠٦ المجلد السابع وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء ، وبهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم ﴾ . ثم نراها بعد ذلك تحدثنا عن طرف من رسالة موسى - عليه السلام - مع قومه ، وعن أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وعن نماذج من المحاورات التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم . قال - تعالى -: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ، إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور .. ﴾ . ثم تضرب السورة الكريمة بعد ذلك مثلا لأعمال الكافرين ، وتصور أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، وتحكى ما يقوله الشيطان لهم فى ذلك اليوم .. فتقول : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم کرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذلك هو الضلال البعيد .. وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ﴾ .. وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ﴾. ثم تسوق السورة مثلا آخر لكلمتى الإيمان والكفر فتقول : ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ﴾ .. ثم يحكى ألوانا متعددة من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته ونعمه على عباده فتقول : ﴿ اللّه الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار .. ﴾ . ثم تسوق بعد ذلك تلك الدعوات الصالحات الجامعات لأنواع الخير ، التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فتقول : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام ... ﴾. رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴾ . ثم يختم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بآيات فيها ما فيها من أنواع العذاب الذى أعده للظالمين ، وفيها ما فيها من ألوان التحذير من السير فى طريق الكافرين والجاحدين فيقول : ﴿ ولا تحسين الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. ٠ ٥٠٧ مقدمة مهطعين مقنعى رءوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ... ﴾ : هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولوا الألباب ). ٦ - ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة ، نراهاقد اهتمت بأمور من أبرزها ما يلى : ( أ ) تذكير الناس بنعم خالقهم عليهم ، وتحريضهم على شكر هذه النعم وتحذيرهم من جحودها وكفرها .. ومن الآيات التى وردت فى هذه السورة فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾. وقوله - تعالى -: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإِنسان لظلوم كفار ﴾ . (ب) تسلية الرسول - * - عما لقيه من مشركى قريش ، تارة عن طريق ما لقيه الأنبياء السابقون من أقوامهم ، وتارة عن طريق بيان أن العاقبة للمتقين . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ، جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب ... ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم ... ﴾ . (جـ ) اشتمال السورة الكريمة على أساليب متعددة للترغيب فى الإِيمان ، وللتحذير من الكفر ، تارة عن طريق ضرب الأمثال ، وتارة من طريق بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وتارة عن طريق حكاية ما سيقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، وما سيقوله الضعفاء للذين استكبروا وما سيقوله الظالمون يوم يرون العذاب .. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها فى السماء . تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾. وقوله - تعالى -: ﴿ فلا تحسين اللّه مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ﴾. ٥٠٨ المجلد السابع وقوله - تعالى -: ﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ... ﴾ . هذه بعض الموضوعات التى اهتمت السورة بإبرازها وبتركيز الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى عنيت السورة بتفصيل الحديث عنها ، ويراها المتدبر لآياتها .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ٥٠٩ مقدمة التفسير قال الله تعالى : ـمِاللَّهِ الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ 3.1 الرَّكِتَبُّ أَنْزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ النُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١ اللَّهِالَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اْلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْ لَئِكَ فِ ضَلٍ بَعِيدٍ ، وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمَّ فَيُضِلُ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - : ﴿الر﴾. وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور : آل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد . وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن . ٥١٠ المجلد السابع فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله. هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله . ے قال - تعالى -: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين﴾(١). وقوله ﴿ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ تنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان للغرض السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله . والظلمات : جمع ظلمة ، والمراد بها : الكفر والضلال ، والمراد بالنور : الإِيمان والهداية . والباء فى ﴿بإذن ربهم﴾ للسببية، والجار والمجرور متعلق بقوله ﴿لتخرج﴾. والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشىء إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ، لأنه يبتلع المارين فيه ، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش . والمعنى : هذا كتاب جليل الشأن ، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ، لكى تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال ، إلى نور الإِيمان والعلم والهداية ، وهذا الإِخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره . وقوله ﴿إلى صراط العزيز الحميد﴾ بدل من قوله ﴿ إلى النور﴾. أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله ﴿العزيز ﴾ أى: الذى يَغلب ولا يُغلب ﴿الحميد﴾ أى : المحمود بكل لسان. وأسند - سبحانه - الإِخراج إلى النبى - يطل * - باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان ، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإمام الرازى - ، لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإِيمان بالنور، لأنه نهاية ما ينجلى به طريق هدايته)) (٢). وفى جمع ((الظلمات)) وإفراد ((النور)) إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ، وأما الإيمان (١) سورة البقرة الآية ٢٣ . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٧٢ . ٥١١ سورة إبراهيم فطريق واحد . وقوله - سبحانه -: ﴿بإذن ربهم ﴾ احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط ، أما الهداية فمن الله وحده . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال : ﴿ اللّه الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ... ﴾ . أى: الله - تعالى - وحده هو الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ملكا ومُلكا وخلقا لا يشاركه فى ذلك مشارك ، ولا ينازعه منازع . ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز الحميد . وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : هو اللّه الذى له ما فى السموات ومافى الأرض . وجملة ((وويل للكافرين من عذاب شديد)) تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه. ولفظ ((ويل)) مصدر لا يعرف له فعل من لفظه مثل ((وبح)) وجاء مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام ، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة ، أى: الله - تعالى - هو الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ، وويل للكافرين بما أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - من عذاب شديد سينزل بهم ، فيجعلهم يستغيثون دون أن يجدوا من يغيثهم . ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة ، التى أردتهم وأهلكتهم فقال - تعالى - : ﴿ الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا .. ﴾. ويستحبون : بمعنى يحبون ، فالسين والتاء للتأكيد ، أى : يختارون ويؤثرون ولذا عداه بعلى . أى : يختارون شهوات الحياة الدنيا . ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات .. و((ويصدون)) من الصد، وهو صرف الغير عن الشىء ومنعه منه يقال : صد فلان فلانا عن فعل الشىء ، إذا منعه من فعله . وسبيل اللّه: طريقه الموصلة إليه وهو ملة الإسلام. ويبغون من البغاء - بضم الباء - بمعنى الطلب . يقال : بغيت لفلان كذا ، إذا طلبته له ، وبغيت الشىء أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته . ٥١٢ المجلد السابع والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج - كتعب . إلا أن بعضهم يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال والعقائد ، وأن مفتوحها يكون فى المرئيات كالأجساد والمحسوسات . أى : أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها ، ولا يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل فى طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها ، ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم ، مع أنها أقوم طريق ، وأعدل سبيل . والضمير المنصوب فى قوله ((يبغونها)) يعود إلى سبيل الله. أى يبغون لها العوج، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير ، كما فى قوله ﴿ وإذا كالوهم ... ﴾ أى: كالوا لهم. وقوله ﴿ عوجا﴾ مفعول به ليبغون. وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى ((يبغونها)»، وهو الهاء هو المفعول، وجعل ((عوجا)) حال من سبيل الله أى: ويريدونها أن تكون فى حال اعوجاج واضطراب. وقوله: ﴿أولئك فى ضلال بعيد ﴾ بيان الحكم العادل الذى أصدره - سبحانه - عليهم . أى : أولئك الموصوفون بما ذكر فى ضلال بعيد عن الحق . والإِشارة بأولئك الدالة على البعد ، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال ، وأبشع الرذائل . وعبر بفى الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم ، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف . قال الآلوسى : وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم ما لا يخفى ، حيث أسند فيها الى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده ... ويجوز أن يقال : إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به ، بناء على أن البعد فى الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده ، وسبب بعده ضلاله ، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه ، فيكون كقولك : قتل فلانا عصيانه ، والإِسناد مجازى وفيه المبالغة المذكورة أيضا .(١) . ثم بين - سبحانه - منة أخرى من مننه على عباده فقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ﴾ . قال الإِمام الرازى ما ملخصه: ((اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى أول السورة ﴿ كتاب ( ١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٦٥. م م ٥١٣ سورة إبراهيم أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ... ﴾ كان هذا إنعاما على الرسول ، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر ... ثم ذكر فى هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإِحسان فى الوجهين : أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة .. وأما بالنسبة لعامة الخلق ، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم ... ))(١) والباء فى قوله ((بلسان)) للملابسة ، والمراد باللسان : اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه .. والمعنى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسولا من الرسل إلى قوم من الأقوام ، إلا وكانت لغته كلغتهم ، لكى يتيسر لهم أن يفهموا عندما يريد أن يبلغهم إياه من الأوامر والنواهى .. قال ابن كثير: (( هذا من لطفه - تعالى - يخلقه : أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإِمام أحمد . حدثنا وكيع ، عن عمر بن ذر قال : قال مجاهد : عن أبى ذر قال : قال رسول الله - ◌َ -: ((لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه)(٢). وقال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم يبعث رسول الله - وَلــ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا ، وهم على ألسنة مختلفة . فإن لم تكن للعرب حجة ، فلغيرهم الحجة . وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد . فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول -* - لأنهم أقرب إليه . فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم ، مع ما فى ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد ، واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٧٩ . ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٩٧ . ------ ٥١٤ المجلد السابع التنازع والاختلاف ... ) (١) وقال الشوكانى: ما ملخصه: ((وقد قيل فى هذه الآية إشكال ، لأن النبى - * - أرسل إلى الناس جميعا، ولغاتهم متباينة ... وأجيب: بأنه - * - وإن كان مرسلا إلى الثقلين ، لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم ، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم . ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل اليهم ، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم ، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى فى لسانها مالا يعرفه غيرها . وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون ))(٢) . وجملة (( فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء)) مستأنفة. أى : فيضل الله من يشاء إضلاله ، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه . وهدى من يشاء هدايته ، لاراد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه . ((وهو)) سبحانه ((العزيز)) الذى لا يغلبه غالب ((الحكيم)) فى كل أفعاله وتصرفاته. قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: وتفريع قوله ((فيضل الله من يشاء ... الخ)) على مجموع جملة (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم))، ولذلك جاء فعل ((يضل)) مرفوعا غير منصوب ، إذ ليس عطفا على فعل ((ليبين )) لأن الإِضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع على الإِرسال المعلل بالتبيين . والمعنى : أن الإِرسال بلسان قومه لعلة التبيين . وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء ، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم))(٣) . ٤. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة الرسول - ﴾ - كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا فى كفرهم وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ولطفه بعباده ، وفضله عليهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن رسالة موسى - عليه السلام - كانت أيضا لإِخراج (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٦٦ . (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ١٤ . (٣) تفسير التحرير والتنوير جـ ١٣ ص ١٨٨ للشيخ الفاضل بن عاشور .. L ... ٥١٥ سورة إبراهيم قومه من الظلمات إلى النور ، ولتذكيرهم بنعم خالقهم عليهم ، وبغناه عنهم ، فقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥) وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُ وانِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْأَ نْجَنَكُمْ مِنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَّكُمْ سُوَءَ اُلْعَذَابِ وَيُذَتِجُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلٌَ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيٌِ ﴿ وَقَالَ مُوسَىّ إِنْ تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ٨ جَميعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ قال الإِمام الرازى: ((اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه أرسل محمدا - وَلة - إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه فى ذلك الإِرسال وفى تلك البعثة ، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم ، وكيفية معاملة أقوامهم معهم . تصبيرا له - # - على أذى قومه، وبدأ - سبحانه - بقصة موسى فقال: ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ... ﴾(١). وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران ، ابن يصهر ، ابن ماهيث ... وينتهى نسبه إلى لاوى بن يعقوب عليه السلام . : (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٨٣ . ٥١٦ المجلد السابع وكانت ولادة موسى - عليه السلام - فى حوالى القرن الرابع عشر قبل الميلاد . والمراد بالآيات فى قوله: ﴿بآياتنا ﴾ الآيات التسع التى أيده الله تعالى بها قال تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ﴾(١). وهى : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدمَ ، والجدب - أى فى بواديهم ، والنقص من الثمرات - أى فى مزارعهم . قال - تعالى -: ﴿ فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هى بيضاء (٢) للناظرين وقال - تعالى -: ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ﴾ (٣). وقال - تعالى - : ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين﴾ (٤). ومنهم من يرى أنه يصح أن يراد بالآيات هنا آيات التوراة التى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - . قال الآلوسى ما ملخصه: ((قوله: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ﴾ أى: ملتبسا بها. وهى كما أخرج ابن جرير وغيره ، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير ، الآيات التسع التى أجراها الله على يده - عليه السلام - وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة))(٥) . ويبدو لنا أنه لا مانع من حمل الآيات هنا على ما يشمل الآيات التسع ، وآيات التوراة ، فالكل كان لتأييد موسى - عليه السلام - فى دعوته . و(( أن)) فى قوله ﴿ أن أخرج قومك﴾ تفسيرية بمعنى أى: لأن فى الإِرسال معنى القول دون حروفه . والمراد بقومه : من أرسل لهدايتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان ، وهم : بنو إسرائيل وفرعون وأتباعه . وقيل : المراد بقومه : بنو إسرائيل خاصة ، ولا نرى وجها لهذا التخصيص ، لأن رسالة (١ ) سورة الإسراء الآية ١٠١ . ( ٢) سورة الأعراف الآيتان ١٠٧، ١٠٨. (٣) سورة الأعراف الآية ١٣٠ . (٤ ) سورة الأعراف الآية ١٣٣. (٥) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٦٨. : ٥١٧ سورة إبراهيم موسى - عليه السلام - كانت لهم ولفرعون وقومه . والمعنى : وكما أرسلناك يا محمد لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، أرسلنا من قبلك أخاك موسى إلى قومه لكى يخرجهم - أيضا- من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان . فالغاية التى من أجلها أرسلت - أيها الرسول الكريم - هى الغاية التى من أجلها أرسل كل نبى قبلك ، وهى دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وخص - سبحانه - موسى بالذكر من بين سائر الرسل . لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة الاسلامية . وأكد - سبحانه - الاخبار عن إرسال موسى بلام القسم وحرف التحقيق قد ، لتنزيل المنكرين لرسالة النبى - خل - منزلة من ينكر رسالة موسى - عليه السلام - وقوله - تعالى -: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ معطوف على قوله ﴿ أن أخرج قومك﴾. والتذكير : إزالة نسيان الشىء ، وعدى بالباء لتضمينه معنى الإِنذار والوعظ : أى ذكرهم تذكير عظة بأيام اللّه . ومن المفسرين من يرى أن المراد بأيام الله : نعمه وآلاؤه . قال ابن كثير : قوله: ﴿وذكرهم بأيام الله ﴾ أى: بأياديه ونعمه عليهم، فى إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه ، وإنجائه إياهم من عدوهم ، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى))(١) . ومنهم من يرى أن المراد بها ، نقمه وبأساؤه . قال صاحب الكشاف: قوله: ((وذكرهم بأيام اللّه)) أى: وأنذرهم بوقائعه التى وقعت على الأمم قبلهم ، كما وقع على قوم نوح وعاد وثمود ، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها ، كيوم ذى قار، ويوم الفجار، وهو الظاهر))(٢). ومنهم من يرى أن المراد بها ما يشمل أيام النعمة ، وأيام النقمة . قال الإمام الرازى ما ملخصه: ((أما قوله ((وذكرهم بأيام الله)) فاعلم أنه - تعالى - أمر موسى فى هذا المقام بشيئين ، أحدهما : أن يخرجهم من الظلمات إلى النور . والثانى : أن يذكرهم بأيام الله . مح ويعبر عن الأيام بالوقائع العظيمة التى وقعت فيها .. ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٦٨. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٦٧ . ہے ٥١٨ المجلد السابع فالمعنى : عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، فالترغيب والوعد ، أن يذكرهم بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل .. والترهيب والوعيد . أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ، ممن كذب الرسل من الأمم السالفة ... ثم قال : واعلم أن أيام اللّه فى حق موسى - عليه السلام - منها ما كان أيام المحنة والبلاء ، وهى الأيام التى كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ، ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى عليهم .. ))(١). وقال الآلوسی : ( قوله : ﴿ وذکرهم بأيام الله ﴾ أى : بنعمائه وبلائه ، کما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - واختاره الطبرى ، لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتى من الكلام )) (٢) . وما ذهب إليه الإِمامان الرازى والألوسى ، هو الذى تسكن إليه النفس ، لأن الأيام كلها وإن كانت لله ، إلا أن المراد بها هنا أيام معينة ، وهى التى برزت فيها السراء أو الضراء بروزا ظاهرا ، كانت له آثاره على الناس الذين عاشوا فى تلك الأيام . وبنو إسرائيل - على سبيل المثال - مرت عليهم فى تاريخهم الطويل ، أيام غمروا فيها بالنعم ، وأيام أصيبوا فيها بالنقم . 4 فالمعنى : ذكر ياموسى قومك بنعم الله لمن آمن وشكر ، وبنقمه على من جحد وكفر ، لعل هذا التذكير يجعلهم يثوبون إلى رشدهم ، ويتبعونك فيما تدعوهم إليه . واسم الإشارة فى قوله: ﴿إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ يعود على التذكير بأيام الله. والصبار : الكثير الصبر على البلاء ، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه الشرع فعلا أو تركا . يقال : صبره عن كذا يصبره إذا حبسه . والشكور: الكثير الشكر لله - تعالى - على نعمه ، والشكر : عرفان الإِحسان ونشره والتحدث به ، وأصله من شكرت الناقة - كفرح - إذا امتلأ ضرعها باللبن ، ومنه أشكر الضرع إذا امتلأ باللبن .. أى : إن فى ذلك التذكير بنعم الله ونقمه ، لآيات واضحات ، ودلائل بينات على وحدانية (١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٨٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٦٨ . ٥١٩ سورة إبراهيم الله - تعالى - وقدرته وعلمه ، وحكمته ، لكل إنسان كثير الصبر على البلاء ، وکثیر الشكر على النعماء . وتخصيص الآيات بالصبار والشكور لأنها هما المنتفعان بها وبما تدل عليه من دلائل على وحدانية الله وقدرته ، لا لأنها خافية على غيرهما ، فإن الدلائل على ذلك واضحة لجميع الناس . وجمع - سبحانه - بينهما ، للإشارة إلى أن المؤمن الصادق لا يخلو حاله عن هذين الأمرين ففى الحديث الصحيح عن رسول الله -* - أنه قال: ((إن أمر المؤمن كله عجب ، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له))(١) . وقدم - سبحانه - صفة الصبر على صفة الشكر ، لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر ، أو لأن الصبر من قبيل الترك ، والتخلية مقدمة على التحلية . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - قد امتثل أمر ربه فقال : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، ويذبحون أبناءكم ، ويستحيون نساءكم ... و((إذ)) ظرف لما مضى من الزمان ، وهو متعلق بمحذوف تقديره أذكر . والمراد بقوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم): تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنن التى · امتن الله بها عليكم ، وقوموا بحقوقها، وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم. فإن التحدث بنعم اللّه فيه إغراء بشكرها . ((آل فرعون)) حاشيته وخاصته من قومه . وفرعون : لقب ملك مصر فى ذلك الوقت ، كما يقال لملك الروم قيصر .. ويسومونكم من السوم وهو مطلق الذهاب أو الذهاب فى ابتغاء الشىء ، يقال : سامت الإِبل فهى سائمة . أى: ذهبت فى المرعى ، وسام السلعة : إذا طلبها وابتغاها . وسامه خسفا ، إذا أذله واحتقره وكلفه فوق طاقته . و﴿ سوء العذاب﴾ أشده . والسوء - بالضم - كل ما يدخل الحزن والغم على نفس الإِنسان . وهو فى الأصل مصدر، ويؤنث بالألف فيقال السوأى . (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٨ . ٥٢٠ المجلد السابع وقوله ﴿ ويستحيون نساءكم ﴾ من الاستحياء بمعنى الاستبقاء، يقال: استحيا فلان فلانا أى : استبقاه وأصله طلب له الحياة والبقاء. والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - أو أيها المخاطب وقت أن قال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل الإِرشاد والتوجيه إلى الخير: يا قوم ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ أى: داوموا على شكر الله، فقد أسبغ عليكم نعما كثيرة من أبرزها أنه - سبحانه - أنجاكم من آل فرعون الذين كانوا يصبون عليكم أشد العذاب وأفظعه ، وكانوا يذبحون أبناءكم الصغار ، ويستبقون نساءكم .. وجعل - سبحانه - النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا فى إذاقتهم سوء العذاب . وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى اسرائيل ، لأن هذا الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء عليهن ، واستعمالهن فى الخدمة بالاسترقاق ، فبقاؤهن بعد فقد الذكور بقاء ذليل ، وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة . قال الآلوسي: قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ أى: ويبقونهن فى الحياة مع الذل. ولذلك عد من جملة البلاء ، أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية فى ذاته كما قيل : بقاء البنات وموت البنينا(١) اری الرزء فیما ومن أعظم وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا : الأطفال الصغار ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث إن فرعون وآله ، كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال ، لما قامت أم موسى بإلقائه فى البحر وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح . وقال - سبحانه - هنا ﴿ يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ) لأن المقصود هنا تعداد المحن التى حلت ببنى اسرائيل ، فكان المراد بجملة ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ نوعا منه، وكان المراد بجملة ﴿ويذبحون أبناءكم) نوعا آخر منه، لذا وجب العطف ، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى ، وإنما هى تمثل نوعا آخر من العذاب الذى حل ببنى إسرائيل . بخلاف قوله - تعالى - فى سورة البقرة ﴿ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ﴾ (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٧٠ .