النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة الرعد والرواسى : الجبال مأخوذ من الرسو ، وهو ثبات الأجسام الثقيلة ، يقال : رسا الشىء يرسو رسْوا ورسُوًّا ، إذا ثبت واستقر، وأرسيت الوتد فى الأرض إذا أثبته فيها . ولفظ رواسى : صفة لموصوف محذوف . وهو من الصفات التى تغنى عن ذكر موصوفها . والأنهار: جمع نهر ، وهو مجرى الماء الفائض ، ويطلق على الماء السائل على الأرض . والمراد بالثمرات : ما يشملها هى وأشجارها ، وإنما ذكرت الثمرات وحدها ، لأنها هى موضع المنة والعبرة . والمراد بالزوجين : الذكر والأنثى ، وقيل المراد بهما الصنفان فى اللون أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك . والمعنى: وهو - سبحانه - الذى بسط الأرض طولاً وعرضًا إلى المدى الذى لا يدركه البصر ، ليتيسر الاستقرار عليها . ولا تنافى بين مدها وبسطها . وبين كونها كروية ، لأن مدها وبسطها على حسب رؤية العين ، وكرويتها حسب الحقيقة . وجعل فى هذه الأرض جبالاً ثوابت راسخات ، لتمسكها من الاضطراب ، وجعل فيها - أيضًا - أنهارًا، لينتفع الناس والحيوان وغيرهما بمياه هذه الأنهار . وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى . قال صاحب الكشاف: (( أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت . وقيل : أراد بالزوجين: الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير والكبير ، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة))(١) . وقال صاحب الظلال: «وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريبًا ، وهى أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى ، حتى النباتات التى كان مظنونًا أنه ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر ، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة فى زهرة، أو متفرقة فى العود ... )»(٢). (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٤٩. طبعة دار المعرفة - ببيروت. (٢) تفسير فى ظلال القرآن جـ ٤ ص ٢٠٤٦ طبعة دار الشروق . ٤٤٢ المجلد السابع وقوله ﴿ يغشى الليل النهار﴾ بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده . ولفظ ﴿ يغشى ﴾ من التغشية بمعنى التغطية والستر . والمعنى : أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيًا له فيذهب بنوره وضيائه . فيصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئًا . ويجعل النهار غاشيًا لليل ، فيصير الكون مضيئًا بعد أن كان مظلمًا ، وفى ذلك من منافع الناس ما فيه ، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعى والسكون . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾. أى: إن فى ذلك الذى فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولاً وعرضًا ومن تثبيتها بالرواسى ، ومن شقها بالأنهار ... لآيات باهرة ، ودلائل ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده ، لقوم يحسنون التفكر ، ويطيلون التأمل فى ملكوت السموات والأرض . ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى - : ﴿وفى الأرض قطع متجاورات ﴾ . والقطع : جمع قطعة - بكسر القاف - وهى الجزء من الشىء ، تشبيها لها ، بما يقتطع من الشىء . ومتجاورات . أى : متلاقيات ومتقاربات . وليس هذا الوصف مقصودًا لذاته ، بل المقصود أنها مع تجاورها وتقاربها مختلفة فى أوصافها مما يشهد بقدرة الله - تعالى - العظيمة . ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: ﴿وفى الأرض قطع متجاورات ﴾ أى: أراض يجاور بعضها بعضًا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئًا ، وهذه تربتها حمراء ، وتلك تربتها سوداء ... وهذه محجرة وتلك سهلة ... والكل متجاورات ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو ولا رب سواه (١). وقال - سبحانه - ﴿وفى الأرض قطع متجاورات﴾ بإعادة اسم الأرض الظاهر ، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال: ﴿ جعل فيها زوجين اثنين) فى الآية السابقة ، وذلك ليكون كلامًا مستقلا ، وليتجدد الأسلوب فيزداد حلاوة وبلاغة . وقوله ﴿وجنات من أعناب (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٥٣ طبعة دار الشعب. . ٤٤٣ سورة الرعد وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض فى الأكل ... ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده . والجنات : جمع جنة ، والمراد بها البستان ذو الشجر المتكاثف ، الملتف الأغصان الذى يظلل ما تحته ويستره . والأعناب : جمع عنب وهو شجر الكرم . والمراد بالزرع : أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها وطعومها وصفاتها وقوله ﴿ صنوان ﴾ صفة لنخيل ، وهو جمع صنو . والصنو : الفرع الذى يجمعه مع غيره أصل واحد ، فإذا خرجت نخلتان أو أكثر من أصل واحد ، فكل واحدة منهن يطلق عليها اسم صنو . ويطلق على الاثنتين صنوان - بكسر النون - ويطلق على الجمع صنوان - بضم النون - . والصنو : بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل : صنو أبيه ، أى : مثله ، فأطلق على كل غصن صنو لماثلته للآخر فى التفرع من أصل واحد ((والأكل)) اسم لما يؤكل من الثمار والحب. والمعنى : أن من مظاهر قدرة الله - أيضا - ومن الأدلة على وحدانيته - سبحانه - أنه جعل فى الأرض بقاعا كثيرة متجاورة ومع ذلك فهى مختلفة فى أوصافها وفى طبيعتها .. وفيها أيضًا بساتين كثيرة من أعناب ومن كل نوع من أنواع الحبوب . وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد فهى صنوان ، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل واحد فهى غير صنوان . والكل من الأعناب والزرع والنخيل وغيرها ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ لا اختلاف فى ذاته سواء أكان السقى من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار ومع وجود أسباب التشابه ، فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا ﴿نفضل بعضها على بعض﴾ آخر منها ﴿فى الأكل﴾ أى: فى اختلاف الطعوم . قال الإِمام الرازى: (( قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان﴾ كلها بالرفع عطفا على قوله ﴿وجنات﴾ وقرأ الباقون بالجر عطفًا على الأعناب ... ))(١) . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٧٠ طبعة عبد الرحمن محمد . ٤٤٤ المجلد السابع وخص - سبحانه - النخيل بوصفه بصنوان ، لأن العبرة به أقوى ، إذ المشاهدة له أكثر من غيره . ووجه زيادة ﴿ غير صنوان﴾ تجديد العبرة باختلاف الأحوال ، واقتصر - سبحانه - فى التفاضل على الأكل ، لأنه أعظم المنافع . وقوله - سبحانه - ﴿ إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ تذييل قصد به الحض على التعقل والتدبر . أى : إن فى ذلك الذى فصل الله - تعالى - أحواله من اختلاف أجناس الثمرات والزروع فى أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها ... مع أنها تسقى بماء واحد . وتنبت فى أرض متجاورة ، إن فى ذلك كله لدلائل باهرة ، على قدرة الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة ، لقوم يستعملون عقولهم فى التفكير السليم ، والتأمل النافع . أما الذين يستعملون عقولهم فيما لا ينفع ، فإنهم يمرون بالعبر والعظات وهم عنها معرضون . وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ساق فى هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة من العالم العلوى والسفلى ، وكلها تدل على عظيم قدرته ، وجليل حكمته . وهذه الأدلة منها : ١ - خلقه السموات مرتفعة بغير عمد . ٢ - تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس . ٣ - خلقه الأرض بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها . ٤ - خلقه الجبال فيها لتثبيتها . ٥ - خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإِنسان والحيوان والنبات . ٦ - خلقه زوجين اثنين من كل نوع من أنواع الثمار . ٧ - معاقبته بين الليل والنهار . ٨ - خلقه بقاعا فى الأرض متجاورة مع اختلافها فى الطبيعة والخواص . ٩ - خلقه أنواعًا من الزروع المختلفة فى ثمارها وأشكالها . ١٠ - خلقه النخيل صنوانًا وغير صنوان ، وجميعها تسقى بماء واحد . ومع كل ذلك فضل - سبحانه - بعضها على بعض فى الأكل . ٤٤٥ سورة الرعد وهذه الأدلة يشاهدها الناس بأبصارهم ، ويحسونها بحواسهم ، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى خلقه ، ساق - سبحانه - بعض أقوال المشركين الفاسدة ، ورد عليها بما يدحضها فقال - تعالى - : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمْ أَءِ ذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِ نَالَفِىِ خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَلُ فِي أَعْنَاقِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ )) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُوْ مَغْفِرَةٍلِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ٌ، وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُ واْ لَوَلَاً أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّهِ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ® قال القرطبى : قوله - تعالى -: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ أى: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين . فأعجب منه تكذيبهم بالبعث - لأن من شاهد ما عدد - سبحانه - من الآيات الدالة على قدرته . أيقن بأن من قدر على إنشائها ، كانت الإعادة أهون شىء عليه وأيسره ، والله - تعالى - لا يتعجب ، ولا يجوز عليه التعجب ، لأنه - أى التعجب - تغير النفس بما تخفى أسبابه ، وذلك فى حقه - تعالى - محال ، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون))(١) . وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له ، أى : وإن تعجب أيها العاقل لشىء بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ما شاهدت فازدد تعجبا ممن ینکر بعد كل هذا قدرته - سبحانه - على إحياء الموتى . (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٨٤ طبعة دار الكتب . ٤٤٦ المجلد السابع قال الجمل: وقوله ﴿ فعجب قولهم﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه خبر مقدم وقولهم مبتدأ . مؤخر ، ولابد من حذف صفة لتتم الفائدة ، أى : فعجب أى عجب قولهم . أو فعجب غريب قولهم . والثانى أنه مبتدأ ، وسوغ الابتداء ما ذكرته من الوصف المقدر ، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة (١) . والتنكير فى قوله ﴿ فعجب ﴾ للتهويل والتعظيم. وجملة ﴿ أئذا كنا ترابًا أننا لفى خلق جديد﴾ فى محل نصب مقول القول . أى : وإن تعجب من شىء - أيها الرسول الكريم - فاعجب من قول أولئك المشركين : أئذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أننا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة أخرى من جديد . والاستفهام للإنكار ، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم، كما حكى القرآن عنهم قولهم فى آية أخرى: ﴿أئذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد ﴾(٢). وكرر همزة الاستفهام فى ﴿ أئذا، وأئنا .. ﴾ لتأكيد هذا الإنكار . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال - تعالى - ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم ... ﴾ . أى: أولئك المنكرون لقدرة الله - تعالى - على البعث، هم الذين كفروا بربهم ﴿وأولئك . الأغلال فى أعناقهم ﴾ والأغلال : جمع غل . وهو قيد من حديد تشد به اليد إلى العنق ، وهو أشد أنواع القيود . أى : وأولئك هم الذين توضع الأغلال والقيود فى أيديهم وأعناقهم يوم القيامة ، عندما يساقون إلى النار بذلة وقهر ، بسبب إنكارهم لقدرة الله على إعادتهم إلى الحياة ، وبسبب جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم . قال - تعالى -: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * فى الحميم ثم فى النار يسجرون ﴾(٣) . وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى الدنيا ، حيث شبه - سبحانه - امتناعهم عن (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٩١ طبعة عيسى الحلبى . (٢) سورة ق الآية ٣ . ( ٣) سورة غافر الآيتان ٧١، ٧٢ . ٤٤٧ سورة الرعد الإِيمان ، وعدم التفاتهم إلى الحق ، بحال قوم فى أعناقهم قيود لا يستطيعون معها التفاتا أو تحركًا . والأول أولى لأن حمل الكلام على الحقيقة واجب ، ما دام لا يوجد مانع يمنع منه ، وهنا لا مانع ، بل صريح القرآن يشهد له . وقوله : ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ أى: وأولئك الموصوفون بما ذكر، هم أصحاب النار التى لا ينفكون عنها . ولا يخرجون منها . وكرر - سبحانه - اسم الإِشارة ، للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعده من عقوبات . وجاء به للبعيد ، للإشارة إلى بعد منزلتهم فى الجحود والضلال . ثم حكى - سبحانه - لونًا آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم - وَّ - فقال : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ، وقد خلت من قبلهم المثلات ... ﴾ . والمراد بالسيئة : الحالة السيئة كالعقوبات والمصائب التى تسوء من تنزل به . والمراد بالحسنة : الحالة الحسنة كالعافية والسلامة . والمثلات : جمع مثلة - بفتح الميم وضم الثاء كسمرة ، وهى العقوبة الشديدة الفاضحة التى تنزل بالإنسان فتجعله مثالاً لغيره فى الزجر والردع . والاستعجال : طلب حصول الشىء قبل حلول وقته . أى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال فى الطغيان ، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول . - ويج - بعقاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم، سخروا منه، وتهكموا به وقالوا له على سبيل الاستهزاء : ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن كنت من الصادقين . وشبيه بهذا قوله - تعالى -: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم المحيطة بالكافرين ﴾(١). وقوله - تعالى - ﴿ وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾(٢). والجملة الكريمة تحكى لونًا عجيبًا من ألوان توغلهم فى الجحود والضلال ، حيث طلبوا من الرسول - * - تعجيل العقوبة التى توعدهم بها ، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية . (١) سورة العنكبوت الآيتان ٥٣، ٥٤ . (٢) سورة الأنفال الآية ٣٢ . ٤٤٨ المجلد السابع وجملة ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ فى موضع الحال ، لزيادة التعجب من جهلهم وطغيانهم ، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ما زالت ماثلة أمام أبصارهم ، وهم يمرون عليها فى أسفارهم ، فكان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يعتبروا بها . وقوله - سبحانه - ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب) بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده، ولشدة عقابه للمصرين على الكفر منهم أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو مغفرة عظيمة للناس مع ظلمهم لأنفسهم ، حيث أطاعوها فى ارتكاب الذنوب والمعاصى . ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة . بل صبر عليهم ، وأمهلهم ، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه ، ويقلعون عن ذنوبهم . قال - تعالى - : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ... ﴾ (١) . وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ومعاصيهم . وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبته ، فى مقابل تعجل هؤلاء الكافرين للعذاب ، ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذى يريده - سبحانه - لهم ، وبين الشر الذى يريدونه لأنفسهم بسبب انطاس بصائرهم ... قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - سبحانه - ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ . أى: إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار . ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ، ليعتدل الرجاء والخوف . كما قال - تعالى - فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾ . وقال - تعالى - ﴿نبئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم * وأن عذابى هو العذاب الأليم ﴾ . وعن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ... ﴾ قال رسول الله -* - ((لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحدًا العيش. ولولا (١ ) سورة فاطر الآية ٤٥ . ٤٤٩ سورة الرعد وعيده وعقابه لاتكل كل أحد))(١). ثم حكى - سبحانه - لونًا آخر من رذائلهم ، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن الكريم ، الذى هو أعظم الآيات والمعجزات فقال - تعالى -: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ... ﴾ . و﴿ لولا ﴾ هنا حرف تحضيض بمعنى هلا. ومرادهم بالآية : معجزة كونية كالتى جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا هى حية تسعى ، أو كالتى جاء بها عيسى من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله ، أو كما يقترحون هم من جعل جبل الصفا ذهبًا ... لأن القرآن - فى زعمهم - ليس كافيًا لكونه معجزة دالة على صدقه - داخلي - . أى: ويقول هؤلاء الكافرون الذين عموا وصموا عن الحق واستعجلوا العذاب . هلا أنزل على محمد - * - آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه . ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ... ﴾(٢). وقد رد الله - تعالى - عليهم ببيان وظيفة النبى - وير - فقال ﴿ إنما أنت منذر ... ٠ أى : أن وظيفتك - أيها الرسول الكريم - هى إنذار هؤلاء الجاحدين بسوء المصير ، إذا ما لجوا فى طغيانهم ، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك الإتيان بالخوارق التى طلبوها منك . وإنما قصر - سبحانه - هنا وظيفة النبى - 3 1 - على الإِنذار، لأنه هو المناسب لأحوال المشركين الذين أنكروا كون القرآن معجزة . وقوله ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ أى: ولكل قوم نبى يهديهم إلى الحق والرشاد بالوسيلة التى يراها مناسبة لأحوالهم، وأنا - أيها الرسول الكريم - قد جئتهم بهذا القرآن الهادى للتى هى أقوم . والذى هو خير وسيلة لإِرشاد الناس إلى ما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم . قال الشيخ القاسمى: (( أو المعنى: ولكل قوم هاد عظيم الشأن ، قادر على هدايتهم . هو ( ١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٥ . (٢) سورة الإسراء الآيات ٩٠ وما بعدها . ٤٥٠ المجلد السابع الله - تعالى - فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم كما قال - تعالى -: ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ... ٠ أو المعنى: ﴿ولكل قوم هاد﴾ أى: قائد يهديهم إلى الرشد ، وهو الكتاب المنزل عليهم ، الداعى بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم . يعنى : أن سر الإِرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى ، وتبصير سبله ، والإنذار من الاسترسال فى مساقط الردى . وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه . فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى. وأما الآيات المقترحة فأمرها إلى الله وحده ... ))(١). ثم صور - سبحانه - سعة علمه تصويرًا عميقًا ، تقشعر منه الجلود ، وترتجف له المشاعر ، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ولا تتبدل ، فقال - تعالى - : اللهُيَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌّ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ٥ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَآءٌ مِّنْكُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿ لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ. مِنْ أَمْرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَ يُغَيِّرُ مَابِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِمُم وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّلَهُ، وَمَالَهُم مِّن دُونِهِ مِن ج وَالٍ فقوله - سبحانه - ﴿ اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - . (١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٦٤٨. ٤٥١ سورة الرعد وتغيض ﴾ من الغيض بمعنى النقص. يقال : غاض الماء إذا نقص . و﴿ ما ﴾ موصولة والعائد محذوف. أى: الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى ... وهو وحده - سبحانه - الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى الخلقة أو زيادة فيها ، ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص فى العدد أو زيادة فيه ... قال ابن كثير: ((قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾، قال البخارى : حدثنا إبراهيم بن المنذر . حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : أن رسول الله - * - قال: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما فى غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ﴾. وقال العوفى عن ابن عباس ﴿ وما تغيض الأرحام﴾ يعنى السقط ﴿ وما تزداد﴾. يقول : مازادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما . وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص . فذلك الغيض والزيادة التى ذكر الله - تعالى - وكل ذلك بعلمه - سبحانه -(١). وقوله: ﴿ وكل شىء عنده بمقدار ﴾ أى: وكل شىء عنده - سبحانه - بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كما قال - تعالى - ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾(٢). وكما قال - تعالى - ﴿وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾(٣). فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شىء وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله . وقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ﴾ تأكيد لعموم علمه - سبحانه - ودقته . والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو : مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل . والشهادة : مصدر شهد يشهد ، وهى هنا بمعنى الاشياء المشهودة . والمتعال : المستعلى على كل شىء فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله - سبحانه - . أى : أنه - سبحانه - هو وحده الذى يعلم أحوال الأشياء الغائبة عن الحواس كما يعلم (١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٣٥٧ طبعة دار الشعب . ( ٢) سورة القمر الآية ٤٩ . (٣) سورة الحجر الآية ٢١ . ٤٥٢ المجلد السابع أحوال المشاهدة منها ، وهو العظيم الشأن ، المستعلى على كل شىء . وقوله - سبحانه - ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ تأكيد آخر لشمول - علمه - - سبحانه - لأحوال عباده . وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به هنا اسم الفاعل . أى : مستو . قال الجمل : ((وفيه وجهان : أحدهما أنه خبر مقدم ، ومن أسر ومن جهر هو المبتدأ ، وإنما لم يثن الخبر لأنه فى الأصل مصدر، وهو هنا بمعنى مستو . والثانى أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله ﴿ منكم ﴾(١). وسارب بالنهار ﴾ أى: ظاهر بالنهار. يقال : سرب فى الأرض يسرب سربا وسروبا. أى : ذهب فى سربه - بسكون الراء وكسر السين وفتحها - أى طريقه . والمعنى : أنه - تعالى - مستوٍ فى علمه من أسر منكم القول ، ومن جهر به بأن أعلنه لغيره . ومستوٍ فى علمه - أيضا - من هو مستتر فى الظلمة الكائنة فى الليل ، ومن هو ذاهب فى سربه وطَريقه بالنهار بحيث يبصره غيره . وذكر - سبحانه - الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء ، وذكر السروب مع النهار لكونه أشد ظهورا . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله .. ﴾ . والضمير فى ﴿ له﴾ يعود إلى ﴿ من) فى قوله ﴿من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل ﴾ باعتبار تأويله بالمذكور . و «معقبات)» صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات . قال الشوكانى: ((والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض، وإنما قال ((معقبات)) مع كون الملائكة ذكورا ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات . قال الجوهرى : والتعقب العود بعد البدء قال الله - تعالى - ﴿ولى مدبرا ولم يعقب ﴾ (٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٩٤ . (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ٦٩. ،۔۔ ٨ ٤٥٣ سورة الرعد يقال : عقب الفرس فى عدوه ، أى : جرى بعد جريه . وعقبه تعقيبا . أى: جاء عقبه . و((من)) فى قوله ﴿ من أمر الله ﴾ بمعنى باء السببية. والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك. قال ابن كثير: وفى الحديث الصحيح: (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى؟ . فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)). وفى الحديث الآخر: ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحيوهم وأكرموهم )). أى: فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره . وقال عكرمة عن ابن عباس ((يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه)) (١) . ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ، وما لهم من دونه من وال ﴾ . أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد . وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك أو ما يشبههما بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه . وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد . فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله فى شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم . ولا يدفعه دافع . قال الإِمام ابن كثير: ((قال ابن أبى حاتم: أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن ( ١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٣٥٩ . ٤٥٤ المجلد السابع قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحول اللّه لهم مما يحبون إلى ما يكرهون. ثم قال : إن مصداق ذلك فى كتاب الله ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ . وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله -* - ابتدأنى، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال: (( قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى)) (١) . ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية الدالة على قدرته ووحدانيته ، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما ، وقد تكون نقما ، وأنها وغيرها تسبح بحمد الله، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى - : هُوَالَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ. وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِاللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ، ١٣ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىءٍإِلَّا كَبَسِطِ كَقَّيْهِ إلَى الْمَاءِ لِتَّلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بَِلِغِهِ وَمَادُعَةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلِ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَّهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ اَلـ ١٥٠ (١) تفسير ابن كثير المجلد ٤ ص ٣٦٢ طبعة دار الشعب. ٤ ٤٥٥ سورة الرعد والبرق : ما يراه الرائى من نور لامع يظهر من خلال السحاب ، وخوفا وطمعا : حالان من الكاف فى يريكم ، أو هما فى محل المفعول لأجله . والمعنى : هو الله - تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق ، فيترتب على ذلك أن بعضكم يخاف ما ينجم عنه من صواعق . أو سيل مدمر ، وبعضكم يطمع فى الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع ، والغيث المدرار . فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى خلقه ، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير معا ، لأنه بالإِنذار والتبشير تعود النفوس إلى الحق ، وتفىء إلى الرشد . وجملة ((وينشىء السحاب الثقال)) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - وإنشاء السحاب : تكوينه من العدم . والسحاب : الغيم المنسحب فى الهواء ، وهو اسم جنس واحده سحابة ، فلذلك وصف بالجمع وهو ((الثقال)) جمع ثقيلة . أى : وهو - سبحانه - الذى ينشىء السحاب المثقل بالماء ، فيرسله من مكان إلى مكان على حسب حكمته ومشيئته . قال - تعالى - ﴿ وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته . حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ، فأنزلنا به الماء ، فأخرجنا به من كل الثمرات ، كذلك نخرج الموتى (١) لعلكم تذكرون وقوله - سبحانه - ﴿ ويسبح الرعد بحمده ﴾ بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته . والرعد : اسم للصوت الهائل الذى يسمع إثر تفجير شحنة كهربية فى طبقات الجو . وعطف - سبحانه - الرعد على البرق والسحاب ، لأنه مقارن لهما فى كثير من الأحوال . والتسبيح : مشتق من السبح وهو المرور السريع فى الماء أو فى الهواء وسمى الذاكر لله - تعالى - مسبحا ، لأنه مسرع فى تنزيهه سبحانه عن كل نقص . وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل - بحمد الله ، يجب أن نؤمن به ، ونفوض كيفيته إلى الله - تعالى - لأنه من الغيب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - وقد بين لنا - سبحانه - فى كتابه أن كل شىء يسبح بحمده فقال: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض (١) سورة الأعراف الآية ٥٧ . ٤٥٦ المجلد السابع ومن فيهن ، وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ﴾ (١) . وقد فصل القول فى معنى هذه الجملة الكريمة الإِمام الآلوسى فقال - رحمه الله - ما ملخصه : وقوله: ((ويسبح الرعد )) قيل هو اسم للصوت المعلوم ، والكلام على حذف مضاف أى: ويسبح سامعو الرعد بحمده - سبحانه - رجاء للمطر . ثم قال: والذى اختاره أكثر المحدثين كون الإِسناد حقيقيا بناء على أن الرعد اسم للملك الذى يسوق السحاب ، فقد أخرج أحمد والترمذى وصححه والنسائى وآخرون عن ابن عباس أن اليهود سألوا رسول الله - ﴿ه - فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال: ((ملك من ملائكة الله - تعالى - موكّل بالسحاب ، بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله - تعالى - قالوا . فما هذا الصوت الذى نسمع ؟ قال صوته - قالوا : صدقت)). ثم قال : واستشكل بأنه لو كان علما للملك لما ساغ تنكيره ، وقد نكر فى سورة البقرة فى قوله - تعالى - ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ﴾. وأجيب بأن له إطلاقين : ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت ، والتنكير على هذا الإطلاق ... )) (٢). والذى نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإِيمان به ، سواء أكان الرعد اسما لذلك الصوت المخصوص ؛ أم اسما لملك من الملائكة ، أما كيفية هذا التسبيح فمردها إلى الله . قال الإمام الشوكانى: ((ويسبح الرعد بحمده )) أى يسبح الرعد نفسه بحمد الله. أى: متلبسا بحمده ، وليس هذا بمستبعد ، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك. وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد فى ذلك ، ويكون ذكره على الإِفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له . وعناية به)) (٣) .. وقال الإِمام ابن كثير : قال الإِمام أحمد : حدثنا عفان .. عن سالم عن أبيه قال : كان (١) سورة الإسراء الآية ٤٤ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١٠٦ - طبعة منير الدمشقى . ( ٣) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ٧٢ . ١٠٠٠ ٤٥٧ سورة الرعد رسول الله - ٣ - إذا سمع الرعد والصواعق قال: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)) . وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق .. عن أبى هريرة : أن رسول الله - وَّ - كان إذا سمع صوت الرعد قال: ((سبحان من يسبح الرعد بحمده)) (١). وقوله - سبحانه - ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ نوع رابع من الأدلة الدالة على وحدانية الله وقدرته . أى ويسبح الرعد بحمد الله ، ويسبح الملائكة - أيضا - بحمد الله ، خوفا منه - تعالى - وإجلالا لمقامه وذاته . و ﴿ من﴾ فى قوله - تعالى - ﴿ من خيفته) للتعليل، أى: يسبحون لأجل الخوف منه . وقوله ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ﴾ نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كمال قدرته - سبحانه - . والصواعق جمع صاعقة ، وهى - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه الرائى أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ... )) (٢). والمراد بها هنا : النار النازلة من السماء . أى ويرسل - سبحانه - الصواعق المهلكة فيصيب بها من يشاء إصابته من خلقه . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى رجل من طواغيت العرب، بعث النبى - 9 - نفرا يدعونه إلى الإِسلام ، فقال لهم : أخبرونى عن رب محمد ما هو ، أمن فضة أم من حديد ؟ . فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة فأهلكت الكافر وهم جلوس . فرجعوا إلى النبى - 9 - فاستقبلهم بعض الصحابة فقالوا لهم : احترق صاحبكم ؟ فقالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى الله إلى النبى - * - ﴿ويرسل الصواعق (٣) فيصيب بها من يشاء وضمير الجماعة فى قوله ﴿ وهم يجادلون فى اللّه وهو شديد المحال﴾ يعود إلى أولئك (١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٣٦٣ . (٢ ) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٩٠. ( ٣) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٩٢٦. ٤٥٨ المجلد السابع الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن بعض أقوالهم الباطلة ، والتى منها قولهم : ﴿أئذا كنا ﴾ . ترابا أننا لفى خلق جديد والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول . والمراد بمجادلتهم فى اللّه: تكذيبهم للنبى - ﴿ - فيما أمرهم به من وجوب إخلاص عبادتهم لله - تعالى - وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب . والمحال : الكيد والمكر ، والتدبير والقوة ، والعقاب .. يقال : محل فلان بفلان - بتثليث الحاء - محلا ومحالا ، إذا كاده وعرضه للهلاك . قال القرطبى : قال ابن الأعرابى : المحال المكر وهو من الله - تعالى - التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر . وقال الأزهرى : المحال : أى القوة والشدة . وقال أبو عبيد: المحال: العقوبة والمكروه)) (١). أى : أن هؤلاء الكافرين يجادلونك - أيها الرسول فى ذات الله وفى صفاته ، وفى وحدانيته ، وفى شأن البعث ، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن الله - تعالى - شديد المماحلة والمكايدة والمعاقبة لأعدائه . قال - تعالى -: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ (٢) . ثم بين - سبحانه - أن دعوته هى الدعوة الحق ، وما عداها فهو باطل ضائع فقال : له دعوة الحق﴾ أى: له وحده - سبحانه - الدعوة الحق المطابقة للواقع، لأنه هو الذى يجيب المضطر إذا دعاه ، وهو الحقيق بالعبادة والالتجاء . فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته ، وفى هذه الإضافة إيذان بملابستها للحق ، واختصاصها به ، وأنها بمعزل عن الباطل . ومعنى كونها له : أنه - سبحانه - شرعها وأمر بها . قال الشوكانى: قوله: ((له دعوة الحق)) إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة . أى: الدعوة الملابسة للحق ، المختصة به التى لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٩٩ . (٢ ) سورة النمل الآيتان ٥٠، ٥١ . ٤٥٩ سورة الرعد وقيل: الحق هو الله - تعالى - والمعنى: أنه لله - تعالى - دعوة المدعو الحق وهو الذى يسمع فيجيب . وقيل: المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة التوحيد والإِخلاص والمعنى : لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة . وقيل : دعوة الحق ، دعاؤه - سبحانه - عند الخوف ، فإنه لا يدعى فيه سواه ، كما قال - تعالى - ﴿ وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ﴾ . وقيل : الدعوة الحق، أى العبادة الحق فإن عبادة الله هى الحق والصدق)) (١) . ثم بين - سبحانه - حال - من يعبد غيره فقال: ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ﴾ . والمراد بالموصول ((والذين)) الأصنام التى يعبدها المشركون من دون الله. والضمير فى يدعون ، للمشركين ، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أى : يدعونهم . والمعنى : لله - تعالى - العبادة الحق ، والتضرع الحق النافع ، أما الأصنام التى يعبدها هؤلاء المشركون من غير الله . فإنها لا تجيبهم إلى شىء يطلبونه منها ، إلا كإجابة الماء لشخص بسط كفيه إليه من بعيد ، طالبا منه أن يبلغ فمه وما الماء ببالغ فم هذا الشخص الأحمق ، لأن الماء لا يحس ولا يسمع نداء من يناديه . والمقصود من الجملة الكريمة نفى استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيا قاطعا ، حيث شبه - سبحانه - حال هذه الآلهة الباطلة عندما يطلب المشركون منها ما هم فى حاجة إليه ، بحال إنسان عطشان ولكنه غبى أحمق لأنه يمد يده إلى الماء طالبا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه . فلا يصل إليه شىء من الماء لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه . ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله - تعالى - . وأجرى - سبحانه - على الأصنام ضمير العقلاء فى قوله ﴿ لا يستجيبون ﴾ مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين ، لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء . ونكر شيئا فى قوله ﴿ لا يستجيبون لهم بشىء﴾ للتحقير. والمراد أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها . - (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ٧٣ . ٤٦٠ المجلد السابع والاستثناء فى قوله ﴿ إلا كباسط كفيه إلى الماء .. ﴾ من أعم الأحوال . أى : لا تستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئا ، إلا استجابة كاستجابة الماء الملهوف بسط كفيه إليه يطلب منه أن يدخل فمه ، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته . والضمير ((هو)) فى قوله ((وما هو ببالغه)) للماء، والهاء فى ((ببالغه)) للفم: أى: وما الماء ببالغ فم هذا الباسط لكفيه . وقيل الضمير ((هو)) الباسط ، والهاء للماء ، أى : وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه . قال القرطبى: ((وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه : أحدها : أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد . الثانى : أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه وفساد توهمه . قاله ابن عباس . الثالث : انه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه ، فلا يجد فى كفه شيئا منه (١). وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه ، بالقبض على الماء كما قال الشاعر : على الماء ، خانته فروج الأصابع (٢) ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض وقوله - سبحانه - ﴿ وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال ﴾ أى : وما عبادة الكافرين للأصنام ، والتجاؤهم إليها فى طلب الحاجات ، إلا فى ضياع وخسران لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن تملك ذلك لغيرها . ثم بين - سبحانه - أن هذا الكون كله خاضع له - عز وجل - فقال: ﴿ ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ . والمراد بالسجود له - سبحانه - : الانقياد والخضوع لعظمته . وظلالهم : جمع ظل وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور . والغدو : جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس . (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٣٠١ . (٢) تفسير الشوكانى جـ ٣ ص ٧٣ .