النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة يوسف
وقوله - تعالى - فى خلال حديثه عن مريم ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ،
وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾(١).
إلى غير ذلك من الآيات التى تدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - لأن النبى
- وَل﴿ - لم يكن معاصرا لمن جاء القرآن بقصصهم ، ولم يطلع على كتاب فيه خبرهم ، فلم
يبق لعلمه - * - بذلك طريق إلا طريق الوحى.
ثم ساق - سبحانه - ما يبعث التسلية والتعزية فى قلب النبى - 18 - فقال :
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾.
أى : لقد جئت - أيها الرسول - للناس بدين الفطرة ، الذى ترتاح له النفوس وتتقبله
القلوب بسرور وانشراح . ولكن أكثر الناس قد استحوذ عليهم الشيطان ، فمسخ نفوسهم
وقلوبهم ، فصاروا مع حرصك على إيمانهم ، ومع حرصك على دعوتهم إلى الحق على بصيرة ،
لا يؤمنون بك ، ولا يستجيبون لدعوتك ، لاستيلاء المطامع والشهوات والأحقاد على
نفوسهم .
وفى التعبير بقوله - سبحانه - ﴿وما أكثر الناس ... ﴾ إشعار بأن هناك قلة من الناس
قد استجابت بدون تردد لدعوة النبى - والله - ، فدخلت فى الدين الحق ، عن طواعية
واختيار .
وقوله ﴿ ولو حرصت﴾ جملة معترضة لبيان أنه مهما بالغ النبى - صل1 - فى كشف
الحق ، فإنهم سادرون فى ضلالهم وكفرهم ، إدّ الحرص طلب الشىء باجتهاد .
قال الآلوسى ما ملخصه: ((سألت قريش واليهود رسول الله - وضالز - عن قصة
يوسف، فنزلت مشروحة شرحًا وافيًّا، فأمل النبى - وَله - أن يكون ذلك سببًا فى
إسلامهم، فلما لم يفعلوا حزن - وَل18 - فعزاه الله - تعالى - بذلك))(٢).
وقوله ﴿ وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين ) زيادة فى تسلية الرسول
- * - وفى إعلاء شأنه .
أى أنك - أيها الرسول الكريم - ما تسألهم على هذا القرآن الذى تتلوه عليهم لهدايتهم
وسعادتهم من أجر ولو كان زهيدًا ضئيلاً . كما يفعل غيرك من الكهان والأحبار والرهبان ...
وإنما تفعل ما تفعل ابتغاء رضا الله - تعالى - ونشر دينه .
( ١) سورة آل عمران الآية ٤٤ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٦٥ .
ء
٠

٤٢٢
المجلد السابع
وقوله ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين) أى: ما هذا القرآن الذى تقرؤه عليهم إلا تذكير
وعظة وهداية للعالمين كافة لا يختص به قوم دون قوم ، ولا جنس دون جنس .
قالوا : وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها ، لأن التذكير العام لكل الناس ، يتنافى مع أخذ
الأجرة من البعض دون البعض ، وإنما تتأتى الأجرة ، إذا كانت الدعوة خاصة وليست عامة .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين تطالعهم الدلائل والبراهين الدالة على وحدانية الله
- تعالى - وقدرته ، ولكنهم فى عمى عنها فقال: ﴿وكأين من آية فى السموات والأرض
يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
و﴿ كأين﴾ كلمة مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم تنوسى معنى
جزئيتها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير .
والمراد بالآية هنا: العبرة والعظمة الدالة على وحدانية الله وقدرته يمر بها هؤلاء المشركون
فلا يلتفتون إليها ، ولا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بها ، لأن بصائرهم قد انطمست بسبب
استحواذ الأهواء والشهوات والعناد عليها .
قال ابن كثير ما ملخصه : يخبر - تعالى - فى هذه الآية عن غفلة أكثر الناس عن التفكير
فى آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه - سبحانه - فى السموات من كواكب زاهرات ،
وسيارات وأفلاك ... وفى الأرض من حدائق وجنات ، وجبال راسيات ، وبحار زاخرات ،
وحيوانات ونبات ... فسبحان الواحد الأحد ، خالق أنواع المخلوقات ، المنفرد بالدوام
والبقاء والصمدية ... ))(١) .
ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب غفلتهم وجهالتهم ، لا يؤمنون إيمانًا صحيحًا فقال
- تعالى - ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.
أى : وما يؤمن أكثر هؤلاء الضالين بالله فى إقرارهم بوجوده ، وفى اعترافهم بأنه هو
الخالل ، إلا وهم مشركون به فى عقيدتهم وفى عبادتهم وفى تصرفاتهم ، فإنهم مع اعترافهم بأن
خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله لكنهم مع ذلك كانوا يتقربون إلى أصنامهم بالعبادة
ويقولون ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾.
والآية تشمل كل شرك سواء أكان ظاهرًا أم خفيًا ، كبيرًا أم صغيرًا . وقد ساق ابن كثير
هنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى ، كلها تنهى عن الشرك أيًا كان لونه، منها قوله وَل:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٤١ طبعة دار الشعب .

٤٢٣
سورة يوسف
عندما سئل أى الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله ندًا وهو خلقك)) ومنها قوله؛: ((إن
الرقى والتمائم والتولة شرك)).
ومنها قوله وَله: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا : وما الشرك
الأصغر ؟ قال : الرياء )).
ومنها قوله ◌َّه: فيما يرويه عن ربه - عز وجل -: يقول الله - تعالى - (( أنا أغنى
الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معى غيرى، تركته وشركه)»(١) .
/
فالآية الكريمة تنهى عن كل شرك ، وتدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لله رب العالمين .
ثم هددهم - سبحانه - بحلول قارعة تدمرهم تدميرًا فقال - تعالى - : ﴿ أفأمنوا أن
تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ﴾ .
والغاشية ؛ كل ما يغطى الشىء ويستره ، والمراد بها : ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب .
والاستفهام للتوبيخ والتقريع .
والمعنى : أفأمن هؤلاء الضالون ، أن يأتيهم عذاب من الله - تعالى - يغشاهم ويغمرهم
ويشمل كل أجزائهم . وأمنوا أن تأتيهم الساعة فجأة دون أن يسبقها ما يدل عليها ، بحيث
لا يشعرون بإتيانها إلا عند قيامها .
إن كانوا قد أمنوا كل ذلك ، فهم فى غمرة ساهون ، وفى الكفر والطغيان غارقون ، فإنه
لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - وَل﴿: أن يسير فى طريقه الذى رسمه له ، وأن يدعو الناس
إليه فقال: ﴿قل هذه سبيلى، أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ... ﴾ والبصيرة :
المعرفة التى يتميز بها الحق من الباطل .
أى : قل -أيها الرسول الكريم - للناس هذه طريقى وسبيلى واحدة مستقيمة لا عوج
فيها ولا شبهة ، وهى أنى أدعو إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ببصيرة مستنيرة ،
وحجة واضحة ، وكذلك أتباعى يفعلون ذلك ... ولن نكفّ عن دعوتنا هذه مهما اعترضتنا
العقبات .
واسم الإشارة ﴿هذه﴾ مبتدأ. و﴿ سبيلى﴾ خبر، وجملة ﴿أدعو إلى الله على
بصيرة ... ﴾ حالية ، وقد جىء بها على سبيل التفسير للطريقة التى انتهجها الرسول
- * - فى دعوته .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٣١ طبعة دار الشعب.

٤٢٤
المجلد السابع
وقوله ﴿وسبحان الله وما أنا من المشركين) تنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به
على أبلغ وجه .
أى: وأنزه الله - تعالى - تنزيهًا كاملًا عن الشرك والشركاء، وما أنا من المشركين به فى
عبادته أو طاعته فى أى وقت من الأوقات .
ثم بين - سبحانه - أن رسالته - 18 - ليست بدعا من بين الرسالات السماوية ، وإنما
قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه فى الدعوة إلى الله، فقال - تعالى - ﴿ وما أرسلنا من قبلك
إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى .... ﴾.
أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس ،
إلا رجالاً مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم ،
واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولاً. وأكثر حلما .
وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن
الجنس إلى جنسه أميل، وأكثرهم تفهما وإدراكًا لما يلقى عليه من أبناء جنسه .
ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : ﴿ أفلم يسيروا فى
الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...
أى : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من
قبلهم من عذاب دمرهم تدميرًا ، وهؤلاء الجاحدين الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية
وظاهرة فى الأرض . وقومك - يا محمد - يمرون عليهم فى الصباح وفى المساء وهم فى طريقهم
إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - .
فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم فى
الشرك والجحود .
وقوله ﴿ ولدار الآخرة﴾ وما فيها من نعيم دائم ﴿خير للذين اتقوا ﴾ الله - تعالى -
وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .
أفلا تعقلون ﴾ أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى
موه
الدخول فى الإِيمان ، ونبذ الكفر والطغيان .
ثم حكى - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل فقال : ﴿ حتى إذا
استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... }

٤٢٥
سورة يوسف
وردت قراءتان سبعيتان إحداهما بتشديد الذال والثانية
قد كذبوا
وفى قوله
بالتخفيف .
وعلى القراءتين فالغاية فى قوله - تعالى - ﴿ حتى إذا استيأس الرسل) غاية لكلام
محذوف دل عليه السياق .
والمعنى على القراءة التى بالتشديد . لقد أرسلنا رسلنا لهداية الناس ، فأعرض الكثيرون
منهم عن دعوتهم ، ووقفوا منهم موقف المنكر والمعاند والمحارب لهدايتهم ، وضاق الرسل ذرعًا.
بموقف هؤلاء الجاحدين ، حتى إذا استيأس الرسل الكرام من إيمان هؤلاء الجاحدين ،
وظنوا - أى الرسل - أن أقوامهم الجاحدين قد كذبوهم فى كل ما جاءوهم به لكثرة
إعراضهم عنهم ، وإيذائهم لهم ... أى : حتى إذا ما وصل الرسل إلى هذا الحد من ضيقهم
بأقوامهم الجاحدين جاءهم نصرنا الذى لا يتخلف .
والمعنى على القراءة الثانية التى هى بالتخفيف : حتى إذا يئس الرسل من إيمان أقوامهم
يأسًا شديدًا، وظن هؤلاء الأقوام أن الرسل قد كذبوا عليهم فيما جاءوهم به ، وفيما هددوهم به
من عذاب إذا ما استمروا على كفرهم ..
حتى إذا ما وصل الأمر بالرسل وبالأقوام إلى هذا الحد ، جاء نصرنا الذى لا يتخلف إلى
هؤلاء الرسل ، فضلاً منا وكرمًا ..
فالضمير فى قوله ﴿ كُذُّبوا﴾ بالتشديد يعود على الرسل ، أما على قراءة التخفيف .
كُذِبوا﴾ فيعود إلى الأقوام الجاحدين .
ومنهم من جعل الضمير - أيضًا - على قراءة ﴿ كذبوا﴾ بالتخفيف يعود على الرسل ،
فيكون المعنى : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظنوا - أى الرسل - أن نفوسهم
قد كذبت عليهم فى تحديد موعد انتصارهم على أعدائهم لأن البلاء قد طال . والنصر قد
تأخر .. جاءهم - أى الرسل - نصرنا الذى لا يتخلف .
قال الشيخ القاسمى فى بيان هذا المعنى : قال الحكيم الترمذى : ووجهه - أى هذا القول
السابق - أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، أن يتخلف النصر، لا عن تهمة
بوعد الله ، بل عن تهمة لنفوسهم أن تكون قد أحدثت حدثًا ينقض ذلك الشرط ، فكان
النصر إذا طال انتظاره واشتدِ البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة))(١).
(١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٦١٥.
.

٤٢٦
المجلد السابع
وهذا يدل على شدة محاسبة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لنفوسهم ، وحسن صلتهم
بخالقهم - عز وجل - .
وقوله - سبحانه - ﴿ فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ﴾ معطوف على
ما قبله ، ومتفرع عليه .
أى : جاءهم نصرنا الذى وعدناهم به ، بأن أنزلنا العذاب على أعدائهم ، فنجًا من نشاء
إنجاءه وهم المؤمنون بالرسل ، ولا يرد بأسنا وعذابنا عن القوم المجرمين عند نزوله بهم .
ثم ختم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله ﴿لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى
الألباب ﴾ أى: لقد كان فى قصص أولئك الأنبياء الكرام وما جرى لهم من أقوامهم، عبرة
وعظة لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة ، بسبب ما اشتمل عليه هذا القصص من
حكم وأحكام ، وآداب وهدايات .
و﴿ ما كان﴾ هذا المقصوص فى كتاب الله - تعالى - ﴿ حديثًا يفترى﴾ أى يختلق.
﴿ ولكن﴾ كان ﴿تصديق الذى بين يديه﴾ من الكتب السابقة عليه، كالتوراة
والإِنجيل والزبور ، فهو المهيمن على هذه الكتب ، والمؤيد لما فيها من أخبار صحيحة ، والمبين
لما وقع فيها من تحريف وتغيير ، والحاكم عليها بالنسخ أو بالتقرير .
﴿ وتفصيل كل شىء﴾ أى: وكان فى هذا الكتاب - أيضًا - تفصيل وتوضيح كل شىء
من الشرائع المجملة التى تحتاج إلى ذلك .
وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ أى: وكان هداية تامة، ورحمة شاملة ، لقوم يؤمنون به ،
ويعملون بما فيه من أمر ونهى ، وينتفعون بما اشتمل عليه من وجوه العبر والعظات .
وبعد : فهذا تفسير لسورة يوسف - عليه السلام - تلك السورة الزاخرة بالحكم
والأحكام ، وبالآداب والأخلاق ، وبالمحاورات والمجادلات ، وبأحوال النفوس البشرية فى
حبها وبغضها ، وعسرها ويسرها ، وخيرها وشرها . وعطائها ومنعها وسرها وعلانيتها ،
ورضاها وغضبها ، وحزنها وسرورها ..
أسأل الله - تعالى - أن ينفعنا بهدى كتابه ، وأن يجعله شفيعًا لنا يوم نلقاه وصلى الله وسلم
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
د . محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية

تفسیر
سُورَةِ الْعَدْ

بِسْمِ اللّهُ الرّحمَنّالرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه .
وبعد: فهذا تفسير تحليلى لسورة ((الرعد )) توخيت فيه أن أبرز ما اشتملت عليه هذه
السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات تامة ، وأحكام حكيمة ،
وتراكيب بليغة ...
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، ونافعًا لعباده وشفيعًا لنا يوم نلقاه ، إنه
- سبحانه - أكرم مسئول ، وأعظم مأمول .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المدينة المنورة : ٢٣ من المحرم سنة ١٤٠٢ هـ
١٩ من نوفمبر سنة ١٩٨١ م
المؤلف
الدكتور محمد سيد طنطاوى

٤٣١
مقدمة
تمهيد بين يدى سورة الرعد
نريد بهذا التمهيد - كما سبق أن ذكرنا فى تفسير السورة السابقة - إعطاء القارئ.
الكريم صورة واضحة عن سورة الرعد ، قبل أن نبدأ فى تفسيرها آية فآية فنقول - وبالله
التوفيق :
١ - سورة الرعد هى السورة الثالثة عشرة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقتها اثنتا عشرة
سورة ، هى سور: الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ،
والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف .
٢ - وسميت بهذا الاسم منذ العهد النبوى ، ولم يعرف لها اسم سوى هذا الاسم، ولعل
سبب تسميتها بذلك ، ورود ذكر الرعد فيها ، فى قوله - تعالى - ﴿ يسبح الرعد بحمده
(١)
والملائكة من خيفته ...
٣ - وعدد آياتها ثلاث وأربعون آية فى المصحف الكوفى ، وأربع وأربعون آية فى المدنى ،
وخمس وأربعون فى البصرى ، وسبع وأربعون فى الشامى(٣).
٤ - والذى يقرأ أقوال المفسرين فى بيان زمان نزولها ، يراها أقوالاً ينقصها الضبط
والتحقيق .
1
فهناك روايات صرحت بأنها مكية ، وأخرى صرحت بأنها مدنية ، وثالثة بأنها مكية
إلا آيات منها فمدنية ، ورابعة بأنها مدنية إلا آيات منها فمكية ...
قال الألوسى: ((جاء من طريق مجاهد عن ابن عباس وعلى بن أبى طلحة أنها مكية)) ..
وروى ذلك عن سعيد بن جبير - أيضًا - .
قال سعيد بن منصور فى سننه ، حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر قال : سألت ابن جبير عن
قوله - تعالى - ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ هل هو عبد الله بن سلام ؟ فقال: كيف وهذه
السورة مكية .
(١ ) الآية رقم ١٣ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٧٦ طبعة منير الدمشقى.

٤٣٢
المجلد السابع
وأخرج مجاهد عن ابن الزبير ، وابن مردويه من طريق العوفى عن ابن عباس ، ومن
طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء عنه أنها مدنية .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنها مدنية إلا قوله - تعالى - ﴿ولا يزال الذين كفروا
تصيبهم بما صنعوا قارعة .. الآية ) فإنها مكية .
وروى أن من أولها إلى آخر قوله - تعالى - ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ... ﴾.
نزل بالمدينة ، أما باقيها فنزل فى مكة .. (١) .
هذه بعض الروايات فى زمان نزولها ، وهى - كما ترى - التعارض فيها واضح .
والذى تطمئن إليه النفس ، أن السورة الكريمة يبدو بوضوح فيها طابع القرآن المكى ،
سواء أكان ذلك فى موضوعاتها ، أم فى أسلوبها ، أم فى غير ذلك من مقاصدها وتوجيهاتها .
وأن نزولها - على الراجح - كان فى الفترة التى أعقبت موت أبى طالب ، والسيدة
خديجة - رضى الله عنها .
وهى الفترة التى لقى فيها الرسول - وَله - ما لقى من أذى المشركين وعنتهم،
وطغيانهم ..
والذى جعلنا نرجح أن نزولها كان فى هذه الفترة ، ما اشتملت عليه السورة الكريمة ، من
أدلة متنوعة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، ومن تسلية له - رولز - عما أصابه من
قومه - كما سنرى ذلك عند تفسيرنا لآياتها ، كذلك مما جعلنا نرجح أن نزولها كان فى هذه
الفترة، قول السيوطى فى كتابه الإتقان: ((ونزلت بمكة سورة الأعراف ، ويونس ، وهود ،
ويوسف ، والرعد ... ))(٢) .
وقد رجحنا عند تفسيرنا لسورة يونس ، وهود ، ويوسف - عليهم السلام - أن هذه
السور قد نزلت فى تلك الفترة من حياة النبى - * - ونرجح هنا أن نزول سورة الرعد كان
فى تلك الفترة - أيضًا - لمناسبة موضوعاتها لأحداث هذه الفترة .
٥ - عرض إجمالى لسورة الرعد :
(١) لقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبالإشارة إلى إعجازه ، ثم
ساقت ألوانًا من الأدلة على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته وعظيم حكمته ...
(١ ) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٧٥ .
(٢) الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ١٢ طبعة مصطفى الحلبى.

٤٣٣
مقدمة
الله الذى رفع السموات بغير عمد ترونها ، ثم استوى على العرش ، وسخر الشمس
والقمر كل يجرى لأجل مسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم
توقنون .. ﴾ .
(ب ) ثم حكت السورة بعد ذلك جانبًا من أقوال المشركين فى شأن البعث ، وردت عليهم
بما يكبتهم فقال - تعالى - ﴿وإن تعجب فعجب قولهم ، أئذا كنا ترابًا أثنا لفى خلق جديد
أولئك الذين كفروا بربهم ، وأولئك الأغلال فى أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون ...
(جـ) ثم بينت السورة الكريمة ما يدل على كمال علمه - تعالى - وعلى عظم سلطانه ،
وعلى حكمته فى قضائه وقدره فقال - تعالى -: ﴿ اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض
الأرحام وما تزداد . وكل شىء عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ... ﴾.
(د) ثم أمر - سبحانه - نبيه - 3 1 - أن يسأل المشركين سؤال تهكم وتوبيخ عمن
خلق السموات والأرض فقال - تعالى -: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل اللّه . قل
أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرا، قل هل يستوى الأعمى
والبصير ، أم هل تستوى الظلمات والنور ، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه الخلق
عليهم ، قل اللّه خالق كل شىء وهو الواحد القهار ﴾.
(هـ) ضربت السورة الكريمة مثلين للحق والباطل . وعقدت مقارنة بين مصير أتباع
الحق ، ومصير أتباع الباطل فقال - تعالى -: ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق
كمن هو أعمى ، إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون
الميثاق ..
( و) ثم حكت السورة الكريمة بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى
- رَ * - وردت عليهم بما يمحق باطلهم، ويزيد المؤمنين إيمانًا على إيمانهم فقال - تعالى - :
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ، قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من
أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا
وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب .. ﴾ .
(ز) ثم حكت السورة الكريمة لونًا آخر من غلوهم فى كفرهم، ومن مقترحاتهم
الفاسدة، حيث طلبوا من النبى - وَ ر - أن يسير لهم بالقرآن جبال مكة ليتفسحوا فى
أرضها ، ويفجر لهم فيها الأنهار والعيون ليزرعوها ، ويحيى لهم الموتى ليخبروهم بصدقه ...
فقال - تعالى -: ﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به

٤٣٤
المجلد السابع
الموتى بل لله الأمر جميعًا، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا ... ﴾.
( ح ) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين ،
وبالثناء على القرآن الكريم، وبتسلية الرسول - وَله - عما أصابه من أعدائه وبالشهادة له
بالرسالة ، وبتهديد المشركين بالعذاب الأليم ، فقال - تعالى - ﴿ مثل الجنة التى وعد
المتقون أكلها دائم وظلها ، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ﴾ ...
﴿ وكذلك أنزلناه حكما عربيا ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله
من ولى ولا واق * ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية ، وما كانٍ لرسول أن
يأتى بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب *﴾ ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً، قل كفى
بالله شهيدًا بينى وبينكم، ومن عنده علم الكتاب ﴾ .
٦ - ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة ، نراها قد اهتمت بالحديث عن
موضوعات من أبرزها ما يأتى :
(١) إقامة الأدلة المتنوعة على كمال قدرة الله - تعالى - وعظيم حكمته. تارة عن طريق
التأمل فى هذا الكون وما فيه من سموات مرتفعة بغير عمد ، وأرض صالحة للاستقرار عليها ،
وشمس وقمر وكواكب مسخرة لمنافع الناس ، وجبال لتثبيت الأرض ، وأنهار لسقى الزرع ...
·وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ، صنوان وغير صنوان
يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض فى الأكل ، إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾.
وتارة عن طريق علمه المحيط بكل شىء ، فهو العليم بما تنقصه الأرحام وما تزداده فى
الخلقة وفى المدة وفى غير ذلك ، وهو العليم بأحوال عباده سواء أكانوا ظاهرين بالنهار أم
مستخفين بالليل .
﴿ اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . وكل شىء عنده
بمقدار ... ﴾ .
وتارة عن طريق الظواهر الكونية التى يرسلها - سبحانه - لعباده خوفًا وطمعًا، ﴿ هو
الذى يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينشئ السحاب الثقال * ويسبح الرعد بحمده والملائكة
من خيفته ... ﴾ .
وتارة عن طريق العطاء والمنع لمن يشاء من عباده : ﴿ اللّه يبسط الرزق لمن يشاء
ويقدر ... ﴾.
وتارة عن طريق المصائب والقوارع التى ينزلها - سبحانه - بالكافرين ﴿ولا يزال الذين

٤٣٥
مقدمة
كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف
الميعاد ﴾ .
(ب) إثبات أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وأن الرسول - * - صادق فيما
يبلغه عن ربه، والرد على المشركين فيها طلبوه من النبى - وَلي - من مطالب متعنتة ، ومن
الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى - :
تلك آيات الكتاب ، والذى أنزل إليك من ربك الحق ، ولكن أكثر الناس
لا يؤمنون
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ .
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب ﴾.
كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك ، وهم
يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب
والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه ، قل إنما
أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو وإليه مآب﴾ .
(جـ) تثبيت فؤاد النبى - - وتسليته عما لحقه من أذى، وذلك لأن السورة الكريمة -
كما سبق أن أشرنا - مكية ، وأنها - على الراجح - قد نزلت فى فترة اشتد فيها إعراض
المشركين عن دعوة الحق وتكذيبهم لها ، وتطاولهم على صاحبها - بَير - ومطالبتهم له
بالخوارق التى لا يؤيدها عقل سليم .
فنزلت السورة الكريمة لتثبت الرسول - عليه - وأتباعه، ولتمزق أباطيل المشركين عن
طريق حشود من الأدلة على صدق الرسول - صل﴿ - فيما يبلغه عن ربه .
ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى - : ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا
ترابًا آئنا لفى خلق جديد . أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فى أعناقهم ، وأولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون . ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم
المثلات ، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ﴾ .
وقوله - تعالى - ﴿ولقد استهزئُ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم
فكيف كان عقاب ﴾ .
وقوله - تعالى - ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم فقه المكر جميعًا، يعلم ما تكسب كل نفس ،
وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار، ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيدًا

٤٣٦
المجلد السابع
بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ هذه بعض الموضوعات التى نرى السورة الكريمة قد
اهتمت بتفصيل الحديث عنها .
وهناك موضوعات أخرى يراها كل من تأمل آياتها بفكر سليم ، وعقل قويم ، وروح
صافية ...
نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا فهم كتابه ، والعمل بما فيه من آداب وأحكام ،
وهدايات ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

٤٣٧
مقدمة
التفسير
قال - تعالى - :
◌ِاللهِ الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ
الّمَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِّ وَالَّذِىَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ
وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ن ◌َاللَّهُالَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلُّ
يَحْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّىَّ يُدَبِّرُ الأَمْرَ بُفَصِّلُ آلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ يِلِقَآءِ
رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِى مَذَ اُ لْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ
وَأَنْهَرًا وَمِنْ كُلِ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِّ يُغْشِى أَلَّيَّلَ
النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِ الْأَرْضِ
قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيلٌ صِنْوَانٌ
وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ
فِي الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ))
لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة ، وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء فى
هذه الحروف فى سور: البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف .

٤٣٨
المجلد السابع
وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى
افتتاح بعض السور على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن
تر ونه مؤلفًا من کلام هو من جنس ما تؤلفون من كلامکم ، ومنظومًا من حروف هى من جنس
الحروف الهجائية التى تنظمون منها كلماتكم .
فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى
يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن لم تستطيعوا
فهاتوا سورة واحدة من مثله ..
ومع كل هذا التساهل معهم فى التحدى ، فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين ، فثبت بذلك أن
هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
و﴿ تلك ﴾ اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم ، ويدخل
فيها آيات السورة التى معنا .
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على نبيه - 1 - لإِخراج
الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام .
وقوله ﴿والذى أنزل إليك من ربك الحق) تنويه بشأن القرآن الكريم، ورد على
المشركين الذين زعموا أنه أساطير الأولين .
أى : تلك الآيات التى نقرؤها عليك - يا محمد - فى هذه السورة هى آيات الكتاب
الكريم ، وما أنزله الله - تعالى - عليك فى هذا الكتاب ، هو الحق الخالص الذى لا يلتبس
به باطل ، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس .
وفى قوله - سبحانه - ﴿ من ربك﴾ مزيد من التلطف فى الخطاب معه - والتي - فكأنه
- سبحانه - يقول له : إن ما نزل عليك من قرآن هو من عند ربك الذى تعهدك بالرعاية
والتربية حتى بلغت درجة الكمال .
واسم الموصول ﴿الذى﴾ مبتدأ، والجملة بعده صلة، والحق هو الخبر ...
وقوله ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ استدراك لبيان موقف أكثر الناس من هذا
القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
أى : لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به
لانطاس بصائرهم ، واستيلاء العناد على نفوسهم ...

٤٣٩
سورة الرعد
وفى هذا الاستدراك ، مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس ، وهم أولئك الذن فتحوا قلوبهم
للحق منذ أن وصل إليهم ، فآمنوا به ، واعتصموا بحبله ، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم وعلى
رأس هذه القلة التى آمنت بالحق منذ أن بلغها : أبو بكر الصديق وغيره من السابقين إلى
الإسلام .
ثم أقام - سبحانه - الأدلة المتنوعة ، عن طريق المشاهدة - على كمال قدرته ، وعلى
وجوب إخلاص العبادة له فقال - تعالى - ﴿ الله الذى رفع السموات بغير عمد ترونها
والعمد : جمع عماد ، وهو ما تقام عليه القبة أو البيت .
وجملة ﴿ ترونها﴾ فى محل نصب حال من السموات.
أى : الله - سبحانه - هو الذى رفع هذه السموات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها ، بغير
مستند يسندها ، وبغير أعمدة تعتمد عليها ، وأنتم ترون ذلك بأعينكم بجلاء ووضوح .
والمراد بقوله ﴿رفع﴾ أى خلقها مرتفعة منذ البداية، وليس المراد أنه - سبحانه -
رفعها بعد أن كانت منخفضة .
ولا شك أن خلق السموات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقًا
قادرًا حكيمًا، هو المستحق للعبادة والطاعة .
وقوله - سبحانه - ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ معطوف على ما قبله ، وهو دليل آخر
على قدرة الله - تعالى - عن طريق الغائب الهائل الذى تتقاصر دونه المدارك بعد أن أقام
الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد .
الاستواء فى اللغة يطلق على معان منها الاستقرار كما فى قوله - تعالى - ﴿واستوت على
الجودى ﴾ أى: استقرت ، وبمعنى الاستيلاء والقهر.
وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم - كما يقول الراغب - .
وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية ، كما ذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات
من القرآن الكريم .
والمعنى : ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته - تعالى - بلا كيف ولا انحصار
ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين .
قال الإِمام مالك - رحمه الله -: ((الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان
به واجب ، والسؤال عنه بدعة )).

٤٤٠
المجلد السابع
وسخر الشمس والقمر كل
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فقال :
يجرى لأجل مسمى ﴾ . والتسخير : التذليل والخضوع .
أى : أن من مظاهر فضله أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر ،
بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير فى منازل معينة ، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه
ولا يتعديانه . بل يقفان عند نهاية المدة التى حددها - سبحانه - لوقوفهما وأفولهما .
قال - تعالى - ﴿ لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار ، وكل فى
فلك يسبحون ﴾(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿يدبر الأمر ، يفصل الآيات ، لعلكم بلقاء
ربكم توقنون﴾. وتدبير الأمر: تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها .
والآيات : جمع آية . والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات القرآنية ، والبراهين الكونية الدالة
على وحدانيته وقدرته - سبحانه - .
أى : أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف فى أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه
- سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة ، ويسوق الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته
بطرق متعددة ، وبوجوه متنوعة .
وقد فعل - سبحانه - ما فعل - من رفعه السماء بلا عمد ، ومن تسخيره للشمس
والقمر ، ومن تدبيره لأمور خلقه ، ومن تفصيله للآيات لعلكم عن طريق التأمل والتفكير فيما
خلق ، توقنون بلقائه ، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة ، لا يعجزه أن
يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم، لكى يحاسبكم على أعمالكم .
وقال - سبحانه - ﴿ يدبر﴾ و﴿ يفصل﴾ بصيغة المضارع. وقال قبل ذلك ﴿رفع
السموات ﴾ و﴿ سخر الشمس والقمر﴾ بصيغة الماضى. لأن التدبير للأمور، والتفصيل
للآيات ، يتجددان بتجدد تعلق قدرته - سبحانه - بالمقدورات .
وأما رفع السماوات ، وتسخير الشمس والقمر ، فهى أمور قد تمت واستقرت دفعة واحدة .
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم السماوات ، أتبعه بذكر بعض هذه
المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى -: ﴿وهو الذى مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارًا
ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ والمد : البسسط والسعة . ومنه ظل مديد أى
متسع .
(١ ) سورة يس الآية ٤٠.