النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة يوسف وهذا شأن الدعاة العقلاء ، يلتزمون فى دعوتهم إلى الله الحكمة والموعظة الحسنة ، بدون إحراج أو تنفير . ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم ، يقتضى دخوله فى ملة قوم آخرين ، تراه يصرح بالملة التى . اتبعها فيقول: ﴿واتبعت ملة آبائى﴾ الكرام المؤمنين بوحدانية الله وبالآخرة وما فيها من حساب وجزاء . ﴿إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾. وسماهم آباء جميعا، لأن الأجداد آباء، وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب ، لكون ابراهيم هو أصل تلك الملة التى اتبعها ، ثم تلقاها عنه إسحاق ، ثم تلقاها عن إسحاق يعقوب - عليهم السلام - . وفى هذه الجملة الكريمة ، بيان منه - عليه السلام - لرفيقيه فى السجن ، بأنه من سلسلة كريمة ، كلها أنبياء ، فحصل له بذلك الشرف الذى ليس بعده شرف ، وقوله ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء ﴾ تنزه عن الشرك بأبلغ وجه . أى: ما صح وما استقام لنا أن نشرك بالله - تعالى - أى شىء من الإِشراك ، فنحن أهل بيت النبوة الذين عصمهم الله - تعالى - عن ذلك . و((من)) فى قوله ((من شىء)) لتأكيد النفى وتعميمه . أى: ما كان لنا أهل هذا البيت الكريم أن نشرك بالله شيئا من الإشراك ، قليلا ذلك الشىء أو حقيرا . وقوله ﴿ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ... ) اعتراف منه - عليه السلام - برعاية الله - تعالى - له ولآبائه . واسم الإشارة . يعود إلى الإِيمان بالله - تعالى - المدلول عليه بنفى الشرك . أى: ذلك الإِخلاص لله - تعالى - فى العبادة، كائن من فضله - سبحانه - علينا معاشر هذا البيت ، وعلى غيرنا من الناس ، الذين هداهم إلى الإِيمان الحق . وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ إنصاف للقلة الشاكرة لله - تعالى -. أى: ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله - تعالى - على نعمه الجزيلة وآلائه التى لا تحصى . وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه وبملته وبآبائه . شرع يقيم لهم. الأدلة على صحة عقيدته ، وعلى فساد عقيدتهما فقال - كما حكى القرآن عنه : ﴿ يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾. أى : ياصاحبى ورفيقى فى السجن أخبرانى بربكما ، أعبادة عدد من الأرباب المتفرقة فى ٣٦٢ المجلد السابع ذواتها وصفاتها ((خير)) لكما ((أم)) عبادة الله - تعالى - ((الواحد)) فى ذاته وصفاته ((القهار)) لكل من غالبه أو نازعه ؟ وكرر نداءهما بالصحبة ليتحبب إليهما بهذه الصفة التى فيها إيناس للقلوب ، وليسترعى انتباههما إلى ما سيقوله لهما . قال صاحب المنار ما ملخصه: ((وقوله : أأرباب متفرقون خير ... )) هذا استفهام تقرير بعد تخيير ، ومقدمة لأظهر برهان على التوحيد ، وكان المصريون المخاطبون به ، يعبدون كغيرهم من الأمم أربابا متفرقين فى ذواتهم وفى صفاتهم وفى الأعمال التى يسندونها إليهم بزعمهم ، فهو يقول لصاحبيه أأرباب متفرقون ، أى عديدون هذا شأنهم فى التفرق والانقسام ((خير)) لكما ولغيركما ((أم الله الواحد القهار .. ))(١). ولاشك أن الجواب الذى لا يختلف فيه عاقلان ، أن عبادة الله - تعالى - الواحد القهار ، هى العبادة الصحيحة التى توافق الفطرة السليمة والعقول القويمة . ثم انتقل يوسف - عليه السلام - إلى تفنيد العقائد الباطلة والأوهام الكاذبة فقال: (( ما تعبدون من دونه)) أى من دون الله - تعالى - المستحق للعبادة . إلا أسماء ﴾ أى ألفاظا فارغة لا قيمة لها . سميتموها﴾ آلهة بزعمكم ((أنتم وآباؤكم)) أما هى فليس لها من هذا الاسم المزعوم ظل من الحقيقة ، لأنها مخلوقة وليست خالقة ، ومرزوقة وليست رازقة ، وزائلة وليست باقية ، وما كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها . ومفعول ﴿ سميتموها﴾ الثانى محذوف. والتقدير سميتموها آلهة. وقوله ((وآباؤكم)) لقطع عذرهم ، حتى لا يقولوا: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فكأنه - تعالى - يقول لهم: إن آباءكم كانوا أشد منكم جهلا وضلالا ، فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم . والمراد بالسلطان فى قوله - تعالى - ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ) الحجة والبرهان. أى : ما أنزل الله - تعالى - بتسميتها أربابا - كما سميتموها بزعمكم - من برهان أو دليل يشعر بتسميتها بذلك ، وإنما أنتم الذين خلعتم عليها هذه الأسماء . وقوله : ﴿ إن الحكم إلا الله﴾ إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم .. (١) تفسير المنار جـ ١٧ ص ٣٠٧ . ٣٦٣ سورة يوسف أى: ما الحكم فى شأن العقائد والعبادات والمعاملات وفى صحتها أو عدم صحتها إلا لله - تعالى - وحده ، لأنه الخالق لكل شىء ، والعليم بكل شىء . وقوله ﴿أمر أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ انتقال من الأدلة الدالة على وحدانيته - سبحانه - إلى الأمر بإخلاص العبادة له وحده . أى : أمر - سبحانه - عباده أن لا يجعلوا عبادتهم إلا له وحده ، لأنه هو خالقهم ورازقهم ، وهو يحييهم ويميتهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ . . أى : ذلك الذى أمرناكم به من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، هو الدين القيم . أى : الحق المستقيم الثابت ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، لاستيلاء الشهوات والمطامع على نفوسهم . وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه ، وأقام لهما الأدلة على أن عبادة الله - تعالى - وحده هى الدين الحق ودعاهما إلى الدخول فيه .. بعد كل ذلك شرع فى تفسير رؤياهما ليزيدهما ثقة فى قوله ، فقال: ﴿ ياصاحبي السجن أما أحدكما﴾ وهو ساقى الملك، فيخرج من السجن بريئا ويسقى ((ربه)) أى: سيده الملك ((خمرا)). وأما الآخر) وهو خباز الملك وصاحب طعامه ((فيصلب)) أى : فيقتل ثم يصلب (( فتأكل الطير من رأسه)» بعد موته . ولم يعين يوسف - عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا ، ومن هو الذى سيصلب، وإنما اكتفى بقوله (( أما أحدكما ... وأما الآخر )» تلطفا معهما، وتحرجا من مواجهة صاحب المصير السىء بمصيره، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما بطريق غير مباشر . ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله إياه ، فقال: ﴿ قضى الأمر الذى فيه تستفتیان والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره فى أمر خفى عليه فهمه أى : تم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما . ٣٦٤ المجلد السابع ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه فى السجن ، بأن أوصى الذى سينجو منهما بوصية حكاها القرآن فى قوله: ﴿وقال للذى ظن أنه ناج منهما ، اذكرنى عند ربك ، ﴾. فأنساه الشيطان ذكر ربه ، فلبث فى السجن بضع سنين أى: ((وقال)) يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد أنه سينجو منها وهو ساقى الملك ، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك ، اذكر حقيقة حالى عنده ، وأنى سجين مظلوم . ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك ، لم ينفذ الوصية ، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف ، فكانت النتيجة أن لبث يوسف - عليه السلام - فى السجن مظلوما بضع : سنين . والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع ، وهو مأخوذ من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق . يقال : بضعت الشىء أى : قطعته . وقد اختلفوا فى المدة التى قضاها يوسف فى السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين . وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى (( فأنساه )» يعود إلى ساقى الملك ، ويكون المراد بر به أى : سيده ملك مصر . وهناك من يرى أن الضمير فى قوله ((فأنساه)» يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب هنا : الخالق - عز وجل - ، وعليه يكون المعنى . وقال يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد نجاته وهو ساقى الملك : اذكر مظلمتى عند سيدك الملك عندما تعود إليه . واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى .. وقوله ﴿ فأنساه الشيطان ذكرربه﴾ أى: فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحده ، ولا يذكرها للساقى ليبلغها إلى الملك . فكانت النتيجة أن لبث يوسف فى السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق . والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ... ) يدل دلالة واضحة على أن الضمير فى قوله ((فأنساه)) يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بربه أى سيده . وقد علق الإِمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ٣٦٥ سورة يوسف ملخصه: ((واعلم أن الاستعانة بالناس فى دفع الظلم جائزة فى الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق ، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية ، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب .. ثم قال : والذى جربته من أول عمرى إلى آخره أن الإِنسان كلما عول فى أمر من الأمور على غير الله، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة .. وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذى بلغت فيه السابعة والخمسين من عمرى . ثم قال: واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير فى قوله: ((فأنساه الشيطان ذكر ربه)) راجع إلى يوسف .. والمعنى: أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه وخالقه .. ))(١). ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى ، إلا أننا مازلنا نرى أن عودة الضمير فى قوله (( فأنساه)) إلى الساقى الذى ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة ، أولى لما سبق أن ذكر ناه . قال ابن كثير : وقوله ﴿ اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ... ﴾ أى: ((قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك ، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان .. هذا هو الصواب أن الضمير فى قوله : ((فأنساه)) .. عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد ... ))(٢). وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جانبا من حياة يوسف - عليه السلام - فى السجن فماذا كان بعد ذلك ؟ لقد كان بعد ذلك أن أراد الله - تعالى - فتح باب الفرج ليوسف - عليه السلام - ، وكان من أسباب ذلك أن رأى الملك فى منامه رؤيا أفزعته ، ولم يستطع أحد تأويلها تأويلا صحيحا سوى يوسف - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول : وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بَابِسَتٍ (١ ) تفسير الرازى جـ ١٨ ص ١٤٤ . (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣١٦ طبعة دار الشعب وراجع تفسير المنار جـ ٢، ص ٣١٣ . : ٣٦٦ المجلد السابع وَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِى فِ رُءْ يَتَىَ إِن كُمْ لِلُّءُيَا تَعْبُرُونَ ٤٣ ٤٤ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِمِينَ وَقَالَ الَّذِى ◌َجَامِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمٍَّ أَنَاْ أُنَبِنُكُمْ بِتَأْوِيلِ، فَرْسِلُونِ (٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ ◌ِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِبَافٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتِ لَّعَلَّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَابًا فَمَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنَبْلِهِ إِلَّا قَلِيلًاً مِّمَّا نَأْكُونَ (١٦) ثُمَ يَأَتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادُ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْلَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُحْصِنُونَ(٢٨)ثُمّ ◌َأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (١) ﴾ فقوله - سبحانه -: ﴿ وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف شروع فى حكاية الرؤيا التى رآها ملك مصر فى ذلك الوقت .. قال ابن كثير: ((هذه الرؤيا من ملك مصر ، مما قدر الله - تعالى - أنها كانت سببا لخروج يوسف - عليه السلام - من السجن معززا مكرما ، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا ، فهالته وتعجب من أمرها ، وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة وكبراء دولته وأمراءها ، وقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك ... )(١). وقوله ((عجاف)) جمع عجفاء والعجف - بفتح العين والجيم - ذهاب السمن ، يقال : هذا رجل أعجف وامرأة عجفاء ، إذا ظهر ضعفها وهزالهما .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢١٧ . ٣٦٧ سورة يوسف أى: وقال ملك مصر فى ذلك الوقت لكبار رجال مملكته: إنى رأيت فيما يرى النائم ((سبع بقرات)) قد امتلأن شحما ولحما ﴿يأكلهن سبع عجاف﴾ أى: يأكل هذه البقرات السبع السمان ، سبع بقرات أخرى عجاف أى : مهازيل ضعاف . ورأيت - أيضا - فيما يرى النائم ((سبع سنبلات خضر)) قد امتلأت حبا ، ورأيت إلى جانبها سبع سنبلات (( أخر يابسات )) قد ذهبت نضارتها وخضرتها ، ومع هذا فقد التوت اليابسات على الخضر حتى غلبتها . يأيها الملأ﴾ أى: الأشراف والعلماء من قومى ((أفتونى فى رؤياى)) أى: فسروا لى رؤياى هذه وبينوا لى ما تدل عليه . إن كنم للرؤيا تعبرون﴾ أى : إن كنتم تعرفون تفسيرها وتأويلها معرفة سليمة ، وتعلمون تعبيرها علما مستمرا . و((تعبرون)) من العبر، وهو اجتياز الطريق أو النهر من جهة إلى أخرى وسمى المفسر للرؤيا عابرا ، لأنه يتأمل فيها وينتقل من كل طرف فيها إلى الطرف الآخر ، كما ينتقل عابر النهر أو الطريق من جهة إلى أخرى . قال بعض العلماء: والتعريف فى ((الملك)) للعهد ، أى ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكا ولم يسمه فرعون ، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط ، وإنما كان ملكا لمصر أيام أن حكمها ((الهكسوس)) وهم العمالقة الذين ملكوا مصر من ١٩٠٠ قبل الميلاد إلى سنة ١٥٢٥ ق . م . فالتعبير عنه بالملك هنا ، دون التعبير عنه بفرعون مع أنه عبر عن ملك مصر فى زمن موسى بفرعون ، يعتبر من دقائق إعجاز القرآن العلمى .. (١). وقال ((إنى أرى)) بصيغة المضارع مع أنه قد رأى بالفعل ، اسحتضارا لصورة الرؤيا حتى لكأنها ماثلة أمامه . وقال ((وأخر يابسات)) بدون إعادة لفظ سبع كما فى البقرات ، للاكتفاء بدلالة المقابل فى البقرات عليه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هل فى الآية دليل على أن السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر ؟ (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ١٢ ص ٢٨٠ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٣٦٨ المجلد السابع قلت : الكلام مبنى على انصبابه إلى هذا العدد فى البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله ((وأخر يابسات )) بمعنى : وسبعا أخر يابسات))(١). وفى نداء الملك لقومه قوله ﴿يأيها الملأ أفتونى .. ﴾ تشريف لهم، وحض على استعمال عقولهم وعلومهم فى تفسير هذه الرؤيا التى أزعجته . واللام فى قوله ((الرؤيا)) لتقوية الفعل ((تعبرون)) حيث تأخر عن معموله . ويبدو أن القوم فى ذلك الزمان ، كان بعضهم يشتغل بتفسير الرؤى ، وكان لهذا التفسير مكانته الهامة فيهم ... فقد مرت بنا رؤيا يوسف ، ورؤيا رفيقيه فى السجن ، ثم جاءت رؤيا الملك هنا ، وهذا يشعر بأن انفراد يوسف - عليه السلام - بتأويل رؤيا الملك ، فى زمن كثر فيه البارعون فى تأويل الرؤى ، كان بمثابة معجزة أو ما يشبه المعجزة من الله - تعالى - ليوسف - عليه السلام - حتى تزداد مكانته عند الملك وحاشيته . وقوله - سبحانه - ﴿ قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ﴾ حكاية لما رد به الكهان والأشراف على ما طلبه الملك منهم . والأضغاث : جمع ضغث - بكسر الضاد - وهو ما جمع فى حزمة واحدة من مختلف النيات وأعواد الشجر ، فصار خليطا غير متجانس . والأحلام : جمع حلم وحلم - بإسكان اللام وضمها تبعا للحاء - وهو ما يراه النائم فى منامه ، وتطلق كثيرا على ما ليس بحسن، ففى الحديث الصحيح: ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)) (٣). أى : قال الملأ للملك : ما رأيته أيها الملك فى نومك ما هو إلا تخاليط أحلام ومنامات باطلة ، فلا تهتم بها . فهم قد شبهوا مارآه بالأضغاث فى اختلاطها ، وعدم التجانس بين أطرافها . ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: (( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)). أى: إننا لسنا من أهل العلم بتفسير تخاليط الأحلام ، وإنما نحن من أهل العلم بتفسير المنامات المعقولة المفهومة . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٣ . (٢) صحيح البخارى - كتاب التعبير جـ ٩ ص ١٧ . ؟ ٣٦٩ سورة يوسف وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم ، بمعرفة تفسير رؤيا الملك ، ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل ، كما يشعر به قوله - تعالى - ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون ﴾ فقد أتى يان المفيدة للشك . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد فلماذا قالوا أضغاث أحلام فجمعوا ! ؟ . قلت : هو كما تقول فلان يركب الخيل ، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا .. وماله إلا عمامة فردة ، تزيدا فى الوصف ، فهؤلاء أيضا تزيدوا فى وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام - ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا سواها ))(١). ثم بين - سبحانه - ما حدث بعد أن عجز الملأ من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال : وقال الذى نجا منهما ﴾ أى: وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع يوسف فى السجن ثم خرج منه بريئا وهو ساقى الملك . وادكر بعد أمة ﴾ : وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فسر له يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه فى السجن . وأصل ((ادكر)) اذتكر بوزن افتعل، مأخوذ من الذكر - بتشديد الذال وضمها - قلبت تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيها ، ثم قلبت الذال دالا ليتأتى إدغامها فى الدال ، لأنها أخف من الذال . والأمة : الجماعة التى تؤم وتقصد لأمر ما ، والمراد بها هنا : المدة المتطاولة من الزمان وكان هذا الساقى قد نسى ما أوصاه به يوسف من قوله ((اذكرنى عند ربك)) فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه ، تذكر هذا الساقى حال يوسف . قالوا : وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن . وقوله ﴿ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ﴾ أى: قال الساقى للملك وحاشيته: أنا أخبركم بتأويله: بتفسير رؤيا الملك التى خفى تفسيرها على الملأ من قومه . فأرسلون ، أى : فابعثونى إلى من عنده العلم الصحيح الصادق بتفسيرها . ولم يذكر لهم اسم المرسل إليه ، وهو يوسف - عليه السلام - لأنه أراد أن يفاجئهم بخبره بعد حصول تأويله للرؤيا ، فيكون ذلك أوقع فى قلوبهم ، وأسمى لشأن يوسف - عليه السلام - . ـبـ (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٤. ٣٧٠ المجلد السابع وقال ﴿ فأرسلون ﴾ ليشعرهم أن هذا التأويل ليس من عند نفسه، وإنما هو من عند من سيرسلونه إليه وهو يوسف - عليه السلام . وقوله ﴿ يوسف أيها الصديق أفتنا .. ﴾ من بديع الإيجاز بالحذف فى القرآن الكريم ، لأن المحذوف لا يتعلق بذكره غرض . والتقدير : قال لهم أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عنده العلم بذلك ، فأرسلوه فجاء إلى يوسف فى السجن فقال له : يا يوسف يأيها الصديق . والصديق : هو الإِنسان الذى صار الصدق دأبه وشيمته فى كل أحواله ، ووصفه بذلك لأنه جرب منه الصدق التام أيام أن كان معه فى السجن . وقوله (( أفتنا)) أى فسر لنا تلك الرؤيا التى رآها الملك ، والتى عجز الناس عن تفسيرها ، وهى أن الملك رأى فى منامه «سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)). وقوله ((لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون)) تعليل لطلب الفتوى ، وبيان لأهميتها بالنسبة له وليوسف - عليه السلام . أى: فسر لنا هذه الرؤيا ((لعلى أرجع إلى الناس)) وهم الملك وأهل الحل والعقد فى مملكته ، (( لعلهم يعلمون)) تأويلها ، فينتفعون به ، وترتفع منزلتك عندهم . وهنا تجد يوسف - عليه السلام - لا يكتفى بتأويل الرؤيا تأويلا مجردا بل يؤولها تأويلا صادقا صحيحا ، ومعه النصح والإرشاد إلى ما يجب عمله فى مثل هذه الأحوال ، فقال : - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ قال تزرعون سبع سنين دأبا ... ﴾ . وتزرعون ههنا: خبر فى معنى الأمر، بدليل قوله بعد ذلك ((فذروه )) .. وعبر عن الأمر بالمضارع مبالغة فى التعبير عن استجابتهم لنصيحته ، فكأنهم قد امتثلوا أمره ، وهو يخبر عن هذا الامتثال . و﴿ دأبا﴾ مصدر دأب على الشىء إذا استمر عليه ولازمه يقال: دأب فلان على فعل هذا الشىء يدأب دأبا ودأبا إذا داوم عليه، وهو حال من ضمير ((تزرعون)) أى قال يوسف للساقى : فارجع إلى قومك فقل لهم إن يوسف يأمركم أن تزرعوا أرضكم سبع سنين زراعة مستمرة على حسب عادتكم . ﴿ فيما حصدتم﴾ من زرعكم فى كل سنة ، فذروه فى سنبله ، أى: فاتركوا الحب فى سنبله ولا تخرجوه منها حتى لا يتعرض للتلف بسبب السوس أو ما يشبهه : إلا قليلا مما تأكلون، ٣٧١ سورة يوسف أى : اتركوا الحب فى سنبله فلا تخرجوه منها ، إلا شيئا قليلا منه فأخرجوه من السنابل لحاجتكم إليه فى مأكلكم . وفى هذه الجملة إرشاد لهم إلى أن من الواجب عليهم أن يقتصدوا فى مأكولاتهم إلى أقصى حد ممكن لأن المصلحة تقتضى ذلك . قال القرطبى : هذه الآية أصل فى القول بالمصالح الشرعية التى هى حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال ، فكل ما تضمن تحصيل شىء من هذه الأمور فهو مصلحة ، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف ، فإن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة الله - تعالى - وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ، ومراعاة ذلك فضل من الله - عز وجل - ورحمة رحم بها عباده ... ))(١) . وقوله ﴿ ثم يأتى من بعد ذلك﴾ أى: من بعد تلك السنين السبع المذكورات التى تزرعونها على عادتكم المستمرة فى الزراعة . سبع شداد ﴾ أى: سبع سنين صعاب على الناس، لما فيهن من الجدب والقحط ، يأكلن ما قدمتم لهن ، أى : يأكل أهل تلك السنين الشداد ، كل ما ادخروه فى السنوات السبع المتقدمة من حبوب فى سنابلها . وأسند الأكل إلى السنين على سبيل المجاز العقلى ، من إسناد الشىء إلى زمانه . وقوله ﴿ إلا قليلا مما تحصنون﴾ أى: أن تلك السنين المجدبة ستأكلون فيها ما ادخرتموه فى السنوات السابقة ، إلا شيئا قليلا منه يبقى محرزا ، لتنتفعوا به فى زراعتكم لأرضكم . فقوله ﴿تحصنون﴾ من الإِحصان بمعنى الإِحراز والادخار، يقال أحصن فلان الشىء، إذا جعله فى الحصن ، وهو الموضع الحصين الذى لا يوصل إليه إلا بصعوبة . وحاصل تفسير يوسف - عليه السلام - لتلك الرؤيا : أنه فسر البقرات السمان والسنبلات الخضر ، بالسنين السبع المخصبة . وفسر البقرات العجاف والسنبلات اليابسات بالسنين السبع المجدبة التى ستأتى فى أعقاب السنين المخصبة وفسر ابتلاع البقرات العجاف للبقرات السمان ، بأكلهم ما جمع فى السنين المخصبة ، فى السنين المجدبة . ولقد كان هذا التأويل لرؤيا الملك تأويلا صحيحا صادقا من يوسف - عليه السلام - بسببه أنقذ الله - تعالى - مصر من مجاعة سبع سنين . (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٠٣ . - ٣٧٢ المجلد السابع وقوله ﴿ ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ تبشير لهم بأن الخير سيأتيهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، فقد جرت سنة الله - تعالى - أن يعقب العسر باليسر . ولفظ ﴿ يغاث ﴾ من الغوث يمعنى إزالة الهم والكرب عن طريق الأمطار التى يسوقها الله - تعالى - لهم بعد تلك السنوات الشداد التى قل فيها المطر . يقال: غاث الله - تعالى - البلاد غيثا، إذا ساق لها المطر بعد أن يئسوا من نزوله ، ويعصرون من العصر وهو الضغط على ما من شأنه أن يعصر ، لإخراج ما فيه من مائع سواء كان هذا المائع زيتاً أم ماء أم غيرهما . أى : ثم يأتى من بعد تلك السنين السبع الشداد ، عام فيه تزول الهموم والكروب ونقص الأموال عن الناس ، بسبب إرسال الله - تعالى - المطر عليهم ، فتخضر الأرض وتنبت من كل زوج بهيج ، وفيه يعصرون من ثمار مزروعاتهم ما من شأنه أن يعصر كالزيتون وما يشبهه . وهذا كناية عن بدء حلول الرخاء بهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، وما قاله يوسف - عليه السلام - عن هذا العام الذى يأتى فى أعقاب السنوات السبع الشداد ، لا مقابل له فى رؤيا الملك ، بل هو خارج عنها ، وذلك لزيادة التبشير للملك والناس ، ولإِفهامهم أن هذا العلم إنما بوحى من الله - تعالى - الذى يجب أن يخلص له الجميع العبادة والطاعة . وإلى هنا نرى أن يوسف - عليه السلام - قد فسر رؤيا الملك تفسیرا سليما حكيما ، من نتائجه الخير للملك وقومه ... فماذا فعل الملك مع يوسف - عليه السلام - بعد ذلك ؟ لقد قص علينا القرآن الكريم ما طلبه الملك من حاشيته وما رد به يوسف - عليه السلام - على رسول الملك ، وما قالته النسوة وامرأة العزيز فى شأن يوسف وما طلبه - عليه السلام - من الملك ، استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه الخاص فيقول : وَقَالَ الْمَلُِ ◌ُتْنُنِ بِهِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلَهُ مَابَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبٍِ بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدِتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ ٣٧٣ سورة يوسف مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ آمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْعَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْرَ وَدَّتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ ٥ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَنَّاللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَاٌلْخَاِنِينَ ٥٢ وَمَا أَبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّالنَّفْسَ لَأَ مَارَةٌ بِالشُوَءِ إِلَّمَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَ قَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ فَلَمَّا كَلَّمَّهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ ﴾ قَالَ أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَتَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَأْهُ نُصِيبُ بِرَحْمَتَنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ اُلْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ اَلْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (٥٧ فقوله - سبحانه - ﴿ وقال الملك ائتونى به ... ﴾ حكاية لما طلبه الملك فى ذلك الوقت من معاونيه فى شأن يوسف - عليه السلام - ، وفى الكلام حذف يفهم من المقام ، والتقدير : وقال الملك بعد أن سمع من ساقيه ما قاله يوسف فى تفسير الرؤيا أحضروا لى يوسف هذا لأراه وأسمع منه ، وأستفيد من علمه . وهذا يدل - كما يقول الإِمام الرازى - على فضيلة العلم ، فإنه - سبحانه - جعل ما علمه ليوسف سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية ؟(١) . وقوله - سبحانه - ﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ١٥١ . ٣٧٤ المجلد السابع قطعن أيديهن ، إن ربى بكيدهن عليم ﴾ بيان لما قاله يوسف - عليه السلام - الرسول الملك ... . أى : فلما جاء رسول الملك إلى يوسف ليخبره بأن الملك يريد لقاءه ، قال له يوسف بأناة وإباء: ارجع إلى ربك، أى إلى سيدك الملك ((فاسأله )) قبل خروجى من السجن وذهابى إليه (( ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن)) أى: ما حالهن، وما حقيقة أمرهن معى، لأن الكشف عن حقيقة أمرهن معى يهمنى أن يكون واضحا فى الأذهان والعقول ، حتى يعرف الجميع أننى برى ، وأننى نقى العرض طاهر الذيل . والمراد بالسؤال فى قوله ((ارجع إلى ربك فاسأله » الحث والتحريض على معرفة حقيقة أمر النسوة اللائى قطعن أيديهن ... ولم يكشف له يوسف عن حقيقة أمرهن معه لزيادة تهييجه على البحث والتقصى إذ من شأن الإِنسان - خصوصا إذا كان - حاكما - أن يأنف من أن يسأل عن شىء مهم ، ثم لا يهتم بالإجابة عنه . وقد آثر يوسف - عليه السلام - أن يكون هذا السؤال وهو فى السجن لتظهر الحقيقة خالصة ناصعة ، دون تدخل منه فى شأنها . وجعل السؤال عن النسوة اللائى قطعن أيديهن دون امرأة العزيز ، وفاء لحق زوجها ، واحترازا من مكرها ، ولأنهن كن شواهد على إقرارها بأنها قد راودته عن نفسه ، فقد قالت أمامهن بكل تبجح وتكشف ﴿ فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين )). واكتفى بالسؤال عن تقطيع أيديهن ، دون التعرض لكيدهن له ، سترا لهن ، وتنزها منه - عليه السلام - عن ذكرهن بما يسوؤهن . ولذا فقد اكتفى بالإِشارة الإجمالية إلى كيدهن ، وفوض أمرهن إلى الله - تعالى - فقال : إن ربی بکیدهن عليم ﴾ . أى إن ربى وحده هو العليم بمكرهن بى ، وكيدهن لى ، وهو - سبحانه - هو الذى يتولى حسابهن على ذلك . ولا شك فى أن امتناع يوسف - عليه السلام - عن الذهاب إلى الملك إلا بعد التحقيق فى قضيته ، يدل دلالة واضحة على صبره ، وسمو نفسه ، وعلو همته ... . ولقد أجاد صاحب الكشاف فى تعليله لامتناع يوسف عن الخروج من السجن للقاء الملك إلا بعد أن تثبت براءته فقال : ٣٧٥ سورة يوسف ((إنما تأنى وتثبت يوسف فى إجابة الملك ، وقدم سؤال النسوة ، ليظهر براءة ساحته عما قذف به وسجن فيه ، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده . ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا : ما خلد فى السجن إلا لأمر عظيم ، وجرم كبير ، حق به أن یسجن ويعذب ، ويستكف شره . وفيه دليل على أن الاجتهاد فى نفى التهم، واجب وجوب اتقاء الوقوف فى مواقفها)) (١) . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث فى فضل يوسف - عليه السلام - فقال ما ملخصه : وقد وردت السنة بمدحه على ذلك - أى على امتناعه من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهة عرضه - ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - * -: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال : رب أرنى كيف تحیی الموتى ؟ قال : أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبى ، ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوى إلى ركن شديد، ولو لبثت فى السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى )). وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة فى قوله - تعالى - ﴿ فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن .. ﴾ أن رسول اللّه و له - قال: ((لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر)). وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله صل * - : لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه ؛ والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجونى . ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له ، حين أتاه الرسول ، ولو كنت مكانه لبادرتهم إلى الباب ، ولكنه أراد أن يكون له العذر))(٢). هذا ، وقوله - سبحانه - ﴿ قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ﴾ حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه يوسف منه . وفى الكلام حذف يفهم من السياق ، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه ، فأخضر النسوة وقال لهن : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٥. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣١٧، وما ورد فى هذه الأحاديث إنما هو من باب التواضع من سيدنا رسول الله - * - وإلا فإنه - # - أقوى الرسل عزما، وأرفعهم مقاما، وأشدهم صبرا . ٣٧٦ المجلد السابع والخطب : مصدر خطب يخطب ، ويطلق - غالبا - على الأمر المهم الذى يجعل الناس يتحدثون فيه كثيراً، وجمعه خطوب . والمعنى : بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن : ما الأمر الهام الذى حملكن فى الماضى على أن تراودن يوسف عن نفسه ؟ وهل وجدتن فيه ميلا إلى الاستجابة لكنَّ .. ؟ قال صاحب الظلال ما ملخصه: (( والخطب الأمر الجلل ... فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن، وهو المعتاد فى مثل هذه الأحوال ، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه ، فهو يواجههن مقررا الاتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل .. ومن هذا نعلم شيئاً بما دار فى حفل الاستقبال فى بيت الوزير ، وما قالته النسوة ليوسف ، وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإِغراء الذى بلغ حد المراودة . ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى فى ذلك العهد الموغل فى التاريخ ، فالجاهلية هى الجاهلية دائما ، وأنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذى يرتدى ثياب الأرستقراطية))(١). وأمام هذه المواجهة التى واجههن بها الملك ، لم يملكن الإِنكار ، بل قلن بلسان واحد : حاش لله ﴾ أى: معاذ الله. : ما علمنا عليه من سوء﴾ قط ، وإنما الذى علمناه منه هو الاستعصام عن كل سوء. وهنا ﴿ قالت امرأة العزيز﴾ ويبدو أنها كانت حاضرة ، معهن عند الملك. ﴿ الآن حصحص الحق﴾ أى : الآن ظهر الحق وانكشف انكشافا تاما بعد أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص ، كما قيل ، كيكب فى كب ، وهو مأخوذ من الحص بمعنى الاستئصال والإِزالة ، تقول : فلان حص شعره إذا استأصله وأزاله فظهر ما كان خافيا من تحته ... ثم أضافت إلى ذلك قولها ((أنا راودته عن نفسه)) أى: أنا التى طلبت منه ما طلبت ((وإنه لمن الصادقين)) فى قوله ((هى راودتنى عن نفسى)). وهكذا يشاء الله - تعالى - أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد ، بتلك الطريقة التى يراها الملك ، وتنطق بها امرأة العزيز، والنسوة اللاتى قطعن أيديهن . قال صاحب الكشاف: ((ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة ، واعترافهن على. (١) فى ظلال القرآن جـ ١٢ ص ١٩٥٥. ١ ٣٧٧ سورة يوسف أنفسهن بأنه لم يتعلق بشىء مما قذفنه به لأنهن خصومه ، وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال)) (١) - إذ الفضل ما شهدت به الأعداء - . ثم واصلت امرأة العزيز حديثها فقالت: ﴿ ذلك ليعلم أنى لم أخته بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين أى : ذلك الذى قلته واعترفت به على نفسى من أنى راودته عن نفسه ، إنما قلته ليعلم يوسف أنى لم أخنه فى غيبته ، ولم أقل فيه شيئاً يسوؤه بعد أن فارقنى ، ولبث بعيدا عنى فى السجن بضع سنين ، وإنما أنا أقرر أمام الملك وحاشيته بأنه من الصادقين ... وإنما قررت ذلك لأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ، أى: لا ينفذ كيدهم ولا يسدده ، بل يفضحه ويزهقه ولو بعد حين من الزمان . لذا فأنا التزمت الأمانة فى الحديث عنه، وابتعدت عن الخيانة ، لأن الله - تعالى - لا يرضاها ولا يقبلها . فأنت ترى أن هذه المرأة التى شهدت على نفسها شهادة لا تبالى بما يترتب عليها بشأنها ، قد عللت شهادتها هذه بعلتين : إحداهما : كراهتها أن تخونه فى غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو فى السجن .. وثانيتهما : علمها بأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده ، وإنما يبطله ويزهقه .. ثم أضافت إلى كل ذلك قولها : ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس الأمارة بالسوء ، إلا ما رحم ربی ، إن ربى غفور رحيم ﴾. أى : ومع أنى أعترف بأنه من الصادقين ، وأعترف بأنى لم أخنه بالغيب ، إلا أنى مع كل ذلك لا أبرئ نفسى ولا أنزهها عن الميل إلى الهوى ، وعن محاولة وصفه بما هو برىء منه ، فأنا التى قلت لزوجى فى حالة دهشتى وانفعالى الشديد، ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) وما حملنى على هذا القول إلا هواى وشهواتى ، ونفسى؛ إن النفس البشرية لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء إلا نفسا رحمها الله وعصمها من الزلل والانحراف ، كنفس يوسف - عليه السلام - وجملة ﴿ إن ربى غفور رحيم﴾ تعليل لما قبلها، أى: إن ربى كثير الغفران وكثير الرحمة ، لمن بشاء أن يغفر له ويرحمه من عباده . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٦ . ٣٧٨ المجلد السابع والذى يتأمل هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن امرأة العزيز ، يراه زاخرا بالصراحة التى ليس بعدها صراحة ، وبالمشاعر والانفعالات الدالة على احترامها ليوسف الذى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، رغم الإغراءات المصحوبة بالترغيب والترهيب ، ويبدو لنا - والله أعلم - أن هذا الكلام ما قالته امرأة العزيز ، إلا بعد أن استقرت عقيدة الإيمان التى آمن بها يوسف فى قلبها ، وبعد أن رأت فيه إنسانا يختلف فى استعصامه بالله وفى سمو نفسه ، عن غيره من الناس الذين رأتهم . هذا ، ويرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - وإنه لمن الصادقين ﴾ وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ... ) إلى قوله - تعالى - ﴿إن ربى غفور رحيم﴾ هو من كلام يوسف - عليه السلام - ، فيكون المعنى : وذلك ليعلم ((أى العزيز)» أنى لم أخنه، فى أهله ﴿ بالغيب ﴾ أى فى غيبته ﴿ وأن الله لا يهدى كيد الخائنين ﴾ من النساء والرجال ، بل يبطل هذا الكيد ويفضحه . ﴿ وما أبرئ نفسى﴾ أى: ولا أنزهها عن السوء، وهذا من باب التواضع منه - عليه السلام - ﴿ إن النفس الأمارة بالسوء﴾ أى: إن هذا الجنس من الأنفس البشرية، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات . إلا ما رحم ربى ﴾ من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء. إن ربى غفور رحيم﴾ لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه . والذى نراه أن الرأى الأول الذى سرنا عليه هو الجدير بالقبول ، لأنه هو المناسب لسياق الآيات من غير تكلف ، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك الكلام وانقطاع بعضه عن بعض ، بخلاف الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - ((وإنه لمن الصادقين)» فإنه يؤدى إلى تفكك الكلام ، وعدم ارتباط بعضه ببعض ، فضلا عن أن وقائع التاريخ لا تؤيده ، لأن يوسف - عليه السلام - كان فى السجن عندما أحضر الملك النسوة وقال لهن: (( ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ... )). وعندما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن: ((الآن حصحص الحق .. )) إلى قوله - تعالى - ﴿ إن ربى غفور رحيم﴾. ومن المفسرين الذين أيدوا الرأى الأول الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه: ((ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ... )) تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسى ، بأنى راودت هذا الشاب ٣٧٩ سورة يوسف فامتنع، ﴿وما أبرئُ نفسى ... ﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء . إلا ما رحم ربى ﴾ أى: من عصمه الله - تعالى - ... ثم قال: ((وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعانى الكلام . لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف - عليه السلام - عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك))(١) . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة يوسف - عليه السلام - القسم الذى تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام ، بعضها من إخوته ، وبعضها من امرأة العزيز، وبعضها من السجن ومرارته ... ثم بدأت بعد ذلك فى الحديث عن الجانب الثانى من حياته عليه السلام . وهو جانب الرخاء والعز والتمكين فى حياته ، فقال - تعالى -: ﴿وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى ... وفى الكلام إيجاز بالحذف، والتقدير : وبعد أن انكشفت للملك براءة يوسف - عليه السلام - انكشافا تاما ، بسبب ما سمعه عنه من النسوة ومن امرأة العزيز ، وبعد أن سمع تفسيره للرؤيا وأعجب به ، كما أعجب بسمو نفسه وإبائه .. بعد كل ذلك قال الملك لخاصته : ائتونى بيوسف هذا ، ليكون خالصا لنفسى ، وخاصا بى فى تصريف أمورى ، وكتمان أسرارى ، وتسيير دفة الحكم فى مملكتى . والسين والتاء فى قوله ((أستخلصه)) للمبالغة فى الخلوص له ، فهما للطلب كما فى : استجاب ، والاستخلاص طلب خلوص الشىء من شوائب الشركة . فكأن الملك قد شبه يوسف - عليه السلام - بالشىء النفيس النادر ، الذى يجب أن يستأثر به الملك دون أن يشاركه فيه أحد سواه . والفاء فى قوله ((فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين )» معطوفة على محذوف يفهم من السياق . والضمير المنصوب فى ((كلَّمه)) يعود على الملك - على الراجح - . والمراد باليوم : الزمان الذى حدث فيه التخاطب بين الملك ويوسف . (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٢٠. ٣٨٠ المجلد السابع و ﴿ مكين﴾ صفة مشبهة من الفعل مكن - بضم الكاف - ، بمعنى صاحب مكانة ومرتبة عظيمة ، يقال : مكن فلان مكانة إذا ارتفعت منزلته ، ويقال : مكنت فلانا من هذا الشىء إذا جعلت له عليه سلطانا وقدرة . ﴿ أمين﴾ بزنة فعيل بمعنى مفعول، أى: مأمون على ما نكلفك به ، ومحل ثقتنا. والمعنى : وقال الملك لجنده انتونى بيوسف هذا أستخلصه لنفسى فأتوه به إلى مجلسه . فازداد حب الملك له وتقديره إياه وقال له : إنك منذ اليوم عندنا صاحب الكلمة النافذة ، والمنزلة الرفيعة ، التى تجعلنا نأتمنك على كل شىء فى هذه المملكة ، وتلك المقالة من الملك ليوسف ، هى أولى بشائر عاقبة الصبر ؛ وعزة النفس ، وطهارة القلب ، والاستعصام بحبل الله المتين ... وهنا طلب يوسف - عليه السلام - من الملك بعزة وإباء أن يجعله فى الوظيفة التى يحسن القيام بأعبائها ﴿ قال: اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم﴾ والخزائن جمع خزانة - بكسر الخاء وهى اسم للمكان الذى يخزن فيه الشىء ، والمراد بالأرض : أرض مصر . أى : قال يوسف - عليه السلام - للملك: اجعلنى - أيها الملك - المتصرف الأول فى خزائن أرض مملكتك ، المشتملة على ما يحتاج إليه الناس من أموال وأطعمة ، لأنى شديد الحفظ لما فيها ، عليم بوجوه تصريفها فيما يفيد وينفع ... فأنت ترى أن يوسف - عليه السلام - لم يسأل الملك شيئا لنفسه من أعراض الدنيا ، وإنما طلب منه أن يعينه فى منصب يتمكن بواسطته من القيام برعاية مصالح الأمة ، وتدبير شئونها ... لأنها مقبلة على سنوات عجاف ، تحتاج إلى خبرة يوسف وأمانته وكفاءته ، وعلمه ... قال صاحب الكشاف: ((وصف يوسف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن · يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى - وإقامة الحق ، وبسط العدل ، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه فى ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله - لا لحب الملك والدنيا))(١). وقال القرطبى ما ملخصه: ((ودلت الآية - أيضًا - على جواز أن يطلب الإِنسان عملاً يكون له أهلًاً . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٨.