النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة هود لأصنامهم إنما هى تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل ، وهذه العبادة لغير الله - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم . والخطاب وإن كان للرسول - * - على سبيل التسلية والتثبيت ، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب . وهذا الأسلوب كثيرا ما يكون أوقع فى النفس ، وأشد تأثيراً فى القلب ، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله - تعالى - لرسوله - * - إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التى لا تحتاج إلى جدال مع أحد ، ومن جادل فيها فإنما يجادل فى الحق الواضح بدافع الحسد والعناد ، لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه الله - تعالى - لرسوله - التاريخ19 - . وجملة ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل﴾ مستأنفة، لبيان أن الخلف قد ساروا فى الجهالة والجحود على طريقة السلف . وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع ، مع أنها كانت فى الماضى بقرينة ﴿من قبل﴾. للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم ، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها ، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين بدون تفكر أو تدبر . والمضاف إليه فى قوله ﴿ من قبل﴾ محذوف، والتقدير : من قبلهم. وقوله ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ﴾ تذييل قصد به تأكيد العقاب الذى سينزل بهم فى الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله . وموفوهم من التوفية ، وهى إعطاء الشىء كاملا بدون نقص . والمراد بالنصيب هنا : المقدار المعد لهم من العذاب ، وسماه نصيبا على سبيل التهكم بهم . أى: وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم فى عبادة غير الله، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شىء منه ، كما ساروا هم على طريقة سلفهم فى الضلال دون أن يغيروا شيئا منها ... ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا : ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنوية والأخروية . قال صاحب المنار : أى ، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم فى الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شىء ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبِرِّ الوالدين وصلة الأرحام .... إلا ويوفيهم الله جزاءهم عليه فى الدنيا بسعة الرزق ، وكشف الضر جزاء تاما ، لا ينقصه شىء يجزون عليه فى الآخرة .. »(١). (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ١٦٢ . ٢٨٢ المجلد السابع ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية الكريمة يؤيده إذ الكلام فيها فى شأن جزاء الذين ساروا على نهج آبائهم فى الضلال ، وليس فى بيان الجزاء العام فى الدنيا والآخرة . ثم بين - سبحانه - أن اختلاف الناس فى الحق موجود قبل بعثة النبى - وَطير - فقال : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه .. ﴾ . أى : كما اختلف قومك - أيها الرسول الكريم - فى شأن القرآن الكريم فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين ، فقد اختلف قوم موسى من قبلك فى شأن التوراة التى أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم ، إذ منهم من آمن بها ومنهم من كفر ... ومادام الأمر كذلك ، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لاختلاف قومك فى شأن القرآن الكريم ، فإن هذا الاختلاف شأن الناس فى كل زمان ومكان والمصيبة إذا عمت خفت . فالجملة الكريمة تسلية للرسول - # - عما أصابه من مشركى قومه . وجاء الفعل ﴿ اختلف ﴾ بصيغة المبنى للمجهول ، لأن ذكر فاعل الاختلاف لا يتعلق به غرض ، وإنما الذى يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا الاختلاف من كفر وضلال . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم ... والمراد بالكلمة التى سبقت : تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة ، وعدم إهلاكهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا . قال الشوكانى: قوله - سبحانه - ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم .. ﴾ أى: لولا أن الله - تعالى - قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم فى ذلك من الصلاح ، لقضى بينهم ، أى: بين قومك ، أو بين قوم موسى ، فيما كانوا فيه مختلفين ، فأثيب المحق وعذب المبطل ، أو الكلمة ؛ هى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه ، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك . وقيل إن الكلمة هى أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال ، وهذا من جملة التسلية له - * -) ) . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿وإنهم لفى شك منه مريب﴾. والمريب اسم فاعل من أراب . يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٥٢٩ . 1. ٢٨٣ سورة هود أى: وإن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب لفى شك منه ، وهذا الشك قد أوقعهم فى الريبة والتخبط والاضطراب . وهذا شأن المعرضين عن الحق ، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره ، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه ، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق . وبعض المفسرين يرى عودة الضمير فى قوله ﴿وإنهم﴾ إلى قوم موسى ، وفى قوله ﴿ منه﴾ إلى كتابهم التوراة . وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبى - عليه - والثانى إلى القرآن الكريم . والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر فى معنى الآية ، لأن الكلام فى موسى - عليه السلام وقومه الذين اختلفوا فى شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا ، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول . وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول - * - كانوا فى شك من القرآن ، أوقعهم هذا الشك فى الريبة والحيرة . فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول - ﴿ - عما قاله بعض المشركين فى شأن القرآن الكريم . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب ، الشاكين فى صدقه ، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ﴾. وقد وردت فى هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة(١) منها: قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد ، إن ولما ، وقد قيل فى تخريجها : إن لفظ، ﴿ كلا﴾، اسم ﴿ إن﴾، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، واللام فى ، لما﴾، هى الداخلة فى خبر ﴿إن﴾ وما بعد اللام هو حرف ((من)» الذى هو من حروف الجر، و((ما)) موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل، فيكون تقدير الكلام : وإن كلا ((لمن ما))، فقلبت النون ميما للإِدعام فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت واحدة منها للتخفيف، فصارت (( لما)) والجار والمجرور خبر ﴿إن﴾، واللام فى ﴿ ليوفينهم﴾، جواب قسم مضمر، والجملة صلة أو صفة ﴿ لما والتقدير : وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك (١) لمعرفة هذه القراءات راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٢٦ وتفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٣٣. ٢٨٤ المجلد السابع ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد ، إنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء منها . وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة ، حتى لا يشك فى نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل ، وحتى لا يشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه المشركون هو الباطل الذى لا يعرفه الحق ، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن السلف . وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية فى تلك الفترة التى نزلت فيها هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة - يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين ، وتوهينا الشرك والمشركين . قال الإِمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين فى هذه الآية ، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات : أولها: كلمة ((إن)) وهى للتأكيد، وثانيها كلمة ((كل)) وهى أيضا للتأكيد ، وثالثها: اللام الداخلة على خبر ((إن)) وهى تفيد التأكيد - أيضا -، ورابعها حرف ((ما)) إذا جعلناه على قول الفراء موصولا ، وخامسها : القسم المضمر فإن تقدير الكلام : وإن جميعهم والله ليوفينهم : وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم ، وسابعها : النون المؤكدة فى قوله ((ليوفينهم». فجميع هذه المؤكدات السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق ... )) (١). ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ﴿ - وأتباعه بالتزام الصراط المستقيم فقال - سبحانه -: ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ﴾. والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهى . والاستقامة - كما يقول القرطبى - هى الاستمرار فى جهة واحدة من غير أخذ فى جهة اليمين والشمال ... )) (٢). والطغيان : مجاوزة الحد . ومنه طغى الماء ، أى ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة . والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء ، وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٧٠ . ( ٢) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٣٦. ٢٨٥ سورة هود وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله ، بدون إفراط أو تفريط ، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم وأعمالكم . ووجه - سبحانه - الأمر بالاستقامة إلى النبى - مسل1 - تنويها بشأنه ، وليبنى عليه قوله - ﴿ كما أمرت﴾، فيشير بذلك إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله - تعالى - . وقد جمع قوله - تعالى - ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ أصول الإصلاح الدينى وفروعه ، كما جمع قوله - تعالى - ((ولا تطغوا)) أصول النهى عن المفاسد وفروعه ، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد . قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : يأمر الله - تعالى - رسوله وعباده المؤمنين فى هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة ، لأن ذلك من العون على النصر على الأعداء ، وينهاهم عن الطغيان وهو البغى ، لأنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك)). وقال الآلوسى : والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق . أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال، لما نزلت هذه الآية قال - اليوم - شمروا شمروا ، وما رؤى بعد ضاحكا )). وعن ابن عباس قال: ما نزلت على رسول الله - وَ لجر - آية أشد من هذه الآية ولا أشق)) (١) . وفى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفى قال : قلت يا رسول الله ، قل لى فى الإِسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) (١). وجملة ﴿ إنه بما تعملون بصير﴾ تعليل للأمر بالاستقامة وللنهى عن الطغيان. أى : الزموا المنهج القويم ، وابتعدوا عن الطغيان ، لأنه - سبحانه - مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر ، العليم بظواهرها وبواطنها ، وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٣٦ . ( ٢) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٠٧ . ٢٨٦ المجلد السابع والركون إلى الشىء : الميل إليه . يقال ركن فلان إلى فلان ، إذا مال إليه بقلبه ، واعتمد عليه فى قضاء مصالحه . والمراد بالذين ظلموا هنا : ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير ، ويستحلون من محارم الله . والمعنى : واحذروا - أيها المؤمنون - أن تميلوا إلى الظالمين ، أو تسكنوا إليهم ؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم . وإضعاف جانب الحق والعدل . قال بعض العلماء : ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع حرمة الميل القلبى إليه . وقوله ﴿ فتمسّكم النار ﴾ أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم، والاعتماد عليهم ، والرضا بأفعالهم . وقوله ﴿ وما لكم من دون الله من أولياء﴾ فى موضع الحال من ضمير ﴿ تمسكم﴾. أى: والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل بكم ، بسبب ركونكم إلى الذين ظلموا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم . وثم فى قوله ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ للتراخى الرتبى . أى ثم لا تجدون بعد ذلك من ينصر كم بأى حال من الأحوال ، لأن الظالمين مالهم من أنصار . قال بعض العلماء : الآية أبلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم ، والتهديد عليه ، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون حال من ينغمس فى حمأته ؟ !! ثم قال : وقد وسع العلماء فى ذلك وشددوا ، والحق أن الحالات تختلف ، والأعمال بالنيات . والتفصيل أولى . فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو للاستعانة على إحقاق الحق ، أو الخير . فلا حرج فى ذلك. وإن كانت لإِيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا .. )) (١) . ثم أرشد - سبحانه - عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم الركون إلى الظالمين، فقال: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين (١) تفسير القاسمى - بتصرف يسير - جـ ٩ ص ٣٤٩١ . ٢٨٧ سورة هود .والمراد بإقامتها الإِتيان بها فى أوقاتها كاملة الأركان والخشوع والإخلاص لله رب العالمين. والمراد بالصلاة هنا : الصلاة المفروضة . قال القرطبى : لم يختلف أحد من أهل التأويل فى أن الصلاة فى هذه الآية ، المراد بها الصلوات المفروضة . وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإسلام ، وإليها يفزع فى النوائب ، وكان النبى - وَ﴿ - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)) (١). وطر فى النهار : أى أول النهار وآخره ، لأن طرف الشىء منتهاه من أوله أو من آخره . والنهار : يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب الشمس . سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أی يبرز كما يبرز النهر . والصلاة التى تكون فى هذين الوقتين ، تشمل صلاة الغداة وهى صلاة الصبح ، وصلاة العشى وهى صلاة الظهر والعصر ، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب . وقيل الصلاة التى تكون فى هذين الوقتين هى صلاة الصبح والمغرب . وقوله ﴿وزلفا من الليل ﴾ معطوف على طرفى النهار. والزلف جمع زلفة ، كغرف وغرفة - والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار ، إذا الإِزلاف معناه القرب ومنه قوله - تعالى - ﴿وأزلفت الجنة للمتقين ... ﴾ أى: قربت منهم . وتقول أزلفنى فلان منه : أى قربنى . فمعنى ﴿وزلفا من الليل) طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على صلاتى المغرب والعشاء قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ﴿وزلفا من الليل ) يعنى صلاة المغرب والعشاء. قال رسول الله - ﴿ - ((هما زلفتا الليل: المغرب والعشاء)). ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ، وفى أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ فى حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا فى قول)) (٢). وجملة ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة، (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١٠٩. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨٤ . ٢٨٨ المجلد السابع وأكدت بحرف ﴿ إن﴾ للاهتمام وتحقيق الخبر، والحسنات صفة لموصوف محذوف، وكذلك السيئات . والمعنى : إن الأعمال الحسنة - كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، والاستغفار .. يذهبن الأعمال السيئات ، أى يذهبن المؤاخذة عليها ، ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة . والمراد بالسيئات هنا صغار الذنوب ، لقوله - تعالى - ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾(١). ولقوله - تعالى - ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة ... ﴾(٢) ، ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة . وقوله ﴿ ذلك ذكرى للذاكرين﴾ أى: ذلك الذى أمرناك به من وجوب إقامة الصلاة، ومن الاستقامة على أمر الله .. فيه التذكرة النافعة ، لمن كان شأنه التذكر والاعتبار ، لا الإِعراض والعناد . وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية ، وقد ذكرنا فى التمهيد بين بدى السورة ، أن سورة هود ترجح أنها كلها مكية ، وليس فيها آيات مدنية . ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية النبى - داخلية - والإرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على الاستقامة ، وعدم الركون إلى الظالمين . ولأن بعض الروايات التى وردت فى شأنهالم تذكر أنها نزلت فى المدينة ، بل ذكرت أن الرسول - * - تلاها على السائل ، ومن هذه الروايات ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير - وهذا لفظه - عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبى - * - فقال: يا رسول الله إنى وجدت امرأة فى بستان ، ففعلت بها كل شىء، غير أنى لم أجامعها، فافعل بى ما شئت، فلم يقل رسول الله - صل﴿ - شيئا ، فذهب الرجل ، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه الرسول - ﴾ بصره ثم قال: ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل .. ﴾ الآية ، فقال معاذ - وفى رواية عمر - يا رسول الله ، أله وحده أم للناس كافة ؟ فقال : بل للناس كافة))(٣). (١) سورة النساء الآية ٣١ . (٢) سورة النجم الآية ٣٢ . (٣) راجع تتفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨٦. ٢٨٩ سورة هود والروايات التى ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية ، فى الإمكان أن تؤول أن المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل ، ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر . هذا ، ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ . أى : واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق التكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها ، فإنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب . قال الآلوسى: ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبى - #* وإن كانت عامة فى المعنى، والمناهى جمعت للأمة، للدلالة على عظم منزلة الرسول - صل* عند ربه(١) . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله - تعالى - فى خلقه، وعلى الحكم التى من أجلها ساق الله - تعالى - تلك القصص فى كتابه فقال - تعالى - : فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْبِقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا قَلِلًا مِّمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمُ وَأَتَبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوَ أْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُحْرِمِينَ (١) وَمَا كَانَ رَيُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ١١٧ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَفَهُمْ وَثَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٤٣ . ٢٩٠ المجلد السابع لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٢)، وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَكَ مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ مَانُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَ لَ فِىِهَذِهِ اٌلْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢) وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ () وَأَنْتَظِرُ واْ إِنَا مُنْتَظِرُونَ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ. فَاعْبُدُهُ وَتَوَ كَّلْ عَلَيْءٍ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٣ وقوله - تعالى - ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد فى . الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ... ﴾ إرشاد إلى أن الأمم إذا خلت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، حلت بها المصائب والنكبات .. ولولا : حرف تحضيض بمعنى هلا . والمقصود بالتحضيض هنا تحذير المعاصرين للنبى - * - ومن سيأتى بعدهم من الوقوع فيما وقع فيه أهل القرون الماضية من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، حتى لا يصيب اللاحقين ما أصاب السابقين . والقرون : جمع قرن ، والمراد به الأمة من الناس الذين يجمعهم زمان واحد ، والراجح أن القرن مائة عام . و﴿ أولو بقية﴾ أى: أصحاب مناقب حميدة، وخصال كريمة، وعقول راجحة ... وأصل البقية : ما يصطفيه الإنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها ، ومنه قولهم : فلان من بقية القوم، أى : من خيارهم وأهل الفضل فيهم ، قال الشاعر : إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم فما على بذنب منكم فوت وفى الأمثال : فى الزوايا خبايا ، وفى الرجال بقايا . والفساد فى الأرض : يشمل ما يكون فيها من المعاصى واختلال الأحوال وارتكاب المنكرات والبعد عن الصراط المستقيم . والمعنى : فهلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من قبلكم ، رجال أصحاب خصال كريمة ، وعقول سليمة ، تجعلهم هذه الخصال وتلك العقول ينهون أنفسهم وغيرهم عن الإِفساد ٢٩١ سورة هود فى الأرض ، وعن انتهاك الحرمات ؟ . كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد فى الأرض ، إلا عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد فى الأرض . وفى هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما فيه ، لأن الله - تعالى - بين أن عذاب الاستئصال الذى حل بالظالمين السابقين ، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد فى الأرض . قال الشوكانى : والاستثناء فى قوله ﴿ إلا قليلا .. ﴾ منقطع، أى: لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد فى الأرض ، وقيل : هو متصل ، لأن فى حرف التحضيض معنى النفى ، فكأنه قال : ما كان فى القرون أولو بقية ينهون عن الفساد فى الأرض ، إلا قليلا ممن أنجينا منهم، ومن فى قوله ﴿ممن أنجينا منهم﴾ بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون))(١). وقال ابن كثير : ولهذا أمر الله - تعالى - هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون، وفى الحديث: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده )) ولهذا قال: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد فى الأرض ... ﴾(٢). وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ... ﴾ إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد فى الأرض ، قد استمروا على فجورهم وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير ، وإلى سبيل الصلاح . .. " وأترفوا من الترف ومعناه التقلب فى نعم الله - تعالى - مع ترك شكره - سبحانه - عليها . والمترف : هو الشخص الذى أبطرته النعمة ، فانغمس فى الشهوات والمعاصى ، وأعرض عن الأعمال الصالحة .. والجملة الكريمة معطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام ، والمعنى : أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا من استثنى ، قد استمروا فى طغيانهم ، واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنى والشهوات العاجلة ، فكفروا النعمة ، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم ، وكانوا قوما مجرمين ، أى مصرين على ارتكاب الجرائم (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٥٣٤ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٠ . ٢٩٢ المجلد السابع والمنكرات ، فحق عليهم العقاب الذى يستحقونه بسبب هذه السيئات . ثم بين - سبحانه - أن رحمته بعباده تقتضى عدم ظلمه لهم فقال: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ . والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإِشراك بالله - تعالى - وغيره من الوقوع فى المعاصى والمنكرات . والباء فى ﴿ بظلم ﴾ للملابسة ، والتنوين فيه للإشعار بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله - تعالى - عنه على أبلغ وجه، وإن كانت أفعاله - عز وجل - لا ظلم فيها أيا كانت هذه الأفعال . والمعنى : وما كان من شأن ربك - أيها الرسول الكريم - أن يهلك أهل قرية من القرى إهلاكًا متلبسًا بظلم منه لها ، والحال أن أهلها قوم مصلحون ، لأن ذلك الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من الرحمة والعدل . قال - تعالى - ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ... ﴾ وقال - تعالى - ﴿ولا يظلم ربك أحدًا ﴾ . وقال - تعالى - ﴿ وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ . ومنهم من فسر الظلم هنا بالشرك ، وجعل الباء للسببية ، فيكون المعنى : ليس من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب كفرهم وحده ، مع صلاحهم فى تعاطى الحقوق فيما بينهم ، وإنما يهلكهم عندما يضمون إلى الكفر الإِفساد فى الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان .. وقد ساق ابن جرير - رحمه الله - القولين دون أن يرجح بينهما فقال : القول فى تأويل قوله - تعالى - ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾. يقول - تعالى - ذكره : وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التى أهلكها والتى قص عليك نبأها ظلمًا وأهلها مصلحون فى أعمالهم غير مسيئين ، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم فى أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلماً، ولكنه أهلكها بكفر أهلها باللّه؛ وتماديهم فى غيهم .. وقد قيل معنى ذلك : لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله : وذلك قوله بظلم يعنى بشرك ، وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون ، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين ، وإنما يهلكهم إذا تظالموا))(١) . (١) تفسير ابن جرير جـ ١٢ ص ٨٤ . ٢٩٣ سورة هود والذى نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن حمل الظلم هنا على الشرك تخصيص بدون مخصص ، حيث لم يرد عن رسول الله - القيم - حديث صحيح يخصصه بذلك، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقى الذى يتناول الشرك وغيره . ثم أخبر - سبحانه - بأن قدرته لا يعجزها شىء فقال: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة والأمة : القوم المجتمعون على أمر واحد ؛ يقتدى فيه بعضهم ببعض ، وهذا اللفظ مأخوذ من ((أم)) بمعنى قصد ، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شئونه . ولو شرطية امتناعية ، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير : ولو شاء ربك - أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه - أن يجعل الناس جميعًا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعًا ... ). وقوله - سبحانه - ﴿ ولو شاء ربك لجمعهم على الهدى ... ؟ وقوله ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾ تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس . أى : ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين فى شأن الدين الحق ، فمنهم من دخل فيه وآمن به ، ومنهم من أعرض عنه ، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر ، فإنهم لم يختلفوا ، بل اتفقوا على الإِيمان بالدين الحق فعصمهم الله - تعالى - من الاختلاف المذموم . قال الإِمام ابن كثير : وقوله ﴿ إلا من رحم ربك﴾ أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذى أخبرتهم به رسل الله إليهم ، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبى - وَله - الأمى خاتم الرسل والأنبياء ، فاتبعوه وصدقوه ونصروه ، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة ؛ لأنهم الفرقة الناجية ، كما جاء فى الحديث المروى فى المسانيد والسنن ، من طرق يشد بعضها بعضًا : إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة . وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها فى النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هم يارسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابى)) (١). (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩١ . أ ٢٩٤ المجلد السابع واسم الإشارة فى قوله ﴿ ولذلك خلقهم﴾ يعود على المصدر المفهوم من مختلفين قال الآلوسي : فكأنه قيل : وللاختلاف خلق الناس ، على معنى لثمرة الاختلاف من كون فريق فى الجنة وفريق فى السعير خلقهم . واللام لام العاقبة والصيرورة ، لأن حكمة خلقهم ليس هذا ، لقوله - سبحانه - ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ولأنهم لو خلقهم له - أى للاختلاف - لم يعذبهم على ارتكاب الباطل .... ))(١). ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذكور ، فيكون التقدير : إلا من رحم ربك ولرحمته - سبحانه - خلق الناس . وصح تذكير اسم الإشارة مع عودته إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقى . ومنهم من جعل الإشارة إلى مجموع الاختلاف والرحمة ، لأنه لا مانع من الإِشارة بها إلى شيئين كما فى قوله ﴿عوان بين ذلك ﴾ أى بين الفارض والبكر. فيكون المعنى: ((وللاختلاف والرحمة خلقهم)) أى أنه - سبحانه - خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . وقد رجح الإِمام القرطبى هذا الوجه فقال: قوله ((ولذلك خلقهم)) قال الحسن ومقاتل وعطاء : الإشارة إلى الاختلاف ، أى : وللاختلاف خلقهم . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : الإشارة إلى الرحمة : أى : ولرحمته خلقهم . وقيل : الإِشارة إلى الاختلاف والرحمة ، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين ، كما فى قوله - تعالى - ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ﴾. وهذا أحسن الأقوال - إن شاء الله - لأنه يعم . أى : ولما ذكر خلقهم .. أى : خلقهم ليكون فريق فى الجنة وفريق فى السعير . أى خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة ... )) (٢) . والمراد بكلمة ربك فى قوله - سبحانه - ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ قضاؤه النافذ، وإرادته التى لا تتخلف، وحكمه الأزلى. (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١١٤٧ . ( ٢) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ١١٥ . ٢٩٥ سورة هود أى : وتمت كلمة ربك ، ونفذ قضاؤه ، وثبت حكمه الذى أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ، ومن عصاة الإِنس أجمعين ، لأنه من المعروف أن الوعيد إنما هو للعصاة والمذنبين وليس للمؤمنين الصادقين . قال الآلوسى: وفى معنى ذلك ما قيل من أن المراد بالجنة والناس أتباع إبليس لقوله - تعالى - فى سورة الأعراف وفى سورة ص ﴿ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ فاللازم دخول جميع تابعيه فى جهنم، والقرآن يفسر بعضه بعضا .. )) (١). ثم بين - سبحانه - أهم الفوائد التى تعود على الرسول - صل﴿ - من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال : ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ... والتنوين فى قوله ﴿وكلا﴾ للعوض عن المضاف إليه. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام: أى : وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك - أيها الرسول الكريم - ونخبرك عنه . فالمقصود به تثبيت قلبك ، وتقوية يقينك ، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى فى سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس . وقوله - سبحانه - ﴿وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة ، وعظات بليغة . أى وجاءك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن الكريم : الحق الثابت المطابق للواقع ، والعظات الحكيمة ، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به . وأما الذين فى قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم ، وماتوا وهم كافرون . ثم أمر الله - تعالى - رسوله -* - بالسير فى طريق الحق يدون مبالاة بتهديد أعدائه فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ﴾ والأمر فى هذه الآية الكريمة للتهديد . ومكانتكم : مصدر مكن - بزنة كرم - مكانة ، إذا تمكن من الأمر أبلغ التمكن . أى : وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يضعون العقبات فى طريق ( ١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٤٨ . ٢٩٦ المجلد السابع دعوتك ، قل لهم اعملوا ما تستطيعون عمله من الكيد لى ولدعوتى ، فإنى وأصحابی مستمرون على السير فى طريق الحق الذى هدانا الله إليه ، بدون التفات إلى كيدكم وقل لهم - أيضا - : انتظروا ما يأتى به اللّه من عقاب ، فإنا منتظرون معكم ذلك . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال: ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ . أى: والله - تعالى - وحده علم جميع ما غاب عن الحواس فى السموات والأرض ، وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة ، وهداية وضلال ، وصحة ومرض ، ونصر وهزيمة . ومادام الأمر كذلك ﴿ فاعبده وتوكل عليه ﴾ أى: فأخلص له العبادة ، واجعل توكلك عليه وحده . ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ بن هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . أما بعد : فهذا تفسير لسورة هود - عليه السلام - أسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . المدينة المنورة - صباح الخميس ٥ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠١ هـ الموافق ٩ من أبريل سنة ١٩٨١ م . محمد سيد طنطاوى تفسير سُورَةٌ مُسُفْ ٢٩٩ مقدمة تعريف بسورة يوسف - عليه السلام - ١ - سورة يوسف - عليه السلام - هى السورة الثانية عشرة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقها فى الترتيب سور: الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس وهود .. أما ترتيبها فى النزول ، فكانت السورة الثالثة والخمسين ، وكان نزولها بعد سورة هود - عليه السلام - . وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية . وجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر ، لأنها مشتملة على قصته - عليه السلام - مع إخوته ، ومع امرأة العزيز، ومع ملك مصر فى ذلك الوقت .. ولم يذكر اسم يوسف - عليه السلام - فى غير هذه السورة سوى مرتين : إحداهما فى سورة الأنعام فى قوله - تعالى - ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ، ونوحا هدينا من قبل ، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ... ) الآية ٨٤ . والثانية فى سورة غافر فى قوله - تعالى - ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ... ﴾ الآية ٣٤ . والقول الصحيح أن سورة يوسف جميعها مكية ، ولا التفات إلى قول من قال بأن فيها . آيات مدنية ، لأن هذا القول لا دليل عليه . قال الآلوسى : سورة يوسف مكية كلها على المعتمد ، وروى عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : هى مكية إلا ثلاث آيات من أولها . واستثنى بعضهم رابعة وهى قوله - تعالى - : لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ . ٢ - وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه، وما اعتمدناه - كغيرنا - من أنها كلها مكية - هو الثابت عن الحبر أى عن ابن عباس)»(١). (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٧٠ طبعة منير الدمشقى. ٣٠٠ المجلد السابع ٣ - وقد ورد فى سبب نزولها روايات متعددة ، منها ما روى عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: أنزل القرآن على رسول الله - والله - فتلاه على أصحابه زمانا، فقالوا : يارسول الله، لو قصصت علينا فنزلت سورة يوسف ... )(١). ٤ - طبيعة الفترة التى نزلت فيها هذه السورة : قلنا إن سورة يوسف كان نزولها بعد سورة هود ، وسبق أن بينا عند تفسيرنا لسورة هود ، أن هذه السورة الكريمة كان نزولها - على الراجح - فى الفترة التى أعقبت حادث الإِسراء والمعراج .. ويبدو أن سورة يوسف - أيضا- كان نزولها فى هذه الفترة ، التى تعتبر من أشق الفترات فى حياة النبى - * - إذ تعرض خلالها للكثير من أذى المشركين، بعد أن فقد - وصايه - فى هذه الفترة عمه أبا طالب ، وزوجه السيدة خديجة - رضى الله عنها . ونزول سورة يوسف فى هذه الفترة ، كان من أعظم المسليات التى واسى الله - تعالى - بها نبيه - ﴿ - فقد أخبره عما دار بين يوسف وإخوته ، وعما تعرض له هذا النبى الكريم من مصائب وأذى .. ولاشك أن فى قصة يوسف وما يشبهها، تسلية للرسول - وَ ل﴿ - عما أصابه من قومه. ٥ - والذى يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها قد اشتملت على أوضح الدلائل ، وأنصع البراهين ، التى تشهد بأن هذا القرآن من عند الله ... فقد قصت علينا قصة يوسف - عليه السلام - مع إخوته ومع غيرهم بأسلوب مشوق حكيم ، يهدى النفوس ، ويشرح الصدور، ويكشف عن الخفايا التى لا يعلمها أحد إلا الله - تعالى - ، ويصور أحوال النفس الإنسانية تصويرا بديعا معجزا .. كما يراها قد ساقت ما ساقت من حكم وأحكام ، وعبر وعظات ، بأسلوب يمتاز بحسن التقسيم ، وجمال العرض ، حتى إننا لنستطيع أن نقسم أهم الموضوعات التى تحدثت عنها إلى عشرة أقسام . ( أ ) أما القسم الأول(٢) منها ، فنراها تتحدث فيه عن جانب من فضائل القرآن الكريم ، وعن رؤيا يوسف - عليه السلام - وعن نصيحة أبيه له بعد أن قصها عليه .. (١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٧٠. ( ٢ ) الآيات من ١ - ٦ .