النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة هود وقال مجاهد وعكرمة : إنه الحيض ، ومنه قول الشاعر : وإنى لآتى العرس عند طهورها وأهجرها يومًّا إذا تك ضاحكا وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون فى كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت(١) . أى : وفى أعقاب قول الملائكة لإبراهيم لا تخف ... كانت امرأته قائمة لقضاء بعض حاجاتها، فلما سمعت ذلك ((ضحكت)) سرورًا وفرحًا لزوال خوفه ﴿ فبشرناها ﴾ عقب . ذلك بمولودها ﴿ إسحاق﴾ كما بشرناها بأن إسحاق سيكون من نسله ﴿يعقوب﴾، فهى بشارة مضاعفة . إذ أنها تحمل فى طياتها أنها ستعيش حتى ترى ابن ابنها ... ولا شك أن المرأة عندما تكون قد بلغت سن اليأس . ولم يكن لها ولد ، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها ، ويزداد عجبها ، ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب: ﴿ ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخًا إن هذا لشىء عجيب ﴾ . وكلمة ﴿ ياويلتا﴾ تستعمل فى التحسر والتألم والتفجع عند نزول مكروه . والمراد بها هنا : التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك ، وهى كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له ، ويتعجبن منه . أى : قالت بدهشة وعجب عندما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد : يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل، ﴿وهذا بعلى ﴾ أى: زوجى إبراهيم ((شيخا)) كبيرًا متقدمًا فى السن . قال الجمل : وهاتان الجملتان - ﴿وأنا عجوز وهذا بعلى شيخًا﴾ - فى محل النصب على الحال من الضمير المستتر فى ﴿ أألد﴾، وشيخًا حال من بعلى، والعامل فيه اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل))(٢). وقوله - كما حكى القرآن عنها - ﴿إن هذا لشىء عجيب﴾ أى: إن هذا الذى بشرمونى به من حصول الولد لى فى تلك السن المتقدمة ﴿ لشىء عجيب ﴾ فى مجرى العادة عند النساء وقد رد عليها الملائكة بقولهم: ﴿ قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ ؟ !! أى : أتستبعدين على قدرة الله - تعالى - أن يرزقك الولد وأنت وزوجك فى هذه السن المتقدمة ؟ لا إنه لا ينبغى لك أن تستبعدى ذلك ، لأن قدرة الله لا يعجزها شىء . فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة ، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٥١٠. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤١١ . - ٢٤٢ المجلد السابع وقوله: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) حكاية لما قالته الملائكة لها ، زيادة فى سرورها وفى إدخال الطمأنينة على قلبها . أى رحمة الله الواسعة ، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم - عليه السلام - . قال صاحب الكشاف : وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ، لأنها كانت فى بيت الآيات ، ومهبط المعجزات ، والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن تتوقر ، ولا يزدهيها ما يزدهى سائر النساء الناشئات فى غير بيت النبوة وأن تسبح اللّه وتمجده ، مكان التعجب . وإلى ذلك أشارت الملائكة فى قولهم ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾. أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ، ويخصكم بالإِنعام به يا أهل بيت النبوة ، فليس بمكان عجب . والكلام مستأنف علل به إنكار التعجب. كأنه قيل: ((إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم))(١). وقوله - سبحانه - ﴿ إنه حميد مجيد ) تذييل بديع قصد به وجوب مداومتها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل . أى إنه - سبحانه - ﴿ حميد﴾ أى: مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده ﴿ مجيد ﴾ أى: كريم واسع الإِحسان ، فليس بعيدًا منه أن يعطى الولد للآباء بعد الكبر . قال صاحب المنار ما ملخصه : وأصل المجد فى اللغة أن تقع الإِبل فى أرض واسعة المرعى ، كثيرة الخصب ، يقال: مجدت الإِبل تمجد من باب نصر - مجدًا ومجادة ، وأمجدها الراعى . والمجد فى البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم . ووصف الله كتابه بالمجيد ، كما وصف نفسه بذلك ، لسعة هداية كتابه ، وسعة كرمه وفضله على عباده ... ))(٢). ثم حكى - سبحانه - ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه ، واطمأن إلى ضيوفه فقال: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ أى: الخوف والفزع، بسبب اطمئنانه إلى ضيوفه ، وعلمه أنهم ليسوا من البشر . وجاءته البشرى ﴾ منهم بالولد ، واتصال النسل ، فازداد سرورا بهم . (١ ) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٨١ . (٢) تفسير المنار جـ ١٢ ص ١٣٠ . ٢٤٣ سورة هود بعد كل ذلك ، أخذ إبراهيم ﴿ يجادلنا فى قوم لوط ﴾ أى : يجادل رسلنا ويحاورهم فى شأن قوم لوط ، وفى كيفية عقابهم ، بعد أن أخبروه بأنهم ذاهبون لإِهلاكهم . وأضاف - سبحانه - المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت مع الملائكة ، لأن نزولهم لإِهلاك قوم لوط إنما كان بأمره - تعالى - ، فمجادلة إبراهيم لهم هى مجادلة فى تنفيذ أمره - تعالى - . وقال - سبحانه - ﴿ يجادلنا) مع أنها كانت فى الماضى ، لتصوير هذه الحالة فى الذهن تصويرًا حاضرًا ، حتى تزداد منه العبرة والعظة . وهذه المجادلة التى كانت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا لإِهلاك قوم لوط ، قد حكاها - سبحانه - فى سورة العنكبوت فى قوله : ﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ﴾ أى القرية التى يسكنها قوم لوط ﴿ إن أهلها كانوا ظالمين . قال إن فيها لوطًا ، قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ الآيتان ٣١ - ٣٢. وهذا التفسير المجادلة التى دارت بين إبراهيم والملائكة فى عقاب قوم لوط هو الصحيح لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان بالقرآن . وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها ، لعدم استنادها إلى النقل الصحيح . وقوله - سبحانه - ﴿ إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) بيان للدواعى التى حملت إبراهيم - عليه السلام - على مجادلة الملائكة فى شأن إهلاك قوم لوط . والحليم : هو الصبور على الأذى ، الصفوح عن الجناية ، المقابل لها بالإِحسان . والأواه : هو الذى يكثر التأوه من خشية الله . قال الآلوسى : وأصل التأوه قوله : آه ونحوه مما يقوله المتوجع الحزين . وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب . وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال رجل: يا رسول الله ما الآواه؟ قال: ((الخاشع المتضرع الكثير الدعاء))(١). والمنيب : السريع الرجوع إلى الله - تعالى - بالتوبة والاستغفار . أى أن إبراهيم لصبور على الأذى ، صفوح عن الجناية ، كثير التضرع إلى الله، سريع الرجوع إليه فى كل ما يحبه ويرضاه . ولكن حلم إبراهيم وإنابته ... لم يرد قضاء الله العادل فى شأن قوم لوط ولذا قالت الملائكة (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٣٥. ٠ ٢٤٤ المجلد السابع له - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك ، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ﴾ . أى : قالت الملائكة لإبراهيم: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ الجدال فى أمر قوم لوط، وفى طلب إمهال عقوبتهم ﴿ إنه قد جاء أمر ربك﴾ بإهلاكهم ﴿وإنهم﴾ بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش ﴿ آتيهم﴾ من ربهم ﴿ عذاب ﴾ شديد ﴿ غير مردود ﴾ عنهم لا بسبب الجدال ولا بأى سبب سواه ، فإن قضاء الله لا يرد عن القوم المجرمين. هذا ، وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات فقال : قال بعض المفسرين : لهذه الآيات ثمرات وفوائد . منها : أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة ، وأن هلاك العاصى نعمة - أيضًا - لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق لقوله ﴿ فبشرناها بإسحاق ﴾ وفسرت بهلاك قوم لوط ، لقوله : ﴿ قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ . ومنها : استحباب نزول المبشر - بالكسر - على المبشر - بالفتح - لأن الملائكة أرسلهم الله - تعالى - لذلك . ومنها : أنه يستحب للمبشر أن يتلقى البشارة بالشكر لله - تعالى - على ما بشر به . فقد حكى عن الأصم أنه قال : جاؤوه فى أرض يعمل فيها ، فلما فرغ غرز مسحاته ، وصلى ركعتين . ومنها : أن السلام مشروع ، وأنه ينبغى أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم ﴿ سلام ﴾ بالرفع وهو أدل على الثبات والدوام . ومنها : مشروعية الضيافة ، والمبادرة إليها ، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها . ومنها : استحباب خدمة الضيف ولو للمرأة ، لقول مجاهد : وامرأته قائمة ؛ أى فى خدمة أضياف إبراهيم ... وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق . ومنها : جواز مراجعة الأجانب فى القول ، وأن صوتها ليس بعورة . ومنها: أن امرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه - وليه - من أهل بيته(١) : ومنها : - كما يقول الإِمام ابن كثير - استدل على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق ، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق ، لأنه وقعت البشارة به ، وأنه سيولد له يعقوب ، فكيف يؤمر (١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٤٦٧. ٢٤٥ سورة هود إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ، ووعد الله حق لا خلف فيه ، فيمتنع أن يؤمر بذبح اسحاق والحالة هذه ، فتعين أن يكون الذبيح إسماعيل ، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه : (١) ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حوار وجدال فقال - تعالى - : وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَاسِىَّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُلَكُمْ فَتَّقُواْاللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ◌َ) قَالُواْلَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَازِدُ ، قَالَ لَوْ أَتَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْءَاوِيَّ إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ ﴿ قَالُواْ ٧٩ ٠٫٩٠ يَلُوطُ إِنَّارُ سُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ الَّيْلِ وَلَ يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّإِلَّا أَفَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا ٨١ مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَ هُمُ الصُّبْحُ أَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُ نَاجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكٌ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ قَنضُودٍ ٨٣ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٦ . ٢٤٦ المجلد السابع - تلك هى قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإِهلاك قومه ومع قومه المجرمين ، كما حکتها سورة هود . - وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى وبأساليب متنوعة ، ومنها سورة الأعراف ، والحجر ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت ، والصافات ، والذاريات ، والقمر .. قال الإِمام ابن كثير : ولوط هو ابن هاران بن آزر، فهو ابن أخى إبراهيم ، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله - تعالى - ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم ، وهو إتيان الذكور دون الإناث ، وهذا شىء لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله ، حتى صنع ذلك أهل سدوم - وهم قرية بوادى الأردن عليهم لعائن الله))(١). - وقد بدأ - سبحانه - القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا - عليه السلام - من ضيق وغم عندما جاءته الرسل فقال: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم ... ﴾. - أى : وحين جاء الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإِبراهيم ، ساءه - وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف أن قومه قوم سوء ، فخشى أن يعتدى قومه عليهم ، بعادتهم الشنيعة ، وهو عاجز عن الدفاع عنهم .. قال ابن كثير ما ملخصه: ((يخبر اللّه - تعالى - عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم .. فأتوا لوطًا - عليه السلام - وهو على ما قيل فى أرض له . وقيل فى منزله ، ووردوا عليه وهم فى أجمل صورة تكون ، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم ... )) (٢). - وقوله: ﴿وضاق بهم ذرعًا﴾ تصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذى حل بهم . قال القرطبى : والذرع مصدر ذرع . وأصله: أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعًا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه . فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع . وقيل هو من ذرعه القىء أى غلبه . أى : ضاق عن حبسه المكروه فى نفسه . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٣٠ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٦. ٢٤٧ سورة هود وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه ... )) (١). - و﴿ ذرعا﴾ تمييز محول عن الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه. وقال هذا يوم عصيب﴾: أى وقال لوط - عليه السلام - فى ضجر وألم : هذا اليوم الذى جاءنى فيه هؤلاء الضيوف، يوم ((عصيب)) أى : شديد هوله وكربه . وأصل العصب : الشد والضغط ، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء ، أى : شد به . قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها فى الوجود ، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه ، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعًا . ثم يصدر تعبيرًا عن المعانى يريح به نفسه »(٢) - ثم بين - سبحانه - ما كان من قوم لوط - عليه السلام - عندما علموا بوجود هؤلاء الضيوف عنده فقال: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه . ومن قبل كانوا يعملون السيئات ... - وبهرعون - بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول - أى : يدفع بعضهم بعضًا بشدة ، كأن سائقًا يسوقهم إلى المكان الذى فيه لوط وضيوفه . يقال: هُرع الرجل وأهرع - بالبناء للمفعول فيهما - إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك . قال الآلوسى : والعامة على قراءته مبنيًّا للمفعول ، وقرأ جماعة يهرعون - بفتح الياء مع البناء للفاعل - من هرع - بفتح الهاء والراء - وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان ، كأن بعضه يدفع بعضًا(٣) . أى : وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم ، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح ، ومن قبل هذا المجىء ، كان هؤلاء القوم الفجرة ، يرتكبون السيئات الكثيرة ، التى من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء . وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذى جاءوا من أجله ، وأشار إليه بقوله : ﴿ومن (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٧٤ . (٢) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور جـ ١٢ ص ١٣٥ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٩٥ . ٢٤٨ المجلد السابع قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ للإشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة فى نفوسهم الشاذة ، فلا يسعون إلا من أجل قضائها . ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى هياجهم وتدافعهم نحو داره فقال: ﴿ قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم ﴾ ... والمراد ببناته هنا : زوجاتهم ونساؤهم اللائى يصلحن للزواج ، وأضافهن إلى نفسه ؛ لأن كل نبى أب لأمته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه . قال ابن كثير : قوله - تعالى - ﴿ قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم ... ﴾ يرشدهم إلى نسائهم ، فإن النبى للأمة بمنزلة الوالد ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم ، كما قال لهم فى آية أخرى: ﴿ أتأتون الذكران من العالمين . وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ﴾ ... قال مجاهد: لم يكن بناته ، ولكن كن من أمته ، وكل نبى أبو أمته ... وقال سعيد بن جبير : يعنى نساؤهم ، هن بناته وهو أب لهم ... (١). ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا : بناته من صلبه ، وأنه عرض عليهم الزواج بهن ... ويضعف هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة - كما جاء فى بعض الروايات - وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرًا ، فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج .. ؟ ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، وقد رجحه الإِمام الرازى بأن قال ما ملخصه: ((وهذا القول عندى هو المختار ، ويدل عليه وجوه . منها : أنه قال ﴿ هؤلاء بناتى هن أطهر لكم ﴾ وبناته اللاتى من صلبه لا تكفى للجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل .. ومنها : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما : زنتا وزعورا ، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ... )) (٢). والمعنى : أن لوطا - عليه السلام - عندما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التى ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، قال لهم: برجاء ورفق ﴿ياقوم ﴾ هؤلاء نساؤكم اللائى بمنزلة بناتى ارجعوا إليهن فاقضوا شهوتكم معهن فهن أطهر لكم نفسيًّا وحسيًا من التلوث ( ١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٨ . ( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٣٢ . ٢٤٩ سورة هود برجس اللواط ، وأفعل التفضيل هنا وهو ﴿ أطهر ﴾ ليس على بابه ، بل هو للمبالغة فى الطهر . قال القرطبى : وليس ألف أطهر للتفضيل ، حتى يتوهم أن فى نكاح الرجال طهارة ، بل هو كقولك الله أكبر - أى كبير - ... ولم يكابر الله - تعالى - أحد حتى يكون الله - تعالى - أكبر منه ... ))(١) . ثم أضاف إلى هذا الإِرشاد لهم إرشادًا آخر فقال: ﴿فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى ... قال الجمل : ولفظ الضيف فى الأصل مصدر ، ثم أطلق على الطارق ليلاً إلى المضيف ، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ واحد ، وقد يثنى فيقال : ضيفان ، ويجمع فيقال : ((أضياف وضيوف ... )) (٢) . وتخزون : من الخزى وهو الإهانة والمذلة . يقال : خزى الرجل يخزى خزيًا ... إذا وقع فى بلية فذل بذلك . أى : بعد أن أرشدهم إلى نسائهم ، أمرهم بتقوى الله ومراقبته ، فقال لهم: فاتقوا الله. ولا تجعلونى مخزيًا مفضوحًا أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم ، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف . ويبدو أن لوطًا - عليه السلام - قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد بقى فيهم بقية من نخوة ، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله : ﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة. فيقف إلى جانبى ، ويصرفكم عن ضيوفى ؟ ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة . ولا فطرتهم الشاذة المنكوسة . بل ردوا عليه بقولهم : قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾. أى : قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة : لقد علمت يالوط علما لا شك معه ، أننا لا رغبة لنا فى النساء ، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر ، فالمراد بالحق هنا : الرغبة والشهوة . ( ١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٨٦. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤١٣. ٢٥٠ المجلد السابع قال الشوكانى : قوله ﴿ مالنا فى بناتك من حق﴾ أى : مالنا فيهن من شهوة ولا حاجة ، لأن من احتاج إلى شىء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم ، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء. ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا فى نكاحهن ... )) (١). وقولهم: ﴿وإنك لتعلم ما نريد ﴾ إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذى ألفوه، وهو إتيان الذكور دون النساء أى: وإنك لتعلم علًا يقينيا الشىء الذى نريده فلماذا ترجعنا ؟! وقولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم ، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية فى الخبث والوقاحة وتبلد الشعور .. لذا رد عليهم لوط - عليه السلام - رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم، المتمنى لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم ... ﴿ قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شدید ﴾ . والقوة : ما يتقوى به الإِنسان على غيره . وآوى : أى ألجأ وأنضوى تقول : أويت إلى فلان فأنا آوى إليه أَوِيًّا أى : انضممت إليه. والركن فى الأصل : القطعة من البيت أو الجبل ، والمراد به هنا الشخص القوى الذى يلجأ إليه غيره لينتصر به ... ولو شرطية وجوابها محذوف ، والتقدير : قال لوط - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه الاستمرار فى غيهم ، ولم يقدر على دفعهم - على سبيل التفجع والتحسر : لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم . ويجوز أن تكون لو للتمنى فلا تحتاج إلى جواب أى : ليت معى قوة أستطيع بمناصرتها لى دفع شركم . وقوله ﴿ أو آوى إلى ركن شديد ﴾ معطوف على ما قبله ، أو ليتنى أستطيع أن أجد شخصًا قويًّا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لى ... قالوا: وإنما قال لوط - عليه السلام - ذلك ؛ لأنه كان غريبًا عنهم ، ولم يكن له نسب أو عشيرة فيهم . وهنا - وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ - كشف له الملائكة عن حقيقتهم ، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه ﴿قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ أى: إنا رسل (١) تفسير فتح القدير جـ ٢ ص ٥١٤ . ٢٥١ سورة هود ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم ، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك يسوء فى نفسك أو فينا . روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط - عليه السلام - من الهم والكرب بسببهم قالوا له : يالوط إن ركنك لشديد ... ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم ، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء ، وإليه الإِشارة بقوله - تعالى - فى سورة القمر: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ، فذوقوا عذابى ونذر ﴾ . وقوله: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ أى: فاخرج من هذه القرية مصحوبًا بالمؤمنين من أهلك فى جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء المجرمين . قال القرطبى: قرىء ((فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان . قال - تعالى - ﴿والليل إذا يسر﴾ وقال ((سبحان الذي أسرى بعبده ... ) وقيل ((فأسر)) بالقطع تقال لمن سار من أول الليل .. وسرى لمن سار فى آخره ، ولا يقال فى النهار إلا سار ... ))(١) . وفوله : ﴿ ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ... ﴾ معطوف على ما قبله وهو قوله : ﴿ فأسر بأهلك ... ﴾ . أى : فأسر بأهلك فى جزء من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه ، اتقاء لرؤية العذاب ، ﴿ إلا امرأتك ) يالوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذى سينزل بهؤلاء المجرمين . فيهلكها معهم . قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قوله ﴿إلا امرأتك) قرأ ابن كثير وأبو عمرو إلا امرأتك) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. قال الواحدى : من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل ، على معنى : فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك ... وأما الذين رفعوا فالتقدير ؛ ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم . روى عن قتادة أنه قال : إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية ، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها))(٢). ( ١ ) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٧٩ . ( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٣٦ . ٢٥٢ المجلد السابع وقوله - سبحانه - ﴿ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ﴾ بشارة أخرى للوط - عليه السلام - الذى تمنى النصرة على قومه . أى : إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدىء من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس ، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذى نحدثك فيه ؟ قال - تعالى - فى سورة الحجر: ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين﴾ أى: وهم داخلون فى وقت الشروق . فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق . والجملة الكريمة ﴿ إن موعدهم الصبح ... ﴾ كالتعليل للأمر بالإِسراء بأهله بسرعة ، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين . والاستفهام فى قوله - سبحانه - ﴿ أليس الصبح بقريب﴾ للتقرير أى: بلى إنه لقريب . قال الآلوسي : روى أنه - عليه السلام - سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له ؛ موعدهم الصبح . فقال: أريد أسرع من ذلك . فقالوا له ؛ أليس الصبح بقريب . ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع ، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين(١) . ثم حكى - سبحانه - فى نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال: ﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود . مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد أى: ((فلما أمرنا)» بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين ﴿ جعلنا عاليها سافلها ﴾ أى: جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها ، بأن قلبناها عليهم ، وهى عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم ، فأتوا الذكران من العالمين ؛ وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم ... وقوله : ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود﴾ زيادة فى عقوبتهم ولعنهم . أى : جعلنا أعلى قراهم أسفلها ، وأمطرنا عليها حجارة ﴿ من سجيل﴾ أي: من حجر وطين مختلط ، قد تجحر وتصلب ﴿ منضود ﴾ أى: متتابع فى النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض ، من النضد وهو وضع الأشياء بعضها إلى بعض . مسومة عند ربك ﴾ أى: معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو ، ومعدة إعدادًا خاصًّا لإِهلاك هؤلاء القوم . ( ١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٠١ . ١٠ ٢٥٣ سورة هود وما هى﴾ أى تلك القرى المهلكة ﴿ من الظالمين) وهم مشركو مكة ( ببعيد أى : ببعيدة عنهم ، بل هى قريبة منهم ، ويمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام . قال - تعالى - ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ، وبالليل أفلا تعقلون أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط فى وقت الصباح أى النهار ، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا ؟؟ ويجوز أن يكون الضمير فى قوله ﴿ وما هى ﴾ يعود إلى الحجارة التى أهلك الله بها هؤلاء القوم . أى : وما هى تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد ، بل هى حاضرة مهيئة بقدرة الله - تعالى - لإهلاك الظالمين بها . والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط ، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده ، ولم يتبع ما جاء به الرسول - ◌َط * - . وهكذا كانت نهاية قوم لوط ، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام - هذا ومن العبر والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة ، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذى يدعو إليه ، ولخذلان الباطل الذى ينهى عنه . فلوط - عليه السلام - عندما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم . وقد علق الإِمام ابن حزم على ما جاء فى الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه : وظن بعض الفرق أن ما جاء فى الحديث الصحيح من قوله - يوليو - ((رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد)) إنما هو من باب الإنكار على لوط - عليه السلام - فى قوله : لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد والحق أنه لا تخالف بين القولين ، بل كلاهما حق ، لأن لوطًا - عليه السلام - إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش . من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين ، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة ، وأشد ركن . (١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧ - ١٣٨. ٢٥٤ المجلد السابع ولا جناح على لوط - عليه السلام - فى طلب قوة من الناس - فقد قال الله - تعالى - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ . وقد طلب رسول الله - وَ ﴾ - من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه ، فكيف ينكر على لوط أمرًا هو فعله ؟! تالله ما أنكر ذلك رسول الله - ﴿ - ، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد، يعنى من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بأنهم ملائكة ... ﴾(١). ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب - عليه السلام - وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده بأسلوب بليغ حكيم ، ولكنهم لم يستجيبوا له ، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبلهم قال - تعالى - : وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ھلے وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِى أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ ﴾ وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٨٥ يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنَّ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظِ ﴿ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ لَكَ أَنْ تَتْرُكَ مَايَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىِّ أَمْوَ لِنَا مَا نَشَؤُّأَ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يُثُمْ إِن إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٤٧٢ . ٢٥٥ سورة هود كُنْتُ عَلَى بَيِنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمْكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ ٨٨٠ وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْقَوْمَ هُودٍأَوْقَوْمَ صَِجْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ سِبَعِيدٍ ﴿١) وَأَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّرَتِ رَحِيمٌ وَدُودٌ ١) قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَكَ فِيِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ®) قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِنَّا إِنَّ رَبِ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِى عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌّ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُ نَا غَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَِهِمْ جَثِمِينَ ٩٤ كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْفِيهَاْ أَلَ بَعْدَ الْمَدِينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ٩٥ تلك هى قصة شعيب - عليه السلام - كما حكتها هذه السورة الكريمة ، وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى منها : سورتى الأعراف والشعراء .. ٢٥٦ المجلد السابع ومدين اسم القبيلة التى تنتسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - . وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى ( معان ) وتقع بين حدود الحجاز والشام . وأهل مدين يسمون أيضًا بأصحاب الأيكة . والأيكة : منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية ( معان ) ، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبًا إليهم جميعًا . وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ، فهو أخوهم فى النسب . وكان النبى - - إذا ذكر شعيب قال : ( ذلك خطيب الأنبياء ) لحسن مراجعته لقومه ، وقوة حجته . وكان قومه يعبدون الأصنام . ويطففون فى الكيل والميزان ... فدعاهم إلى عبادة الله وحده ، ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق . ويرى بعض العلماء : أن شعيبًا أرسل إلى أمتين : أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة ؛ وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة ، وأن الله - تعالى - لم يبعث نبيًّا مرتين سوى شعيب - عليه السلام - . ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة ، فأهل مدين هم أصحاب الأيكة ، أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة - أى السحابة - وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر . هذا ، وقوله - سبحانه - ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا ... ﴾ معطوف على ما سبقه من قصة صالح - عليه السلام - عطف القصة على القصة . أى: وكما أرسلنا صالحًا - عليه السلام - إلى ثمود ، فقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبًا - عليه السلام - فقال لهم مقالة كل نبى لقومه: يا قوم اعبدوا الله وحده ، فإنكم لا إله لكم على الحقيقة سواه ، فهو الذى خلقكم، وهو الذى رزقكم ، وهو الذى إليه مرجعکم ... ثم بعد أن أمرهم بإخلاص العبادة لله ، نهاهم عن التطفيف فى الكيل والميزان فقال : ولا تنقصوا المكيال والميزان ﴾ . والمكيال والميزان : اسمان للآلة التى يكال بها ويوزن . ونقص الكيل والميزان يكون من وجهين : أحدهما أن يكون الاستنقاص من جهتهم إذا باعوا لغيرهم . ٢٥٧ سورة هود وثانيهما : أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه ، بأن يأخذوا منه أكثر من حقهم . فكأنه - عليه السلام - يقول لهم : لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ولا عند الإِعطاء ، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم ، ولا تأخذوا منه أكثر من حقكم إذا اشتریتم . وإلى هذين الأمرين أشار قوله - تعالى - ﴿ويل للمطففين ، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ... ﴾. ثم بين لهم الأسباب التى دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال : ﴿ إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ . والخير : كلمة جامعة لكل ما يرضى الإِنسان ويغنيه ويسره . ومحيط : أى شامل بحيث لا يستطيع أحد الإِفلات منه . كما يحيط الظرف بالمظروف ... أى : أخلصوا لله عبادتكم ، والتزموا العدل فى معاملاتكم ، فإنى أراكم تملكون الوفير من المال ، وتعيشون فى رغد من العيش ، وفى بسطة من الرزق ، ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو الله - تعالى - وأن يستعملها استعمالاً يرضيه ، وأن يعطى كل ذى حق حقه . وإنى - أيضًا - أخاف عليكم إذا ما تماديتم فى مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم عنه ، عذاب يوم أهواله وآلامه شاملة لكل ظالم ، بحيث لا يستطيع أن يهرب منها ... قال الشوكانى : وصف - سبحانه - اليوم بالإِحاطة ، والمراد العذاب لأن العذاب واقع فى اليوم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم ، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه ، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا))(١) . فأنت ترى أن شعيبًا - عليه السلام - بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم .. ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى قطعًا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن فى حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان لفقرنا ، ثم أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم . ثم واصل شعيب - عليه السلام - نصحه لقومه ، فأمرهم بالوفاء بعد أن نهاهم عن ( ١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٥١٨ . ٢٥٨ المجلد السابع النقص على سبيل التأكيد ، وزيادة الترغيب فى دعوته فقال: ﴿ وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ﴾ .. أى: وياقوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم ، ملتزمين فى كل أحوالكم العدل والقسط . ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم ... ﴾ أى: ولا تنقصوهم شيئًا من حقوقهم. يقال: بخس فلان فلانًا حقه إذا ظلمه وانتقصه . وهو يشمل النقص والعيب فى كل شىء .. والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص ، لكى تشمل غير المكيل والموزون كالمزروع والمعدود ، والجيد والردىء ... قال الجمل ما ملخصه : وقد كرر - سبحانه - نهيهم عن النقص والبخس وأمرهم بالوفاء .. لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح ، وهو تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم ، احتيج فى المنع منه إلى المبالغة فى التأكيد ، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به والمنهى عنه ، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل ... ))(١) . وقوله : ﴿ ولا تعثوا فى الأرض مفسدين﴾ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال نعم الله فى غير ما خلقت له . قال ابن جرير: ((وأصل العثى شدة الإِفساد ، بل هو أشد الإِفساد . يقال عنى فلان فى الأرض يعنى - كرضى يرضى - إذا تجاوز الحد فى الإِفساد .. ))(٢). أى : ولا تسعوا فى أرض الله بالفساد ، وتقابلوا نعمه بالمعاصى ، فتسلب عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام فقال: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ . ولفظ ﴿ بقية﴾ اسم مصدر من الفعل: بقى، ضد: فنى. وإضافتها إلى الله - تعالى - إضافة تشريف وتيمن . أى : ما يبقيه الله لكم من رزق حلال، ومن حال صالح ، ومن ذكر حسن ، ومن أمن وبركة فى حياتكم ... بسبب التزامكم بالقسط فى معاملاتكم ، هو خير لكم من المال الكثير الذى تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤١٦. ( ٢ ) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣٠٨. ٢٥٩ سورة هود وجملة ((إن كنتم مؤمنين)) معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإِيمان. أى: ما يبقيه الله لكم من الحلال ... هو خير لكم ، إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم ، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله خيرا لكم ، لأنها لا تكون إلا للمؤمنين ، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا فى دنياكم وآخرتكم . وجملة ((وما أنا عليكم بحفيظ)) تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه من بلاغ . أى : وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وأجازيكم بها الجزاء الذى تستحقونه . وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرنى ربى بتبليغه ، وهو وحده - سبحانه - الذى سیتولی مجازاتكم . وإلى هنا نجد شعيبًا - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم فى عقائدهم ، وفى معاملاتهم ، وفى صلاتهم بعضهم ببعض ، وفى سلوكهم الشخصى ، بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد وبهدى للتى هى أقوم .. فماذا كان رد قومه عليه ؟ لقد كان ردهم عليه - كما حكاه القرآن الكريم - طافحا بالاستهزاء به ، والسخرية منه ، فقد قالوا له : ﴿يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ، أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء ، إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ . أى : قال قوم شعيب له - على سبيل التهكم والاستهزاء - : ياشعيب أصلاتك - التى تزعم أن ربك كلفك بها والتى أنت تكثر منها - تأمرك أن نترك عبادة الأصنام التى وجدنا عليها آباءنا ؟ والاستفهام للإِنكار والتعجب من شأنه .. وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التى كان يفعلها ، لأنه - عليه السلام - كان كثير الصلاة ، وكانوا إذا رأوه يصلى سخروا منه . وجملة (( أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء)) إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص الكيل والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام . أى : أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام ، وتأمرك أن نترك ما تعودنا فعله فى أموالنا من التطفيف فى الكيل والميزان ... إن كانت صلاتك تأمرك بذلك ، فهى فى نظرنا صلاة باطلة ، لا وزن لها عندنا ، بل نحن نراها لونًا من ألوان جنونك وهذيانك .. وجملة (( إنك لأنت الحليم الرشيد)) زيادة منهم فى السخرية منه - عليه السلام - وفى ٠٠ ٢٦٠ المجلد السابع التهكم عليه ، فكأنهم - قبحهم الله - يقولون له : كيف تأمرنا بترك عبادة الأصنام ، وبترك النقص فى الكيل والميزان ، مع علمك اليقينى بأن هذين الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا ، ومع زعمك لنا بأنك أنت الحليم الذى يتأنى ويتروى فى أحكامه ، الرشيد الذى يرشد غيره إلى ما ينفعه ؟ إن هذين الوصفين لا يليقان بك ، مادمت تأمرنا بذلك ، وإنما اللائق بك أضدادهما ، أى الجهالة والسفه والعجلة فى الأحكام . قال صاحب الكشاف : وأرادوا بقولهم: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد ) نسبته إلى غاية السفه والغى ، فعكسوا ليتهكموا به ، كما يتهكم بالشحيح الذى لا يبض حجره ، فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك . وقيل معناه : إنك للمتواصف بالجلم والرشد فى قومك . يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما اشتهرت به ... )» (١). هكذا رد قوم شعيب عليه ، وهو رد يحمل السخرية فى كل مقطع من مقاطعه ، ولكنها سخرية الشخص الذى انطمست بصيرته ، وقبحت سريرته !! ومع كل هذه السفاهة ؛ ترى شعبيا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - يتغاضى عن سفاهاتهم ، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم ، كما يحس بقوة الحق الذى أتاهم به من عند ربه ، فيرد عليهم بقوله: ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى .. ﴾ والبينة : ما يتبين به الحق من الباطل ، ويتميز به الهدى من الضلال . أى : قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم : يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة منحنى إياها ربى ومالك أمرى . ﴿ورزقنى منه﴾ - سبحانه -، ﴿رزقا حسنا﴾ يتمثل فى النبوة التى كرمنى بها، وفى المال الحلال الذى بين يدى ، وفى الحياة الطيبة التى أحياها . وجواب الشرط محذوف والتقدير : أخبرونى إن كنت كذلك ، هل يليق بى بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم ؟ كلا إنه لا يليق بى ذلك ، وإنما اللائق بى أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصير . ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ... ﴾ . أى : ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده ، وبنهى إياكم عن التطفيف والبخس ، مجرد (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٨٧ .