النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة يونس
أى: استقم على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده واثبت على ذلك ،
ولا تكونن من الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى .
ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تأكيدا آخر فقال : ﴿ ولا تدع من دون الله مالا ينفعك
ولا يضرك ﴾ .
أى : ولا تدع من دون الله فى أى وقت من الأوقات ﴿مالا ينفعك﴾ إذا دعوته لدفع
مكروه أو جلب محبوب ﴿ولا يضرك﴾ إذا تركته وأهملته.
فإن فعلت﴾ شيئا مما نهيناك عنه ﴿فإنك إذا﴾ تكون ﴿ من الظالمين ) الذين
ظلموا أنفسهم بإيرادها مورد المهالك ، لإِشراكها مع الله - تعالى - آلهة أخرى .
ثم بين - سبحانه - أنه وحده هو الضار والنافع فقال: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا
كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور
الرحيم ﴾ .
((المس)): أعم من اللمس فى الاستعمال ، يقال: مسه السوء والكبر والعذاب والتعب ،
أى : أصابه ذلك ونزل به .
والضر : اسم الألم والحزن وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما ، كما أن النفع اسم للذة والسرور
وما يقضى إليهما أو إلى أحدهما .
والخير : اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبلة .
والمعنى: ﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ كمرض وتعب وحزن، فلا كاشف له، أى : لهذا
الضر ﴿ إلا هو ) - سبحانه - .
﴿وإن يردك بخير﴾ كمنحة وغنى وقوة ﴿فلا راد لفضله﴾ أى: فلا يستطيع أحد أن
يرد هذا الخير عنك .
وعبر - سبحانه - بالفضل مكان الخير للإِرشاد إلى تفضله على عباده بأكثر مما يستحقون
من خيرات .
وقوله ﴿ يصيب به من يشاء من عباده ﴾ أى: يصيب بذلك الفضل والخير ﴿ من
يشاء﴾ إصابته ﴿ من عباده ﴾.
﴿ وهو الغفور الرحيم﴾ أى: وهو الكثير المغفرة والرحمة لمن تاب إليه ، وتوكل عليه،
وأخلص له العبادة .
وفى معنى هذه الآية جاء قوله - تعالى -: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ،

١٤٢
المجلد السابع
وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾(١).
وقال ابن كثير: «وروى ابن عساكر عن أنس قال: قال رسول اللّه - ط * - :
« اطلبوا الخير دهر كم كله ، وتعرضوا لنفحات ربكم ، فإن لله نفحات من رحمته ، یصیب بها
من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم)) (٢) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء آخر - أمر رسوله - * - أن يوجهه
للناس فقال: ﴿ قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ... ﴾
أى : قل - أيها الرسول الكريم - مخاطبا جميع الناس ، سواء منهم من سمع نداءك أو من
سيبلغه هذا النداء من بعدك قل لهم جميعا: ﴿ قد جاءكم الحق﴾ المتمثل فى كتاب الله وفى
سنتى ﴿ من ربكم ﴾ وليس من أحد سواه .
﴾ أى : فإنما
فإنما يهتدى لنفسه
فمن اهتدى ﴾ إلى هذا الحق ، وعمل بمقتضاه
تكون منفعة هدايته لنفسه لا لغيره .
ومن ضل﴾ عن هذا الحق وأعرض عنه ﴿فإنما يضل عليها﴾ أى: فإنما يكون وبال
ضلاله على نفسه .
وما أنا عليكم بوكيل ﴾ أى بحفيظ يحفظ أموركم ، وإنما أنا بشير ونذير والله وحده هو
الذى يتولى محاسبتكم على أعمالكم .
ثم أمره - سبحانه - باتباع ما أوحاه إليه فقال: ﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى
يحكم اللّه، وهو خير الحاكمين ﴾.
أى: ﴿واتبع﴾ - أيها الرسول الكريم - فى جميع شئونك ﴿ ما يوحى إليك﴾ من
ربك من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ..
واصبر ﴾ على مشاق الدعوة وتكاليفها ..
حتى يحكم الله﴾ بينك وبين قومك، ﴿وهو خير الحاكمين﴾. لأنه هو العليم
بالظواهر والبواطن ، وهو الذى لا معقب لحكمه .
وبعد : فهذه هى سورة يونس - عليه السلام - رأينا ونحن نفسرها كيف أقامت الأدلة
على وحدانية الله - عز وجل - وعلى كمال قدرته، وشمول علمه ، ونفاذ إرادته ، وسعة
رحمته ، وسمو عزته ..
(١) سورة فاطر الآية ٢ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٣٤ .

١٤٣
سورة يونس
وكيف أنها أقامت الأدلة - أيضاً - على صدق الرسول - * - فيما يبلغه عن ربه ،
وعلى أن هذا القرآن من عنده - سبحانه .
وكيف أنها ساقت الأدلة على أن يوم القيامة حق ، وعلى أحوال الناس فيه ، مما يرقق
القلوب القاسية ، ويبعث فى النفوس الخشية وحسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد ،
وكيف أنها ساقت جانبا من أحوال بعض الأنبياء مع أمهم ، وقررت سنة من سنن الله التى لا
تتخلف ، وهى نجاة رسل الله والمؤمنين بهم ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون .
وكيف أنها بينت أحوال الناس فى السراء والضراء ... بيانا صادقا قوياً مؤثراً، من شأنه أن .
يحملهم على التحلى بالأخلاق الكريمة والتخلى عن الأخلاق الذميمة .
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
المدينة المنورة السبت ٧ من المحرم سنة ١٤٠١
الموافق ١٥ / ١١ / ١٩٨٠ م

.

تفسير
سُورَةِ هُود
عليه السلام

١٤٧
مقدمة
تعريف بسورة هود - عليه السلام -
١ - سورة هود - عليه السلام - هى السورة الحادية عشرة فى ترتيب المصحف ((فقد
سبقتها فى هذا الترتيب سورة الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ،
والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس .
أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة الثانية والخمسون ، وكان نزولها بعد سورة يونس .
٢ - وعدد آياتها : ثلاث وعشرون ومائة آية .
٣ - وقد سماها النبى - * - بسورة هود ، فقد روى الترمذى عن ابن عباس قال :
قال أبو بكر: يارسول الله قد شبت! قال: ((شيبتني)) ((هود)) و((الواقعة))،
و ((المرسلات)) و((عم يتساءلون)) و((إذا الشمس كورت)).
وفى رواية : شيبتني هود وأخواتها .
قال القرطبى بعد أن ساق بعض الأحاديث فى فضل هذه السورة . ففى تلاوة هذه السور
ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس . وتشيب منه الرءوس))(١) .
٤ - متى نزلت سورة هود ؟
جمهور العلماء على أن سورة هود جميعها مكية ، وقيل هى مكية إلا ثلاث آيات منها : وهى
قوله - تعالى - ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك، وضائق به صدرك ... ) الآية ١٢ .
وقوله - تعالى - ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) الآية ١٧ .
وقوله - تعالى -: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل) الآية ١١٤ .
والذى نرجحه أن السورة كلها مكية ، وسنرى عند تفسيرنا لهذه الآيات التى قيل بأنها
مدنية ، ما يشهد لصحة ما ذهبنا إليه .
كذلك نرجح أن هذه السورة الكريمة ، كان نزولها فى الفترة التى أعقبت حادث الإِسراء
والمعراج ، وذلك لأن نزولها - كما سبق أن أشرنا - كان بعد سورة يونس ، وسورة يونس
كان نزولها بعد سورة الإسراء ، التى افتتحت بالحديث عنه .
(١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ٢ طبعة دار الكاتب العربى بالقاهرة .

١٤٨
المجلد السابع
وهذه الفترة التى كانت قبيل حادث الإسراء والمعراج والتى أعقبته ، تعتبر من أشق
الفترات وأحرجها وأصعبها فى تاريخ الدعوة الإسلامية .
ففى هذه الفترة مات أبو طالب عم النبى - 18 - والمدافع عنه ، وماتت كذلك السيدة
خديجة - رضى الله عنها - التى كانت نعم المواسى له عما يصيبه من أذى ... ففقد الرسول
- ◌َ - بموتهما نصيرين عزيزين، كانت لهما مكانتهما العظيمة فى نفسه، وتعرض - الخ -
فى هذه الفترة لألوان من الأذى والاضطهاد فاقت كل ما سبقها وبلغت الحرب المعلنة من
المشركين عليه وعلى دعوته ، أقسى وأقصى مداها ..
قال ابن إسحاق خلال حديثه عن هذه الفترة : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا
فى عام واحد، فتتابعت على رسول الله - صل18 - المصائب بهلك خديجة - وكانت له وزير
صدق على الإِسلام يشكو إليها - وبهلك عمه أبى طالب - وكان له عضدا وحرزا فى أمره ،
ومنعة وناصرًا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين .
فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله - 18 - من الأذى ، ما لم تكن تطمع فيه
فى حياة أبى طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا .
ثم قال ابن إسحاق : فحدثنى هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير قال لما نثر ذلك
السفيه على رأس رسول الله - * - ذلك التراب دخل رسول الله - * - بيته، والتراب
على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب ، وهى تبكى ، ورسول الله
- وَلّ - يقول لها: ((لا تبكى يابنية، فإن اللّه مانع أباك)) ..
قال: ويقول بين ذلك: (( ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب))(١).
وسنرى عند استعراضنا للسورة الكريمة ، أنها صورت هذه الفترة أكمل تصوير .
٥ - مناسبتها لسورة يونس - عليه السلام - :
قال الآلوسى - رحمه الله -: ووجه اتصالها بسورة يونس ، أنه ذكر فى سورة يونس قصة
نوح - عليه السلام - مختصرة جدًّا ومجملة ، فشرحت فى هذه السورة وبسطت فيها ما لم
تبسط فى غيرها من السور .. ثم إن مطلعها شديد الارتباط بمطلع تلك ، فإن قوله - تعالى -
هنا ﴿الر. كتاب أحكمت آياته ... ﴾ نظير قوله - سبحانه - هناك ﴿الر. تلك آيات
الكتاب الحكيم ... ﴾ بل بين مطلع هذه وختام تلك شدة ارتباط - أيضًا - ، حيث ختمت
بنفى الشرك، واتباع الوحى ، وافتتحت هذه ببيان الوحى والتحذير من الشرك(٢).
(١) السيرة النبوية لابن هشام جـ ٢ ص ١٤٥ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٧٨ الطبعة المنيرية.

١٤٩
مقدمة
٦ - عرض إجمالى للسورة الكريمة :
عندما نطالع سورة هود بتدبر وتأمل ، نراها فى الربع الأول (١) منها - قد افتتحت بالتنويه
بشأن القرآن الكريم . وبدعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وإلى التوجه
إليه بالاستغفار والتوبة الصادقة ، حتى ينالوا السعادة فى دنياهم وآخرتهم .
قال - تعالى -: ﴿ الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير . وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا
حسنًا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم
كبير . إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير ﴾.
ثم وضحت السورة جانبًا من مسالك الكافرين ، تلك المسالك التى تدل على جهالاتهم بعلم
اللّه التام، وبقدرته النافذة ، وفصلت مظاهر هذه القدرة ، وشمول هذا العلم ..
قال - تعالى -: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين يستغشون ثيابهم ،
يعلم ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ﴾ .
ثم بينت أحوال الإِنسان فى حالة منحه النعمة ، وفى حالة سلبها عنه ، وساقت للرسول
- ◌َ﴿ - من الآيات ما يسليه عما أصابه من كفار مكة ، وتحدتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل
القرآن الكريم ، وأنذرتهم بسوء عاقبة المعرضين عن دعوة الله ، الصادين عن سبيله ،
الكافرين بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، وبشرت المؤمنين بحسن العاقبة ، وضربت
المثل المناسب لكل من فريقى الكافرين والمؤمنين .
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :
﴿ ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد
ضراء مسته، ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا
الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ... ﴾ .
إلى أن تقول بعد حديث مفصل عن الكافرين وسوء عاقبتهم: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى
والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلًا، أفلا تذكرون ﴾ .
فإذا ما وصلنا إلى الربع(٢) الثانى من سورة هود ، وجدناها تسوق لنا بأسلوب مفصل ،
(١) الآيات من ١ - ٢٤ .
( ٢ ) الآيات من ٢٥ - ٤٠ .

١٥٠
المجلد السابع
قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، فتحكى أمره لهم بعبادة الله وحده ، كما تحكى الرد
القبيح الذى رد به عليه زعماؤهم ، وكيف أنه - عليه السلام - لم يقابل سفاهتهم بمثلها ، بل
خاطبهم بلفظ ((ياقوم)) الدال على أنه واحد منهم ، يسره ما يسرهم ، ويؤلمه ما يؤلمهم ، ومع
هذا فقد لجوا فى طغيانهم وقالوا له - كما حكى القرآن عنهم - ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت
جدالنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ... ﴾ .
فكان رده عليهم ﴿ إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ... ﴾.
وقد أتاهم الله - تعالى - بالعذاب الذى استعجلوه فأغرقهم بالطوفان الذى غشيهم من
فوقهم ومن تحت أرجلهم ، والذى قطع دابرهم .
ثم نراها بعد ذلك فى الربع(١) الثالث، تقص علينا مشهدًا مؤثرًا ، مشهد نوح - عليه
السلام - وهو ينادى ابنه الذى استحب الكفر على الإِيمان فيقول له بشفقة وحرص :
﴿ يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ﴾.
ولكن الابن العاق لا يستمع إلى نصيحة أبيه العطوف بل يقول له: ﴿ساوى إلى جبل
يعصمنى من الماء ﴾ .
ويجيبه الأب بحزن وحسم ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ، وحال بينهما الموج
﴾
فكان من المغرقين
ويتضرع الأب الحزين إلى ربه فيقول: ﴿رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت
أحكم الحاكمين ﴾
ويأتيه الجواب من الله - تعالى -: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح،
فلا تسألن ما ليس لك به علم ، إنى أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ .
ويلجأ نوح - عليه السلام - إلى خالقه، مستعيذًا به من غضبه فيقول: ﴿رب إنى أعوذ
بك أن أسألك ما ليس لى به علم، وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ﴾ .
فيقبل الله - تعالى - ضراعته فيقول: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ، وعلى
أمم ممن معك ، وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾ .
ثم يختم الله - تعالى - قصة نوح، بتسلية النبى - و ليزر - ، وبما يدل على أن هذا القرآن
من عند الله ، فيقول: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك
من قبل هذا فاصبر ، إن العاقبة للمتقين
( ١ ) الآيات من ٤١ - ٦٠ .

١٥١
مقدمة
ثم تسوق السورة بعد ذلك قصة هود - عليه السلام - مع قومه ، فتحكى دعوته لهم إلى
عبادة الله - تعالى - ، ومصارحته إياهم بأنه لا يريد منهم أجرًا على دعوته ؛ وإرشادهم إلى
ما يزيدهم غنى على غناهم ؛ وقوة على قوتهم ، ولكنهم قابلوا تلك النصائح الغالية بالتكذيب
والسفاهة ، فقالوا له - كما حكت السورة عنهم - ﴿ياهود ما جئتنا ببينة ، وما نحن بتاركى
آلهتنا عن قولك ، وما نحن لك بمؤمنين . إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء .... ﴾.
فيرد عليهم هود بقوله : ﴿ إنى أشهد الله، واشهدوا أنى برىء مما تشركون . من دونه
فكيدونى جميعًا ثم لا تنظرون . إنى توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ
بناصيتها ... ﴾ .
ثم كانت النتيجة بعد هذه المحاورات والمجادلات أن نجى الله هودا ، والذين آمنوا معه ،
أما الكافرون بدعوته ، فقد نزل بهم العذاب الغليظ ، الذى تركهم صرعى ، كأنهم أعجاز
نخل خاوية ...
وفى الربع(١) الرابع منها تسوق لنا السورة الكريمة ، ما دار بين صالح وقومه ، حيث أمرهم
بعبادة الله، وذكرهم بنعمه عليهم، وحذرهم من الاعتداء على الناقة التى هى لهم آية .. ولكنهم
استخفوا بتذكيره وبتحذيره فكانت النتيجة إهلاكهم ...
قال - تعالى - ﴿ فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ومن خزى
يومئذ ، إن ربك هو القوى العزيز . وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جائمين .
كأن لم يغنوا فيها ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ﴾ .
ثم قصت علينا السورة الكريمة ، ما فعله إبراهيم - عليه السلام - عندما جاءه رسل الله
بالبشرى ، وكيف أنهم قالوا له عندما أنكرهم وأوجس منهم خيفة : ﴿ لا تخف إنا أرسلنا إلى
قوم لوط ... ﴾ .
ثم وضحت حال لوط - عليه السلام - عندما جاءه هؤلاء الرسل ؛ وحكت ما دار بينه
وبين قومه الذين جاءوه يهرعون إليه عندما رأوا الرسل ، فقال لهم: ﴿ يا قوم هؤلاء بناتى
هن أطهر لكم، فاتقوا اللّه ولا تخزون فى ضيفى، أليس منكم رجل رشيد ... ﴾.
فيقولون له فى صفاقة وانحراف عن الفطرة السليمة : ﴿لقد علمت ما لنا فى بناتك من
حق ، وإنك لتعلم ما نريد
وأسقط فى يد لوط - عليه السلام - ، وأحس بضعفه أمام هؤلاء المنحرفين المندفعين إلى
( ١ ) الآيات من ٦٢ - ٨٣ .

١٥٢
المجلد السابع
ارتكاب الفاحشة ، اندفاع المجنون إلى حتفه ، فقال بأسى وحزن: ﴿ لو أن لى بكم قوة
أو آوی إلی رکن شدید
وهنا كشف له الرسل عن طبيعتهم ، وأخبروه بمهمتهم ؛ وطلبوا منه أن يغادر هو ومن آمن
معه مكان إقامتهم ، فإن العذاب نازل بهؤلاء المجرمين بعد وقت قصير .
قالوا يا لوط إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت
منكم أحد إلا امرأتك ، إنه مصيبها ما أصابهم ، إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب .
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند
ربك وما هى من الظالمين ببعيد
٠
ثم تتابع السورة الكريمة فى الربع الخامس(١) ، حديثها عن جانب من قصص بعض الأنبياء
مع أقوامهم ، فتحدثنا عن قصة شعيب - عليه السلام - مع قومه ، وكيف أنه قال لهم مقالة
كل رسول لقومه ﴿ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾.
ثم نهاهم بأسلوب رصين حكيم ، عن ارتكاب الفواحش التى كانت منتشرة فيهم ، وهى
إنقاص الكيل والميزان ، وبخس الناس أشياءهم ...
ولكنهم - كعادة السفهاء الطغاة - قابلوا نصائحه بالتهكم والاستخفاف والوعيد ...
فكانت النتيجة أن حل بهم عذاب الله الذى أهلكهم، كما أهلك أمثالهم .
قال - تعالى - ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ، وأخذت الذين
ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جائمين . كأن لم يغنوا فيها ، ألا بعدا لمدين كما بعدت
ثمود ﴾
.
ثم تسوق السورة بعد ذلك بإيجاز ، جانبًا من قصة موسى مع فرعون وملئه ، الذين اتبعوا
أمر فرعون ، وما أمر فرعون برشيد .
ثم تعقب على كل تلك القصص السابقة ، بتعقيب يدل على أن هذا القرآن من عند الله ،
وأنه - سبحانه - لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ... قال - تعالى - :
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ،
فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير
تتبيب ... ﴾ .
أما فى الربع السادس(٢) والأخير منها ، فنراها تبين بأسلوب قوى منذر ، أن الناس سيأتون
( ١ ) الآيات من ٨٤ - ١٠٧ ..
(٢) الآيات ص ١٠٨ إلى آخر السورة .
٠

١٥٣
مقدمة
يوم القيامة ، منهم الشقى ومنهم السعيد ، وأنه - سبحانه - سيوفى كل فريق منهم جزاءه غير
منقوص .
ثم ترشد إلى ما يوصل إلى السعادة ، فتدعو إلى الاستقامة على أمر الله ، وإلى عدم
الركون إلى الظالمين ، وإلى إقامة الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ، وإلى الصبر الجميل .
قال - تعالى -: ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير .
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون .
وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى
للذاكرين . واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
ثم ختمت السورة الكريمة ببيان أن من أهم مقاصد ذكر قصص الأنبياء فى القرآن الكريم ،
تثبيت فؤاد النبى - 18 - وتقوية قلبه ، وتسليته عما أصابه ، وتبشيره بأن العاقبة له
ولأتباعه .
قال - تعالى -: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك فى
هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين . وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون
وانتظروا إنا منتظرون. ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ، فاعبده وتوكل
عليه ، وما ربك بغافل عما تعملون
٧ - أهم الموضوعات التى عنيت السورة الكريمة بالحديث عنها :
من استعراضنا لسورة هود ، ومن معرفة الفترة التى نزلت فيها ، نستطيع أن نقول : إن
السورة الكريمة قد عنيت بالحديث عن موضوعات متنوعة من أهمها ما يأتى :
(١) ترغيب الناس فى طاعة الله، وتحذيرهم من معصيته، وهذا المعنى نراه فى كثير من
آيات سورة هود ، ومن ذلك :
قوله - تعالى -: ﴿ ألا تعبدو إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير ... )
وقوله - تعالى - حكاية عن هود - عليه السلام - : ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم
توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ... ﴾.
وقوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان
بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن
كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ ... ﴾ .
(ب ) تسلية الرسول - 18 - عما أصابه من قومه، ومن مظاهر هذه التسلية ، أن

١٥٤
المجلد السابع
السورة الكريمة قد اشتملت فى معظم آياتها على قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم . فقد ذكرت
نواحى متنوعة من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة هود مع قومه ، ومن قصة صالح مع قومه ،
ومن قصة شعيب مع قومه ، ومن قصة لوط مع قومه ...
وقد تحدثت خلال كل قصة عن المسالك الخبيثة ، والمجادلات الباطلة ، التى اتبعها الطغاة
مع أنبيائهم الذين جاءوا لسعادتهم وهدايتهم .
كما ختمت كل قصة من هذه القصص ، ببيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة
المكذبين ..
وفى ذلك ما فيه من التسلية للرسول الكريم - وير - عما لحقه من أذى ، وما أصابه من
اضطهاد ، وما تعرض له من اعتداء عليه وعلى أصحابه .
وكأن ما ورد فى هذه السورة من قصص طويل متنوع، يقول للرسول - الفيوم - : إن
ما أصابك من قومك يا محمد ، قد أصاب الأنبياء السابقين من أقوامهم ، فاصبر كما صبروا ،
فإنه ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾.
( جـ) إقامة الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله ، وليس من كلام البشر ..
فقد تحداهم هنا أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا ، ثم تحداهم فى موطن آخر أن يأتوا
بسورة من مثله فما استطاعوا، وساق لهم - على لسان الرسول - وَل﴾ - الكثير من أخبار
الأولين ، ومن قصص الأنبياء مع أقوامهم مع أن الرسول - وَله - لم يكن معاصرا لهؤلاء
السابقين ، ولم يكن قارئا لأخبارهم فدل ذلك على أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن
الرسول - * - صادق فيما يبلغه عن ربه .
قال - تعالى - : ﴿ أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن
لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ﴾.
وقال - تعالى -: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك
من قبل هذا فاصبر ، إن العاقبة للمتقين
(د ) بيان سنة من سنن الله التى لا تتخلف، وهى أنه - سبحانه - لا يظلم الناس
شيئا ؛ ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ؛ بإعراضهم عن الحق ، واتباعهم للهوى ،
واستحقاقهم للعقوبة التى هى جزاء عادل لكل ظالم .

١٥٥
مقدمة
وهذا البيان نراه فى مواضع متعددة من السورة ، ومن ذلك قوله - تعالى - فى ختام
الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم .
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا
أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء، لما جاء أمر ربك
وما زادوهم غير تتبيب . وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة ، إن أخذه أليم شديد .
إن فى ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، ذلك يوم مجموع له الناس ، وذلك يوم مشهود .
وما تؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد .... ﴾.
وبعد : فهذه تعريفات عن سورة هود ، رأينا أن نذكرها قبل البدء فى تفسيرها ، وأرجو أن
يكون فى ذكرها ما يعطى القارئ صورة واضحة عن هذه السورة الكريمة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المدينة المنورة فى ٢١ من صفر سنة ١٤٠١ هـ
٢٨ / ١٢ / ١٩٨٠ م
محمد سيد طنطاوى

١٥٦
المجلد السابع
التفسير
ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٠١
الْرَكِنَبُّ أُخْكِمَتْءَ اَنُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
أَلَا تَعْبُدُ واْإِلَّا اللَّه ◌ِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيْرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ ثُمَّنُوبُواْإِلَيْهِ يُعَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ
كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
كَبِيرٍ ) إِلَى الَّهِ مَرْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيُ ) أَ إِنَهُمْ
يَتُنُنَ صُدُورَهُمْلِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَاحِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ
يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَايُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور٥ِ
سورة هود - عليه السلام - من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق
أن تكلمنا بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ،
ويونس ، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور .
ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل
الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم
القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من
جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند

١٥٧
سورة هود
الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو هاتوا عشر سور من
مثله ، أو هاتوا سورة واحدة .
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من
عند اللّه، ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾.
وقوله: ﴿ أحكمت آياته ﴾ من الإحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة
لمعان متعددة ، ترجع إلى شىء واحد هو المنع . يقال: أحكم الأمر . أى : أتقنه ومنعه من
الفساد . أى : منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق : ويقال أحكم الفرس ، إذا جعل له حكمة
تمنعه من الجموح والاضطراب .
وقوله : ﴿ ثم فصلت ﴾ من التفصيل، بمعنى التوضيح والشرح للحقائق والمسائل المراد
بيانها ، بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس .
والمعنى : هذا الكتاب الذى أنزلناه إليك يا محمد ، هو كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ،
فقد أحكم الله آياته إحكاما بديعا ، وأتقنها إتقانا معجزا ، بحيث لا يتطرق إليها خلل
فساد . ثم فصل - سبحانه - هذه الآيات تفصيلا حكيما ، بأن أنزلها نجوما ، وجعلها سورا
سورا ، مشتملة على ما يسعد الناس فى دنياهم وآخرتهم ، من شئون العقائد ، والعبادات ،
والمعاملات ، والآداب ، والأحكام .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ﴿ أحكمت آياته ﴾ أى: نظمت نظما رصينا محكما ،
بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف .. وقيل : منعت من الفساد ، من
قولهم : أحكمت الدابة ، إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح ، قال جرير :
أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم إنى أخاف عليكم أن أغضبا
﴿ ثم فصلت﴾ كما تفصل القلائد بالفرائد، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ
والقصص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت فى التنزيل ولم تنزل جملة
واحدة)) (١) .
و﴿ ثم﴾ فى قوله - سبحانه - ((ثم فصلت)) للتراخى فى الرتبة كما هو شأنها فى عطف
الجمل ، لما فى التفصيل من الاهتمام لدى النفوس ، لأن العقول ترتاح إلى التفصيل بعد
الإجمال ، والتوضيح بعد الإِيجاز .
وجملة ﴿ من لدن حكيم خبير﴾ صفة أخرى للكتاب ، وصف بها ، لإظهار شرفه من
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٥٨ .

١٥٨
المجلد السابع
حيث مصدره ، بعد أن وصف بإحكام آياته وتفصيلها الدالين على علو مرتبته من حيث الذات
أى : هذا الكتاب الذى أتقنت آياته إتقانا بديعا ، وفصلت تفصيلا رصينا ، ليس هو من عند
أحد من الخلق ، وإنما هو من عند الخالق الحكيم فى كل أقواله وأفعاله ، الخبير بظواهر الأمور
وبواطنها .
قال الشوكانى : وفى قوله ﴿ من لدن حكيم خبير﴾ لف ونشر، لأن المعنى : أحكمها
حكيم ، وفصلها خبير ، عالم بمواقع الأمور (١).
وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله﴾ جملة تعليلية، أى: أنه - سبحانه - فعل ما فعل من
إحكام الكتاب وتفصيله وتنزيله من لدن حكيم خبير ، لكى تخلصوا له العبادة والطاعة ،
وتتركوا عبادة غيره ؛ لأن من أنزل هذا الكتاب المعجز ، من حقه أن يفرد بالخضوع
والاستعانة .
وقوله : ﴿إننى لكم منه نذير وبشير﴾ بيان لوظيفة الرسول - اضط)م - .
والضمير المجرور فى ((منه)) يعود على الله - تعالى - .
أى : عليكم - أيها الناس - أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة ، فإنه -
سبحانه - قد أرسلنى إليكم لكى أنذر الذين فسقوا عن أمره بسوء العاقبة ، وأبشر الذين .
استجابوا لدعوته بحسن المثوبة .
وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير ؛ لأن الخطاب موجه إلى الكافرين ، الذين
أشركوا مع الله آلهة أخرى .
قال بعضهم: ((والجمع بين النذارة والبشارة ، لمقابلة ما نضمنته الجملة الأولى من طلب
ترك عبادة غير الله. بطريق النهى، وطلب عبادة اللّه بطريق الاستثناء ، فالنذارة ترجع إلى
الجزء الأول، والبشارة ترجع إلى الجزء الثانى)) (٢).
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعته من خيرات فقال: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم
توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ، ويؤت كل ذي فضل فضله .. ﴾ .
والاستغفار طلب المغفرة والرحمة من الله - تعالى - .
والتوبة : الإقلاع عن كل ما نهى اللّه، مع التصميم على عدم العودة إلى ذلك فى
المستقبل .
( ١) تفسير فتح القدير جـ ٢ ص ٤٨٠ .
(٢) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور جـ ١١ ص ٣١٥.

١٥٩
سورة هود
ويمتعكم : من الإمتاع ، وأصل الإِمتاع الإطالة ، ومنه: أمتعنا الله بك أى : أطال لنا
بقاءك .
والآية الكريمة معطوفة على قوله - سبحانه - قبل ذلك: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله .. ﴾.
والمعنى : وعليكم - أيها الناس - بعد أن نبذتم كل عبادة لغير الله ، أن تديموا طلب
مغفرته ورحمته ، وأن تتوبوا إليه توبة نصوحا ، فإنكم إن فعلتم ذلك ﴿ يمتعكم ﴾ الله -
تعالى - ﴿ متاعا حسنا ﴾ بأن يبدل خوفكم أمنا، وفقركم غنى، وشقاءكم سعادة .
قوله: ﴿ إلى أجل مسمى﴾ أى: إلى نهاية حياتكم التى قدرها الله لكم فى هذه الدنيا.
وقوله : ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ أى: ويعط كل صاحب عمل صالح جزاء
عمله .
فالمراد بالفضل الأول : العمل الصالح . والمراد بالفضل الثانى الثواب الجزيل من الله -
تعالى - .
فالجملة الكريمة ، وعد كريم عن اللّه - تعالى - لكل من آمن وعمل صالحا .
وجملة ﴿ ثم توبوا إليه﴾ معطوفة على استغفروا. و﴿ ثم﴾ هنا على بابها من
التراخى ، لأن الإِنسان يستغفر أولا ربه من الذنوب ، ثم يتوب إليه التوبة الصادقة النصوح
التى لا رجعة معها إلى ارتكاب الذنوب مرة أخرى .
ووصف المتاع بالحسن ، ليدل على أنه عطاء ليس مشوبا بالمكدرات والمنغصات التى تقلق
الإِنسان فى دنياه ، وإنما هو عطاء يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله التى أسبغها عليه ، مع المداومة
على شكره - سبحانه - على هذه النعم .
قال - تعالى - ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ،
ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ .
ثم حذر - سبحانه - من الإعراض عن طاعته فقال: ﴿وإن تولوا فإنى أخاف عليكم
عذاب يوم كبير ﴾ .
أى : ذكرهم أيها الرسول الكريم بأن فى إخلاصهم العبادة لله ، وفى طاعتهم له ، سعادتهم
الدنيوية والأخروية ، وفى إعراضهم عن ذلك شقاؤهم وحلول العذاب بهم .
أى : إن تتولوا - أيها الناس - عن الحق الذى جئتكم به ، فإنى أخاف عليكم عذاب يوم
القيامة ، الذى هو عذاب كبير هوله ، عظيم وقعه ، كما أخاف عليكم عذاب الدنيا .
فتنكير ﴿ يوم﴾ للتهويل والتعميم، حتى يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، حيث

١٦٠
المجلد السابع
إنهم كانوا ينكرون البعث والحساب ، فتخويفهم بالعذابين أزجر لنفوسهم القاسية ، وقلوبهم
العاتية .
وفى وصفه بالكبر ، زيادة - أيضا - فى تهويله وشدته ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويقلعوا
عن غيهم وعنادهم .
وقوله - سبحانه - ﴿ إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير﴾ تحذير آخر لهم، إثر
التحذير من الإِعراض عما جاءهم به نبيهم - يطلق - .
والمرجع : مصدر ميمى بمعنى الرجوع الذى لا انفكاك لهم منه ، ولا محيد لهم عنه .
أى: إلى الله - تعالى - وحده رجوعكم مهما طالت حياتكم ، ليحاسبكم على أعمالكم ،
ويجازيكم عليها بما تستحقونه من جزاء ، وهو - سبحانه - على كل شىء قدير ، لا يعجزه
أمر ، ولا يحول بينه وبين نفاذ إرادته حائل .
وما دام الأمر كذلك ، فأخلصوا لله العبادة ، واستغفروه ثم توبوا إليه لتظفروا بالسعادة
العاجلة والآجلة .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من جهالات المنحرفين عن الحق ، ومن أوهامهم الباطلة ،
فقال - تعالى - :
ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما
يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ﴾ .
وقوله: ﴿ يثنون﴾ من الثنى بمعنى الطى والستر. يقال: ثنيت الثوب إذا طويته على
ما فيه من الأشياء المستورة .
وثنى الصدور : إمالتها وطأطأتها وحنيها بحيث تكون القامة غير مستقيمة . والاستخفاء :
محاولة الاختفاء عن الأعين ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من
اللّه وهو معهم .. ﴾(١) .
وقوله : ﴿ يستغشون ثيابهم .. ﴾ أى: يتدثرون ويتغطون بها ، مبالغة فى الاستخفاء عن
الأعين . فالسين والتاء فيه للتأكيد، كما فى قوله - تعالى - ﴿واستغشوا ثيابهم ... ﴾ أى:
جعلوها كالغشاء عليهم .
وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنه كان الرجل من الكفار
(١) سورة النساء الآية ١٠٨.