النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة يونس قال القرطبى: ((المراد صلوا فى بيوتكم سرا لتأمنوا ، وذلك حين أخافهم فرعون ، فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد فى البيوت ، والإقدام على الصلاة ، والدعاء ، إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾ وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا فى البيع والكنائس ماداموا على أمن ، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا فى بيوتهم ... )) (١) . وقوله: ﴿ وأقيموا الصلاة﴾ أى: داوموا عليها، وأدوها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص ، فإن فى أدائها بهذه الصورة. وسيلة إلى تفريج الكروب، وفى الحديث الشريف: ((كان رسول الله - * - إذا حز به أمر صلى)). وقوله ﴿وبشر المؤمنين ) تذييل قصد به بعث الأمل فى نفوسهم متى أدوا ماكلفوا به. أى: وبشر المؤمنين بالنصر والفلاح فى الدنيا ، وبالثواب الجزيل فى الآخرة . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت : كيف نوع الخطاب فثنى أولا ، ثم جمع ، ثم وحد آخرا ؟ قلت : خوطب موسى وهارون - عليه السلام - أن يتبوآ لقومهما بيوتا ويختارها للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء . ثم سيق الخطاب عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الجمهور . ثم خص موسى - عليه السلام - بالبشارة التى هى الغرض تعظيما لها ، وللمبشر بها))(٢). ولأن بشارة الأمة - كما يقول الآلوسى - وظيفة صاحب الشريعة ، وهى من الأعظم أَسَرُّ وأوقع فى النفس (٣). هذا ، ومن التوجيهات الحكيمة التى نأخذها من هذه الآية الكريمة ، أن مما يعين المؤمنين على النصر والفلاح ، أن يعتزلوا أهل الكفر والفسوق والعصيان ، إذا لم تنفع معهم النصيحة ، وأن يستعينوا على بلوغ غايتهم بالصبر والصلاة ، وأن يقيموا حياتهم فيما بينهم على المحبة الصادقة ، وعلى الأخوة الخالصة ، وأن يجعلوا توكلهم على الله وحده ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، إن الله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شىء قدرا ﴾. ثم حكى القرآن الكريم بعد ذلك ، ما تضرع به موسى - عليه السلام - إلى الله - تعالى - من دعوات خاشعات ، بعد أن يئس من إيمان فرعون وملئه فقال - سبحانه - : (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٢٧١ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٤٩ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٥٢ . ١٢٢ المجلد السابع وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَقْوْلًا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَارَيَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَِلِّ رَبََّا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٨٨ قَالَ قَدْ أُحِيَبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَسَّعَآَنِ سَبِيلَ ٨٩ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان من ألوان اللباس وأوانى الطعام والشراب ، ووسائل الركوب .. وغير ذلك مما يستعمله الإِنسان فى زينته ورفاهيته . والمال : يشمل أصناف الزينة ، ويشمل غير ذلك مما يتملكه الإِنسان . والمعنى : وقال موسى - عليه السلام - مخاطبا ربه ، بعد أن فقد الأمل فى إصلاح فرعون وملئه : ياربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وأصحاب الرياسات منهم ، الكثير من مظاهر الزينة والرفاهية والتنعم ، كما أعطيتهم الكثير من الأموال فى هذه الحياة الدنيا . وهذا العطاء الجزيل لهم ؛ قد يضعف الإِيمان فى بعض النفوس ، إما بالإِغراء الذى يحدثه مظهر النعمة فى نفوس الناظرين إليها ، وإما بالترهيب الذى يملكه هؤلاء المنعمون ، بحيث يصيرون قادرين على إذلال غيرهم . واللام فى قوله ﴿ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ لام العاقبة والصيرورة أى: أعطيتهم ما أعطيتهم من الزينة والمال ، ليخلصوا لك العبادة والطاعة ، وليقابلوا هذا العطاء بالشكر ، ولكنهم لم يفعلوا بل قابلوا هذه النعم بالجحود والبطر ، فكانت عاقبة أمرهم الخسران والضلال ، فأزل يامولانا هذه النعم من بين أيديهم . قال القرطبى: ((اختلف فى هذه اللام، وأصح ما قبل فيها - وهو قول الخليل وسيبوبه - أنها لام العاقبة والصيرورة، وفى الخبر: ((إن ◌ّه - تعالى - ملكا ينادى كل يوم : ١٢٣ سورة يونس لدوا للموت وابنو للخراب» أى: لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال ، صار كأنه أعطاهم ليضلوا)) (١). وقال صاحب المنار: ((قوله: ﴿ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ أى: لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح ، ذلك لأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك ، وتخضع رقاب الناس لهم، كما قال - تعالى - ﴿ إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾. فاللام فى قوله ﴿ ليضلوا﴾ تسمى لام العاقبة والصيرورة ، وهى الدالة على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها ، يترتب عليه بالفعل لا بالسببية ، ولا بقصد فاعل الفعل الذى تتعلق به كقوله - تعالى - ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ... ﴾(٢). ومنهم من يرى أن هذه اللام للتعليل ، والفعل منصوب بها ، فيكون المعنى : وقال موسى مخاطبا ربه : ياربنا إنك قد أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وإنك يا ربنا قد أعطيتهم ذلك على سبيل الاستدراج ليزدادوا طغيانا على طغيانهم ، ثم تأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وشبيه بهذه الجملة فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم ، إنما ملى لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ﴾ (٣) . وقد رجح هذا المعنى الإِمام ابن جرير فقال: (( والصواب من القول فى ذلك عندى أنها لام كْ، ومعنى الكلام : ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه ، ويضلوا عن سبيلك عبادك عقوبة منك لهم ، وهذا كما قال جل ثناؤه ﴿لأسقيناهم ماء غدقاً. لتفتنهم فيه . ﴾ (٤). ومنهم من يرى أن هذه اللام هى لام الدعاء ، وأنها للدعاء عليهم بالزيادة من الإضلال والغواية فيكون المعنى : وقال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ؛ اللهم ياربنا زدهم ضلالا على ضلالهم . (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٧٤ . ( ٢) راجع تفسير المنار جـ ١١ ص ٤٧٣ . (٣) سورة آل عمران الآية ١٧٨. ( ٤ ) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ١٠٨. ١٢٤ المجلد السابع وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف. فقد قال ما ملخصه: (( فإن قلت : ما معنى قوله : ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾؟ قلت : هو دعاء بلفظ الأمر كقوله : ربنا اطمس واشدد . وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكررا ، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا . وحذرهم من عذاب اللّه ومن انتقامه، وأنذرهم سوء عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإِنذار إلا استكبارا ، وعن النصيحة إلا نبوا ، ولم يبق له مطمع فيهم . وعلم بالتجربة وطول الصحبة أو بوحى من اللّه، أنه لا يجىء منهم إلا الغى والضلال . لما رأى منهم كل ذلك : اشتد غضبه عليهم ، وكره حالهم ، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره وهو ضلالهم . فكأنه قال: ليثبتوا على ماهم عليه من الضلال .. )) (١). وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، لكل واحد منها اتجاهه فى التعبير عن ضيق موسى - عليه السلام - لإصرار فرعون وشيعته على الكفر ، ولما هم فيه من نعم لم يقابلوها بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والبطر . وإن كان الرأى الأول هو أظهرها فى الدلالة على ذلك ، وأقربها إلى سياق الآية الكريمة . قال الشوكانى: ((وقرأ الكوفيون ﴿ ليضلوا﴾ بضم الياء. أى: ليوقعوا الإضلال على غيرهم . وقرأ الباقون بالفتح أى يضلون فى أنفسهم))(٢). وقوله : ﴿ ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم . فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ دعا عليهم بما يستحقونه من عقوبات بسبب إصرارهم على الكفر والضلال. والطمس : الإهلاك والإتلاف ومحو أثر الشىء يقال : طمس الشىء ويطمس طموسا إذا زال بحيث لا يرى ولا يعرف لذهاب صورته . والشد : الربط والطبع على الشىء ، بحيث لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج منه . والمعنى : وقال موسى مخاطبا ربه: ياربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وقد أعطيتهم ذلك ليشكروك ، ولكنهم لم يفعلوا ، بل قابلوا عطاءك بالجحود ، اللهم (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٥. (٢) تفسير فتح القدير، للإِمام الشوكانى جـ ٢ ص ٤٧٠ . ١٢٥ سورة يونس يا ربنا اطمس على أموالهم بأن تهلكها وتزيلها وتمحقها من بين أيديهم ، حتى ترحم عبادك المؤمنين ، من سوء استعمال الكافرين لنعمك فى الإِفساد والأذى . واشدد على قلوبهم ﴾ بأن تزيدها قسوة على قسوتها، وعناداً على عنادها مع استمرارها على ذلك ، حتى يأتيهم العذاب الأليم الذى لا ينفع عند إتيانه إيمان ، ولا تقبل معه توبة ، لأنهما حدثا فى غير وقتها . قال الجمل: ((وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التى أوتيها موسى - عليه السلام - (١) . وقال الإِمام ابن كثير: ((وهذه الدعوة كانت من موسى - عليه السلام - غضبا لله - تعالى - ولدينه على فرعون وملئه . الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، كما دعا نوح - عليه السلام - على قومه فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا .. ﴾ ولهذا استجاب الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - هذه الدعوة فيهم .. )) (٢). فقال: ﴿ قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ﴾. أى: قال الله - تعالى - لموسى وهارون - عليهما السلام - : أبشرا فقد أجبت دعوتكما فى شأن فرعون وملئه ﴿ فاستقيما﴾ على أمرى، وامضيا فى دعوتكما الناس إلى الحق، واثبتا على ما أنتما عليه من الإِيمان بى والطاعة لأمرى . ﴿ ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ﴾ ما جرت به سنتى فى خلقى، ولا يدركون طريق الخير من طريق الشر . وكان الجواب من الله - تعالى - لموسى وهارون ، مع أن الداعى موسى فقط كما صرحت الآيات السابقة ، لأن هارون كان يؤمن على دعاء أخيه موسى والتأمين لون من الدعاء . هذا ، ومن الحكم والعظات التى نأخذها من هاتين الآيتين الكريمتين : أن من علامات الإِيمان الصادق . أن يكون الإنسان غيورا على دين الله ، ومن مظاهر هذه الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من بين أيدى المصرين على جحودهم وفسوقهم وبطرهم لأن وجود النعم بين أيديهم كثيرا ما يكون سببا فى إيذاء المؤمنين ، وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم . وأن الداعى متى توجه إلى الله - تعالى - بقلب سليم ، ولسان صادق ، كان دعاؤه مرجو القبول عنده - سبحانه - . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٧٠ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٢٥. لا ١٢٦ المجلد السابع ثم ختم - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون فى هذه السورة الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين فقال - تعالى - : وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَءِيِلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ اُلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَاْ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ ج ◌َاءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ! مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٢) فَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَءَايَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ ٩٢ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْتَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُوْ حَّى جَآءَ هُمُ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ٩٣ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ قوله - سبحانه - ﴿ وجاوزنا ﴾ هو من جاوز المكان، إذا قطعه وتخطاه وخلفه وراء ظهره وهو متعد بالباء إلى المفعول الأول الذى كان فاعلا فى الأصل ، وإلى الثانى بنفسه . والمراد بالبحر هنا : بحر القلزم ، وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر . وقوله ( بغيا وعدوا﴾ أى ظلما واعتداء. يقال: بغى فلان على فلان بغيا، إذا تطاول عليه وظلمه. ويقال : عدا عليه عَدْواً وعدوانا إذا سلبه حقه . وهما مصدران منصوبان على الحالية بتأويل اسم الفاعل . أى : باغين وعادين . أو على المفعولية لأجله أى : من أجل البغي والعدوان . والمعنى : وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر ، وهم تحت رعايتنا وقدرتنا ، حيث جعلناه لهم طريقا ١٢٧ سورة يونس يبسا ، فساروا فيه حتى بلغوا نهايته ، فأتبعهم فرعون وجنوده لا لطلب الهداية والإِيمان ، ولكن لطلب البغي والعدوان . قال الآلوسى: (( وذلك أن الله - تعالى - لما أخبر موسى وهارون - عليهما السلام - بإجابته دعوتهما ، أمرهما بإخراج بنى إسرائيل من مصر ليلا ، فخرجا بهم على حين غفلة من فرعون وملته ، فلما أحس بذلك ، خرج هو وجنوده على أثرهم مسرعين ، فالتفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم ، فقالوا يا موسى ، هذا فرعون وجنوده وراءنا . وهذا البحر أمامنا فكيف الخلاص ، فأوحى الله - تعالى - إلى موسى ، أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه فانفلق اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم ، وصار لكل سبط طريق فسلكوا ، ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل وبنو إسرائيل قد خرجوا من البحر ومسلهكم باق على حاله ، فسلكه فرعون وجنوده ، فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج من البحر ، انطبق عليهم وغشيهم من اليم ما غشيهم)) (١) . ثم حكى - سبحانه - ماقاله فرعون عندما نزل به قضاء الله الذى لا يرد فقال - تعالى -: ﴿ حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ﴾ . أى : لقد اتبع فرعون وجنوده بنى إسرائيل بغيا وعدوا ، فانطبق عليه البحر ، ولفه تحت أمواجه ولججه ، حتى إذا أدركه الغرق وعاين الموت وأيقن أنه لا نجاة له منه ، قال آمنت وصدقت . بأنه لا معبود بحق سوى الإِله الذى آمنت به بنو إسرائيل ، وأنا من القوم الذين أسلموا نفوسهم لله وحده وأخلصوها لطاعته . ولما كان هذا القول قد جاء فى غير أوانه ، وأن هذا الإِيمان لا ينفع لأنه جاء عند معاينة الموت ، فقد رد الله - تعالى - على فرعون بقوله - سبحانه - ﴿آلآن وقد عصيت قبل ، وكنت من المفسدين أى : آلآن تدعى الإيمان حين يئست من الحياة ، وأيقنت بالموت ، والحال أنك كنت قبل ذلك من العصاة المفسدين فى الأرض ، المصرين على تكذيب الحق الذى جاءك به رسولنا موسى - عليه السلام - والظرف ((آلآن)) متعلق بمحذوف متأخر ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإِنكار . وقوله: ﴿وقد عصيت قبل﴾ جملة حالية من فاعل الفعل المقدر، أى: آلآن تدعى (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٦٠. ١٢٨ المجلد السابع الإِيمان والحال أنك عصيت قبل وكنت من المفسدين . قال الإِمام ابن كثير: ((وهذا الذى حكاه الله - تعالى - عن فرعون من قوله هذا فى حاله ذاك . من أسرار الغيب التى أعلم الله - تعالى - بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا قال الإِمام أحمد بن حنبل - رحمه الله . حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل ، قال جبريل لى يا محمد لو رأيتنى وقد أخذت حالا من حال البحر - أى طيناً أسود من طين البحر - فدسسته فى فمه مخافة أن تناله الرحمة)». ورواه الترمذى ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم فى تفاسيرهم ، من حديث ، حماد بن سلمة وقال الترمذى : حديث حسن . ثم ساق ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى)) (١) . وقوله - سبحانه - : ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية .. ﴾ تهكم به ، وتخييب لآماله ، وقطع لدابر أطماعه، والمعنى إن دعواك الإِيمان الآن مرفوضة ، لأنها جاءت فى غير وقتها ، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت ، نلقى بجسمك الذى خلا من الروح على مكان مرتفع من الأرض لتكون عبرة وعظة للأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بنى إسرائيل أم من غيرهم ، حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإِخبار ، سوء عاقبة المكذبين ، وأن الألوهية لا تكون إلا لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد . قال الإمام الشوكانى: « قوله ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك .. ﴾ قرئ ننجيك بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل . أى : نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك أن بنى إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون قد غرق ، وقالوا: هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض أى مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه . ومعنى ﴿ بيدنك﴾ بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل معناه بدرعك والدرع يسمى ... بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك : ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٢٧، طبعة دار الشعب . ١٢٩ سورة يونس أراد بالأبدان الدروع(١) - وباليلب - يفتح الياء واللام - الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود . وقوله : ﴿وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ تذييل قصد به دعوة الناس جميعا إلى التأمل والتدبر ، والاعتبار بآيات الله ، وبمظاهر قدرته . أى : وإن كثيرا من الناس لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا على إهلاك كل ظالم جبار . قال ابن كثير : وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء . كما قال البخارى : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: قدم النبى -﴿ - المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبى - وَليو - لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموه))(٢). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر نعمه على بنى إسرائيل بعد أن أهلك عدوهم فرعون فقال - تعالى -: ﴿ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات ﴾. وقوله: ﴿ بوأنا﴾ أى: أنزلنا وأسكنا، من التبوء، وهو اتخاذ المباءة أى: المنزل والمسكن . وفى إضافة ألميوأ إلى الصدق مدح له ، فقد جرت عادة العرب على أنهم إذا مدحوا شيئا أضافوه إلى الصدق فقالوا : رجل صدق إذا كان متحليا بمكارم الأخلاق . قال الآلوسى: (( والمراد بهذا المبوأ ، كما رواه ابن المنذر وغيره عن الضحاك : الشام ومصر ، فإن بنى إسرائيل الذين كانوا فى زمان موسى - عليه السلام - وهم المرادون هنا ، ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء(٣) . وأخرج أبو الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس ، واختاره بعضهم ، بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك . وينبغى أن يراد ببنى إسرائيل على القولين ، ما يشمل ذريتهم بناء على أنهم ما دخلوا الشام فى حياة موسى - عليه السلام - إنما دخلها أبناؤهم - بقيادة يوشع بن نون . وقيل المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشام ، وببنى إسرائيل ، الذين كانوا على عهد نبينا محمد - رز - . (١) تفسير فتح القدير جـ ٢ ص ٤٧٠. (٢) تفسير أبن كثير جـ ٤ ص ٢٢٩ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٦٧ . ١٣٠ المجلد السابع والمعنى : ولقد أنزلنا بنى إسرائيل بعد هلاك عدوهم فرعون منزلا صالحا مرضيا ، فيه الأمان ، والاطمئنان لهم ، وأعطيناهم فوق ذلك الكثير من ألوان المأكولات والمشروبات الطيبات التى أحللناها لهم . وقوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم .... ﴾ توبيخ لهم على موقفهم الجحودى من هذه النعم التى أنعم الله بها عليهم . أى : أنهم ما تفرقوا فى أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى ، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة ، وهو ما بين أيديهم من الوحى الذى أمرهم الله - تعالى - أن يتلوه حق تلاوته ، وان لا يستخدموه فى التأويلات الباطلة . فالجملة الكريمة توبخهم على جعلهم العلم الذى كان من الواجب عليهم أن يستعملوه - فى الحق والخير - وسيلة للاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم . وقوله : ﴿ إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ تذييل قصد به الزجر عن الاختلاف واتباع الباطل . أى : إن ربك يفصل بين هؤلاء المختلفين ، فيجازى أهل الحق بما يستحقونه من ثواب ، ويجازى أهل الباطل بما يستحقونه من عقاب . وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه ، ومع قومه بنى إسرائيل، وجه القرآن خطابا إلى النبى - صل * - تثبيتا لقلبه ، وتسلية له عما أصابه من أذى ، فقال - تعالى - : فَإِنَ كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُ ونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ اُلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ ﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْجَآءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٩٦ ٩٧ ١٣١. سورة يونس والمراد ﴿ مما أنزلنا إليك﴾ هنا: ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - 14 - من قصص حكيم يتعلق بأنبياء الله - تعالى - ورسله . قال الألوسى: ((وخصت القصص بالذكر، لأن الأحكام المنزلة عليه - * - ناسخة لأحكامهم ، ومخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها))(١). والمراد بالكتاب : جنسه فيشمل التوراة والإنجيل . والمعنى : فإن كنت أيها الرسول الكريم - على سبيل الفرض والتقدير - فى شك مما أنزلنا إليك من قصص حكيم كقصة موسى ونوح وغيرهما ﴿ فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ﴾ وهم علماء أهل الكتاب ، فإن ما قصصناه عليك ثابت فى كتبهم. فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك للرسول - * - وإنما المراد على سبيل الفرض والتقدير ، لا على سبيل الثبوت . قال ابن كثير: ((قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله - وَ الله - قال: ((لا أشك ولا أسأل )). وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصرى ، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم - ◌َلي - موجودة فى الكتب المتقدمة التى بأيدى أهل الكتاب ، كما قال - تعالى - ﴿ الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة . (٢) والإنجيل .. . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن عيسى - عليه السلام -: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله ؟ قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ماليس لى بحق . إن كنت قلته فقد علمته .. ٠ فعيسى - عليه السلام - يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك ، وإنما يفرض قوله فرضا . ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله - تعالى - منه . أى: إن كنت قلته - على سبيل الفرض والتقدير - فقولى هذا لا يخفى عليك . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف قال الله - تعالى - لرسوله - صل -: ﴿ فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك .. ﴾؟ قلت : هو على سبيل الفرض والتمثيل . كأنه قيل : فإن وقع لك شك - مثلا - وخيل (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٦٨. (٢) تفسير أبن كثير جـ ٤ ص ٢٣١ . ١٣٢ المجلد السابع لك الشيطان خيالا منه تقديرا ﴿ فاسأل الذين يقرءون الكتاب ﴾ . والمعنى : أن الله - عز وجل - قدم ذكر بنى إسرائيل ، وهم قرأة الكتاب ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله - * - مكتوب عندهم فى التوراة والإنجيل ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن ، وصحة نبوة محمد - ◌َّ - ويبالغ فى ذلك فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا . فسل علماء أهل الكتاب يعنى أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك ، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ، فضلا عن غيرك . فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ فى العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله - وصل * - لا وصفه بالشك فيه . ويجوز أن يكون على طريق التهييج والإِلهاب كقوله ﴿ فلا تكونن ظهيرا للكافرين .. ﴾ ولذلك قال - * - عند نزوله: ((لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق)). وقيل: خوطب رسول الله - بَله - والمراد خطاب أمته . ومعناه: ((فإن كنتم فى شك مما أنزلنا إليكم .. )) (١) . وقوله ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ﴾ كلام مستأنف مؤكد لاجتثاث إرادة الشك . والتقدير: أقسم لقد جاءك الحق الذى لا لبس فيه من ربك لا من غيره ، فلا تكونن من الشاكين المترددين فى صحة ذلك . وقوله : ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ﴾ تعريض بأولئك الشاكين والمكذبين له - بصل - من قومه . أى : ولا تكونن من القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدقك فيما تبلغه عنا ، فتكون بذلك من الخاسرين الذين أضاعوا دنياهم وأخراهم . قال الآلوسى: ((وفائدة النهى فى الموضعين التهييج والإِلهاب نظير مامر . والمراد بذلك الإعلام بأن الامتراء والتكذيب قد بلغا فى القبح والمحذورية إلى حيث ينبغى أن ينهى عنهما من . لا يمكن أن يتصف بها، فكيف بمن يمكن اتصافه بذلك .. )) (٢). وقوله : ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٥٣ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٦٨. ١٣٣ سورة يونس العذاب الأليم ﴾ توبيخ للكافرين على إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق . والمراد بكلمة ربك : حكمه النافذ ، وقضاؤه الذى لا يرد ، وسنته التى لا تتغير ولا تتبدل فى الهداية والإضلال . والمراد بالآية: المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول - ال * - . أى: إن الذين حكم الله - تعالى - عليهم بعدم الإِيمان - لأنهم استحبوا العمى على الهدى - لا يؤمنون بالحق الذى جئت به - أيها الرسول الكريم .. مهما سقت لهم من معجزات وبراهين دالة على صدقك .. ولكنهم سيؤمنون بأن ما جئت به هو الحق ، حين يرون العذاب الأليم وقد نزل بهم من كل جانب . وهنا سيكون إيمانهم كلا إيمان ، لأنه جاء فى غير وقته ، وصدق الله إذ يقول: ﴿ فلم يك .. ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .. ﴾(١) . وسيكون حالهم كحال فرعون ، الذى عندما أدركه الغرق قال آمنت . وبذلك ترى الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والافتراء فى شأن الحق الذى جاء به الرسول - وَل﴿ - بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان، كما بينت سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدى ، ومن لا يفتح بصيرته للنور لا يراه ، فتكون نهايته إلى الضلال ، مهما تكن الآيات والبينات الدالة على طريق الحق . ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة ، فذكرتهم بقوم يونس - عليه السلام - الذين نجوا من العذاب بسبب إيمانهم ، كما ذكرتهم بإرادة الله التامة ، وقدرته النافذة ، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل عليه هذا الكون . استمع إلى السورة الكريمة وهى تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَنَّعْنَهُ إِلَى حِينٍ ﴿﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَ مَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ (١) سورة غافر الآية ٨٥ . ١٣٤ المجلد السابع جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ، وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ ـ) قُلِ أَنْظُرُ واْ مَاذَا فِ السَّمَوَتِ ١٠٠ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ ١٠١ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ آلْآَيَنتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُ وَأَإِ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَظِرِينَ ﴿ ثُمَّتُنَجِى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنتِجِالْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قال القرطبى ما ملخصه: ((روى فى قصة يونس - عليه السلام - عن جماعة من المفسرين ، أن قوم يونس كانوا بنيتوى من أرض الموصل - بالعراق - وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإِسلام ، وترك ما هم عليه فأبوا ، فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فينس من إيمانهم. فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل . وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه ، فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن ارتحل عنكم ، فهو نزول العذاب لاشك ... ٨ فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم ، فأصبحوا فلم يجدوه ، فآمنوا وتابوا ، ودعوا الله ولبسوا المسوح ، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم .. قال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التى تدل على العذاب ، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإِيمان))(١). وكلمة ﴿لولا﴾ فى قوله - سبحانه - ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ... ) للحث والتحضيض ، فهى بمعنى هلا . (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٨٧ . ١٣٥ سورة يونس والمقصود بالقرية أهلها وهم أقوام الأنبياء السابقين ، وهى اسم كان . وقوله ﴿ آمنت خبرها . وقوله ﴿ فنفعها إيمانها﴾ معطوف على ﴿ آمنت﴾. والمعنى : فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم ، فآمنوا بالحق الذى جاءتهم به رسلهم ، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذى حل بهم فقطع دابرهم ، كما نجا منه قوم يونس - عليه السلام - فإنهم عندما رأوا أمارات العذاب الذى أنذرهم به نبيهم آمنوا وصدقوا ، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذى كاد ينزل بهم ، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم ، إلى حين انقضاء آجالهم فى هذه الدنيا . قال الإِمام الشوكانى : والاستثناء بقوله : ﴿ إلا قوم يونس .. ﴾ منقطع، وهو استثناء من القرية لأن المراد أهلها . والمعنى : فهلا قرية واحدة من القرى التى أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به - وذلك بأن يكون خالصا لله - قبل معاينة العذاب، ولم تؤخره كما أخره فرعون ، لكن قوم يونس (( لما آمنوا)) إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب، أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم ((كشفنا عنهم عذاب الخزى )) أى : الذل والهوان . وقيل يجوز أن يكون متصلا ، والجملة فى معنى النفى ، كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس .. ))(١) . وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه: (( وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن العذاب نزل عليهم ، وجعل يدور على رءوسهم .. ونحو هذا ، ليس له أصل لا فى القرآن ولا فى السنة ... وفى الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها من سائر القرى ، سوى قوم يونس . والبقية دأبهم التكذيب ، كلهم أو أكثرهم ، كما قال - تعالى - ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ٠ . وفى الحديث الصحيح: ((عرض على الأنبياء ، فجعل النبى يمر ومعه الفئام من الناس - أى العدد القليل - والنبى معه الرجل ، والنبى معه الرجلان ، والنبى ليس معه أحد))(٢). وفى الآية الكريمة - أيضا - تسلية الرسول - - عما أصابه من حزن بسبب إعراض ( ١) تفسير فتح القدير جـ ٢ ص ٤٧٣ . ( ٢) تفسير القاسمى جـ ٦ ص ٣٤٠٠. ١٣٦ المجلد السابع قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة ، وإنذارهم من سوء عاقبة الإصرار على الكفر والجحود ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل. نزول العذاب فنفعهم إيمانهم . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله - صل1 - تسلية أخرى فقال: ﴿ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا ... ﴾ ومفعول المشيئة محذوف والتقدير : ولو شاء ربك - يا محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأنه مخالف للحكمة التى عليها أساس التكوين والتشريع ، والإثابة والمعاقبة ، فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يخلق الكفر والإيمان ، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإِيمان ، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره ، ومن آمن فله ثواب إيمانه . والهمزة فى قوله - سبحانه - ﴿ أفأنت تكره. الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ للاستفهام الإِنكارى، والفاء للتفريع . والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم . والمعنى : تلك هى مشيئتنا لو أردنا إنقاذها لنفذناها ، ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد فى وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على الإيمان ؟ . لا ، ليس ذلك فى وسعك ولا فى وسع الخلق جميعا، بل الذى فى وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه . وفى هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول - وَ لجر - ودفع لما يضيق به صدره ، من إعراض بعض الناس عن دعوته . وقوله - سبحانه - ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ... ) تأكيد لما اشتملت عليه الآية السابقة من قدرة نافذة لله - تعالى - أى : وما صح وما استقام لنفس من الأنفس ، أن تؤمن فى حال من الأحوال ، إلا بإذن الله)) أى: إلا بإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته . وقوله : ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾. معطوف على محذوف يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد على الضد، والرجس : يطلق على الشىء القبيح المستقدر . والمعنى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ، فيأذن لمن يشاء من تلك الأنفس بالإِيمان ، ويجعل الرجس أى الكفر وما يترتب عليه من عذاب على القوم الذين لم يستعملوا عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير ، بل استعملوها فيما يوصل إلى الأباطيل والشرور . ١٣٧ سورة يونس ولما كان التأمل فى ملكوت السموات والأرض ، يعين على التفكير السليم ، وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير ، أمر الله - تعالى - الناس بالنظر والاعتبار فقال - سبحانه -: ﴿ قل انظروا ماذا فى السموات والأرض ... ﴾. أى : قل - أيها الرسول الكريم - لقومك : انظروا وتأملوا وتفكروا فيما اشتملت عليه السموات من شموس وأقمار، وكواكب ونجوم ، وسحاب وأمطار ... وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار ، ومن جبال وأشجار ، ومن حيوانات ودواب متنوعة . انظروا إلى كل ذلك وتفكروا ، فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول السليمة إلى أن لهذا الكون إلها واحد عليما قديرا ، هو وحده المستحق للعبادة والطاعة . وقوله : ﴿ وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ توبيخ للغافلين عن النظر السليم الذى يؤدى إلى الهداية . و﴿ ما﴾ نافية، والمراد بالآيات: ما أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك بقوله: ﴿ ماذا فى السموات والأرض﴾ والنذر: جمع نذير، وهو من يخبر غيره بأمر مخوف حتى يحذره . والمعنى : انظروا وتفكروا واعتبروا بما فى السموات والأرض من آيات بينات دالة على وحدانية الخالق وقدرته .. ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت ، والنذر مهما تعددت ، لا تجدى شيئا ، بالنسبة لمن تركوا الإِيمان ، وأصروا على الجحود والعناد . ويجوز أن تكون ﴿ ما﴾ للاستفهام الإنكارى، فيكون المعنى وأى شىء تجدى الآيات السماوية والأرضية ، والنذر بحججها وبراهينها ، أمام قوم جاحدين معاندين ، قد استحبوا الكفر على الإِيمان ؟ . ثم ساق - سبحانه - للمكذبين برسوله - وَليزر - تهديدا يخلع قلوبهم فقال: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ، قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ﴾ . قال القرطبى: ((الأيام هنا بمعنى الوقائع ، يقال فلان عالم بأيام العرب أى بوقائعهم قال قتادة : يعنى وقائع الله فى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما ، كقوله - تعالى - ﴿وذكرهم بأيام اللّه ﴾، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام))(١) . (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٨٦. ١٣٨ المجلد السابع والمعنى : إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون ، فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لدعوتك ، إلا العذاب الذى نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك ؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع . وقوله : ﴿ قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين) أمر من الله - تعالى - لنبيه - مج بأن يستمر فى تهديدهم ووعيدهم . أى: قل - يا محمد - لهؤلاء الجاحدين للحق الذى جئت به : إذاً فانتظروا العذاب الذى نزل بالسابقين من أمثالكم ، إنى معكم من المنتظرين لوعد ربى لى ، ولوعيده لكم . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل فقال: ﴿ ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ﴾. والجملة الكريمة عطف على محذوف ، والتقدير : تلك سنتنا فى خلقنا نهلك الأمم المكذبة ثم ننجى رسلنا ﴾ الذين أرسلناهم لإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ونتجى - أيضا - الذين آمنوا برسلنا وصدقوهم وقوله ﴿ كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ﴾ الكاف فى ﴿ كذلك ﴾ بمعنى: مثل، وهى صفة لمصدر محذوف، واسم الإشارة يعود على الإتجاء الذى تكفل الله به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ ﴿حقا) منصوب بفعل مقدر أى : حق ذلك علينا حقا أى: مثل ذلك الإتجاء الذى تكفلنا به لرسلنا ولمن آمن بهم ، ننج المؤمنين بك - أيها الرسول الكريم - ، ونعذب المصرين على تكذيبك ، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ﴾(١) وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس - عليه السلام - لكى ينجوا من العذاب، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدرته ، ودعتهم إلى التفكر فى ملكوت السموات والأرض ، وأخبرتهم بأن سنة الله ماضية فى إنجاء المؤمنين ، وفى إهلاك المكذبين . وبعد هذا الحديث المتنوع الذى زخرت به سورة يونس - عليه السلام - عن وحدانية الله وقدرته، وعن صدق الرسول - *، وعن النفس الإنسانية وأحوالها ، وعن يوم القيامة وأهوالها ... بعد كل ذلك وجهت فى ختامها نداءين إلى الناس أمرتهم فيهما بإخلاص العبادة لله - تعالى - وبالاعتماد عليه وحده ، وبتزكية نفوسهم ... (١) سورة الإسراء الآية ٧٧ . ١٣٩ سورة يونس استمع إلى السورة الكريمة فى ختامها وهى تقول : قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِ شَكٍ مِّن دِينِ فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِوَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَقَّنَّكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ١٠٤ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿)، وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الَّهِ ١٠٦ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّلِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآَذَ لِفَضْلِهٍ يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (آ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٢)، وَأَشَِّغْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ١٠٩ والمعنى : ﴿قل﴾ أيها الرسول الكريم، لجميع من ارتاب فى دينك. يأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى ﴾ الذى جئتكم به من عند الله - تعالى - ، وترغبون فى تحويلى عنه ، فاعلموا أنى برىء من شككم ومن أديانكم التى أنتم عليها . ومادام الأمر كذلك، فأنا (( لا أعبد الذين تعبدون من دون الله)) من آلهة باطلة فى حال من الأحوال . : ولكن أعبد الله﴾ - تعالى - الذى خلقكم و﴿ الذى يتوفاكم﴾ عند انقضاء آجالكم ، ويعاقبكم على كفركم . وقوله ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين) تأكيد الإِخلاص عبادته - والله - لله وحده. ١٤٠ المجلد السابع أى : وأمرت من قبل خالقى - عز وجل - بأن أكون من المؤمنين بأنه لا معبود بحق سواه . وأوثر الخطاب باسم الجنس ((الناس)) مع تصديره بحرف التنبيه ، تعميما للخطاب ، وإظهارا لكمال العناية بشأن المبلغ إليهم . وعبر عن شكهم ((بإن)) المفيدة ؛ لعدم اليقين ، مع أنهم قد شكوا فعلا فى صحة هذا الدين بدليل عدم إيمانهم به ، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيها لساحة هذا الدين عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد ، وتوبيخا لهم على وضعهم الأمور فى غير مواضعها . وقدم - سبحانه - ترك عبادة الغير على عبادته - عز وجل - ، إيذانا بمخالفتهم من أول الأمر ، ولتقديم التخلية على التحلية . وتخصيص التوفى بالذكر ، للتهديد والترهيب ، أى : ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد ، ولأنه أشد الأحوال مهابة فى القلوب . وقوله: ﴿وأن أقم وجهك للدين حنيفا ... ) معطوف على قوله: ﴿ أن أكون من المؤمنين ﴾ . و﴿ حنيفا﴾ حال من الدين أو من الوجه، والحنيف: هو المائل عن كل دين من الأديان إلى دين الإِسلام . وخص الوجه بالذكر ، لأنه أشرف الأعضاء . والمعنى: أن الله - سبحانه - أمره بالاستقامة فى الدين . والثبات عليه ، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال . قال الآلوسى: ((إقامة الوجه للدين ، كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته - تعالى - ، والإِعراض عما سواه ، فإن من أراد أن ينظر إلى شىء نظر استقصاء ، يقيم وجهه فى مقابلته ، بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، إذ لو التفت بطلت المقابلة ، فلذا كنى به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين ، فالمراد بالوجه الذات . أى : اصرف ذاتك وكليتك للدين .. )» (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ تأكيد للأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده . وهو معطوف على ﴿ أقم ﴾. (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٧٨.