النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة يونس
فالمراد من اليوم معناه اللغوى وهو مطلق الوقت .
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تلك الايام من أيام الآخرة التى يوم منها كألف
سنة مما تعدون .
قال الآلوسى: (( وقيل هى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام ، لما فيه من
الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة فى مثل تلك المدة اليسيرة ، ولأنه
تعريف لنا بما نعرفه )» (١) .
وقال بعض العلماء: (( ولا ندخل فى تحديد هذه الأيام الستة ، فهى لم تذكر هنا لنتجه إلى
تحديد مداها ونوعها ، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير والتقدير فى الخلق حسب مقتضيات
الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية .
وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب اللّه، الذى لا مصدر لإدراكه إلا هذا المصدر ،
فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه ، والمقصود بذكرها هو الإِشارة الى حكمة التقدير والتدبير
والنظام الذى يسير مع الكون من بدئه إلى منتهاه ))(٢).
وقال سعيد بن جبير : كان اللّه قادرا على أن يخلق السموات والأرض فى لمحة ولحظة .
ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ، لكى يعلم عباده التثبت والتأنى فى الأمور .
وقوله : ﴿ ثم استوى على العرش ) معطوف على ما قبله ، لتأكيد مزيد قدرته وعظمته
- سبحانه - .
والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار، ومنه قوله - تعالى - ﴿ واستوت على
الجودی
.
أى : استقرت ، ومن معانيه - أيضا - الاستيلاء والقهر والسلطان ، ومنه قول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق أى : استولى عليه
وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما
تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا
محمولا))(٣).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٦٤ .
(٢) تفسير فى ظلال القرآن جـ ١١ ص ١٧٦٢ - طبعة دار الشروق .
١٠٠ (٣) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٢٩.

٢٢
المجلد السابع
وقد ذكر العرش فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية ، وذكر الاستواء على العرش فى
سبع آيات .
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة الى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف ولا
انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولو جوب
تنزيهه عمالا يليق به فيجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إلى الله - تعالى - .
فعن أم سلمة - رضى الله عنها - أنها قالت فى تفسير قوله - تعالى - ﴿ الرحمن على
العرش استوى﴾: الكيف غير معقول، والاستواء مجهول ، والإقرار به من الإيمان ،
والجحود به كفر .
وقال الإِمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعة .
وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإِيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه.
وقال الإِمام الرازى: ((إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه)).
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر لاستحالة حملها
على ما يفيده ظاهر اللفظ ، لأنه - سبحانه - مخالف للحوادث ، ووجوب حملها على ما يليق
به - سبحانه - .
وعليه فإن الاستواء هنا : كناية عن القهر والعظمة والغلبة والسلطان وقوله : ﴿ يدبر
الأمر ﴾ استئناف مسوق لتقرير عظمته - سبحانه - ولبيان حكمة استوائه على العرش .
والتدبير معناه : النظر فى أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود .
والمراد به هنا : التقدير الجارى على وفق الحكمة التى اقتضتها إرادة الله ومشيئته .
والمراد بالأمر : ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير ذلك من مخلوقاته التى
لا تعد ولا تحصى .
أى أنه سبحانه يدبر أمر مخلوقاته تدبيرا حكيما ، حسبما تقتضيه إرادته وعبر بالمضارع فى
قوله : ﴿ يدبر ﴾ للإشارة الى تجدد التدبير واستمراره، إذ أنه - سبحانه - لا يهمل شئون
خلقه .
وقوله : ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ استئناف آخر مسوق لبيان تفرده فى تدبيره
وأحكامه .
والشفيع مأخوذ من الشفع وهو ضم الشىء إلى مثله ، وأكثر ما يستعمل فى انضمام من هو

٢٣
سورة يونس
أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإعانته على ما يريده .
والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال . أى : ما من شفيع يستطيع أن يشفع
لغيره فى جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه - .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن
(٢)
يأذن الله لمن يشاء ويرضى
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ﴿ ذلكم الله ربكم فاعبدوه ﴾ يعود إلى ذات الله
- تعالى - الموصوفة بتلك الصفات الجليلة .
أى : ذلكم الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف فى شئون خلقه وفق مشيئته ، هو الله ربكم
فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا فى ذلك .
ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال: ﴿أفلا تذكرون﴾ أى: أتعلمون أن الله
- تعالى - هو خالقكم وهو القادر على كل شىء ، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول
بشرا ، فهلا تذکر تم قدرة الله وحكمته حتى تثوبوا إلى رشدكم ، وتتبعوا الحق الذی جاءكم به
نبيكم - ◌َ -: وإيثار ﴿ تذكرون﴾ على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم
الذى لا يفتقر الى عمق فى التفكير والبحث والتأمل . إذا أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها
واضحة جلية فى الأنفس والآفاق .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى - وبالغ حكمته ،
ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة .
ثم بين - سبحانه - أن مرجع العباد جميعا إليه ، وأنه سيجازى كل إنسان بما يستحق .
فقال - تعالى - ﴿ إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا﴾.
أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجعكم جميعا بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم ، وقد
وعد الله بذلك وعدا صدقا، ولن يخلف الله وعده.
قال أبو حيان: وانتصب ﴿وعد الله﴾ و﴿ حقا﴾ على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون
الجملة ، والتقدير وعد الله وعدًا، فلما حذف الناصب أضاف المصدر الى الفاعل ، وذلك كقوله
(١) سورة البقرة الآية ٢٥٥.
(٢) سورة النجم الآية ٢٦ .

٢٤
المجلد السابع
((صبغة الله)) و((صنع الله)) والتقدير فى ﴿حقا): حق ذلك حقا))(١).
وقوله : ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده) كالتعليل لما أفاده قوله - سبحانه - ﴿ إليه
مرجعكم ﴾ فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء المناسب على الأعمال الدنيوية .
أى : إن شأنه - سبحانه - أن يبدأ الخلق عند تكوينه ثم يعيده الى الحياة مرة أخرى بعد
موته وفنائه .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من الإعادة بعد الموت فقال: ﴿ ليجزى الذين آمنوا وعملوا
الصالحات بالقسط ، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ .
والقسط - كما يقول الراغب - النصيب بالعدل . يقال : قسط الرجل إذا جار وظلم .
ومنه قوله - تعالى - ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ ويقال أقسط فلان إذا عدل،
ومنه قوله - تعالى - ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
والحميم : الماء الذى بلغ أقصى درجات الحرارة ، قال - تعالى - ﴿وسقوا ماء حميما فقطع
أمعاءهم ﴾ أى: فعل ما فعل سبحانه من بدء الخلق وإعادتهم ليجزى الذين آمنوا وعملوا
الصالحات بعدله الجزاء الطيب الذى أعده لهم ، وأما الذين كفروا فيجزيهم - أيضا - بعدله ما
يستحقونه من شراب حميم يقطع أمعاءهم ، ومن عذاب مؤلم لابدانهم ، وذلك بسبب كفرهم
واستحبابهم العمى على الهدى .
وقوله: ﴿ بالقسط﴾ حال من فاعل ﴿ليجزى) ليجزهم ملتبسا بالقسط.
ويصح أن يكون المعنى : فعل ما فعل ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن
بسبب عدلهم وتمسكهم بتكاليف دينهم ، وأما الذين كفروا فلهم شراب من حميم وعذاب أليم
بسبب كفرهم .
قال الجمل ما ملخصه : وقال - سبحانه - ﴿والذين كفروا لهم شراب .... ﴾ بتغيير فى
الأسلوب للمبالغة فى استحقاقهم للعقاب . وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء
والإعادة هو الإثابة ، والعذاب وقع بالعرض . وأنه - تعالى - يتولى إثابة المؤمنين بما يليق
بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء
أفعالهم (٢) .
وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السموات والأرض ، أتبع ذلك
(١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٥ ص ١٢٤ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٣٤ طبعة حجازى بالقاهرة .

٢٥
سورة يونس
بذكر مظاهر أخرى لقدرته ، تتمثل فى خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال - تعالى - :
هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَآءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ
وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ إِنَّ فِ اخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ
اللهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
ففى هاتين الآيتين - كما يقول الآلوسى - تنبيه على الإستدلال على وجوده - تعالى -
ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته . بآثار صنيعه فى النيرين بعد التنبيه على الاستدلال بما مر ،
وبيان لبعض أفراد التدبير الذى أشير إليه إشارة إجمالية ، وإرشاد إلى أنه - سبحانه - حين
دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير البديع ، فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال
الرسل وإنزال الكتب أولى وأحرى (١))).
وقوله ﴿ جعل﴾ يجوز أن يكون بمعنى أنشأ وأبدع، فيكون لفظ ﴿ضياء﴾ حال من
المفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى صير فيكون اللفظ المذكور مفعولا ثانيا .
وقوله ﴿ ضیاء ﴾ جمع ضوء کسوط وسیاط ، وحوض وحیاض ، وقيل هو مصدر ضاء
يضوء ضياء كقام يقوم قياما ، وصام يصوم صياما ، وعلى كلا الوجهين فالكلام على حذف
مضاف .
والمعنى : الله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم الشمس ذات ضياء، وجعل لكم القمر
ذا نور، لكى تنتفعوا بها فى مختلف شئونكم .
قال الجمل: ((وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأكمل من النور ، وخص القمر بالنور
لأنه أضعف من الضياء ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار ، فدل ذلك على أن الضياء
المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر))(٢).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٦٧ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٣٤ .

٢٦
المجلد السابع
هذا دليل . ومما يدل على التفرقة بين الشمس والقمر فى نورهما قوله - تعالى -: ﴿وجعل القمر
فيهن نورا وجعل الشمس سراجاً ﴾(١) وقوله - سبحانه - : ﴿تبارك الذى جعل فى السماء بروجا
وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ﴾(٢).
وقوله : ﴿وقدره منازل﴾ معطوف على ما قبله .
والتقدير : جعل الشىء أو الأشياء على مقادير مخصوصة فى الزمان أو المكان أو غيرهما قال
- تعالى -: ﴿والله يقدر الليل والنهار ﴾.
المنازل : جمع منزل ، وهى أماكن النزول ، وهى - كما يقول بعضهم - ثمانية وعشرون
منزلا ، وتنقسم إلى اثنى عشر برجا وهى: الحمل ، والثور، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ،
والسنبلة ، والميزان ، والعقرب، والقوس ، والجدى ، والدلو، والحوت ، لكل برج منها .
منزلان وثلث منزل ، وينزل القمر فى كل ليلة منزلا منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين .
ويستقر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما ، ويستقر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة
وعشرين يوماً(٢).
والضمير فى قوله: ﴿قدرناه﴾ يعود الى القمر، كما فى قوله - تعالى -: ﴿والقمر
قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم .
أى: الله - تعالى - هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ، وقدر للقمر منازل ينزل
فيها فى كل ليلة على هيئة خاصة ، وطريقة بديعة تدل على قدرة اللّه وحكمته .
قالوا : وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده ، لسرعة سيره بالنسبة إلى الشمس : ولأن
منازله معلومة محسوسة ، ولأنه العمدة فى تواريخ العرب ، ولأن أحكام الشرع منوطة به فى
الأغلب(٤) .
وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معا ، أى : وقدر لهما منازل ، أو قدر
لسيرهما منازل لا يجاوزانها فى السير ، ولا يتعدى أحدهما على الآخر كما قال - تعالى - :
﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون﴾(٥).
وإنما وحد الضمير للإيجاز كما فى قوله - تعالى -: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾(١).
وقوله: ﴿ لتعلموا عدد السئين والحساب﴾ بيان للحكمة من الخلق والتقدير.
(١) سورة نوح الآية ١٦.
(٢) سورة الفرقان الآية ٦١ .
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٣٤ .
(٤) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٦٩ .
(٥ ) سورة يس الآية ٤٠ .
( ٦) سورة التوبة الآية ٦٢ .

٢٧
سورة يونس
أى : جعل - سبحانه - الشمس ضياء ، والقمر نورا ، وقدره منازل ، لتعلموا عدد
السنين التى يفيدكم علمها فى مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب بالأوقات من
الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله - تعالى - عما خلق من الآيات
الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء ،
وجعل شعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان
الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ،
ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع فى النقص حتى يرجع إلى
حالته الأولى . فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام )»
واسم الإِشارة فى قوله ﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء
والقمر نورا وتقديره منازل .
أى: ما خلق الله ذلك الذى ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق ، ومقترنا بالحكمة البالغة
التى تقتضيها مصالحكم .
وقوله: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ استئناف مسوق لبيان المنتفعين بهذه الدلائل
الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده .
أى : يفصل - سبحانه - ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ،
فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم .
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان قدرته ورحمته فقال: ﴿إن فى اختلاف الليل
والنهار﴾ طولا وقصرا، وحرا وبردا، وتعاقبا دقيقا لا يسبق أحدهما معه الآخر ﴿وما خلق
الله فى السموات والأرض ) من أنواع الانس والجن والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من
المخلوقات التى لا تعد ولا تحصى ..
إن فى كل ذلك الذى خلقه ﴿لآيات لقوم يتقون ﴾ أى: لدلائل عظيمة كثيرة دالة على
قدرة الله ورحمته ووحدانيته، لقوم يتقون الله - تعالى - فيحذرون عقابه، ويرجون رحمته .
وخص - سبحانه - المتقين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر فى هذه الدلائل .
وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد سلك أنجع الوسائل فى مخاطبة الفطرة البشرية ، حيث
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٨ .

٢٨
المجلد السابع
لفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة ، تدل على وحدانية
الله، وقدرته النافذة ، ورحمته السابغة بعباده.
ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله من عذاب للكافرين ، وما أعده من ثواب للطائعين ،
فقال - تعالى - :
إِنَّالَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَ نَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ
◌ِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ا أُوْلَكَ مَأْوَنَهُمُ
النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْرَ بُّهُم بِمَنِهِمّ تَجْرِى مِن
تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ التَّعِيمِ (١) دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ
ج
اَللَّهُمَّ وَتَحِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ وَءَآ خِرُ دَعْوَدِهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
١٠
رَبِّ الْعَلَمِينَ
قال الإمام الرازى: ((اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله
القادر الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده فى شرح أحوال
من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها)»(١) .
.والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء . والمعنى : إن الذين
لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا ﴿ورضوا بالحياة
الدنيا ﴾ رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها ، اطمئنانا
صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها ﴿والذين هم عن آياتنا ﴾ التنزيلية والكونية الدالة على
وحدانيتنا وقدرتنا ﴿ غافلون ﴾ بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما يدل عليه هذه الآيات من
عبر وعظات .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٣٨.

٢٩
سورة يونس
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة .
وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - تعالى - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب ،
ولا يخافون من عقاب، لإنكار الدار الآخرة .
ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا ، بأن أصبح همهم محصورا فيها ، وفى لذائذها
وشهواتها .
قال الإمام الرازى : واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية ،
وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى
من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها))(١).
ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة ، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ
له سواه ، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل
خير ، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا .
ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب ، وتهدى العقل ، وتحفز
النفس إلى التفكير والتدبير .
وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم
على أخراهم ، واستحبوا الضلالة على الهدى ، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير .
فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله : ﴿ أولئك مأواهم النار بما كانوا
یکسبون ﴾ .
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة ، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار
وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات .
هذه هى صفات هؤلاء الأشقياء ، وذلك هو جزاؤهم العادل ، أما السعداء فقد بين الله
- تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات
أى: آمنوا بما يجب الإيمان به ، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند
ريم .
يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح الى
غايتهم وهى الجنة .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٣٩.

٣٠
المجلد السابع
وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها ، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين
النار وبئس القرار ..
قال الإِمام ابن كثير : يحتمل أن تكون الباء فى قوله ﴿بإيمانهم ﴾ للسببية، فيكون
التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه
ويخلصوا إلى الجنة ، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم﴾:
أى : يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية : يمثل له عمله فى صورة حسنة
وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت ؟ فيقول أنا
عملك ، فیجعل له نوره من بین یدیه حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله - تعالى - ﴿ يهدیہم ربهم
بإيمانهم ﴾ . والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة . وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى
النار .. ))(١) .
وقوله : ﴿ تجرى من تحتهم الأنهار فى جنات النعيم ﴾ أى: تجرى من تحت منازلهم أو
مقاعدهم الأنهار ، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات ، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
وقوله : ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم:
سبحانك اللهم . فالدعوى هاهنا بمعنى الدعاء . يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى . كما يقال :
شكا يشكو شكاية وشكوى .
ولفظ سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه .
ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو (( يا)» جعلت هذه الميم
المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء .
قال الإمام الرازى: ((ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء ، أنهم قالوا : اللهم .
وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم . إنا نسبحك . كقول القانت فى دعاء
القنوت ((اللهم إياك نعبد)).
ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره قوله - تعالى -: ﴿وأعتزلكم وما
تدعون من دون الله﴾ أى: وما تعبدون ، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن
يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٨ .

٣١
سورة يونس
الابتهاج بذكر الله - تعالى - ))(١) .
وقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام﴾ معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة،
وأصلها أحياك الله حياة طيبة . والسلام : بمعنى السلامة من كل مكروه .
أى : دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم . وتحيتهم التى يحيون بها هى السلامة من .
كل مكروه .
وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - ﴿ تحيتهم يوم يلقونه
سلام ﴾(٢).
وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب .
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾(٢).
وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - ﴿ لا يسمعون فيها لغوا إلا
سلاما .. ﴾ (٤).
وقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ أى: وختام دعائهم يكون بقولهم:
الحمد لله رب العالمين .
قال الإمام القرطبى ما ملخصه: (( ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح
والحمد قد يسمى دعاء )).
روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله - يوليو - كان يقول عند الكرب: ((لا إله
إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات
والأرض ، ورب العرش الكريم )). قال الطبرى : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه
دعاء الكرب .
والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء ، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء ،
وإنما هو تعظيم الله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائي عن سعد بن أبى وقاص قال : قال
رسول الله - * -: ((دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك
إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له)).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٤٣.
( ٢) سورة الأحزاب الآية ٤٤ .
(٣) سورة الرعد الآيتان ٢٤، ٢٥.
( ٤ ) سورة مريم الآية ٦١ .

٣٢
المجلد السابع
ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة :
(١)
﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس ، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع
فقال - تعالى - :
:
وَلَوْ يُعَجِلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ
اُسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
لَيَرْجُونَ لِقَاءَ نَافِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١) وَإِذَا مَسَ
اَلْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْقَابِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَّمْيَدْ عُنَا إِلَى ضُرِّ مَّسَةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوايَعْمَلُونَ
١٢
قال صاحب المنار: (( هاتان الآيتان فى بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم فيما يعرض
لهم فى حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم بالحاجة إلى الله - تعالى -
واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها ، واستعجالهم الأمور قبل أوانها وهو تعريض بالمشركين ،
وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من أمر البعث ، متمم لما قبله ، ولذلك عطف
عليه (٢)
وقوله : ﴿ يعجل ﴾ من التعجيل بمعنى طلب الشىء قبل وقته المحدد له والاستعجال:
طلب التعجيل بالشىء .
والأجل : الوقت المحدد لانقضاء المدة . وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانتهاء
عمره .
(١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣١٣.
(٢) تفسير المنار جـ ١١ ص ٣١١.

٣٣
سورة يونس
والمراد بالناس هنا - عند عدد من المفسرين - : المشركون الذى وصفهم الله - تعالى -
قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .
ولقد حكى القرآن فى كثير من آياته، أن المشركين قد استعجلوا الرسول - وَاف - فى
نزول العذاب ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ، ولولا أجل مسمى
لجاءهم العذاب ، وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون . يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة
بالكافرين﴾(١)، وقوله - تعالى -: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك
فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾(٢).
والمعنى : ولو يعجل الله - تعالى - لهؤلاء المشركين العقوبة التى طلبوها ، تعجيلا مثل
استعجالهم الحصول على الخير ﴿ لقضى إليهم أجلهم ﴾ أى: لأميتوا وأهلكوا جميعاً، ولكن .
الله - تعالى - الرحيم بخلقه ، الحكيم فى أفعاله، لا يعجل لهم العقوبة التى طلبوها كما يعجل
لهم طلب الخير لحكمة هو يعلمها ؛ فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل فى
الإِسلام ، ويتبع الرسول - ﴿ - .
قال الإمام الرازى: ((فقد بين - سبحانه - فى هذه الآية : أنهم لا مصلحة لهم فى تعجيل
إيصال الشر إليهم ، لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، ولا صلاح
فى إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من أصلابهم من كان مؤمناً ، وذلك يقتضى أن
لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر)» (٣).
ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم ، وأن الآية الكريمة
تحكى لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم.
ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه فى تفسيرهم الإِمام ابن كثير ، فقد قال عند
تفسيره لهذه الآية : يخبر - تعالى - عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على
أنفسهم ، أو أموالهم أو أولادهم بالشر فى حال ضجرهم وغضبهم ، وأنه يعلم منهم عدم القصد
إلى إرادة ذلك ، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة ، كما يستجيب لهم إذا دعوا
لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء ، ولهذا قال: ﴿ولو يعجل الله
للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم .. ﴾ أى لو استجاب لهم جميع ما دعوه به
فى ذلك لأهلكهم .
(١) سورة العنكبوت الآيتان ٥٢، ٥٣ .
(٢) سورة الأنفال الآية ٤٢ .
(٣) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٤٨ طبعة عبد الرحمن محمد .
:

٣٤
المجلد السابع
ثم قال: ولكن لا ينبغى الإكثار من ذلك ، كما جاء فى الحديث الذى رواه الحافظ أبو بكر
البزار فى مسنده عن جابر قال: قال رسول الله - * -: ((لا تدعوا على أنفسكم ،
لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من اللّه ساعة فيها إجابة
فیستجيب لكم )) .
وقال مجاهد فى تفسير هذه الآية : هو قول الإِنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه : اللهم
لا تبارك فيه والعنه ، فلو يعجل لهم الاستجابة فى ذلك كما يستجاب لهم فى الخير لأهلكهم (١).
أما الإمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين، ورجح الأول منها فقال: ((قوله: ﴿ولو
يعجل الله للناس الشر ... ) وهم الذين لا يرجون لقاء الله - تعالى - المذكورون فى قوله:
إن الذين لا يرجون لقاءنا ... ﴾ والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذى كانوا يستعجلون به
تكذيبا واستهزاء ... ))، وأخرج ابن جرير عن قتادة: أنه قال: ((هو دعاء الرجل على
نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له ، وفيه حمل الناس على العموم ، والمختار الأول ، ويؤيده
ما قيل: من أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث حين قال: ((اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم))(٢).
والذى يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى ، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا ،
لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى لو صح ما قيل من أن الآية نزلت فى النضر بن
الحارث ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وقوله ﴿ استعجالهم بالخير ) منصوب على المصدرية، والأصل: ولو يعجل الله للناس
الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، فحذف تعجيلا وصفته المضافة ، وأقيم المضاف إليه
مقامها .
ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة فى عدم تعجيل العقوبة فقال : ﴿ فنذر الذين
لا يرجون لقاءنا فى طغيانهم يعمهون
والطغيان : مجاوزة الحد فى كل شىء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده .
ويعمهون : من العمه ، يقال: عمه - كفرح ومنع - عمها ، إذا تحير وتردد فهو عمه
وعامه .
أى : لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات ، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٩.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٧٩ .

٣٥
سورة يونس
القيامة ، على سبيل الإِمهال والاستدراج فى الدنيا فى طغيانهم يتحيرون ويترددون ، بحيث
تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر .
ثم صور - سبحانه - طبيعة الإِنسان فى حالتى العسر واليسر فقال: ﴿وإذا مس الإِنسان
الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما ، فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .. ﴾
والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .
والضر : ما يصيب الإنسان من سوء الحال فى نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ويشتهيه .
والمعنى: ﴿وإذا مس الإِنسان الضر﴾ عن طريق المرض أو الفقر أو غيرها ﴿ دعانا﴾
بإلحاح وتضرع لكى نكشفه عنه ، فهو تارة يدعونا وهو مضطجع على جنبه ، وتارة يدعونا وهو
قاعد ، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه .
فلما كشفنا عنه ضره﴾ وما أصابه من سوء ﴿مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ أى:
مضى واستمر فى غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب ، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح
لکشفها .
وخص - سبحانه - هذه الأحوال بالذكر ، لعدم خلو الإِنسان عنها فى العادة .
وقيل : يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار ، لأنها قد تكون خفيفة فيدعو
الله وهو قائم ، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد ، وقد تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: (( فإن قلت : فما فائدة ذكر
هذه الأحوال ؟
قلت : معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو
يدعونا فى حالاته كلها ، سواء أكان منبطحا عاجزاً عن النهوض ، أم كان قاعداً لا يقدر على
القيام ، أم كان قائما لا يطيق المشى .
ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش ، ومنهم من هو
أخف ، وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام ، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء
واستدفاع البلاء، لأن الإِنسان للجنس .. )) (١) .
وفى التعبير بالمس إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى ولو كان يسيراً فإنه لا يترك الدعاء
والابتهال إلى الله بأن يكشفه عنه .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٨٢ .

٣٦
المجلد السابع
وقوله ﴿ لجنبه﴾ فى موضع الحال من فاعل ﴿ دعانا﴾ و﴿ أو﴾ لتنويع الأحوال، أو
لأصناف المضار .
والتعبير بقوله - سبحانه - ﴿ مر ) يمثل أدق تصوير لطبيعة الإنسان الذى يدعو الله
عند البلاء ، وينساه عند الرخاء ، فهو فى حالة البلاء يدعو الله فى كل الأحوال ، فإذا
ما انكشف عنه البلاء مر واندفع فى تيار الحياة . يدون كابح ، ولا زاجر ، ولا مبالاة ، وبدون
توقف ليتدبر أو ليعتبر ..
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ أى : كما
زين لهذا الإِنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء ، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين
لحدود الله ، ماكانوا يعملونه من إعراض عن ذكره ، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه فى
کونه .
قال الآلوسى: ((وفى الآية ذم لمن يترك الدعاء فى الرخاء ، وبهرع إليه فى الشدة، واللائق
بحال العاقل التضرع إلى مولاه فى السراء والضراء ، فإن ذلك أرجى للإِجابة . ففى الحديث
الشريف: ((تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة)).
وأخرج أبو الشيخ عن أبى الدرداء قال : ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك .
وفى حديث للترمذى عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد ((من
سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب ، فليكثر من الدعاء عند الرخاء)) (١).
وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (( وقد ذم اللّه - تعالى - من هذه طريقته
وصفته فى الدعاء . أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من
ذلك، - لأنه يدعو الله فى الشدة والرخاء -، وفى الحديث الشريف: ((عجبا لأمر المؤمن
لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيراً له : إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن أصابته
سراء فشكر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)) (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - جانباً من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه . أتبع ذلك ببيان
مصير الأمم الظالمة ليكون فى ذلك عبرة وعظة فقال - تعالى - :
-
(١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٨٠.
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٩ .
-- -.

٣٧
سورة يونس
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ
مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَ تُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّنَتِ وَمَاكَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ، ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ
خَلَيِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِ هِمْ لِمَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
١٤
والخطاب فى قوله: ﴿ ولقد أهلكنا .. ﴾ لأهل مكة الذين كانوا معاصرين
للنبى - * - ومناوئين لدعوته ، ويدخل فيه غيرهم ممن يصلح للخطاب على سبيل التبع .
والقرون جمع قرن . والقرن - كما يقول القرطبى - الأمة من الناس ،
قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم وخلفت فى قرن فأنت غريب
فالقرن كل عالم فى عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أى : عالم مقترن بعضهم إلى بعض .
وفى الحديث الشريف: (( خير القرون قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم)).
فالقرن على هذا مدة من الزمان . قيل : ستون عاما ، وقيل سبعون ، وقيل ثمانون ،
وقيل : مائة سنة ، وعليه أكثر أصحاب الحديث ، أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن
النبى - * - قال لعبد الله بن بسر: ((تعيش قرنا)) فعاش مائة سنة (١).
و ﴿ لما﴾ ظرف بمعنى حين، وهو متعلق بقوله ﴿ أهلكنا﴾.
والمعنى : ولقد أهلكنا أهل القرون السابقة عليكم يا أهل مكة . حين استمروا فى ظلمهم
وعنادهم ، وحين أصروا على كفرهم بعد أن جاءتهم رسلهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله ،
وعلى صدقهم فيها يبلغونه عن ربهم ، فعليكم - أيها الغافلون - أن تتوبوا إلى رشدكم ، وأن
تتبعوا الحق الذى جاءكم به نبيكم كى لا يصيبكم ما أصاب الظالمين من قبلكم .
وقوله : ﴿ وجاءتهم رسلهم بالبينات) يدل على إفراط أولئك المهلكين فى الظلم،
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٩٤ .

٣٨
المجلد السابع
وبلوغهم فيه أقصى الغايات ، لأنهم مع وضوح الشواهد على صدق الرسل ، استمروا فى
جحودهم وظلمهم .
وقوله: ﴿وما كانوا ليؤمنوا﴾ معطوف على ﴿ظلموا﴾. أى: أهلكنا أهل القرون
السابقين عليكم حين استمروا على ظلمهم، وحين علم الله - تعالى - منهم الإصرار على
الكفر ، فإهلاكهم كان بسبب مجموع هذين الأمرين .
وقوله : ﴿ كذلك نجزى القوم المجرمين ) تذييل قصد به التهديد والوعيد.
أى : مثل ذلك الجزاء الأليم وهو إهلاك الظالمين ، نجزى القوم المجرمين فى كل زمان
ومكان .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ﴾
معطوف على قوله ﴿ أهلكنا ﴾ .
والخلائف جمع خليفة . وهو كل من يخلف غيره ويأتى من بعده .
أى: ثم جعلناكم أيها المكلفون باتباع النبى - * - خلفاء فى الأرض من بعد أولئك
الأقوام المهلكين لنرى ونشاهد ونعلم أى عمل تعملون فى خلافتكم فنجازيكم على ذلك بالجزاء
المناسب الذى تقتضيه حكمتنا وإرادتنا، و﴿ كيف ﴾ مفعول مطلق لـ ﴿تعملون﴾
لا ﴿ لننظر﴾ لأن الاستفهام له الصدارة ، فلا يعمل فيه ما قبله .
قال الآلوسى : واستعمال النظر بمعنى العلم مجاز ، حيث شبه بنظر الناظر . وعيان المعاين فى
تحققه . والمراد نعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم ليجازيكم بحسبها ، كقوله - تعالى -
ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾(١).
قال قتادة : صدق الله ربنا ، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا ، فأروا الله من أعمالكم
خيرا ، بالليل والنهار .
ثم حكى - سبحانه - بعض المقترحات الفاسدة التى اقترحها المشركون على
النبى - وَلجر - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٨٣ .
-٠.ج٪.
٠٠

٣٩
سورة يونس
وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
لِقَاءَ نَا أَتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيّ
أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآٍ نَفْسِىّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَى إِنِّ
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ بَوْمٍ عَظِيمٍ ) قُل لَّوْشَآءَ
اللَّهُ مَا تَلَوّتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنَكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِئْتُ
فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١) فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِتَابَتِهِ إِنَّهُ
لَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
١٧
قال الآلوسى ما ملخصه: ((عن مقاتل قال: إن الآية ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا ..
نزلت فى جماعة من قريش قالوا للنبى -# - إن كنت تريد أن نؤمن لك ، فأت بقرآن
ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى وليس فيه ما يعيبها . وإن لم ينزل الله - تعالى - عليك
ذلك فقل أنت هذا من نفسك ، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، ومكان حرام
حلالا ، ومكان حلال حراما ، (١) .
والمعنى : وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة المنزلة عليك - يا محمد - قالوا
على سبيل العناد والحسد: انت بقرآن آخر سوى هذا القرآن الذى تتلوه علينا ، أو بدله بأن
تجعل مكان الآية التى فيها سب لآلهتنا ، آية أخرى فيها مدح لها .
وفى الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إظهاراً للإِعراض عنهم ، حتى لكأنهم
غير حاضرين ، وغير أهل لتوجيه الخطاب إليهم .
والمراد بالآيات : الآيات القرآنية الدالة على وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق
· الرسول -# - فيما يبلغه عن ربه، وأضافها - سبحانه - إليه على سبيل التشريف
. (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٨٥.

٤٠
المجلد السابع
والتعظيم ، وأسند التلاوة إلى الآيات بصيغة المبنى للمفعول ، للإشارة إلى أن هذه الآيات
لوضوجها ، ولمعرفتهم التامة لتاليها، صارت بغير حاجة إلى تعيين تاليها - دولز - .
قال صاحب الكشاف: (( فإن قلت : فإذا كان غرضهم - وهم أدهى الناس وأمكرهم -
فى هذا الاقتراح ؟
قلت : الكيد والمكر . أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على
مثله ، فأبدل مكانه آخر ، وأما اقتراح التبديل والتغيير فللطمع ولاختبار الحال ، وأنه إذا وجد
منه تبديل ، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم منه أوْ لا يهلكه فيسخروا منه ، ويجعلوا التبديل حجة
عليه ، وتصحيحا لافترائه على اللّه)) (١) .
وقوله: ﴿ قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ إنى أخاف
إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ هذا القول أمر من الله - تعالى - لرسوله - صل * - بأن
يرد عليهم بما يزهق باطلهم .
وكلمة ﴿ تلقاء ﴾ مصدر من اللقاء كتبيان من البيان، وكسر التاء فيهما سماعى، والقياس
فى هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال .
والمعنى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ : لا يصح لى بحال من
الأحوال ، أن أبدل هذا القرآن من عند نفسى ومن جهتها ؛ وإنما أنا أبلغكم ما أنزل الله على
منه ، بدون زيادة أو نقصان ، أو تغيير أو تبديل .
وقوله: ﴿ إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ تعليل لمضمون ما قبله من
امتناع الإتيان بغيره أو تبديله ، والاقتصار على اتباع الوحى .
أى: إنى أخاف إن عصيت ربى أية معصية ، عذاب يوم عظيم الهول ، وإذا كان شأنى أن
أخشاه - سبحانه - من أية معصية ولو كانت صغيرة ، فكيف لا أخشاه إن عصيت بتبديل
كلامه استجابة لأهوائكم ؟
ثم لقن الله - تعالى - رسوله - ﴿ - رداً آخر عليهم ، زيادة فى تسفيه أفكارهم
فقال - تعالى -: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً
من قبله أفلا تعقلون) وقوله: ﴿ولا أدراكم به) بمعنى ولا أعلمكم وأخبركم به، أى:
بهذا القرآن . يقال : دريت الشىء وأدرانى الله به، أى أعلمنى وأخبرنى به .
وأدرى فعل ماض ، وفاعله مستتر يعود على الله - عز وجل - والكاف مفعول به .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٩ .