النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة الأنفال
تخرج أو تردد، فإن معاتبتهم على أخذ الفداء قبل ذلك جعلتهم يترددون فى الانتفاع به
وبما غنموه من أعدائهم .
ثم أمرت السورة النبى - ﴿ - أن يخبر الأسرى بأنهم إذا ما فتحوا قلوبهم للحق
واستجابوا له ، - سبحانه - سيعوضهم عما فقدوه خيرًا منه ، أما إذا استمروا فى كفرهم
وعنادهم فإن الدائرة ستدور عليهم. استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذا المعنى بأسلوبها
البليغ فتقول :
يَأَيُّهَا النَّقُل لِمَنْ فِى أَبْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَ إِن يَعْلَمِالله
فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمََّ أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ
﴾ وَإِن يُرِيدُ وَأْخِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ
٧٠
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ
اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ )
قال : ابن كثير : عن الزهرى عن جماعة سماهم قالوا : بعثت قريش إلى رسول الله
- بَير - فى فداء أسراهم ، فقدى كل قوم أسيرهم بما رضوا .
وقال العباس: يارسول الله! قد كنت مسلمًا! فقال رسول اللّه - وَله -: «الله أعلم
بإسلامك ، فإن يكن كما تقول ، فإن الله يجزيك. وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك
وابنى أخيك نوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبى طالب ، وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى
الحارث بن فهر)).
قال العباس: ما ذاك عندى يارسول الله، فقال له رسول الله - صل18 - «فأين المال
الذى دفنته أنت وأم الفضل ، فقلت لها : إن أصبت فى سفرى هذا فهذا المال الذى دفنته
لبنىّ: الفضل، وعبد الله، وقثم))؟
قال: والله يارسول الله إنى لأعلم أنك رسول الله. إن هذا الشىء ما علمه أحد غيرى
وغير أم الفضل ، فاحسب لى يارسول الله ما أصبتم منى : - عشرين أوقية من مال كان
معى - .
فقال رسول الله - وليه -: ((لا، ذاك شىء أعطانا الله منك)).
فقدى نفسه وابنى أخويه وحليفه . فأنزل الله - تعالى - فيه ﴿ يأيها النبي قل لمن فى
أيديكم من الأسرى ... ﴾ الآية

١٦٢
المجلد السادس
قال العباس : فأعطانى اللّه مكان العشرين الأوقية فى الإِسلام ، عشرين عبدًا كلهم فى يده
مال يضرب به . مع ما أرجو من مغفرة الله - تعالى - (١) .
وفى صحيح البخارى عن أنس : أن رجالاً من الأنصار قالوا : يارسول اللّه ائذن لنا
فلنترك لابن أختنا عباس فداءه .
فقال - * -: ((لا والله! لا تذرون منه درهما)). هذا، والآية الكريمة وإن كانت قد
نزلت فى العباس إلا أنها عامة فى جميع الأسرى ؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب ، ولأن الخطاب فيها موجه إلى سائر الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر .
والمعنى: ﴿يأيها النبي قل لمن فى أيديكم ﴾ أى: قل للذين تحت تصرف أيديكم ﴿ من
الأسرى ﴾ أى : من أسرى المشركين فى بدر الذين أخذتم منهم الفداء لتطلقوا سراحهم.
قل لهم - أيها النبى الكريم - ﴿إن يعلم الله فى قلوبكم خيرًا﴾ أى: إيمانًا وتصديقًا
وعزمًا على اتباع الحق ونبذ الكفر والعناد .. إن يعلم الله - تعالى - منكم ذلك ﴿يؤتكم خيرًا
مما أخذ منكم ﴾ من فداء ، بأن يخلفه عليكم فى الدنيا، وبمنحكم الثواب الجزيل فى الآخرة .
ولقد صدق الله - تعالى - وعده مع من آمن وعمل صالحما من هؤلاء الأسرى ، فأعطاهم
الكثير من نعمه كما قال العباس - رضى الله عنه -
وقوله : ﴿ويغفر لكم ﴾ زيادة فى حضهم على الدخول فى الإِيمان.
وقوله: ﴿ والله غفور رحيم﴾ تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الوعد بالخير والمغفرة.
أى : والله - تعالى - واسع المغفرة، والرحمة لمن استجاب للحق ، وقدم العمل الصالح .
والتعبير ، بقوله: ﴿ لمن فى أيديكم ﴾ للإشعار بأن هؤلاء الأسرى المشركين قد صاروا فى
قبضة المؤمنين وتحت تصرفهم ، حتى لكأن أيديهم قابضة عليهم .
وأسند وجود الخير فى قلوبهم إلى علم الله - تعالى - للإشارة إلى أن ادعاء الإِيمان باللسان
فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذى فقدوه ولا يوصلهم إلى مغفرة الله - تعالى -
فعليهم أن يخلصوا لله فى إيمانهم حتى ينالوا فضله وثوابه ، فهو - سبحانه - عليم بذات
الصدور .
وقوله: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم﴾. إنذار لهم بسوء
المصير إذا مالجوا فى عنادهم وغدرهم ، وبشارة من اللّه - تعالى - لرسوله والمؤمنين بأن العاقبة
ستكون لهم .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٨.

١٦٣
سورة الأنفال
أى : وإن يرد هؤلاء الأسرى نقض عهودهم معك - يا محمد - والاستمرار فى محاربتك
ومعاداتك .. فلا تهتم بهم ، ولا تجزع من خيانتهم فهم قد خانوا الله - تعالى - من قبل هذه
الغزوة بكفرهم وجحودهم لنعمه فكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم ، وأظفرك بهم ، وسينصرك
عليهم بعد ذلك كما نصرك عليهم فى بدر ، والله - تعالى - عليم بما يسرونه وما يعلنونه ،
حكيم فى تدبيره وصنعه .
فالآية الكريمة إنذار للأسرى إذا ما استحبوا العمى على الهدى ، وتبشير للرسول
-٥ - بأن خيانتهم سيكون وبالها عليهم .
قال الفخر الرازى : وقوله ﴿ فأمكن منهم ﴾ قال الأزهرى: يقال أمكننى الأمر يمكننى
فهو ممكن ومفعول الإِمكان محذوف .
والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، أى: أنهم خانوا اللّه بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم
بدر . فأمكن الله منهم قتلا وأسرا ، وذلك نهاية الإمكان والظفر . فنيه اللّه بذلك على أنهم قد
ذاقوا وبال ما فعلوه ، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتًا حاصلاً ، وفيه بشارة للرسول
- * - أنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده))(١) .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التى حدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتى :
١ - أن على المؤمنين فى كل زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصًا لوجه الله ومن أجل
إعلاء كلمته ونصرة دينه ، وذلك بأن يبالغوا فى قتال أعدائه وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازًا
للحق ، وأن يؤثروا كل ذلك على أعراض الدنيا ومتعها .
٢ - أن أخذ الفداء من الأسرى لا شىء فيه فى ذاته ، وإنما عاتب الله المؤمنين على أخذه
من أسرى بدر ، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى بين المؤمنين والمشركين ، وكان إذلال
المشركين فيها عن طريق المبالغة فى قتلهم أهم من أخذ الفداء منهم ، وأظهر فى كسر شوكتهم ،
وعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين .
قال ابن كثير . وقد استقر الحكم فى الأسرى عند جمهور العلماء ، أن الإِمام مخير فيهم ،
إن شاء قتل - كما فعل ببنى قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو من
أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله - * - فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا فى سبى
سلمة بن الأكوع ، حيث ردهما وأخذ فى مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين ،
وإن شاء استرق من أسر .
( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ٢٠٦.

١٦٤
المجلد السادس
هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من العلماء ، وفى المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر فى
موضعه »(١) .
٣ - أن الذين شهدوا بدرًا من المسلمين كانت لهم مكانتهم السامية ، ومنزلتهم العالية ،
عند الله - تعالى - .
ومما يدل على ذلك أنه - سبحانه - عفا عن خطئهم فى أخذ الفداء من الأسرى ثم زادهم
فضلاً ومنة فجعل غنائم الحرب حلالا لهم ، بعد أن كانت محرمة على أتباع الرسل السابقين .
ففى البخارى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صل﴾ - «أعطيت خمسا لم
يعطهن أحد من الأنبياء قبلى . نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورًا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى ،
وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))(٢).
٤ - أن الإِسلام لا يستبقى الأسرى لديه للإِذلال والقهر والاستغلال، وإنما يستبقيهم
ليوقظ فى فطرتهم نور الحق الذى باتباعه يعوضهم الله عما أخذ منهم فى الدنيا ، ويمنحهم ثوابه
ومغفرته فى الآخرة .
أما إذا استمروا فى عداوتهم للحق ، فان الدائرة ستدور عليهم .
٥ - أن الإِيمان لا يكون صحيحا إلا إذا صاحبه التصديق والإِذعان .
قال ابن العربى : لما أسر من أسر من المشركين فى بدر ، تكلم قوم منهم بالإِسلام ، ولم
يمضوا فيه عزيمة ، ولا اعترفوا به اعترافا جازما ، ويشبه أنهم أرادوا أن يتقربوا من المسلمين
ولا يبعدوا عن المشركين فنزلت الآية : ﴿يأيها النبي قل لمن فى أيديكم من الأسرى .. ﴾
الآية .
قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإِيمان فى قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا ،
وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التى لا يقدر المرء على
دفعها ، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها .
وقد بين اللّه لرسوله - بصل - الحقيقة فقال: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ أى إن كان هذا
القول منهم خيانة ومكرا ﴿فقد خانوا اللّه من قبل﴾ بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك،
فأمكنك منهم . وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم ، ويعوضهم خيرا مما
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٧ .
(٢) صحيح البخارى ((باب التيمم)) جـ ١ ص ٩١ .

١٦٥
سورة الأنفال
أخذ منهم ، ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم(١) .
ثم ختم الله - تعالى - سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم ببعض ، وعن
علاقتهم بغيرهم من الكفار وعن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات
فقال - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ
ءَمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَالَّذِينَ
ءَمَنُوا وَلَمْيُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواً
وَإِنِ اسْتَنَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْهِكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمِ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَقُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوَلِيَآءُ بَعْضِ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى
الْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرٌ ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ (*) وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ
بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْالْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٧٥
هذه الآيات الكريمة التى ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال ، وضحت أن المؤمنين فى
العهد النبوى أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم .
( ١) أحكام القرآن لابن العربى جـ ٢ ص ٧٨٤ طبعة عيسى الحلبى الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧ م .

١٦٦
المجلد السادس
أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى .
وأما القسم الثانى : فهم الأنصار من أهل المدينة .
والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا .
والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .
وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثانى بقوله: ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا
وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا ... ﴾.
أى: ﴿إن الذين آمنوا﴾ بالله - تعالى - حق الإيمان ﴿وهاجروا﴾ أى تركوا ديارهم
وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا . من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن
أجل نشر دين الله فى الأرض ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله﴾ أى: أنهم مع
إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء لله - تعالى - ، قد بالغوا فى إتعاب أنفسهم من أجل
نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا فى سبيل عرض من
أعراض الدنيا ، وإنما فى سبيل مرضاة الله ونصرة دينه .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من المؤمنين وهم الذين سبقوا إلى
الهجرة . بأعظم الصفات وأكرمها .
فقد وصفهم بالإِيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرارا بدينهم من الفتن ، وبالمجاهدة بالمال
والنفس فى سبيل إعلاء كلمة الله .
وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو
الإِيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد .
ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر
وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لاتتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .
وقوله ﴿ فى سبيل الله﴾ متعلق بقوله ﴿جاهدوا﴾ لإبراز أن جهادهم لم يكن لأى
غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه -
وقوله: ﴿والذين آووا ونصروا﴾ بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين فى العهد
النبوى ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن
استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أنفسهم ، ونصروهم .
على أعدائهم .
فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين .
أولهما : الإيواء الذى يتضمن معنى التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو الملجأ والمأمن مما

١٦٧
سورة الأنفال
يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ... ﴾ (١) ، وقوله -..
تعالى - ﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ... ﴾(٢).
ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان أهلها مثالا للكرم والإِيثار ...
ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - * - والمهاجرين بكل ما
يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل
الله - تعالى - حكمهم وحكم المهاجرين واحدا فقال: ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض﴾.
فاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الأنصار .
وقوله : ﴿ أولياء) جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب ...
والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التى تتناول التناصر والتعاون والتوارث ..
أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا فى النصرة
والمعاونة والتوارث .. وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة .
قال الالوسى ما ملخصه: ((روى عن ابن عباس أن النبى - ◌َ لي - آخى بين المهاجرين
والأنصار، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى
وبالعكس ، واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة ..
وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى
كتاب الله .. ﴾ .
وقال الأصم : الآية محكمة ، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة(٣).
والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون
وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك ..
وقوله - تعالى -: ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى
يها جروا .. ﴾ بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى ..
أى : هذا الذى ذكرته لكم قبل ذلك فى الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذى
آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم المقيمون فى أرض الشرك تحت
سلطان المشركين وحكمهم . فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث ﴿ حتى
يها جروا﴾ إلى المدينة، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم
(١) سورة الكهف الآية ١٠.
(٢ ) سورة يوسف الآية ٦٩ .
( ٣) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣٧ .
:

١٦٨
المجلد السادس
بسبب إقامتهم فى أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم .
ثم قال - تعالى: ﴿وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم
﴾ .
میثاق
أى : وان طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم فى الدين ،
فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم فى العقيدة ، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء
الأعداء عهد ومهادئة ، فإنكم فى هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم
يهاجروا ، لأن فى نصرتهم - على من بينكم وبينهم عهد - نقضا لهذا العهد .
أى : إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربيين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل
على رعاية الإِسلام للعهود ، واحترامه للشروط والعقود .
قال الجمل : أثبت الله - تعالى - للقسمين الأولين النصرة والإِرث ، ونفى عن هذا القسم
الإِرث وأثبت له النصرة(١).
وقوله: ﴿ والله بما تعملون بصير﴾ تذييل قصد به الترغيب فى طاعة الله، والتحذير من
معصيته .
أى: والله - تعالى - مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه ، ولا تخالفوا أمره .
قبل أن تذكر السورة القسم الرابع من أقسام المؤمنين ، تتحدث عن ولاية الكفار بعضهم
لبعض فتقول: ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد
کبیر
أى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فى النصرة والتعاون على قتالكم وإيذائكم - أيها
المؤمنون - فهم وإن اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم يتفقون على عداوتكم وإنزال الأضرار بكم .
وقوله : ﴿ إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ) تحذير شديد للمؤمنين عن مخالفة
أمره - سبحانه - .
أى: إلا تفعلوا - أيها المؤمنون - ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى بعضكم
بعضا ، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار ، تحصل فتنة كبيرة فى الأرض ، ومفسدة شديدة
فيها ، لأنكم إذا لم تصيروا يداً واحدة على الشرك ، يضعف شأنكم ، وتذهب ريحكم ، وتسفك
دماؤكم ويتطاول أعداؤكم عليكم ، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم ..
وبذلك تعم الفتنة ، وينتشر الفساد .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٥٩ .

١٦٩
سورة الأنفال
وقوله - تعالى - ﴿ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله والذين آووا ونصروا ،
أولئك هم المؤمنون حقا .. ﴾ كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة
للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار .
إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله - تعالى - لايجاب التواصل
بينهم ، أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه - للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق
الايمان وأكمله ، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك ، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده .
قال الفخر الرازى: أثنى الله - تعالى - على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه :
أولها - قوله: ﴿ أولئك هم المؤمنون حقا) فإن هذه الجملة تفيد المبالغة فى مدحهم،
حيث وصفهم بكونهم محقين فى طريق الدين .
وقد كانوا كذلك ، لأن من لم يكن محقا فى دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق
الأهل والوطن ، ولم يبذل النفس والمال .
!
وثانيها - قوله: ﴿ لهم مغفرة﴾ والتنكير يدل على الكمال، أى: مغفرة تامة كاملة.
وثالثها - قوله : ﴿ ورزق كريم﴾ والمراد منه الثواب الرفيع.
والحاصل : أنه - سبحانه - شرح أحوالهم فى الدنيا والآخرة . أما فى الدنيا فقد وصفهم
بقوله : ﴿ أولئك هم المؤمنون حقا ﴾.
وأما فى الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب .
أما دفع العقاب فهو المراد بقوله ﴿لهم مغفرة ... ﴾ وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله
ورزق كريم ﴾(١) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان القسم الرابع من أقسام المؤمنين فى العهد
النبوى فقال: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم .. ﴾.
أى: والذين آمنوا من بعد المؤمنين السابقين إلى الايمان والهجرة ، وهاجروا إلى المدينة ،
وجاهدوا مع المهاجرين السابقين والأنصار من أجل إعلاء كلمة الله ، فأولئك الذين هذا شأنهم
منكم﴾ أى: من جملتكم - أيها المهاجرون والأنصار فى استحقاق الموالاة والنصرة ،
واستحقاق الأجر من الله ، إلا أن هذا الأجر ينقص عن أجركم ، لأنه لا يتساوى السابق فى
الإِيمان والهجرة والجهاد مع المتأخر فى ذلك .
قالوا : والمراد بهذا القسم الرابع من أقسام المؤمنين ، أهل الهجرة الثانية التى وقعت بعد
( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ٢١٢ .

١٧٠
المجلد السادس
الهجرة الأولى ، وقيل المراد بهذا القسم المهاجرون بعد صلح الحديبية ، أو بعد غزوة بدر ، أو
بعد نزول هذه الآية، فيكون الفعل الماضى ﴿ آمنوا﴾ وما بعده بمعنى المستقبل.
وقوله: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله .. ﴾ بيان لحقوق الأقارب
بالنسب
والأرحام جمع رحم ، وأصله رحم المرأة الذى هو موضع تكوين الولد فى بطنها ، وسمى به
الأقارب ، لأنهم فى الغالب من رحم واحدة وأولو الأرحام فى اصطلاح علماء الفرائض : هم
الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب .
أى : وذوو القرابة بعضهم أولى فى التوارث وفى غير ذلك مما تقتضيه مطالب الحياة من
التكافل والتراحم .
وقوله : ﴿ فى كتاب الله﴾ أى: فى حكمه الذى كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به
عليهم صلة الأرحام فى هذه الآية وغيرها .
قال الآلوسى: ((أخرج الطيالسى والطبرانى وغيرهما عن ابن عباس قال : آخى رسول
الله - - بين أصحابه ، وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك
وتوارثوا بالنسب))(١) .
أى أن هذه الآية الكريمة نسخت ما كان بين المهاجرين والانصار من التوارث بسبب
الهجرة والمؤاخاة .
وقوله : ﴿ إن اللّه بكل شىء عليم) تذييل ختمت به السورة الكريمة لحض المؤمنين على
التمسك بما اشتملت عليه من آداب وتشريعات وأحكام لينالوا رضاه وثوابه .
أى: إن الله - تعالى - مطلع على كل شىء مما يدور ويجرى فى هذا الكون ، ولا يخفى
عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجازى الذين
أحسنوا بالحسنى .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المهاجرين والأنصار مدحا عظيما ، كما مدحت
المؤمنين من بعدهم ، وحضت على الجهاد فى سبيل الله ، وأمرت بالوفاء بالعهود ، وبالوقوف
صفا واحدا فى وجه الكفار حتى تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى .
وبعد : فهذا ما وفق الله إليه فى تفسير سورة الأنفال ، أو سورة بدر - كما سماها ابن
عباس - لأنها تحدثت باستفاضة عن أحداث هذه الغزوة وعن أحوال المشتركين فيها ، وعن
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣٩.
٢ سه.

١٧١
سورة الأنفال
بشارات النصر التى تقدمتها وصاحبتها وعن غنائمها وأسراها .
كما تحدثت عن صفات المؤمنين الصادقين ، وعن الأقوال والأعمال التى يجب عليهم أن
يتمسكوا بها لينالوا رضا الله ونصره ، وعن رذائل المشركين ومسالكهم القبيحة لمحاربة الدعوة
الاسلامية ، وعن المبادىء التى يجب أن يسير عليها المسلمون فى حربهم وسلمهم ، وعن سنن
الله فى خلقه التى لا تتغير ولا تتبدل ، والتى من أهمها:
أنه - سبحانه - لا يسلب نعمة عن قوم إلا بسبب معاصيهم وتنكبهم الطريق القويم ،
قال - تعالى -: ﴿ ذلك بأن اللّه لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم ﴾ .
وأنه - سبحانه - قد جعل العاقبة الحسنة للمؤمنين ، والعاقبة السيئة للفاسقين ، وأخبر
المنحرفين عن صراطه بأنه سيغفر لهم ما سلف من خطاياهم متى أقلعوا عنها ، وأخلصوا له
العبادة .
قال - تعالى - ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت
سنة الأولين ، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، فإن انتهوا فإن الله بما
يعملون بصير ، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير ﴾ .
وختاما : نسأل الله - تعالى - أن يوفقنا للمداومة على خدمة كتابه ، وأن يهىء لنا من
أمرنا رشدا ، وأن يتمم لنا نورنا ويغفر لنا إنه على كل شىء قدير .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
د . محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية

تفسير
١
◌ُوْرَةِ التّوَيَّةُ

مقدّمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا تفسير تحليلى لسورة التوبة ، توخيت فيه أن أبرز ما اشتملت عليه السورة
الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وهدايات شاملة ، وحكم جليلة ، وتراكيب
بليغة ..
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، ونافعًا لعباده ، وشفيعًا لنا عنده -
سبحانه - يوم نلقاه ، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تحريرًا فى ١٩ من شوال سنة ١٣٩٥ هـ
الموافق ٢٤ من أكتوبر سنة ١٩٧٥ م
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى
مے

١٧٧
مقدمة
تمهيد بين يدى تفسير سورة التوبة
نقصد بهذا التمهيد - كما سبق أن بينا فى تفسير السور السابقة - إعطاء القارىء صورة
واضحة عن السورة التى سنفسرها قبل أن نبدأ فى تفسيرها آية آية . فنقول :
١ - سورة التوبة هى السورة التاسعة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور الفاتحة ،
والبقرة ، وآل عمران، والنساء، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف، والأنفال .
٢ - وعدد آياتها مائة وتسعة وعشرون آية عند الكوفيين . ومائة وثلاثون آية عند جمهور
العلماء.
٣ - أسماؤها :
عرفت هذه السورة منذ العهد النبوى بجملة من الأسماء منها :
( ١) التوبة : وسميت بهذا الاسم لتكرار الحديث فيها عن التوبة والتائبين ومن ذلك قوله
- تعالى -: ﴿ فإن تبتم فهو خير لكم ... ﴾(١).
وقوله - تعالى - : ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين
(٢)
.
وقوله - تعالى -: ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾(٣).
وقوله - تعالى -: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئًا عسى الله
أن يتوب عليهم ... ﴾(٤).
وقوله - تعالى -: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ... ﴾(٥).
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التى تكررت فى هذه السورة عن التوبة والتائبين .
( ب ) براءة: وسميت بذلك لافتتاحها بقوله - سبحانه -: ﴿براءة من الله ورسوله
إلى الذين عاهدتم من المشركين ... ﴾ .
وهذان الاسمان - التوبة وبراءة - هما أشهر أسماء هذه السورة الكريمة .
( جـ ) الفاضحة: وسميت بهذا الاسم لحديثها المستفيض عن المنافقين وصفاتهم
وأحوالهم .. وفضيحتهم على رءوس الأشهاد .
(١) الآية ٣ .
( ٢ ) الآية ١١ .
( ٣ ) الآية ٢٧ .
( ٤) الآية ١٠٢ .
( ٥ ) الآية ١٠٦ .

١٧٨
المجلد السادس
أخرج البخارى عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة قال : التوبة
هى الفاضحة . ما زالت تنزل : ومنهم ومنهم ، حتى ظنوا أنها لن تبقى أحدًا منهم إلا ذكر
فيها(١) .
(د) المنقرة : وسميت بذلك، لأنها نقرت عما فى قلوب المنافقين والمشركين فكشفت
عنه ، وأظهرته للناس .
٠١
( هـ ) المثيرة : وسميت بهذا الاسم ، لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم . أى : أخرجتها من
الخفاء إلى الظهور .
( و) المبعثرة : لأنها بعثرت أسرارهم . أى بينتها وعرفتها للمؤمنين.
(ز ) المدمرة : أى المهلكة لهم .
إلى غير ذلك من الأسماء التى اشتهرت بها هذه السورة الكريمة(٢).
هذا ، وليس فى سور القرآن الكريم أكثر أسماء منها ومن سورة الفاتحة .
٤ - زمان ومكان نزولها :
قال ابن كثير: هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله - صل فه - كمال قال
البخارى ... ))(٣) .
وقال صاحب المنار : هى مدنية بالاتفاق . وقيل: إلا قوله - تعالى - ﴿ ما كان للنبى
والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى ... ) الآية وذلك لما روى فى
الحديث المتفق عليه من نزولها فى النهى عن استغفاره - * - لعمه أبى طالب - كما سيأتى
تفصيله عند تفسيرها .
ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك ، وبما يقوله العلماء فى مثل هذا المقام من
جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة فى أثناء السورة .
واستثنى ابن الفرس قوله - تعالى - ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... ﴾ إلى آخر
الآيتين اللتين فى آخرها ؛ فزعموا أنهما مكيتان .
ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ فى تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين من آخر
ما نزل من القرآن ، كما يرده أيضًا قول الكثيرين من أن هذه السورة نزلت تامة .
(١) صحيح البخارى: جـ ٦ ص ١٨٣ - طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ .
(٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣٦. الطباعة المنيرية الطبعة الثانية .
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٣١ . طبعة عيسى الحلبى .

١٧٩
مقدمة
وما يعارض هذا مما ورد فى أسباب نزول بعض الآيات ، يجاب عنه بأن أكثر ما روى فى
أسباب النزول ، كان يراد به أن الآية نزلت فى حكم كذا . أعنى أن الرواة كانوا يذكرونها
كثيرًا فى مقام الاستدلال . وهذا لا يدل على نزولها وحدها ، ولا على كون النزول كان عند
حدوث ما استدل بها عليه ، كما قلنا آنفا فى احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين فى
المدينة ، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة))(١).
وقال بعض العلماء : ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ، ومراجعة ما جاء فى
الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ، ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك ..
يتبين أن السورة بجملتها نزلت فى العام التاسع من الهجرة . ولكنها لم تنزل دفعة واحدة .
ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التى نزلت فيها مقاطع السورة فى خلال العام
التاسع ، إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت فى ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى منها : كانت قبل غزوة تبوك فى شهر رجب من هذا العام .
والمرحلة الثانية : كانت فى أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم فى ثناياها .
والمرحلة الثالثة : كانت بعد العودة منها .
أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها ، فقد نزلت متأخرة فى
نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج من ذى القعدة أو فى ذى الحجة .
وهذا - على الإِجمال - هو كل ما يمكن ترجيحه والاطمئنان إليه(٢).
والذى نراه أن هذا القول هو الذى تسكن إليه النفس فى الحديث عن زمان ومكان نزول
السورة الكريمة ؛ لأن الذى يستعرض آياتها يراها - فى مجموعها - ترسم للمؤمنين ما يجب
أن تكون عليه علاقاتهم مع المشركين ، ومع أهل الكتاب ومع المنافقين ؛ ومع غيرهم من
الطوائف .
i
كما يراها ترسم لهم الطريق الذى يجب عليهم أن يتخذوه أساسًا لدولتهم . ومنهاجًا
لحياتهم ، حتى تستمر عزتهم ، وتبقى كلمتهم عالية قوية بعد أن فتح اللّه لهم مكة وأذل الشرك
وأهله .
كما يراها - أيضًا - تتحدث باستفاضة عن أحداث قد وقعت خلال غزوة تبوك أو قبلها
أو بعدها . وغزوة تبوك قد كانت فى السنة التاسعة من الهجرة .
(١) تفسير المنار جـ ١٠ ص ١٧٤ .
(٢) تفسير ((فى ظلال القرآن)) للمرحوم سيد قطب. الطبعة الخامسة سنة ١٣٨٦ هـ وسنة ١٩٦٧ م.
mE
..
١

١٨٠
المجلد السادس
٥ - لماذا لم تذكر البسملة فى أول سورة التوبة ؟.
للإجابة على هذا السؤال ذكر العلماء أقوالاً متعددة لخصها القرطبى تلخيصًا حسنا فقال :
واختلف العلماء فى سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة :
الأول : - أنه قيل كان من شأن العرب فى زمانها فى الجاهلية ، إذا كان بينهم وبين قوم عهد
وأرادوا نقضه ، كتبوا إليهم كتابًا ولم يكتبوا فيه بسملة ؛ فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد
الذى كان بين النبى - وَالله - والمشركين، بعث بها النبى - وَليزر - على بن أبى طالب فقرأها
عليهم فى الموسم ، ولم يبسمل فى ذلك على ما جرت به عادتهم فى نقض العهود من ترك
البسملة .
وقول ثان : - روى النسائى قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن
سعيد قال : حدثنا عوف ، قال : حدثنا يزيد الرقاشى - وفى صحيح الترمذى يزيد
الفارسى - قال: قال لنا ابن عباس : قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى
((الأنفال)) وهى من المثانى، وإلى ((براءة)) وهى من المئين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا سطر
بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها فى السبع الطوال ؛ فما حملكم على ذلك ؟
قال عثمان: إن رسول الله - * - كان إذا نزل عليه الشىء يدعو بعض من يكتب
عنده فيقول: ((ضعوا هذه الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا)) وكانت ((الأنفال))
من أوائل ما أنزل - أى بعد الهجرة، و((براءة)) من آخر القرآن نزولاً ، وكانت قصتها
شبيهة بقصتها. وقبض رسول الله - 18 - ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها ، فمن ثم
قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم .
وقول ثالث : روى عن عثمان أيضًا . وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن
عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه .
وروى ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة ((براءة )) كانت تعدل البقرة أو قربها
فذهب منها : فلذلك لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم .
وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة .
وقول رابع : - قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما . قالوا : لما كتبوا المصحف فى خلافة
عثمان اختلف أصحاب رسول الله - * - فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة ،
وقال بعضهم : هما سورتان ، فتركت بينهما فرجة لقول من قال إنهما سورتان وتركت بسم الله
الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة ، فرضى الفريقان معًا ، وثبت حجتاهما فى
المصحف .