النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة الأعراف
ندمهم على عبادة العجل، وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين ﴿لئن
لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ أى لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم.
وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه الله التوراة، بدليل أنه لما
نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾
وبدليل أن موسى - عليه السلام - لما رجع أنكر عليهم ما هم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا
مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرهم بماهم عليه من ضلال مبين.
ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى ﴿ولما سقط فى أيديهم﴾ (ولما ندم الذين عبدوا
العجل الذى وصف - جل ثناؤه - صفته، عند رجوع موسى إليهم، واستسلموا لموسى وحكمه
فيهم، وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شىء : قد سقط
فى يديه وأسقط، لغتان فصيحتان، وأصله من الاستثسار، وذلك بأن يضرب الرجل الرجل أو
يصرعه، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره، فالمرمى به مسقوط فى يدى الساقط به،
فقيل لكل عاجز عن شىء ومتندم على مافاته: سقط فى يديه وأسقط)(١).
وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى: ﴿ولما سقط فى أيديهم﴾ لأن من شأن من
اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطًا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وكأن
أصل الكلام ولما سقطت أفواههم فى أيديهم، أى ندموا أشد الندم.
قال صاحب تاج العروس: وفى (العباب) هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته
العرب (والأصل فيه نزول الشىء من أعلى إلى أسفل)، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه
فقيل للخطأ من الكلام (سقط) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه، وذكر اليد لأن الندم يحدث فى
القلب. وأثره يظهر فى اليد، كقوله تعالى: ﴿فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها﴾ ولأن اليد
هى الجارحة العظمى، فربما يسند إليها ما لم تباشره كقوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت
يداك﴾(٢)اهـ.
وقوله تعالى : ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾ بيان للحالة التى كان عليها موسى -
عليه السلام - عند رجوعه من الطور، ومشاهدته للعجل الذى عبده قومه، فهو كان غاضبا
عليهم لعبادتهم غير الله - تعالى - وحزينا لفتنتهم بعبادتهم عجلا جسدا له خوار.
قال الإِمام الرازى: فى الأسف قولان :
(١) تفسير ابن جرير جـ٩ ص ٦٢.
(٢) تفسير القاسمى جـ ٧ ص ٢٨٥٩.

٣٨٢
.
المجلد الخامس
الأول: أن الأسف الشديد: الغضب، وهو قول أبى الدرداء وعطاء عن ابن عباس،
واحتجوا له بقوله تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ أى: أغضبونا :
والثانى: أن الأسف هو الحزن، وهو قول الحسن والسدى وغيرهما، واحتجوا له بحديث
عائشة أنها قالت: ((إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين)).
قال الواحدى: والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن، والحزن من الغضب، فإذا
جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت. وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فتسمى إحدى هاتين
الحالتين حزنا والأخرى غضبا))(١).
وقوله ﴿غضبان أسفًا﴾ منصوبان على الحال من موسى عند من يجيز تعدد الحال. وعند من
لا يجيزه يجعل أسفا حالا من الضمير المستكن فى غضبان فتكون حالا متداخلة.
وقول موسى لقومه: ﴿بئسما خلفتمونى من بعدى﴾ ذم منه لهم، والمعنى: بئس خلافة
خلفتمونيها من بعد ذهابى عنكم إلى مناجاة ربى، وبئس الفعل فعلكم بعد فراقى إياكم. حيث
عبدتم العجل، وأشربت قلوبكم محبته، ولم تعيروا التفاتا لما عهدت به إليكم، من توحيد الله،
وإخلاص العبادة، والسير على سنتى وشريعتى.
قال الجمل: و((بئس)) فعل ماض لإِنشاء الذم، وفعله مستتر تقديره هو، و((ما)) تمييز بمعنى
خلافة، وجملة خلفتمونى صفة لما. والرابط محذوف، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير بئس
خلافة خلفتمونيها من بعدى خلافتكم(٢).
وقوله ﴿من بعدى﴾ معناه: من بعد ما رأيتم منى توحيد الله، ونفى الشركاء عنه،
وإخلاص العبادة له، أو من بعد ما كنت احمل بنى إسرائيل على التوحيد واكفهم عما طمحت
نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. ومن حق الخلفاء أن
يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه.
وقوله تعالى ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ معناه أسبقتم بعبادة العجل ما أمركم به ربكم وهو
انتظاری حافظين لعهدی، وما أوصيتكم به من التوحيد وإخلاص العبادة لله حتی آتیکم بکتاب
الله، فغيرتم وعبدتم العجل قيل: كانوا قد استبطأوا نزوله من الجبل، فخدعهم السامرى
وصنع لهم العجل فعبدوه، وجعلوا يغنون ويرقصون حوله ويقولون : هذا هو الإله الحق الذى
انقذنا من الظلم، قال صاحب الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام. ويضمن معنى
(١) تفسير الرازى جـ ٤ ص٣٠٢ ..
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ١٩٣.

٣٨٣
سورة الأعراف
سبق فعدى تعديته فقال: عجلت الأمر. والمعنى : اعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى
حافظين لعهده وما وصاكم به، فبينتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم،
فحدثتم أنفسكم بموق فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.
وروى أن السامرى قال لهم حين أخرج لهم العجل : هذا إلهكم وإله موسى، وأن موسى
لن يرجع وأنه قد مات.
وروى أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا(١).
ثم بين - سبحانه - أن غضب موسى ترتب عليه أمران يدلان على شدة الانفعال :
أولهما : قوله تعالى: ﴿وألقى الألواح﴾ أى طرحها من يديه لما اعتراه من فرط الدهش،
وشدة الضجر، حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، فإلقاؤه الألواح لم يكن
إلا غضبا لله، وحمية لدينه، وسخطا على قومه الذين عبدوا ما يضرب به المثل فى البلادة.
قال الألوسى: قوله - تعالى - ﴿وألقى الألواح﴾ حاصله أن موسى لما رأى من قومه ما رأى.
غضب غضبا شديدا حمية لدينه فعجل فى وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن
ذلك الوضع بالإِلقاء تفظيعا لفعل قومه حيث كانت معاينته سببا لذلك وداعيا إليه، وليس فيه
ما يتوهم منه الإهانة لكتاب الله بوجه من الوجوه. وإنكسار بعض الألواح حصل من فعل
مأذون فيه ولم يكن غرض موسى ولا مر بباله ولا ظن ترتيبه على ما فعل. وليس هناك إلا العجلة
فى الوضع الناشئة من الغيرة لله. وقد أنكر بعض العلماء أن يكون شيء منها قد تكسر، لأن
ظاهر القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال. قال رسول الله وَّر ((يرحم
الله موسى، ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم
وعاينهم ألقى الألواج فتكسر منها))(٢).
وثانيهما : قوله تعالى: وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾ أى. أخذ موسى بشعر رأس أخيه
هارون يجره إليه غضبا منه، لظنه أنه قد قصر فى نصحهم وزجرهم عن عبادة العجل. ولكن
هارون - عليه السلام - أخذ يستجيش فى نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من
غضبه الشديد. وليكشف له عن طبيعة الموقف، وليبرىء ساحته من مغبة التقصير، فقال له :
﴿يا ابن أم إن القوم استضعفون وكادوا يقتلوننى فلاتشمت بي الأعداء ولاتجعلنى مع القوم
الظالمين﴾. أى: قال هارون لموسى مستعطفا: يا ابن أمى -بهذا النداء الرقيق وبتلك الوشيجة
الرحيمة- لاتعجل بلومى وتعنيفى، فإنى ما آليت جهدا فى الإِنكار عليهم،
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥١٠.
(٢) تفسير الألوسى جـ٩ ص ٦٧.

٣٨٤
المجلد الخامس
وما قصرت فى نصيحتهم ولكنهم لم يستمعوا إلى، بل قهرونى واستضعفونى، وأوشكوا أن
يقتلونى عندما بذلت أقصى طاقتى لأخفف هياجهم واندفاعهم نحو العجل، فلا تفعل بى ما هو
أمنيتهم ومحل شماتتهم، من الاستهانة بى والإِساءة إلى، فإن من شأن الأخوة التى بيننا أن تكون
ناصرة معينة حين يكون هناك أعداء، ولا تجعلنى فى زمرة القوم الظالمين، فإنى برىء منهم،
ولقد نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين.
وهنا اقتنع موسى - عليه السلام - ببراءة هارون من مغبة التقصير فقال :
﴿رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾ أى: قال موسى ليرضى
أخاه، وليظهر لأهل الشماتة رضاه عنه بعد أن ثبتت براءته : رب اغفر لى ما فرط منى من قول
أو فعل فيه غلظة على أخى. واغفر له كذلك ما عسى أن يكون قد قصر فيه مما أنت أعلم به
منى، وأدخلنا فى رحمتك التى وسعت كل شىء فأنت أرحم بعبادك من كل راحم.
وبهذا يكون القرآن الكريم قد برأ ساحة هارون من التقصير، وأثبت أنه قد عرض نفسه
للأذى فى سبيل أن يصرف عابدى العجل عن عبادته وفى ذلك تصحيح لما جاء فى التوراة
(الفصل الثانى والثلاثين من سفر الخروج) من أن هارون - عليه السلام - هو الذى صنع
العجل لبنى إسرائيل ليعبدوه فى غيبة موسى - عليه السلام -.
ثم أصدر القرآن الكريم حكمه الفاصل فى شأن عبدة العجل فقال تعالى :
﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا وكذلك نجزى
المفترين﴾.
والمعنى. إن الذين اتخذوا العجل معبودا، واستمروا على ضلالتهم سيحيق بهم سخط شديد
من ربهم، ولا تقبل توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم، وسيصيبهم كذلك هوان وصغار فى الحياة
الدنيا، وبمثل هذا الجزاء نجازى المفترين جميعا فى كل زمان ومكان، لخروجهم عن طاعتنا،
وتجاوزهم لحدودنا، فهو جزاء متكرر كلما تكررت الجريمة من بنى إسرائيل وغيرهم.
ثم فتح - سبحانه - بابه لكل تائب صادق فى توبته فقال تعالى: ﴿والذين عملوا السيئات
ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾.
والمعنى : والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعد فعلهم لها توبة صادقة نصوحا، ورجعوا
إلى الله - تعالى - معتذرين نادمين مخلصين الإِيمان له، فإن الله - تعالى - من بعد الكبائر التى
أقلعوا عنها لساتر عليهم اعمالهم السيئة، وغير فاضحهم بها، رحيم بهم وبكل من كان مثلهم
من التائبين.

٣٨٥
سورة الأعراف
٠
· وإلى هنا تكون الآيات الكريمة - بعد أن دمغت بنى إسرائيل بما يستحقونه من تقريع
ووعيد - قد فتحت أمامهم وأمام غيرهم باب التوبة ليفيئوا إلى نور الحق، وليتركوا ما انغمسوا
فيه من ضلالات وجهالات.
ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى بعد أن هدأ غضبه فقال :
وَلَمَّاسَكَتَ عَن ◌ُمُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَ لْوَاحِّ وَفِ
١٥٤١
نُسْخَتِهَا هُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
٠.٠٠.
السكوت فى أصل اللغة ترك الكلام، والتعبير القرآنى هنا يشخص الغضب كأنما هو كائن
حى يدفع موسى ويحركه، ثم تركه بعد ذلك. ففى الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب
بشخص آمر، ناه. وأثبت له السكوت على طريق التخييل.
قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب﴾ هذا مثل. كأن الغضب
كان يغريه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك،
فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذى طبع
سليم وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبل شُعب البلاغة. وإلا، فما لقراءة معاوية بن قرة
((ولما سكن عن موسى الغضب)) لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة، وطرفا من تلك
الروعة))(١).
والمعنى : وحين سكت غضب موسى بسبب اعتذار أخيه وتوبة قومه أخذ الألواح التى كان قد
ألقاها .
وظاهر الآية يفيد أن الألواح لم تتكسر، ولم يرفع من التوراة شىء، وأنه أخذها بعينها.
وقوله ﴿وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ أى: أخذ موسى الألواح التى
سبق له أن ألقاها، وفيما نسخ فى هذه الألواح أى: كتب هداية عظيمة إلى طريق الحق، ورحمة
واسعة للذين هم لربهم يرهبون. أى: يخافون أشد الخوف من خالقهم -عز وجل -.
والنسخ : الكتابة، ونسخة هنا بمعنى منسوخة أى. مكتوبة، والمراد وفى منسوخها ومكتوبها
هدی ورحمة.
و﴿هم﴾ مبتدأ. ويرهبون خبره، والجملة صلة الموصول، واللام فى ﴿للذين﴾ متعلقة
(١) تفسير الكشاف جـ٢ ص ١٦٣.

٣٨٦
المجلد الخامس
بمحذوف صفة لرحمة أى: كائنة لهم. أو هى لام العلة أى. هدى ورحمة لأجلهم. واللام فى
لربهم)) لتقوية عمل الفعل المؤخر كما فى قوله - تعالى -: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ أو هى
أيضا لام العلة والمفعول محذوف، أى: يرهبون المعاصى لأجل ربهم لا للرياء والتباهى.
ثم تمضى السورة فى حديثها عن بنى إسرائيل فتحكى لنا قصة موسى مع السبعين الذين
اختارهم من قومه فنقول :
وَآَخْتَارَ
مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًاً لِّمِيقَئِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قَالَ رَبِّ لَوْشِئْتَ أَهْلَكْنَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِنَّنِىَّ أَشْهْلِكُنَابِمَا فَعَلَ
السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنّ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَ تَّهْدِى
مَنْ تَشَةُ أَنْتَ وَلِتْنَا فَغْفِرْ لَنَا وَارْ حَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الْغَفِرِينَ
(١٥٥)
وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِالدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا
هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
١٥٦
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِتَايَئِنَايُؤْمِنُونَ
قال الآلوسي : قوله - تعالى - ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ تتمة لشرح أحوال
بنى إسرائيل وقال البعض : إنه شروع فى بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها. واختار
-من الاختيار بمعنى الانتخاب والاصطفاء- وهو يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت
هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه، والمفعول الأول سبعين))(١).
أى : اختار موسى سبعين رجلا من قومه للميقات الذى وقته الله له، ودعاهم للذهاب معه.
وهؤلاء السبعون كانوا من خيرتهم أو كانوا خلاصتهم، لأن الجملة الكريمة جعلتهم بدلا من
(١) تفسير الآلوسى جـ٩ ص ٧١.
3

٣٨٧
سورة الأعراف
القوم جميعا فى الاختيار، وكأن بنى إسرائيل على كثرتهم لا يوجد من بينهم فضلاء سوى هؤلاء
السبعين .
وتختلف روايات المفسرين فى سبب هذا الميقات وزمانه، فمنهم من يرى أنه الميقات الكلامى
الذی کلم الله فیه موسی تکلیما فقد کان معه سبعون رجلا من شیوخ بنی إسرائیل ينتظرونه فی
مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة، فلما تمت مناجاة موسى لربه طلبوا منه أن يخاطبوا الله -
تعالى - وأن يكلموه كما كلمه موسى، وأن يروه جهرة فأخذتهم الصاعقة، وكان ذلك قبل أن
يخبر الله - تعالى - موسى أن قومه قد عبدوا العجل فى غيبته.
والذى نرجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق القرآنى يؤيده أن هذا الميقات الذى
جاء فى هذه الآية غير الميقات الأول، وأنه كان بعد عبادة بنى إسرائيل للعجل فى غيبة موسى،
فقد عرفنا أن الله قد أخبره بذلك عند ذهابه إليه لتلقى التوراة، فرجع موسى إليهم مسرعا
ووبخهم على صنيعهم وأحرق العجل، وأمره الله - تعالى - بعد ذلك أن يأتيه مع جماعة من
بنى إسرائيل ليتوبوا إليه من عبادة العجل فاختار موسى هؤلاء السبعين، وهناك روايات ترجح
ذلك منها ما جاء عن محمد بن إسحاق قال : إن موسى - عليه السلام - لما رجع إلى قومه فرأى
ما هم فيه من عيادة العجل، وقال لأخيه والسامرى ما قال وحرق العجل وذراه فى اليم، اختار
من بنى إسرائيل سبعين رجلا الخيّر فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم
واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، فصوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج
بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون -
فيما ذكر لى - حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه يا موسى: اطلب لنا نسمع كلام
ربنا. فقال : أفعل. فلما دنا موسی من الجیل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل کله،
ودنا موسی فدخل فيه، وقال للقوم : ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور
ساطع، لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه. ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا
سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، أفعل ولا تفعل، فلما انكشف عن موسى
الغمام أقيل إليهم فقالوا له: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة﴾ وهى
الصاعقة التى يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعًا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه
ويرغب إليه ويقول: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى﴾ قد سفهوا، أتهلك من ورائى
من بنى إسرائيل))(١).
وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بنى إسرائيل قد طلبوا من نبيهم موسى -
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٢٤٩.

٣٨٨
المجلد الخامس
عليه السلام - مالا يصح لهم أن يطلبوه فأخذتهم الرجفة بسبب ذلك، أو بسبب أنهم عندما
عبد بنو إسرائيل العجل فى غيبة موسى لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف.
وقوله : ﴿فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى﴾ أى: فلما أخذت
هؤلاء السبعين المختارين الرجفة قال موسى يا رب إننى أتمنى لو كانت سبقت مشيئتك أن
تهلکهم من قبل خروجهم معی إلی هذا المکان وأن تهلکنی معهم حتى لا أقع فى حرج شديد مع
بنى إسرائيل، لأنهم سيقولون لى: قد ذهبت بخيارنا لإِهلاكهم.
ويرى بعض المفسرين أن هذه الرجفة التى أخذتهم وصعقوا منها أدت إلى موتهم جميعا ثم
أحياهم الله -تعالى- بعد ذلك، ويرى آخرون أنهم غشى عليهم ثم أفاقوا.
وقد قال موسى هذا القول لاستجلاب العفو من ربه عن هذه الجريمة التى اقترفها قومه. بعد
أن من عليهم - سبحانه - بالنعم السابقة الوافرة، وأنقذهم من فرعون وقومه. فكأنه يقول :
يا رب لقد رحمتهم من ذنوب كثيرة ارتكبوها فيما سبق فارحمهم الآن کما رحمتھم من قبل جریًا
على مقتضى كرمك.
ومفعول المشيئة محذوف، أى: لو شئت إهلاكهم لأهلكتهم.
وقوله ﴿وإياى﴾ معطوف على الضمیر فی ﴿أهلكتهم﴾، وقد قال موسى ذلك تسلیما منه لأمر
الله وقضائه وإن كان لم يسبق منه ما يوجب هلاكه، بل الذى سبق منه إنما هو الطاعة الكاملة لله
رب العالمين.
والاستفهام فى قوله ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ للاستعطاف الذى بمعنى النفى أى : ألجأ
إليك يا مولانا ألا تهلكنا بذنب غيرنا فلئن كان هؤلاء السفهاء قد خرجوا عن طاعتك،
وانتهكوا حرماتك. فنحن يا رب مطيعون لك وخاضعون لأمرك.
قوله ﴿إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء﴾ استئناف مقرر لما قبله،
و﴿إِن﴾ نافية. والفتنة: الابتلاء والاختبار، والباء فى ﴿بها﴾ للسببية أى: ما الفتنة التى وقع
فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك، فأنت الذى ابتليتهم واختبرتهم، فالأمر
كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت. فنحن عائذون بك منك.
ولاجئون منك إليك. ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.
وقوله ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾ أى: أنت القائم بأمورنا كلها
لا أحد غيرك، فاغفر لنا ما فرط منا، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شىء، وأنت خير
الغافرين إذ كل غافر سواك إنما يغفر لغرض نفسانى ، كحب الثناء، واجتلاب المنافع، أما
أنت - با إلهنا - فمغفرتك لا لطلب عوض أو غرض وإثما هى لمحض الفضل والكرم.

٣٨٩
سورة الأعراف
ثم أضاف موسى إلى هذه الدعوات الطيبات دعوات أخرى فقال - كما حكى القرآن عنه -
﴿واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة﴾ أى: وأثبت لنا فى هذه الدنيا ما يحسن من نعمة
وطاعة وعافية وتوفيق، وأثبتت لنا فى الآخرة - أيضا - ما يحسن من مغفرة ورحمة وجنة عرضها
السموات والأرض.
وقوله ﴿إنا هدنا إليك﴾ استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن التوبة الصادقة تجعل الدعاء
جديرا بالإجابة، أى: لأنا تبنا إليك من المعاصى التى جئناك للاعتذار منها. فاكتب لنا
الحسنات فى الدارين، ولا تحرمنا من عطائك الجزيل.
وهدنا : بمعنى تبنا. يقال: هاد يهود إذا رجع وتاب.
وصدرت الجملة الكريمة بـ ((إن)) المفيدة للتحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة فى
مضمونها. وقوله : ﴿قال عذابى أصيب به من أشاء ورحمتى وسعت كل شىء﴾ استئناف وقع
جوابا عن سؤال ينساق إليه الجواب، كأنه قيل: فماذا قال الله - تعالى - عند دعاء موسى،
فكان الجواب : قال عذابى ... الخ.
ثم قال الله - تعالى - لموسى ردا على دعائه: يا موسى إن عذاب الذى تخشى أن يصيب
قومك اصیب به من اشاء تعذيبه من العصاة، فلا یتعین ان یکون قومك محلا له بعد توبتهم،
فقد اقتضت حكمتى ان اجازى الذين اساءوا بما عملوا واجازى الذين احسنوا بالحسنى.
﴿ورحمتى وسعت كل شىء) فلاتضيق عن قومك، ولا عن غيرهم من خلقى ممن هم أهل
لها .
وقد استفاضت الآيات والأحاديث التى تصرح بأن رحمة الله - تعالى - قد وسعت كل شىء
ومن ذلك قوله وَله: إن الله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف
الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة.
ثم بين - سبحانه - من هم أهل لرحمته فقال: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة
والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾.
أى: فسأكتب رحمتی للذين يصونون أنفسهم عن كل ما يغضب الله ويؤدون الزكاة المفروضة
عليهم فى أموالهم.
وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى. لأن إيتاءها كان
شاقًّا على نفوسهم لحرصهم الشديد على المال.
ولعل الصلاة لم تذكر مع أنها مقدمة على سائر العبادات. اكتفاء عنها بالاتقاء الذى هو عبارة

٣٩٠
المجلد الخامس
عن فعل الواجبات بأسرها. وترك المنهيات عن آخرها.
وسأكتبها كذلك للذين هم بآياتنا يؤمنون إيمانا تاما خالصًا لا رياء فيه. ولا نقص معه.
ثم أضاف - سبحانه - صفات أخرى لمن هم أهل لرحمته ورضوانه.
وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على محمد ◌َ لّ الذى أمر بنو إسرائيل وغيرهم باتباعه
فقال تعالى :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِ الْأُمِىَ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ
فِي التَّوْرَةِ وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ
النُّورَ الَّذِىَّ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)، قُلْ
يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى
لَهُو هُلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَيُحِى، وَيُّمِيثٌ
فَثَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٨)
قوله - تعالى - ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى﴾ فى محل جر على أنه نعت لقوله :
﴿للذين يتقون﴾ أو بدل منه. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هم الذين
يتبعون .... الخ.
وقد وصف الله - تعالى - رسوله محمدا﴿ بأوصاف كريمة تدعو العاقل المنصف إلى اتباعه
والإِيمان به.

٣٩١
سورة الأعراف
الوصف الأول: أنه رسول الله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا.
الوصف الثانى: أنه نبى أوحى الله إليه بشريعة عامة كاملة باقية إلى يوم الدين.
الوصف الثالث : أنه أمى ما قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم ولا أخذ علمه عن أحد ولكن
الله - تعالى - أوحى إليه بالقرآن الكريم عن طريق جبريل - عليه السلام -، وأفاض عليه من
لدنه علوما نافعة ومبادىء توضح ما أنزله عليه من القرآن الكريم، فسبق بذلك الفلاسفة
والمشرعين والمؤرخين وأرباب العلوم الكونية والطبيعية، فأميته مع هذه العلوم التى يصلح عليها
أمر الدنيا والآخرة، أوضح دليل على أن ما يقوله إنما هو بوحى من الله إليه.
قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإِيمان
ولكن جعلناه نورًا نهدى به من نشاء من عبادنا﴾(١).
وقال - سبحانه - ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب
المبطلون﴾(٢).
الصفة الرابعة : أشار إليها بقوله ﴿الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل﴾ أى
هذا الرسول النبى الأمى من صفاته أن أهل الكتاب يجدون اسمه ونعته مكتوبًا عندهم فى
التوراة والإنجيل، ووجود اسمه ونعته فى كتبهم من أكبر الدواعى إلى الإِيمان به وتصديقه
واتباعه ولقد كان اليهود يبشرون ببعثة النبى وَ ر قبل زمانه ويقرؤون فى كتبهم ما يدل على
ذلك، فلما بعث الله - تعالى - نبيه بالهدى ودين الحق آمن منهم الذين فتحوا قلوبهم للحق،
وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، وأما الذين استنكفوا واستكبروا، وحسدوا محمدا
وَ لير على ما آتاه الله من فضله فقد أخذوا يحذفون من كتبهم ما جاء عن النبى بَ طّر فيها، ((أو
يؤولونه تأويلا فاسدًا أو يكتمونه عن عامتهم.
ورغم حرصهم على حذف ما جاء عن الرسول فى كتبهم أو تأويلهم السقيم له، أو كتمانه
عن الأميين منهم. أبى الله - تعالى - إلا أن يتم نوره، إذ بقى فى التوراة والإنجيل ما بشر
بالنبى ◌ُّل﴿ وصرح بنعوته وصفاته، بل وباسمه صريحا.
وقد تحدث العلماء الاثبات عن بشارات الأنبياء بمحمد وَ له وجمعوا عشرات النصوص التى
ذكرت نعوته وصفاته، وها نحن نذكر طرفا مما قاله العلماء فى هذا الشأن.
(١) سورة الشورى آية ٥٢.
(٢) سورة العنكبوت آية ٤٨.

٣٩٢
المجلد الخامس
قال الإِمام الماوردى فى (أعلام النبوة): (وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة
محمد بَلّ مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله -
تعالى - على غيبه، ليكون عونا للرسل، وحثا على القبول، فمنهم من عينه باسمه، ومنهم من
ذكره بصفته ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله،
ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله - تعالى - هذه الصفات جميعها فیه، حتى صار
جليًا بعد الاحتمال، ويقينا بعد الارتياب)(١).
وجاء فى (منية الأذكياء فى قصص الأنبياء) : (إن نبينا - عليه الصلاة والسلام - قد بشر به
الأنبياء السابقون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحوا
باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته، ومع أن أهل الكتاب حذفوا اسمه من نسخهم
الأخيرة إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التى اتفق عليها المؤرخون من كل جنس
وملة وهى أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان فى اسم، ويمتنع اشتراك اثنين
فى جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا فى تحريف بعض الصفات ليبعد صدقها
على النبى # فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها فى بعض المواضع اختلافا لا يخفى على
اللبيب أمره، ولا ما قصد به. ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم. لانتشار النسخ بالطبع
وتيسير المقابلة بينها))(٢).
وقال المرحوم الشيخ (رحمة الله الهندى) فى كتابه (إظهار الحق) (إن الأخبار الواقعة فى حق
محمد ◌َ* توجد كثيرة إلى الآن - أيضا- مع وقوع التحريفات فى هذه الكتب. ومن عرف أولا
طريق أخبار النبى المتقدم عن النبى المتأخر. ثم نظر ثانيا بنظر الانصاف إلى هذه الاخبارات
وقابلها بالاخبارات التى نقلها الانجيليون فى حق عيسى - عليه السلام - جزم بأن الاخبارات
المحمدية فى غاية القوة)(٣).
وقد جمع صاحب كتاب (إظهار الحق) وغيره من العلماء والمؤرخين كثيرًا من البشائر التى
وردت فى التوراة والإنجيل خاصة بالنبى * ومبينة نعوته وصفاته.
ومن أجمع ما جاء فى التوراة خاصًا بالنبى وَل﴿ ما أخرجه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن
العاص - رضى الله عنهما - قال: (قرأت فى التوراة صفة النبى وَل (محمد رسول الله: عبدى
ورسولى، سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة
(١) الباب الخامس عشر: فصل (بشائر الأنبياء بنبوة محمد ﴿).
(٢) نقلا عن تفسير القاسمى جـ٧ ص ٢٨٧٤.
(٣) كتاب (إظهار الحق) للشيخ رحمة الله الهندى.

٣٩٣
سورة الأعراف
السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله
إلا الله)(١).
كذلك مما يشهد بوجود النبى وَله فى التوراة، ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى صخر العقيلى
قال: (حدثنى رجل من الأعراب فقال: جلبت حلوبة(٢). إلى المدينة فى حياة النبى وَّ فلما
فرغت من بيعى قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال : فتلقانى بين أبى بكر وعمر
يمشيان، فتبعتهم حتى إذا أتوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن
ابن له فى الموت كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال له رسول الله وسلم: أنشدك بالذى أنزل التوراة
هل تجد فى كتابك هذا صفتى ومخرجى) فقال برأسه هكذا، أى: لا، فقال ابنه: أى والذى
أنزل التوراة إنا لنجد فى كتابنا صفتك ومخرجك، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك
رسول الله، فقال الرسول ﴿ ((أقيموا اليهودى عن أخيكم)) ثم تولى كفنه والصلاة عليه.
هذا، ومن أراد مزيد معرفة بتلك المسألة فليراجع ما كتبه العلماء فى ذلك(٣).
ثم وصف الله - تعالى - رسوله و الر بصفة خامسة فقال تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم
عن المنكر﴾ أى هذا الرسول النبى الأمى الذى يجده أهل الكتاب مكتوبًا عندهم فى التوراة
والإِنجيل من صفاته كذلك أنه يأمرهم بالمعروف الذى يتناول الإِيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر كما يتناول مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وغير ذلك من الأمور التى جاء بها
الشرع الحنيف. وارتاحت لها العقول السليمة، والقلوب الطاهرة وينهاهم عن المنكر الذى
يتناول الكفر والمعاصى ومساوىء الأخلاق.
ثم وصف الله - تعالى - رسوله محمدًا وَالل بصفة سادسة فقال تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث﴾ أى: يحل لهم ما حرمه الله عليهم من الطيبات كالشحوم وغيرها بسبب
ظلمهم وفسوقهم عقوبة لهم، ويحل لهم كذلك ما كانوا قد حرموه على أنفسهم دون أن يأذن به
الله كلحوم الإبل وألبانها، ويحرم عليهم ما هو خبيث كالدم ولحم الميتة والخنزير فى المأكولات،
وكأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل فى المعاملات وفى ذلك سعادتهم وفلاحهم.
ثم وصف الله تعالى - رسوله صل بصفة سابعة فقال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم
والأغلال التى كانت عليهم﴾.
الإصر : الثقل الذى يأصر صاحبه. أى بحبسه عن الحركة لثقله، ويطلق على العهد كما فى
(١) صحيح البخارى. باب ((كراهة الصخب فى الأسواق)) من ((كتاب البيوع)) جـ ٣ ص ٨٣.
(٢) الحلوبة : الشاة ذات اللبن وهى للواحد وللجمع.
(٣) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٢٥١.

٣٩٤
المجلد الخامس
قوله تعالى: ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصرى﴾ أى عهدى.
قال القرطبى : (وقد جمعت هذه الآية المعنیین، فإن بنى إسرائيل قد کان أخذ عليهم عهد
أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد ويلي ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، كغسل البول،
وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض، ومؤاكلتها ومضاجعتها. فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم
بول قرضه. وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها وإذا حاضت المرأة لم يقربوها. إلى
غير ذلك مما ثبت فى الصحيح وغيره))(١).
والأغلال: جمع غل. وهو ما يوضع فى العنق أو اليد من الحديد. والتعبير بوضع الإِصر
والأغلال عنهم استعارة لما كان فى شرائعهم من الأشياء الشاقة والتكاليف الشديدة كاشتراط
قتل النفس لصحة التوبة. فقد شبه - سبحانه - ما أخذ به بنو إسرائيل من الشدة فى العبادات
والمعاملات والمأكولات جزاء ظلمهم بحال من يحمل أثقالا يئن من حملها وهو فوق ذلك مقيد
بالسلاسل؛ والأغلال فى عنقه ويديه ورجليه.
والمعنى : إن من صفات هذا الرسول النبى الأمى أنه جاءهم ليرفع عنهم ما ثقل عليهم من
تكاليف كلفهم الله بها بسبب ظلمهم. لأنه - عليه الصلاة والسلام جاء بالتبشير والتخفيف.
وبعث بالحنيفية السمحة. ومن وصاياه بَ طاهر: ((بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا)).
قال الإِمام ابن كثير: ((وقد كانت الأمم التى قبلنا فى شرائعهم ضيق عليهم. فوسع الله على
هذه الأمة أمورها. وسهلها لهم. ولهذا قال رسول الله وَ ل# ((إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به
أنفسهم ما لم تقل أو تعمل)). وقال: ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) ولهذا
قال: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا واغفر لنا
وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾.
وثبت فى صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت قد فعلت))(٢).
إذَا، فمن الواجب على بنى إسرائيل أن يتبعوا محمدًا # الذى هذه صفاته، والذى فى اتباعه
سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم، ولهذا ختم الله - تعالى - الآية الكريمة ببيان حالة المصدقين لنبيه
فقال تعالى :
﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذى أنزل معه، أولئك هم المفلحون﴾ .
أى: فالذين آمنوا بهذا الرسول النبى الأمى من بنى إسرائيل وغيرهم وعزروه، بأن منعوه
(١) تفسير القرطبى جـ٧ ص ٣٠٠.
(٢) تفسير ابن كثير جـ٣ ص ٢٥٤.

٣٩٥
سورة الأعراف
وحموه من كل من يعاديه، مع التعظيم والتوقير له ونصروه بكل وسائل النصر ﴿واتبعوا النور
الذى أنزل معه﴾ وهو القرآن والوحى الذى جاء به ودعا إليه الناس، ﴿أولئك هم المفلحون)
أى الفائزون الظافرون برحمة الله ورضوانه.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت النبى و ير بأحسن الصفات وأكرم المناقب، وأقامت
الحجة على أهل الكتاب بما يجدونه فى كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بأنه ما جاء إلا لهدايتهم
وسعادتهم، وأنهم إن آمنوا به وصدقوه، كانوا من ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾.
ثم أمر الله رسوله أن يبين للناس أنه مرسل إلى الناس كافة، فقال تعالى : ﴿قل يأيها الناس
إنى رسول الله إليكم جميعًا﴾ أى: قل يا محمد لكافة البشر من عرب وعجم، إنى رسول الله
إليكم جميعًا، لا فرق بين نصرانى أو يهودى، وإنما رسالتى إلى الناس عامة، وقد جاء فى القرآن
الكريم وفى السنة النبوية ما يؤيد عموم رسالته.
أما فى القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾.
أى وأنذر من بلغه القرآن ممن سيوجد إلى يوم القيامة من سائر الأمم وفى ذلك دلالة على
عموم رسالة النبى وَ﴿ وعلى أن أحكام القرآن تعم الثقلين إلى يوم الدين.
وأما فى السنة فمن ذلك ما رواه البخارى عن جابر بن عبدالله أن رسول الله وصله قال:
(أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورًا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى،
وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة))(١).
وفى صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله وَله
«والذی نفسی بیده لا یسمع بی رجل من هذه الأمة یهودی ولا نصرانی ثم لا يؤمن بی إلا دخل
النار))(٢).
قال الإِمام ابن كثير: والآيات فى هذا كثيرة، كما أن الأحاديث فى هذا أكثر من أن تحصر،
وهو معلوم من دين الاسلام ضرورة أنه رسول إلى الناس كلهم(٣) هـ.
(١) صحيح البخاری (باب التيمم) جـ١ ص ٧٧.
(٢) صحيح مسلم (كتاب المساجد).
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٥٥ .

٣٩٦
المجلد الخامس
ثم وصف الله تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة والوحدانية فقال تعالى: ﴿الذى
له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويمت﴾ أى: قل - یا محمد - للناس إنى
رسول إليكم من الله الذى له التصرف فى السموات والأرض، والذى لا معبود بحق سواه
والذى بيده الاحياء والإِماتة، ومن كان هذا شأنه فمن الواجب أن يطاع أمره، وأن يترك ما نهى
" عنه، وأن يصدق رسوله. ثم بنى - سبحانه - على هذه النعوت الجليلة التى وصف بها نفسه
الدعوة إلى الإِيمان فقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته
واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ أى: فآمنوا أيها الناس جمعًا بالله الواحد الأحد وآمنوا - أيضًا برسوله
محمد ◌َير النبى الأمى الذى يؤمن بالله، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه
ووحيه واسلكوا سبيله، واقتفوا آثاره، فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه رجاء أن تهتدوا إلى الصراط
المستقيم .
وفى وصفه بالأمية مرة ثانية، إشارة إلى كمال علمه، لأنه مع عدم مطالعته للكتاب، أو
مصاحبته لمعلم. فتح الله له أبواب العلم، وعلمه ما لم يكن يعلم من سائر العلوم التى تعلمها
الناس عنَه، وصاروا بها أئمة العلماء وقادة المفكرين، فأكرم بها من أمية تضاءل بجانبها علم
العلماء فى كل زمان ومكان.
وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول الله ولار بأشرف الصفات وأقامتا أوضح
الحجج وأقواها على صدقه فى نبوته، ودعتا اليهود بل الناس جميعًا إلى الإِيمان به لأنه قد بشرت
به الكتب السماوية السابقة ولأنه ير ما جاءهم إلا بالخير، وما نهاهم إلا عن الشر. ولأن
شريعته تمتاز باليسر والسماحة، ولأن أنصاره وأتباعه هم المفلحون، ولأن رسالته عامة للجن
والانس، ومن كانت هذه صفاته، وتلك شریعته، جدیر أن يتبع، وقمین أن يصدق ويطاع،
وما يعرض عن دعوته إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا.
ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى لم يكونوا جميعا ضالين. وإنما كان فيهم الأخيار وفيهم
الأشرار فقال - تعالى - :
وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
(١٥٩)
أى: ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذى جاءهم به من عند الله،
وبالحق - أيضا - يسيرون فى أحكامهم فلا يجورون، ولا يرتشون، وإنما يعدلون فى كل
شئونهم .
والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح فى عهد موسى - عليه السلام، مخالفين لأولئك
السفهاء من قومه .

٣٩٧
سورة الأعراف
وقيل المراد بهم من آمن بالنبى وَّر عند بعثته.
وهذا لون من ألوان عدالة القرآن فى أحكامه، وإنصافه لمن يستحق الانصاف من الناس.
إنه لا يسوق أحكامه معممة بحيث يندرج تحتها الصالح والطالح بدون تمييز، كلا وإنما القرآن
يسوق أحكامه بإنصاف واحتراس، فهو يحكم للصالحين بما يستحقون، وتلك هى العدالة التى
ما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى السير على طريقها، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :
﴿ليسوا سواء. من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾.
وقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله
لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا﴾.
وقوله ﴿بالحق﴾ الباء للملابسة، وهى مع مدخولها فى محل الحال من الواو فى يهدون. أى:
يهدون الناس حال كونهم ملتبسين بالحق.
ثم ذكر القرآن بعض النعم التى أنعم الله بها على بنى إسرائيل، وكيف وقفوا من هذه النعم
موقف الجاحد الكنود فقال - تعالى :
وَقَطَّعْنَهُمُ اثْنَتَ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَعًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى
إِذٍ أَسْتَسْقَنُهُ قَوْمُهُ أَنْ أَضْرِبٍ بِعَصَاكَ الْحَجَرِ
فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ
مَشْرَبَهُمُّ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَ لْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَ
وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَمَا
ظَلَمُونَا وَ لَكِن كَانُواْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ وَإِذْ
قِيلَ لَهُمُ أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ
شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَّةٌ وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ
لَكُمْ خَطِيَشَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
١٦١

٣٩٨
المجلد الخامس
فَبَدَّلَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًّا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًامِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ
١٦٢
يَظْلِمُونَ
قوله ﴿وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما﴾ أى: فرقنا قوم موسى وصيرناهم اثنتى عشرة أمة
تتميز كل أمة عن الأخرى.
والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب. والسبط : ولد الولد فهو كالحفيد. وقد يطلق
السبط على الولد.
وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولدًا هم أولاد يعقوب - عليه السلام -
قالوا : والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون
اثنتى عشرة حالا من مفعول ﴿قطعناهم) وهو ضمير الغائبين ((هم)).
ويرى الزمخشرى وغيره أن «قطعناهم» بمعنى صيرناهم وأن ﴿اثنتى عشرة﴾ مفعول ثان،
وتمييز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم اثنتى عشرة فرقة.
و﴿أسباطا﴾ بدل من ذلك التمييز، و﴿أمما﴾ بدل بعد بدل من اثنتى عشرة.
والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل، لمشاركتها لها فى كل ما يقصد
به من العظات والعبر.
وقوله : ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا
عشرة عينا﴾.
الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر. وذلك عن طريق الدعاء لله -
تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى - عليه السلام - ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء
بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى التيه.
فعن ابن عباس أنه قال : كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة
عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها))(١).
وقيل : كان الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر.
: (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ١٠٠.

٣٩٩
سورة الأعراف
والمعنى : وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاك الحجر فضربه .
فخرج منه الماء من اثنتى عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا، وليشاهدوا دليلا من الأدلة
المتعددة التى تؤيد موسى فى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل -.
وقوله ﴿إذ استسقاه قومه﴾ يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده، لتظهر كرامته
لدى ربه عند قومه، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أکرمه حیث أجاب دعاءه
ففجر لهم الماء من الحجر.
وال فى ﴿الحجر﴾ لتعريف الجنس، أى : اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل
للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - عليه السلام - بوحى من الله - تعالى - وقد
أورد بعض المفسرين فى ذلك آثارًا حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف، ولذا لم نعتد
بها .
والذى نرجحه أن ((أل)) هنا لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر
فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى الإِيمان بنى إسرائيل وانصياعهم
للحق بعد وضوحه، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى، إذ لو كان انفجار الماء من
حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر، وليس لكرامة موسى
عند ربه - عز وجل -.
والفاء فى قوله ﴿فانبجست منه اثنتا عشرة عينا﴾ معطوفة على محذوف والتقدير: فضرب
فانبجست ..
قال بعضهم: والانبجاس والانفجار واحد. يقال بجست الماء أبجسه فانبجس، بمعنى
فجرته فانفجر.
وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة، والانفجار خروجه بكثرة.
ولا تنافى بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة ﴿فانفجرت﴾ وبين قوله هنا ﴿فانبجست﴾ لأنه
انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه.
وكانت العيون اثنتى عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى
لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر.
وقوله ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا.
أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك
ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض.

٤٠٠
المجلد الخامس
ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال: ﴿وظللنا عليهم الغمام﴾.
الغمام : جمع غمامة وهى السحابة : وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.
أى: وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس.
وقوله ﴿وأنزلنا عليهم المن والسلوى﴾ معطوف على ما قبله.
والمن : اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط
من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.
والسلوى : اسم جنس جمعى واحدته سلواه، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد
يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب.
وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة تيههم بين مصر والشام المشار
إليه بقوله - تعالى -: ﴿قال إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض﴾.
إليه بقوله - تعالى -: ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض﴾.
أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى وهو طائر يشبه
السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه،
فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت
منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله
عليهم بالغمام فقالوا : هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان
ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن
والسلوى﴾(١).
وقوله ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا
ربكم على هذه النعم لكى يزيدكم منها.
وقوله : ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ معطوف على محذوف أى: فعصوا أمر
ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، وأن جملة ﴿وما ظلمونا﴾ معطوفة على ما قبلها
لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل.
والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة ((كانوا)) والفعل المضارع ((يظلمون)) يدل على أن
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٩٧.