النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة الأعراف وقت إغراقهم فى اليم، إذا هم ينكثون أى: ينقضون عهدهم الذى التزموه، ويحنثون فى قسمهم فى كل مرة. وينكثون : من النكث. وأصله فك طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانيا، ثم استعير لنقض العهد بعد إبرامه. قال الألوسى. وجواب ((لما)) فعل مقدر يؤذن به إذا الفجائية لا الجملة المقترنة بها، أى : فلما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكث من غير توقف))(١). هذا، وقد ساق بعض المفسرين آثارا متعددة فى كيفية نزول هذا العذب بهم. ومن هذه الآثار ما رواه أبو جعفر بن جرير - بسنده - عن سعيد بن جبير قال : لما أتى موسى - عليه السلام - فرعون قال له: أرسل معى بنى إسرائيل، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا. فقالوا لموسى : ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل. فدعا ربه، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل. فأنبت لهم فى تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ، فقالوا : هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره فى الكلأ عرفوا أنه لا يبقى الزرع فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل، فداسوا وأحرزوا فى البيوت فقالوا: قد أحرزنا. فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذى يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة - والجريب والقفيز مكيالان للحبوب، والجريب أربعة أقفزة - فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بنى إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا. فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا، فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه فى الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثبت الضفدع فى فيه فقالوا لموسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، وما كان فى أوعیتهم وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون، فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، فقال : إنه قد سحركم، فقالوا : من أين سحرنا ونحن لا نجد فى أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ (١) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ٢٦. ٣٦٢ المجلد الخامس فأتوه وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل))(١). قال ابن كثير: قد روى نحو هذا عن ابن عباس والسدى وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بهذا. ثم حكت السورة الكريمة نهايتهم الأليمة، بسبب نقضهم لعهودهم ومواثيقهم فى كل مرة، وبسبب تكذيبهم لآيات الله. وعصيانهم لنبيهم موسى - عليه السلام - فقالت: ﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم فى اليم، بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين﴾ أى: فانتقمنا منهم عند بلوغ الأجل المضروب لإِهلاكهم. بأن أغرقناهم فى اليم - أى البحر -، وذلك بسبب تكذيبهم لآياتنا الواضحة، وحججنا الساطعة، وكانوا عنها غافلين بحيث لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيما تحمله من عظات وعبر. والقرآن هنا يسوق حادث إغراق فرعون وملئه بصورة مجملة، فلا يفصل خطواته كما فصلها فى مواطن أخرى، وذلك لأن المقام هنا هو مقام الأخذ الحاسم بعد الإِمهال الطويل، فلا داعى إذن إلى طول العرض والتفصيل. إن الحسم السريع هنا أوقع فى النفس، وأرهب للحس، وأزجر للقلب، وأدعى إلى العظة والاعتبار، ولأن سورة الأعراف - كما سبق أن بينا - يغلب عليها هذا الأسلوب الذى يزلزل قلوب الطغاة، ويغرس فى النفوس الرهبة والخوف وهى تقص على الناس ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى مضى وصار تاريخا يعلمونه ويتحدثون عنه، وهو ما حل بالأمم السابقة التى كذبت رسلها وعتت عن أمر ربها. ثم وهى تحكى لهم ما أعد للمستكبرين من عذاب أخروى بسبب عصيانهم وانتهاكهم لحرمات الله . ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله وكرمه على بنى إسرائيل بعد أن بين نهاية فرعون وآله فقال: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها). أى: وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مصر من فرعون وملئه بالاستعباد وقتل الأبناء، وسوء العذاب، أعطيناهم من طريق الاستخلاف - قبل أن يزيغوا ويضلوا - مشارق أرض الشام ومغاربها التي باركنا فيها بالخصوبة وسعة الأرزاق، وبكونها مساكن الأنبياء والصالحين ليكون ذلك امتحانا لهم، واختبارا لنفوسهم. وجمع -سبحانه- بين صيغتى الماضى والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف (١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٢٤١. ٣٦٣ سورة الأعراف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بعنوان القوم، إظهارا لكمال اللطف بهم، وعظيم الإِحسان إليهم، حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة. وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا﴾، أى: ونفذت كلمة الله الحسنى ومضت عليهم تامة كاملة، حيث رزقهم - سبحانه - النصر على أعدائهم. والتمكين فى الأرض بسبب صبرهم على ظلم فرعون وملئه. قال الزمخشرى : وحسبك به حاثا على الصبر. ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. وعن الحسن : عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله - تعالى - ثم تلا هذه الآية ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا ... ) ومعنى ((خف)) طاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزق رزانة أولى الصبر))(١). ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه﴾ من بناء القصور الشاهقة والمنازل القوية، وما كانوا يرفعونه من البساتين، والصروح المشيدة، كصرح هامان وغيره. و﴿يعرشون﴾ بكسر الراء وضمها - أى يرفعون من العرش وهو الشىء المسقفَ المرفوع. قال الجمل : وقوله ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه﴾ فى إعرابه أوجه : أحدها : أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم، والجملة الكونية صلة والعائد محذوف. والتقدير: ودمرنا الذى كان فرعون يصنعه. والثانى: أن اسم كان ضمير عائد على ما الموصولة، ويصنع مسند لفرعون. والجملة خبر عن كان، والعائد محذوف، والتقدير: ودمرنا الذى كان هو يصنعه فرعون. الثالث: أن تكون كان زائدة وما مصدرية والتقدير ودمرنا ما يصنع فرعون أى : صنعه))(٢). وهكذا تنهى السورة الكريمة هذا الدرس بذكر ما أصاب الظالمين والغادرين من دمار وخراب، وما أصاب المستضعفين الصابرين من خير واستخلاف فى الأرض. ثم بدأت السورة بعد ذلك مباشرة حديثًا طويلا عن هؤلاء المستضعفين من بنى إسرائيل بينت فيه ألوانا من جحودهم لنعم الله، ونسيانهم لماكانوا فيه من ذل واستعباد، وتفضيلهم (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص ١٤٩ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ١٨٥. ٣٦٤ المجلد الخامس عبادة الأصنام على عبادة الخالق - عز وجل وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم، واستمع إلى القرآن وهو يحكى لونا من رذائلهم فيقول : وَجَوَزْنَابِبَنِىّ إِسْرَّهِ يَلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْيَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٦) إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرُمَّاهُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهًا مَّا كَانُوايَعْمَلُونَ. وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿١) وَإِذْ أَ نَجَيْنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَلِّلُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ إن هذه الآيات تحكى قصة عجيبة لبنى إسرائيل ملخصها : أنهم بعد أن خرجوا من مصر بقيادة موسى - عليه السلام - تبعهم فرعون وجنوده ليعيدوهم إليها، إلا أن الله - تعالى - انتقم لهم من فرعون وجنده فأغرقهم أمام أعينهم وسار بنو إسرائيل نحو المشرق متجهين إلى الأرض المقدسة بعد أن عبروا البحر، ولكنهم ما إن جاوزوا البحر الذى غرق فيه عدوهم والذى مازالت رماله الرطبة عالقة بنعالهم، حتى وقعت أبصارهم على قوم يعبدون الأصنام، فماذا كان من بنى إسرائيل؟. كان منهم أن عاودتهم طبيعتهم الوثنية، فطلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - الذى جاء لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ظلم أن يصنع لهم آلهة من جنس الآلهة التى يعبدها أولئك القوم . وهنا غضب عليهم موسى غضبًا شديدًا. ووصفهم بأنهم قوم يجهلون الحق، وبين لهم فساد ما عليه المشركون، وذكرهم بما حباهم الله - تعالى - به من نعم جزيلة، يوجب عليهم إفراده بالخضوع والعبادة والطاعة والشكر. ۔۔۔ ٣٦٥ سورة الأعراف وقوله - تعالى - ﴿وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر﴾ بيان للمنة العظيمة التى منحهم الله إياها، وهى عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه، فأصبح طريقا يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى، يصحبهم لطف الله، وتحدوهم عنايته ورعايته. وجاوز بمعنى أصل الفعل الذى هو جاز، أى: قطعنا بهم البحر. يقال: جاز الوادى وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره. والمراد بالبحر: بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر. وقوله تعالى ﴿فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم﴾ بيان لما شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم، فماذا كانت نتيجة هذه المشاهدة؟ لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما شاهدوه، وأن ينفروا مما أبصروه، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب فى ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه، ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ذل وهوان، قد تمت على يد نبيهم الذى دعاهم إلى توحيد الله - تعالى - لکی يزيدهم من فضله . ولكن طبيعة بنى إسرائيل المعوجة لم تفارقهم، فهاهم أولاء ما إن وقعت أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام لهم(١)، حتى انجذبوا إليها وطلبوا من نبيهم الذى جاء لهدايتهم، أن يجعل لهم وثنًا كغيرهم لكى يعبدوه من جديد. لقد حكى القرآن عنهم أنهم عندما شاهدوا هذا المنظر، ما لبثوا أن قالوا لنبيهم ﴿يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. قالوا ذلك لأن الإِيمان لم يستقر فى قلوبهم، ولأن ما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم، ما زال متمكنًا من نفوسهم، ومسيطرًا على عقولهم، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كما تصيب الأبدان، وهكذا طبيعة بنى إسرائيل ما تكاد تهتدى حتى تضل، وما تكاد ترتفع حتى تنحط؛ وما تكاد تسير فى طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس. وفى قولهم لنبيهم ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ بصيغة الأمر؛ أكبر دليل على غباء عقولهم، وسوء أدبهم؛ لأنهم لو استأذنوه - مثلا - فى اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة؛ ولكن الذى حصل منهم أنهم طلبوا منه - وهو نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله تعالى؛ والمنقذ لهم من عدوهم الوثنى الجبار - أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لكى يعبدوه کغیرهم !!. (١) اختلف المفسرون فى شأن القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم عند مرور بنى إسرائيل بهم، فقيل هم من عرب لخم. وقيل هم من لخم وجذام. وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى - قومه بقتالهم، وقيل إنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر. ٣٦٦ المجلد الخامس قال القرطبى : ونظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط - لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم أى يعلقونه - وكان الكفار يعظمون هذه الشجرة فى كل سنة يومًا، قال الأعراب: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله وَّر((الله أكبر. قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة (١) حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه)) وكان هذا فى مخرجه إلى حنين(٢). ولقد غضب موسى - عليه السلام - من طلبهم هذا - وهو الغضوب بطبيعته لربه ودينه - فرد عليهم ردًا قويًّا فيه توبيخ لهم وتعجب من قولهم بعد أن رأوا من المعجزات ما رأوا فقال : ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ أى : إنكم يا بنى إسرائيل بطلبكم هذا برهنتم على أنكم قوم قد ملأ الجهل قلوبكم، وغطى على عقولكم، فصرتم لا تفرقون بين ما عليه هؤلاء من ضلال مبين، وبين ما تستحقه الألوهية من صفات وتعظيم ولم يقيد ما يجهلونه ليفيد أنه جهل كامل شامل يتناول فقد العلم، وسفه النفس، وفساد العقل. وسوء التقدير. وبعد أن كشف لهم سوء حالهم، وفرط جهالاتهم، بين لهم فساد ما طلبوه فى ذاته، وقبح عاقبة من أرادوا تقليدهم، فقال لهم بأسلوب الاستئناف المفيد للتعليل ﴿إن هؤلاء متبر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾. متبر : من التتبير بمعنى الإِهلاك أو التكسير والتحطيم يقال : تبره يتبره وتبره أى أهلكه ودمره . أى: إن هؤلاء الذين تبغون تقليدهم فى عبادة الأوثان، محكوم على ما هم فيه بالدمار، ومقضى على ما يعملونه من عبادة الأصنام بالاضمحلال والزوال لأن دين التوحيد سيظهر فى هذه الديار، وستصير العبادة لله الواحد القهار. وبهذا الرد يكون موسى - عليه السلام - قد كشف لقومه عن سوء ما يطلبون، وصرح لهم بأن مصير ما يبغونه إلى الهلاك والتدمير. قال الإِمام الرازى: (والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من عبادة ذلك العجل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول فى هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى فى القلب حتى تصير الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها، فإذا اشتغل الإِنسان بعبادة غير الله تعلق قلبه بغيره، ويصير ذلك التعلق سببا (١) القذة: ريش السهم. قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. (٢) تفسير القرطبى جـ٧ ص ٢٧٣ . ٣٦٧ سورة الأعراف لإِعراض القلب عن ذكره تعالى. وإذا ثبت هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل وضائع. وسعى فى تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله - تعالى - فى القلب. والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفته عن القلب، فكان هذا ضد الغرض ونقيضا للمطلوب - والله أعلم -)(١). ثم مضى موسى - عليه السلام - يستنكر عليهم هذا الطلب، ويبين لهم أن الله وحده هو المستحق للعبادة فقال: ﴿أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين﴾. أى قال موسى - عليه السلام مذكرا قومه بنعم الله عليهم الموجبة لإِفراده بالعبادة والخضوع: أغير الله أطلب لكم معبودًا أحملكم على العبودية له، وهو فضلكم على عالمی زمانكم، وقد كان الواجب عليكم أى تخصوه بالعبادة، كما اختصكم هو بشتى النعم الجليلة. فالاستفهام فى الآية الكريمة للانكار المشرب معنى التعجب لابتغائهم معبودا سوى الله - تعالى - الذى غمرهم بنعمه، وأحاطهم بألوان إحسانه. و((غير)» كما قال الجمل - منصوب على أنه مفعول به لأبغيكم على حذف اللام والتقدير: أأبغى لكم غير الله إلها، فلما حذف الحرف وصل الفعل بنفسه وهو غير منقاس. و(( إلها)) تمييز لغير. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة إنجائهم من العذاب والتنكيل، ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون، فقال تعالى: ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾. ((إذا)) بمعنى وقت، وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو اذكروا أى : اذكروا وقت أن أنجيناكم من آل فرعون. والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث. وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه. ويطلق غالبًا على أولى الشأن والخطر من الناس، فلا يقال آل الحجام أو الاسكاف. و﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه من السوم وهو مطلق الذهاب، أو الذهاب فى ابتغاء الشىء. يقال: سامت الابل فهى سائمة، أى ذهبت إلى المرعى. وسام السلعة، إذا طلبها وابتغاها. والسوء - بالضم - كل ما يحزن الإِنسان ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية. ويستحيون : أى يستبقون. يقال: استحياه أى: استبقاه، وأصله: طلب له الحياة والبقاء. (١) تفسير الرازى جـ ٤ ص ٢٩١. ٣٦٨ المجلد الخامس والبلاء : الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشر. والمعنى : واذكروا يا بنى إسرائيل لتعتبروا وتتعظوا وتشكروا الله على نعمه وقت أن أنجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون نفوس نسائكم ليستخدموهن ويستذلوهن. وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه امتحان لكم لتشكروا الله على نعمه، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الاذلال فى الدنيا، والعذاب فى الأخرى. وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه هو الآمر بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له على إذاقتهم سوء العذاب، وفى إنزال ألوان الأذلال بهم. وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل - مع أنه فى ظاهره نعمة لهم - لأن هذا الابقاء على النساء كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن، واستعمالهن فى شتى أنواع الخدمة، وإذلالهن بالاسترقاق، فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل؛ وعذاب أليم، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الحرة الأبية. قال الامام الرازى ما ملخصه: فى قتل الذكور دون الاناث مضرة من وجوه : أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال، وذلك يقضى انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا. ثانيها : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة. فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها الرجال. لما قد تقع فيه من نكد العيش بالانفراد. ثالثها : ان قتل الولد عقب الجمل الطويل، وتحمل الكل، والرجاء القوى فى الانتفاع به من أعظم العذاب. فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. رابعًا: أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء. وذلك نهاية الذل والهوان(١). وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا الأطفال لا البالغين، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال لما قامت أم موسى بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. (١) تفسير الفخر الرازى جـ١ ص ٣٨٥. ٣٦٩ سورة الأعراف ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال، لا الأطفال، لأن لفظ الأبناء هنا جعل فى مقابلة النساء، والنساء هن البالغات. والذى نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الانجاء، حيث كان آل فرعون يقتلون الصغار قطعًا للنسل، ويسترقون الأمهات استعبادًا لهن، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت. وبهذا تكون الآيات الكريمة قد ردت على بنى إسرائيل فيما طلبوا أبلغ رد وأحكمه، ووصفتهم بما هم أهله من سوء تدبير، وسفاهة تفكير. فقد بدأت بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، حيث طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها كما لغيرهم آلهة، ثم ثنت بإظهار فساد ما طلبوه فى ذاته، لأن مصيره إلى الزوال والهلاك، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون الهًا، ثم بينت بعد ذلك بأن العبادة لغير الله لا تجوز بأى حال، لأنه هو وحده صاحب الخلق والأمر، ثم ذكرتهم فى ختامها بوجوه النعم التى أسبغها الله عليهم، لتشعرهم بأن ما طلبوه من نبيهم، هو من قبيل مقابلة الاحسان بالجحود والنكران، ولتحملهم على أن يتدبروا أمرهم، ويراجعوا أنفسهم، ويتوبوا إلى خالقهم توبة صادقة نصوحا. ان كانوا ممن ينتفع بالعظات ويعتبر بالمثلات. ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهد تطلع موسى - عليه السلام - للقاء ربه، ووصيته لأخيه هارون قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم فقالت : . وَوَعَدْنَا مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّيِعْ وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ, سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (٤) رَبُّهُ قَالَ رَبٍ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَنِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَبِّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ١٤٣ ٣٧٠ المجلد الخامس قَالَ يَمُوسَىّ إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَمِى ١٤٤ فَخُذْ مَآءَ اتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ قال صاحب الكشاف: ((روى أن موسى - عليه السلام - وعد بنى إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم اتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذى القعدة، فلما اتم الثلاثين انكر خلوف فمه فتسوك. فقالت له الملائكة : كنا نشم من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله - تعالى - ان يزيد عليها عشرة أيام من ذى الحجة لذلك. وقيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما وان يعمل فيها بما يقربه من الله ثم انزل الله عليه فى العشر التوراة وكلمه فيها))(١). والمواعدة مفاعلة من الجانبين، وهى هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أن الله - تعالى - أمر موسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدًا لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو ويعقوب ((وعدنا)). وقيل المفاعلة على بابها على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال. وقوله ﴿ثلاثين﴾ مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف، أى: إتمام ثلاثين ليلة أو إتيانها. والضمير فى قوله ﴿وأتممناها بعشر﴾ يعود على المواعدة المفهومة من قوله ﴿واعدنا﴾ أى: وأتممنا مواعدته بعشر، أو أنه يعود على ثلاثين : وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه، أى: وأتممناها بعشر ليال. و﴿أربعين﴾ منصوب على الحالية أى: فتم ميقات ربه بالغًا أربعين ليلة. ثم حکی - سبحانه - ما وصى به موسی أخاه هارون فقال : ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفنى فى قومى﴾ أى: قال موسى لأخيه هارون حين استودعه ليذهب لمناجاة ربه: كن خليفتى فى قومى، وراقبهم فيما يأتون ويذرون فإنهم فى حاجة إلى ذلك لضعف إيمانهم، واستيلاء الشهوات والأهواء عليهم ﴿وأصلح ولا تتبع طريق المفسدين﴾ الذين ﴿إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا﴾. وإننا لنلمح من هذه الوصية أن موسى - عليه السلام - كان متوقعًا شرًا من قومه، ولقد ٤ (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص١٥١. ٠ ٣٧١ سورة الأعراف صح ما توقعه، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلوا جانب اللين فى هارون فعبدوا عجلا جسدًا له خوار صنعه لهم السامرى .. ثم حكى القرآن ما كان من موسى عندما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال : ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وکلمه ربه﴾ أى: وحین حضر موسى لموقتنا الذی وقتناه له وحددناه، وكلمه ربه، أی : خاطیه من غير واسطة ملك ﴿قال رب أرنى أنظر إليك﴾ أى: قال موسی حین کلمه ربه وسمع منه : رب أرنى ذاتك الجليلة. والمراد مكنى من رؤيتك. أو تجل لى أنظر إليك وأراك. و﴿أرنى﴾ فعل أمر مبنى على حذف الياء. وياء المتكلم مفعول، والمفعول الثانى محذوف أى: ذاتك أو نفسك ولم يصرح به لأنه معلوم، وزيادة فى التأدب مع الخالق -عز وجل -. وجملة ﴿قال لن ترانى﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيا، كأنه قيل: فماذا قال الله - تعالى - حين قال موسى ذلك، فكان الجواب ﴿قال لن ترانى﴾ أى: لن تطيق رؤيتى، وأنت فى هذه النشأة وعلى الحالة التى أنت عليها فى هذه الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية، أما فى الآخرة فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم فى روضات الجنات. ثم قال - تعالى - ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى﴾ أى: لن تطيق رؤيتى يا موسى وأنت فى هذه الحياة الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل الذى هو أقوى منك، فإن استقر مكانه أى ثبت مكانه حين أتجلى له ولم يتفتت من هذا التجلى، فسوف ترانى أى تثبت لرؤيتى إذا تجليت لك وإلا فلا طاقة لك برؤيتى. وفى هذا الاستدراك ﴿ولكن انظر﴾ ... الخ، تسلية لموسى - عليه السلام - وتلطف معه فى الخطاب، وتكريم له، وتعظيم لأمر الرؤية، وأنه لا يقوى عليها إلا من قواه الله بمعونته. ثم بين - سبحانه - ما حدث للجبل عند التجلى فقال : ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ أى : فحين ظهر نوره - سبحانه - للجبل على الوجه اللائق بجلاله ﴿جعله دكا﴾ أى مدقوقا مفتتا، فنبه - سبحانه - بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابته مادام لم يستقر عند هذا التجلى، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. والدك والدق بمعنى، وهو تفتيت الشىء وسحقه وفعله من باب رد. قال الألوسى : وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التى يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم، أو التأويل بما يليق بجلال ذاته - تعالى -. وقوله ﴿وخر موسى صعقا﴾ أى: سقط من هول ما رأى من النور الذى حصل به التجلى مغشيا عليه، كمن أخذته الصاعقة. ٣٧٢ المجلد الخامس يقال : صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق أى: غشى عليه . وقوله: ﴿فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ أى: فلما أفاق موسى من غشيته، وعاد إلى حالته الأولى التى كان عليها قبل أن يخر مغشيا عليه، قال تعظيما لأمر الله ﴿سبحانك﴾ أى تنزيها لك من مشابهة خلقك فى شىء ﴿تبت إليك﴾ من الإقدام على السؤال بغير إذن ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ بعظمتك وجلالك أو وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد. قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون : ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. قال ابن کثیر: وهو قول حسن. هذا، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية فى الحديث عن رؤية الله - تعالى - وعلى رأس هذا البعض الإِمام الألوسى، فقد قال - رحمه الله -: ((واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته - سبحانه - بهذه الآية على جوازها فى الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك، وقامت الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام فى ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين : الأول : أن موسى - عليه السلام - سألها بقوله ﴿رب أرنى أنظر إليك﴾ ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عالما بالاستحالة فالعالم - فضلا عن النبى مطلقا، فضلا عمن هو من أولى العزم- لا يسأل المحال ولا يطلبه. وإن لم يكن عالما بذلك، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلم بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبى الصفى، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز. والثانى : أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن فى ذاته وما علق على الممكن ممکن )). ثم قال ما ملخصه : واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا نسلم أن موسى سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضرورى به - تعالى - إلا أنه عبر عنه بالرؤية مجازًا. أو أنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف، أى: أرنى أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة. أو أنه سأل الرؤية لا لنفسه ولكن لدفع قومه القائلين ﴿أرنا الله جهره﴾ وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ فى دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيها بالأدنى على الأعلى. واعترضوا على الوجه الثانى بأنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن، لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط، لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا، بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته. ٣٧٣ سورة الأعراف ثم أورد الألوسى بعد ذلك مارد به كل فريق على الآخر مما لامجال لذكره هنا (١). والذى نراه أن رؤية الله فى الآخرة ممكنة كما قال أهل السنة لورود الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التى تشهد بذلك، أما فى الدنيا فقد منع العلماء وقوعها، وقد بينا ذلك بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى - ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾(٢). ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كرم الله - تعالى - به موسى - عليه السلام فقال: ﴿قال يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى﴾. الاصطفاء. افتعال من الصفوة، وصفوة الشىء خالصه وخياره أى : قال الله تعالى - لموسى إنى اخترتك واجتبيتك على الناس الموجودين فى زمانك لأن الرسل كانوا قبل موسى وبعده، فهو اصطفاء على جيل معين من الناس بحكم هذه القرينة. وقوله ﴿برسالات﴾ أى: بأسفار التوراة، أو بإرسالى إياك إلى من أرسلت إليهم. و﴿بكلامى﴾ أى: بتكليمى إياك بغير واسطة قال - تعالى - ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. والجملة الكريمة مسوقة لتسليته - عليه السلام - عما أصابه من عدم الرؤية فكأنه - سبحانه - يقول له : إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه ودم علی شکری. وقدم الرسالة على الكلام لأنها أسبق، أو ليترقى إلى الأشرف. ثم قال - تعالى - ﴿فخذ ما آتيك وكن من الشاكرين﴾ أى: فخذ يا موسى ما أعطيتك من شرف الاصطفاء والنبوة والمناجاة وكن من الراسخين فى الشكر على ما أنعمت به عليك، فأنت أسوة وقدوة لأهل زمانك. وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاجِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْبِأَ حْسَنِهَا سَأُوْرِيَّكُ ١٤٥) دَارَ الْفَسِقِينَ (١) تفسير الآلوسى جـ ٩ من ص ٤٦ - ٥٥. (٢) راجع تفسير سورة الأنعام ص٢٢٨. ٣٧٤ المجلد الخامس ثم فصل - سبحانه - بعض النعم التى منحها لنبيه موسى وقال: ﴿وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء﴾. والمراد بالألواح كما قال ابن عباس - ألواح التوراة، واختلف فى عددها فقيل: سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك. كما اختلف فى شأنها فقيل كانت من سدر الجنة، وقيل كانت من زبرجد أو زمرد .... إلخ. والذى نراه تفويض معرفة ذلك إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح عن رسول الله - 19 - فى عددها أو كيفيتها. والمعنى : وكتبنا لموسى - عليه السلام - فى ألواح التوراة من كل شىء يحتاجون إليه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح. ليكون ذلك موعظة لهم من شأنها أن تؤثر فى قلوبهم ترغيبًا وترهيبًا، كما كتبنا له فى تلك الألواح تفصيل كل شىء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية. وإسناد الكتابة إلیه - تعالى - إما على معنی أن ذلك كان بقدرته - تعالی - وصنعه ولا کسب لأحد فيه، وإما على معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو ملك من ملائكته - عز وجل -. قال صاحب المنار: قال بعض المفسرين: إن الألواح كانت مشتملة على التوراة : وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة. والراجح أنها كانت أول ما أوتيه من وحى التشريع فكانت أصل التوراة الإِجمالى، وكانت سائر الأحكام من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها الله - تعالى - فى أوقات الحاجة إليها))(١). وقوله ﴿موعظة وتفصيلا لكل شىء﴾ بدل من قوله ﴿من كل شىء﴾ باعتبار محله وهو النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة. أى: كتبنا له فيها كل شىء من المواعظ وتفصيل الأحكام. والضمير فى قوله - تعالى - ﴿فخذها بقوة﴾ يعود إلى الألواح. والفاء عاطفة لمحذوف على كتبنا، والمحذوف هو لفظ قلنا وقوله ﴿بقوة﴾ حال من فاعل خذها أى: كتبنا له فى الألواح من كل شىء، وقلنا له خذها بقوة أى بجد وحزم، وصبر وجلد، لأنه - عليه السلام - قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد وهم فى الذل والاستعباد، فإذا لم يكن المتولى الإِرشادهم وإلى ما فيه هدايتهم ذا قوة وصبر ويقين، فإنه قد يعجز عن تربيتهم. ويفشل فى تنفيذ أمر الله فيهم. قال الجمل : وقوله - تعالى - ﴿وأمر قومك یأخذوا بأحسنها﴾ أى التوراة ومعنى بأحسنها (١) تفسير المنار جـ ٩ ص ١٩٠. ٣٧٥ سورة الأعراف بحسنها إذ كل ما فيها حسن، أو أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، وفعل الخير أحسن من ترك الشر، وذلك لأن الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان تحمل على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب. أو أن فيها حسنًا وأحسن كالقود والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به والمباح فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا (١). وقوله - تعالى - ﴿سأوريكم دار الفاسقين﴾ توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والتهديد. أى: سأريكم عاقبة من خالف أمرى، وخرج عن طاعتى، كيف يصير إلى الهلاك والدمار، فتلك سنتی التى لا تتغير ولا تتبدل. قال ابن كثير: وإنما قال ﴿سأوريكم دار الفاسقين﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدًا ما يصير إليه حال من خالفنى على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره(٢) وقيل المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه وهى مصر، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فيصيبكم ما أصابهم. وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم. وقيل المراد بها أرض الشام التى كان يسكنها الجبارون. فإنهم لم يدخلوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد يوشع بن نون. والذى نراه أن الرأى الأول أرجح، لأن الآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله فى خلقه، وهذه السنة تتمثل فى أن كل دار تفسق عن أمر ربها تكون عاقبتها الذل والدمار، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد بدار الفاسقين. فالآية الكريمة قد اشتملت على جانب من مظاهر نعم الله على نبيه موسى -عليه السلام - كما اشتملت على الأمر الصريح منه - سبحانه - له بأن يهيء نفسه لحمل تكاليف الرسالة بعزم وصبر، وأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأكملها وأعلاها بدون ترخيص أو تحايل، لأنهم قوم كانت طبيعتهم رخوة وعزيمتهم ضعيفة، ونفوسهم منحرفة. كما اشتملت على التحذير الشديد لکل من يخرج عن طاعة الله وينتهك حرماته. ثم بين - سبحانه - عاقبة من يتكبرون فى الأرض بغير الحق فقال - تعالى - : (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ١٩٠. (٢) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٢٤٦. ٣٧٦ المجلد الخامس سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَ إِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأ سَبِيلَ الْغَىّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْبِمَايَتِنَا ◌ٌ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوَأْبِعَايَتِنَا وَلِقَاءٍ وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ اُلْأَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٤٧ قوله - تعالى - ﴿سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق﴾ استئناف مسوق لبيان أن أعداء دعاة الحق هم المستكبرون، لأن من شأن التكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على وجوه الخير. ومعنى صرف هؤلاء المتكبرين عن الانتفاع بآيات الله وحججه، منعهم عن ذلك بالطبع على قلوبهم لسوء استعدادهم لا يتفكرون ولا يتدبرون ولا يعتبرون. أى: سأطبع على قلوب هؤلاء الذين يعدون أنفسهم كبراء، ويرون أنفسهم أنهم أعلى شأنًا من غيرهم، مع أنهم أجهل الناس عقلا، وأتعسهم حالا . وقوله ﴿بغير الحق﴾ صلة للتکبر على معنی یتكبرون ويتطاولون بما ليس بحق وهو دینهم الباطل، وسفههم المفرط، أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله، أى يتكبرون متلبسين بغير الحق . ثم بين - سبحانه - ما هم عليه من عناد وجحود فقال: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾ أى: وإن يروا كل آية من الآيات التى تهدى إلى الحق وترشد إلى الخير لا يؤمنوا بها لفساد قلوبهم، وحسدهم لغيرهم على ما آتاه الله من فضله، وتكبرهم على الناس. والجملة الكريمة معطوفة على جملة ﴿يتكبرون فى الأرض بغير الحق﴾ داخلة معها فى حكم الصلة. والمقصود بالآية إما المنزلة فيكون المراد برؤيتها مشاهدتها والإِحساس بها عن طريق السماع. وإمَّا ما يعمها وغيرها من المعجزات، فيكون المراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإِبصار. ٣٧٧ سورة الأعراف ﴿وإن يروا سبيل الرشد﴾ أى: الصلاح والاستقامة والسداد ﴿لا يتخذوه سبيلا﴾ أى: لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه لمخالفته لأهوائهم وشهواتهم ﴿وإن يروا سبيل الغى﴾ أى : طريق الضلال عن الحق ﴿يتخذوه سبيلا﴾ أی: طريقًا يميلون إليه، ویسیرون فيه بدون تفكر أو تدبر. وهذا شأن من مرد على الضلال، وانغمس فى الشرور والآثام. إنه لإِلفه المنكرات صار الحسن عنده قبيحا والقبيح حسنا، وصدق الله إذ يقول: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا﴾ . ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان الأسباب التى أدت بهم إلى هذا الضلال العجيب فقال - تعالى: ﴿ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين﴾ أى: ذلك المذكور من التكبر وعدم الإِيمان بشىء من الدلائل الدالة على الحق وإعراضهم عن سبيل الهدى. وإقبالهم التام على طريق الغواية، كائن بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على بطلان ما هم عليه من أباطيل، وبسبب أنهم كانوا عن هذه الآيات غافلين لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بما اشتملت عليه من عظات. فالله - تعالى - لم يخلقهم مطبوعين على شىء مما ذكر طبعًا، ولم يجبرهم ويكرههم عليه إكراهًا، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته الدالة على الحق. واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده، أى: ذلك الصرف بسبب تکذیبھم . ثم قال - تعالى - ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم﴾ أى: بطلت وفسدت وصارت هباء منثورا، بسبب تكذيبهم لآيات الله، وإنكارهم للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. والاستفهام فى قوله ﴿هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾ للنفى: أى: لا يجزون يوم القيامة إلا الجزاء الذى يستحقونه بسبب أعمالهم فى الدنيا. فربك - سبحانه - لا يظلم أحدا. وقوله ﴿والذين كذبوا﴾ فى خبره وجهان : أحدهما: أنه الجملة من قوله: ﴿حبطت أعمالهم﴾ وهل يجزون خبر ثان أو مستأنف. والثانى: أن الخبر ﴿هل يجزون) والجملة من قوله ﴿حبطت أعمالهم﴾ فى محل نصب على الحال وقد مضمرة عند من يشترط ذلك، وصاحب الحال فاعل كذبوا. وقوله ﴿ولقاء الآخرة﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف والتقدير: ولقائهم الآخرة. ٣٧٨ المجلد الخامس والثانى: أنه من باب إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله فى الآخرة))(١). ثم قصت السورة علينا رذيلة من رذائل بنى إسرائيل المتعددة، وذلك أنهم بعد أن تركهم موسى - عليه السلام - وذهب لمناجاة ربه مستخلفا عليهم أخاه هارون، انتهزوا لين جانب هارون معهم، فعبدوا عجلا جسدًا له خوار صنعه لهم السامرى من الحلى التى استعارها نساؤهم من نساء قبط مصر. وحاول هارون - عليه السلام - أن يصدهم عن ذلك بشتى السبل، ولكنهم أعرضوا عنه قائلین ﴿لن نبرح علیه عاکفین حتی یرجع إلینا موسى﴾، وأعلم الله - تعالى - موسی بما حدث من قومه فى غيبته فعاد إليهم مغضبا حزينا، فوبخهم على كفرهم وجهالاتهم، وعاتب بشدة أخاه هارون لتركه إياهم يعبدون العجل ولكن هارون اعتذر له، وأقنعه بأنه لم يقصر فى نصيحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين. وعلى مشهد من بنى إسرائيل أحرق موسى العجل، وقال للسامرى رأس الفتنة ومدبرها ﴿وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم نسفَاء إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علمًا﴾ وبذلك أثبت موسى - عليه السلام - لقومه أن المستحق للعبادة إنما هو الله رب العالمين. واستمع معى إلى هذه الآيات التى قصت علينا ما حدث منهم بأسلوبها البليغ فقالت : وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيِّهِمْ عِجْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْيَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًاً اْتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾ وَاسُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْقَالُواْ لَيْنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (١٤٩ وَلَمَّارَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ غَضَْنَ أَسِفَا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىِّ أَعَِْتُمْ أَمْرَرَبِكُمْ وَاَلْقَى أَلْأَ لْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٦١ . ٣٧٩ سورة الأعراف أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُمَّإِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّجْعَلِّ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْ خِلْنَا فِي رَحْتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ﴿﴿ إِنَّالَّذِينَ آَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ ﴿٥) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ١٥٣ قوله تعالى: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار﴾ بيان لما صنعه بنو إسرائيل بعد فراق موسى - عليه السلام - لهم، وذهابه لتلقى التوراة عن ربه. مستخلفا عليهم أخاه هارون. واحلى(١) - بضم الحاء والتشديد - جمع حلی - بفتح فسکون - کٹدی وثدی - وهی اسم لما يتزين به من الذهب والفضة، وهذه الحلى كان نساء بنى إسرائيل - قبيل خروجهن من مصر - قد استعرنها من نساء المصريين، فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه، بقيت تلك الحلی فی أیدیهن، فجمعها السامری بحجة أنها لا تحل لهن، وصاغ منها عجلا جسدا له خوار، وأوهمهم بأن هذا إلههم وإلله موسى فعبدوه من دون الله. قال الحافظ ابن کثیر: (وقد اختلف المفسرون فى هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار، أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر، على قولين والله أعلم(٢) والمعنى : واتخذ قوم موسى من بعد فراقه لهم لأخذ التوراة عن ربه عجلا جسدا له صوت البقر ليكون معبودا لهم. (١) قال القرطبى: (من حليهم) هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة إلا عاصا (من حليهم) بكسر الحاء، وقرأ يعقوب حليهم (بفتح الحاء والتخفيف). اهـ حـ٧ ص ٢٨٤. ۔۔۔ (٢) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٢٤٧ . 1 ٣٨٠ المجلد الخامس وقوله ﴿عجلا﴾ مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل. وقيل إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثانى محذوف أى: إلها. و﴿جسدا﴾ بدل من ﴿عجلا﴾ أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسدا. قال صاحب الكشاف : (فإن قلت لم قيل : ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا﴾ والمتخذ هو السامرى؟ قلت فيه وجهان : أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهُمُ باشره ووجد بين ظهرانيهم، كما يقال بنوتميم قالوا كذا، وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد. ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه. والثانى: أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن الحلى لهم إنما كانت عارية فى أيديهم؟ قلت : الإِضافة تكون بأدنى ملابسه وكونها عوارى فى أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل﴾(١) اهـ. وقوله تعالى: ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا﴾ تقريع لهم على جهالاتهم. وبيان لفقدان عقولهم، والمعنى : أبلغ عمى البصيرة بهؤلاء القوم، أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجل، أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر، من الكلام والارشاد إلى أى طريق من طرق الإِفادة، وليس ذلك من صفات ربهم الذى له العبادة، لأن من صفاته - تعالى - أنه يكلم أنبياءه ورسله، ويرشد خلقه إلى طريق الخير، وينهاهم عن طرق الشر !! ثم أكد - سبحانه - ذمهم بقوله ﴿اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ أى: اتخذوا العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأى كلام، ولا يرشدهم إلى أى طريق، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير الله، وبوضعهم الأمور فى غير مواضعها. وفى التعبير عن ظلمهم بلفظ (كانوا) المفيد للدوام والاستمرار، إشعار بأن هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل هذا الاتخاذ وأن ما صدر عنهم ليس بدعا منهم ولا أول مناكيرهم، فقد سبق لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون﴾. ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى: ﴿ولما سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ أى وحين اشتد (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص ١٥٩ .