النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
.سورة المائدة
إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس. وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية ﴿يأيها
الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾(١) فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة فيما
يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس فى غير أوقات الصلاة، حتى نزلت : ﴿يأيها الذين آمنوا
إنما الخمر والميسر﴾ الآية. فصارت حرامًا عليهم حتى صار بعضهم يقول: ما حرم الله شيئًا
أشد من الخمر))(٢).
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع أنه قال: لما نزلت آية البقرة ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾
قال رسول الله وَلير: ((إن ربكم يقدم فى تحريم الخمر))، ثم نزلت آية النساء: ﴿لا تقربوا
الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقال له: ((إن ربكم يقدم فى تحريم الخمر))، ثم نزلت آية المائدة :
﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ فحرمت عند ذلك.
ولما سمع عمر قوله - تعالى - ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال: انتهينا يارب(٣)
ولا شك فى أن تدرج القرآن فى تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة الله -تعالى- بعباده
المؤمنين وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودوه بسهولة ويسر وذلك لأن شرب الخمر كان من
العادات المتأصلة فى النفوس ويكفى للدلالة على حب العرب لها قول أنس بن مالك : حرمت
الخمر ولم يكن للعرب عيش أعجب منها. وما حرم عليهم شىء أشد عليهم من الخمر)).
ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يحبونه ويشتهونه، يمثل اسمى ألوان الطاعة
والاستجابة لأمر الله - تعالى - فعندما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها فى الطرقات،
بل وحطموا الأوانى التى كانت توضع فيها الخمر.
أخرج البخارى عن أنس قال: كنت ساقى القوم فى منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ
الفضيخ - أى: نقيع البسر فأمر رسول الله وَ لير مناديا ينادى ((ألا إن الخمر قد حرمت)).
قال: فقال لى أبو طلحة: أخرج فأهرقها. قال: فخرجت فهرقتها فجرت فى سكك
المدينة (٤).
وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة،
وأبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبى دجانة حتى مالت رءوسهم من
(١) سورة النساء الآية ٣°٤
(٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٨٦
(٣) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ١٧
(٤) البخارى فى باب: صب الخمر من كتاب ((المظالم والغضب)) جـ ٣ ص ١٧٣.

٢٨٢
المجلد الرابع
خليط بسر وتمر، فسمعنا مناديا ينادى: إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل
ولا خرج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضًا بعضنا، واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى
المسجد وإذا رسول الله و ﴿ يقرأ ﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ .. إلى قوله ﴿فهل أنتم
منتهون﴾ .
فقال رجل لقتادة : سمعته من أنس بن مالك؟ قال : نعم وقال رجل لأنس أنت سمعته من
رسول الله ◌َ﴾؟ قال: نعم. وحدثنى من لم يكذب: والله ماكنا نكذب، ولا ندرى
ما الكذب(١).
وأخرج ابن جرير - أيضًا- عن أبى بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا،
ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتى رسول الله و سلام فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر
﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ .. الآيات. فجئت إلى أصحابى فقرأتها عليهم، إلى
قوله : ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال: وبعض القوم شربته فى يده قد شرب بعضًا وبقى بعض
الإِناء، فقال بالإِناء تحت شفته(٢) العليا، كما يفعل الحجام. ثم صبوا ما فى باطيتهم، فقالوا:
انتهينا ربنا، انتهينا ربنا»(٣)
وهكذا ترى أن قوة الإِيمان التى غرسها الإِسلام فى نفوس اتباعه عن طريق تعاليمه الحكيمة
وتربيته السامية. قد تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع إلفا
شدیدًا.
٢ - أن كلمة خمر اسم لما خامر العقل وغطاه من الأشربة المسكرة، سواء كانت من عصير
العنب، أم من الشعير، أم من التمر، أم من غير ذلك وكلها سواء فى التحريم قل المشروب
منها أو كثر، سكر شاربها أو لم يسكر، وأن على الشارب حد الشرب فى الجميع.
وبهذا القول قال جمهور العلماء : ومن أدلتهم النقلية ما أخرجه البخارى عن ابن عمر قال :
خطب عمر على منبر رسول الله وير فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهى خمسة أشياء: ((العنب
والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل)).
وأخرج أيضًا عن عائشة قالت: ((سئل رسول الله - ولفر عن البتع - وهو نبيذ العسل- وكان
(١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٣٧.
(٢) قوله: ((فقال بالإِناء)) الفعل قال هنا بمعنى أخذ أو فعل: والمعنى أنه أخذ الإِناء الذى يشرب فيه الخمر فضرب به
تحت شفته العليا حتى جرحها كما يجرح الحجام من يريد حجامته، والقصد من ذلك قهر نفسه والتصميم على الكف عن
شرب الخمر كفا بانا. والباطية : إناء يوضع فيه الخمر.
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٣٤

٢٨٣
سورة المائدة
أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله : ((كل ما أسكر فهو حرام)).
وأخرج كذلك عن أنس قال: ((حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد - يعنى بالمدينة - *
خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر))(١).
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من التمر أو
الحنطة أو الشعير أو العنب يسمى خمرًا.
ومن أدلتهم العقلية أصل الاشتقاق اللغوى لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم
المخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء
أكان من العنب أم من غيره.
ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعى، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى :
أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط. أما المسكر من غيره
كالشراب الذى من التمر والشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذًا.
ومن حججهم أن الخمر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر فى غير المأخوذ من ماء
العنب، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط. وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع
لا يسمى خمرًا: لأن اللغة لا تثبت من طريق القياس.
وقد ورد عن ابن عمر أنه قال: ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىءٍ)).
ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر، فدل على أن ابن عمر - وهو عربى -
ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين.
ويقول الأحناف ومن وافقهم: إن الأحاديث التى استشهد بها الجمهور على أن الخمر اسم
لكل مسكر من عصير العنب أو غيره هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعى، والحرمة بالقياس
لتحقيق علة الحرمة وهى الإِسكار فى القدر المسكر من هذه الأشياء.
وقد ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة هذه
الأشياء، وبوجوب إقامة الحد على شاربها .. الخ وتفصيل هذه الأحكام يرجع فيه إلى كتب
الفقه وأصوله.
هذا، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب إليه الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف
ومن وافقهم.
(١) صحيح البخارى كتاب الأشربة جـ ٧ ص ١٣٦

٢٨٤
المجلد الرابع
قال ابن العربى: وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها
والصحيح مارواه الأئمة أن أنسا قال: ((حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا
القليل، وعامة خمرها البسر والتمر)).
واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم بومئذ خمر عنب وإنما
كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم - أى: أوانى الخمر - وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم
أن ذلك كله خمر (١) - أى: وأقرهم رسول الله على ذلك.
وقال الآلوسي: وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه، أن الشراب المتخذ مما عدا
العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده فهو حرام، وقليله
ككثيره، ويحد شاربه ويقع طلاقه، ونجاسته غليظة. وفى الصحيحين أنه وَّر سئل عن
النقيع - وهو نبيذ العسل - فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)).
وروى أبو داود: ((نهى رسول الله وَلقر عن كل مسكر ومفتر)).
وصح عنه وَّر: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). والأحاديث متضافرة على ذلك.
ولعمرى إن اجتماع الفساق فى زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر، ورغبتهم فيها،
فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير. وقد وضعوا لها أسماء - كالعنبرية
والأكسير - ونحوهما، ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة، وتبيح شربها للأمة
-وهيهات هيهات- فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله وإنا إليه راجعون(٢).
٢٠١٨
٣ - قال القرطبى ما ملخصه: ((فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها،
وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها.
وخالفهم فى ذلك - ربيعة والليث بن سعد والمزنى صاحب الشافعى. وبعض المتأخرين من
البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها.
والصحيح ما عليه الجمهور لأن وصفها بأنها ﴿رجس﴾ يدل على نجاستها فإن الرجس فى
اللسان النجاسة.
وقوله : ﴿فاجتنبوه﴾ يقتضى الاجتناب المطلق الذى لا ينتفع معه بشىء بوجه من الوجوه
وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة فى هذا الباب.
روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله وَ ل راوية خمر، - أى قربة خمر -
(١) أحكام القرآن لابن العربى جـ ١ ص ١٤٩
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١١٣

٢٨٥
سورة المائدة
فقال له رسول الله * ((هل علمت أن الله حرمها)) قال: لا. قال: فسارَّ رجلا فقال له رسول .
اللهِ وَسّ ((بم ساررته))؟ قال: أمرته أن يبيعها، فقال: ((إن الذى حرم شربها حرم بيعها)).
ثم قال القرطبى : وهذه الآيات تدل على أن كل لهو دعا قليله إلى كثيره، وأوقع العداوة
والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، ووجب أن
يكون حرامًا مثله(١).
٤- هذه الآيات الكريمة تدل على تأکید تحريم الخمر وماذکر معها من رذائل، کما تدل على
تحريم ما تؤدى إليه من مفاسد ومضار، وما يحيق بمرتكبها من سوء عاقبة.
وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، ومن هذه
الأحاديث ما رواه الإِمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّر لعنت الخمر على عشرة
أوجه: ((لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها،
وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)).
وقال ابن وهب - قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله وَّر: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى)).
وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبى وَ ليزر قال: «كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن
شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب؛ تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان
حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يارسول الله؟ قال وصله: ((صديد
أهل النار))(٢).
هذا جانب من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن الأحاديث التى
وردت فى حرمة الخمر وفى سوء مصير شاربها.
وقد أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حكم من شربها ومات قبل أن ينزل تحريمها فقال -
تعالى - :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ ثُمَ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْتُمَ اتَّقَوْوَأَحْسَنُواْوَلَّهُيُحِبُّالْحْسِنِينَ
٩٣
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٨٨ - بتصرف وتلخيص
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٢

٢٨٦
المجلد الرابع
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة فى معناها، ومن ذلك مارواه
الترمذى عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبى وَلقر وهم يشربون الخمر. فلما
نزل تحريمها قال ناس من أصحاب الرسول ول# فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها
قال: فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية
وعن ابن عباس قال: قالوا يارسول الله، أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ((لما نزل
تحريم الخمر)) فنزلت ﴿ليس على الذين آمنوا) الآية.
وروى الإمام أحمد من حديث أبى هريرة أنه بعد أن نزل قوله - تعالى- ﴿يأيها الذين آمنوا
إنما الخمر والميسر﴾ الآيات، قال الناس: يارسول الله، ناس قتلوا فى سبيل الله أو ماتوا على
فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؛ وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان؟
فأنزل الله -تعالى -: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية(١).
قال القرطبى : وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت
﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾.
ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شىء، لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم
ولا أجر ولا مدح، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغى أن
يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر فى بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل
غفل عن دليل الإِباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله - تعالى - وشفقته على إخوانه
المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم، فرفع الله التوهم بقوله : ﴿ليس على
الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيها طعموا﴾ الآية (٢).
وقال الألوسى : وقيل إن هذه الآية نزلت فى القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا
طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار))(٣).
وقوله - تعالى - ﴿فيما طعموا﴾ أى: ذاقوا، مأخوذ من الطعم - بالفتح - وهو تذوق الشىء
والتلذذ به، سواء أكان مأكولا أم مشروبا وهو المراد هنا.
قال القرطبى : وأصل هذه الكلمة فى الأكل. يقال: طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد
تجوز فى ذلك فيقال: لم أطعم خبزًا ولا ماء ولا نوما))(٤).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٥
(٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٩٣
(٣) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ٢١١
(٤) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٩٦

٢٨٧
سورة المائدة
والمعنى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ أى: حرج أو إثم ﴿فيما
طعموا﴾ أى فيما تناولوه من خمر أو مايشبهها من محرمات قبل أن يحرمها الله - تعالى - وكذلك
لا إثم ولا حرج على من مات قبل التحريم.
وقوله : ﴿إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ تحريض للمؤمنين على الأزدياد من الإِيمان
والتقوى والعمل الصالح.
أى: إذا ما اتقوا الله وخافوه وتلقوا أوامره بالقبول، وثبتوا على الإِيمان، وأكثروا من الأعمال
الصالحات.
وقوله: ﴿ثم اتقوا وآمنوا﴾ معطوف على ما قبله.
أى: ثم استمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله، والإِيمان الحق به - سبحانه -
فتكرير التقوى والإيمان هنا لبيان أنه يجب استمرارهم ومواظبتهم على ذلك، مع تمسكهم بما
يقتضيه الإِيمان والتقوى من فعل الخير وابتعاد عن الشر.
وقوله: ﴿ثم اتقوا وأحسنوا﴾ معطوف على ما قبله - أيضًا - لتأكيد معنى الاستمرار على
هذه التقوى طول مدة حياتهم مع إحسانهم إلى أنفسهم بالإكثار من العمل الصالح، وإلى
غيرهم بما يستطيعونه من إسداء الخير إليه.
وقوله : ﴿والله يحب المحسنين) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الحض على الإِيمان والتقوى
والإِحسان، ومدح المتمسكين بتلك الصفات الحميدة.
أى: والله - تعالى - يحب المحسنين إلى أنفسهم بإلزامها بالوقوف عند حدود الله،
والاستجابة له فيما أمرٍ أونهى أو أحل أو حرم يرغبة ومسارعة، وإلى غيرهم بمد يد العون إليهم.
فالآية الكريمة من مقاصدها بيان جانب من مظاهر رحمة الله بعباده، ورأفته بهم؛ حيث بين
لهم : أن من شرب الخمر أو لعب الميسر أو فعل ما يشبههما من محرمات، ثم مات قبل أن ينزل
الأمر بتحريم هذه الأشياء فإن الله - تعالى - لا يؤاخذه على ذلك. لأن المؤاخذة على الفعل تبدأ
من وقت تحريمه لا من قبل تحريمه.
وكذلك الحال بالنسبة لمن وقع فى هذه الأشياء قبل أن تحرم فإن الله لا يؤاخذه عليها، وإنما
يؤاخذه عليها بعد نزول تحريمها وهذا من فضل الله على عباده، ورحمته بهم.
هذا، وقد تعددت أقوال المفسرين حول مسألتين تتعلقان بهذه الآية الكريمة.
أما المسألة الأولى فهى : كيف شرط الله فى رفع الجناح أى الإِثم عن المطعومات والمشروبات
الإِيمان والتقوى، مع أن الجناح مرفوع عن المباح من هذه الأشياء حتى عن الكافرين؟

٢٨٨
المجلد الرابع
وقد قالوا فى الإِجابة على ذلك : إن تعليق نفى الجناح أى الإثم بهذه الأحوال ليس على
سبيل اشتراطها؛ فإن نفى الإثم عن الذى يتناول المباح قبل أن يحرم لا يشترط بشرط، وإنما
تعليق نفى الجناح بهذه الأحوال - وهى التقوى والإيمان - وارد على سبيل المدح لهم، والثناء
عليهم؛ والدلالة على أنهم جديرون بهذه الصفات، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم حتى يوقنوا
بأن من تعاطى شيئًا من المحرمات قبل تحريمها فلا يؤاخذه الله على ذلك، وإنما يؤاخذه إذا
تعاطاها بعد تحريمها.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((قيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة :
يارسول الله !! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟ فنزلت الآية
﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ .. إلخ يعنى أن المؤمنين لاجناح عليهم فى
أى شىء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا، على معنى : أن
أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم فى الايمان والتقوى والإِحسان. ومثاله
أن يقال لك : هل على زيد جناح فيما فعل؟ فتقول: وقد علمت أن ذلك أمر مباح: ليس على
أحد جناح فى المباح إذا اتقى المحارم، وكان مؤمنًا محسنًا. تريد: أن زيدًا تقى مؤمن محسن،
وأنه غير مؤاخذ بما فعل))(١).
وقال أبوالسعود ما ملخصه : ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة، لا دخل
لها فى انتفاء الجناح . وإنما ذكرت فى حيز ﴿إذا﴾ شهادة باتصاف الذين سألوا عن حالهم بها،
ومدحاً لهم بذلك، وحمدًا لأحوالهم. فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا فى
طاعته تعالى: مع مالهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشىء تلقوه بالامتثال، وإنما
كانوا يتعاطون الخمر والميسر فى حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك، ولو حرما فى عصرهم لا تقوهما
بالمرة))(٢).
وأما المسألة الثانية التى كثرت أقوال المفسرين فيها فهى : تكرار التقوى مرة مع الإِيمان
والعمل الصالح. ومرة مع الإِيمان ومرة مع الإِحسان؟
وقد ذكر القرطبى فى ذلك أربعة أقوال فقال :
الأول : أنه ليس فى ذكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها، أو دام
اتقاؤهم وإيمانهم، أو على معنى إضافة الإِحسان إلى الاتقاء.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٦٧٦.
(٢) تفسير أبيَّ السعود جـ٢ ص ٥٧.

٢٨٩
سورة المائدة
والثانى: اتقوا قبل التحريم فى غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا
فيما بقى من أعمالهم وأحسنوا العمل.
الثالث: اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثانى ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا،
والمعنى الثالث، ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أى تنفلوا.
الرابع : قال ابن جرير: الاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقى أمر الله بالقبول والتصديق،
والدينونة به العمل. والاتقاء الثانى: الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الاتقاء
بالإِحسان والتقرب بالنوافل))(١).
والذى يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب إلى الصواب، وأن تکریر التقوی إنما هو لتأکید
وجوب امتلاء قلب المؤمن بها، واستمراره على ذلك حتى يلقى الله. فإن المؤمن بمداومته على
خشيته - سبحانه - يتدرج من الكمال إلى الأكمل حتى يصل فى إيمانه وتقواه إلى مرتبة
الإِحسان التى ترفعه إلى أعلى عليين، والتى عرفها النبى - * - بقوله: ((الإِحسان أن تعبد
الله كأنك تراه فإن - لم تكن تراه فإنه يراك)).
ولقد بين لنا القرآن فى مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد، بكثرة تدبره ماأنزله الله
من شرائع وهدايات. ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم
زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض
فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾(٢).
وقال تعالى - ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ..
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾(٣).
وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن الله - تعالى - لن يؤاخذهم بما تعاطوه
من محرمات قبل تحريمها. وأن الواجب عليهم أن يستمروا على مراقبتهم له، وخشيتهم منه حتى
يلقوه - عز وجل -.
وبعد أن حذر الله - تعالى - المؤمنين من تعاطى المنكرات كالخمر والميسر وبين لهم حكم من
مات قبل تحريم هذه الأشياء بعد كل ذلك بين - سبحانه - بشىء من التفصيل بعض الأحكام
التى تتعلق بالصيد فقال تعالى - :
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٩٦.
(٢) سورة التوبة؛ الآيتان ١٢٤، ١٢٥.
(٣) سورة المدثر الآية ٣١.

٢٩٠
المجلد الرابع
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ:
أَيْدِيكُمْ وَرِ مَا حُكُمْ لِيَعْلَمَ الَهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبٍ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ
٩٤
ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ
قال الألوسى : هذه الآية - كما خرج ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان - نزلت فى عمرة
الحديبية، حيث ابتلاهم الله - تعالى - بالصيد وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم فى
رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها أخذًا بأيديهم وطعنا برماحهم فهموا بأخذها فنزلت(١).
وقوله: ﴿ليبلونكم﴾ أى: ليخبرنكم وليمتحننكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان.
ولفظ الصيد فى قوله: ﴿من الصيد﴾ مصدر بمعنى المصيد أى: مايصطادونه.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ليختبرن الله - سبحانه- إيمانكم ومبلغ قوته بأن يرسل إليكم وأنتم
محرمون شيئًا من الصيد الذى تحبونه، بحيث يكون فى متناول أيديكم ورماحكم.
وقوله : ﴿ليبلونكم الله﴾ جواب قسم محذوف والتقدير: والله ليعاملنكم سبحانه معاملة
المختبر ليتبين المطيع من العاصى.
وأكد - سبحانه - هذا الخبر بلام القسم ونون التوكيد للإشارة إلى أهمية هذا الاختبار حتى
يسارعوا إلى طاعته - سبحانه وامتثال أمره.
والتنوين فى قوله ﴿بشىء﴾ للتقليل والتحقير. وإنما امتحنوا بهذا الشىء الصغير، تنبيها إلى
أن من لم يثبت ويعصم نفسه عن ارتكاب هذه الأشياء الصغيرة فإنه لن يثبت أمام التكاليف
الكبيرة .
ويمكن أن يقال، إن التنوين هنا للتعظيم باعتبار الجزاء الأليم المترتب على الاعتداء على
الصيد فى حال الإِحرام.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير فى قوله : بشىء من الصيد؟
قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التى تدحض عندها أقدام
الثابتين - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال - وأنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد
السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ماهو أشد منه))(٢).
(١) تفسير الألوسى جـ٧ ص ٢١.
(٢) تفسير الكشاف جـ١ ص ٦٧٧.

٢٩١
سورة المائدة
وقوله : ﴿بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ هو موضع الاختبار و﴿من﴾ فی قول.
﴿من الصيد﴾ لبيان الجنس. أوالتبعيض، لأن المراد صيد البر دون البحر، وصيد الاحرام دون
صيد الإحلال.
ومعنى ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ تستطيع أيديكم أن تأخذ هذا الصيد بسهولة ويسر إذا كان
صغيرا وقريبا منكم، وتستطيع رماحكم أن تناله إذا كان كبيرًا أو بعيدًا بعدا نسبيا منكم.
وخص الأیدی والرماح بالذكر، لأن معظم التصرفات التى تتعلق بالصید تکون بالأيدى،
ولأن معظم الآلات التى تستعمل فى الصيد تكون الرماح.
وقوله: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ تعليل قصد به بيان الحكمة من وراء الابتلاء
والاختبار.
والمراد بالعلم فى قوله: ﴿ليعلم الله .. ﴾ إظهار ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته،
حتى يتميز الخبيث من الطيب.
والمعنى : اختبرناكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا - وهو تحريم صيد البر صغارًا وكبارًا -
وأنتم محرمون أو فى الحرم، ليظهر ما علمه أزلا - - سبحانه - من أهل طاعته ومعصيته،
وبذلك يتميز للناس الخبيث من الطيب، ويعرف الشخص الذى يخاف الله ويراقبه - مع أنه لم
ير الله - سبحانه- من الشخص الذى لا يخافه بالغيب.
قال الجمل : وقوله ﴿بالغيب﴾ حال من فاعل يخافه، أى: يخاف الله حالة كونه غائبا عن
الله ومعنى كون العبد غائبا عن الله، أنه لم ير الله تعالى.
أو حال من المفعول. أى: يخاف الله حال كونه - تعالى- ملتبسا بالغيب عن العبد، أى غير
مرئی له(١).
وقوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) بيان لسوء عاقبة المخالف لأوامر الله،
والمتجاوز لحدوده.
واسم الاشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى مابينه - سبحانه - لعباده من أحكام.
والمعنى : لقد اختبرناکم - أيها المؤمنون - بما اختبرناكم به، لیتمیز قوی الإِيمان من ضعيفه،
فمن تعدى منكم حدود الله بعد هذا البيان والإعلام، فله عذاب شديد الآلام عظيم الإهانة،
لأن التعدى بعد الإنذار، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته
وقبح مصيره. هذا، ولقد نجحت الأمة الإسلامية وخصوصا سلفها الصالح فى هذا الاختبار فقد
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٥٢٤.

٢٩٢
المجلد الرابع
تجنب أبناؤها وهم محرمون أو فى الحرم مصيد البر مهما أغراهم قربه منهم، وحبهم له على صيده
والانتفاع به.
بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار؛ فقد نهاهم الله - تعالى - عن الصيد فى يوم
السبت، فكانت الأسماك تظهر لهم فى هذا اليوم امتحانا من الله لهم، فما كان منهم إلا أن
تحايلوا على صيدها، بأن حبسوها فى يوم السبت ليصيدوها فى غيره .. فاستحقوا من الله اللعنة
والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس.
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين نهيا صريحا عن قتل الصيد وهم حرم وبين ما يجب على القاتل.
وكرر تحذيره وتهديده لمن يتعدى حدوده فقال - تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَقْتُلُواْالصَّيْدَ
ج
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَنَهُمِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ
يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْكَفَّرَةٌ طَعَاهُ
مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامَا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا لَهُ عَمَّا
سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْنَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيُذُوْ أَنِقَامٍ
٩٥
قال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ خطاب عام لكل مسلم، وهذا النهى
هو الابتلاء المذكور فى قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد﴾ ..
الآية وروى أن أبا اليسر - واسمه عمرو بن مالك الأنصارى - كان محرمًا عام الحديبية بعمرة
فقتل حمار وحش فنزلت هذه الآية(١).
والمراد بالصيد هنا المصيد، لأنه هو الذى يقع عليه القتل.
وقوله ﴿حرم﴾ جمع حرام. وهذا اللفظ يتناول المحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما وإن كان فى
الحل، كما يتناول من کان فى الحرم وإن كان حلالا.
قال ابن جرير: والحرم جمع حرام، يقال: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا قيل
محرم، قيل للمرأة محرمة والإِحرام: هو الدخول فيه. يقال: أحرم القوم : إذا دخلوا فى الشهر
الحرام أو فى الحرم، فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون))(٢).
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٠٢.
(٢) تفسير ابن جرير جـ٧ ص ٤٠.

١٠
سورة المائدة
٢٩٣
والصيد المنهى عن قتله هنا: صيد البر، لأن صيد البحر قد أحله الله بعد ذلك بقوله :
﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية.
والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأى طريق من طرق الإِزهاق، يتناول
-أيضًا- قتله بطريق التسبب كالإشارة إليه مثلا. ويتناول كذلك حظر الصيد نفسه، لقوله
-تعالى- فى مطلع هذه السورة: ﴿يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا
ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم﴾.
ولقوله - تعالى - بعد هذه الآية التى معنا: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم
وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما﴾.
فالنهى فى قوله - تعالى - ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ يتناول القتل عن طريق المباشرة أو
التسبب كما يتناول أى عمل يؤدى إلى صيد الحيوان.
وإنما كان النهى فى الآية منصبا على القتل، لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية
الصيد إذ الصائد يريد قتل المصيد لكى يأكله فى الغالب.
هذا، وقد اختلف الفقهاء فى المصيد الذى يحرم صيده على المحرم.
فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقًا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول ولا يستثنى
من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه، وذلك لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول
ومن غير المأكول.
وبهذا الرأى قال الأحناف ومن وافقهم من الفقهاء.
ويرى الشافعية أن المراد به المأكول فقط، لأن الصيد إنما يطلق على ما يحل أكله فحسب.
وقد انبنى على هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعًا، فالأحناف يرون أنه يجب عليه الجزاء
الذى فصلته الآية. والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك.
قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
هذا تحريم منه - تعالى - لقتل الصيد فى حال الإِحرام، ونهى عن تعاطيه فيه. وهذا إنما
يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما غير المأکول من حیوانات البر،
فعند الشافعى يجوز قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضا ولا يستثنى من ذلك إلا ماثبت فى
الصحيحين عن عائشة أن رسول الله وَلقر قال: خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم : الغراب
والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور)) - وفى رواية الحية بدل العقرب - ومن العلماء
:

٢٩٤
المجلد الرابع
كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور: الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررا
منه))(١).
وقوله : ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) بيان لما يجب على المحرم فى
حال قتله للصيد.
قال الألوسى ما ملخصه: والمعنى: ﴿ومن قتله﴾ كائنا ﴿منكم﴾ حال كونه متعمداً﴾
أى: ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله، ومثله من قتله خطأ.
والفاء فى قوله ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ جزائية إذا اعتبرنا ﴿من﴾ شرطية وهو
الظاهر، وإذا اعتبرناها موصولة تكون زائدة لشبه المبتدأ بالشرط.
وقوله: ﴿جزاء﴾ بالرفع والتنوين - مبتدأ، و﴿مثلٌ مرفوع على أنه صفته، والخبر
محذوف. أى: فعليه جزاء مماثل لما قتله، وبهذا قرأ الكوفيون ويعقوب. وقرأ باقى السبعة برفع
﴿جزاء﴾ بدون تنوين - ويجر ((مثل)) بالإضافة.
وقد خرجت هذه القراءة بتخريجات منها : أن تعتبر الإِضافة بيانية أى : جزاء هو مثل
ما قتل (٢).
وظاهر الآية يفيد ترتيب الجزاء على القتل العمد، إلا أنهم اختلفوا هنا على أقوال ذكرها
القرطبى فقال ما ملخصه :
قوله - تعالى -: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ذكر - سبحانه -
المتعمد ولم يذكر المخطىء ولا الناسى، والمتعمد هنا هو القاصد للشىء مع العلم بالإِحرام.
والمخطىء هو الذى يقصد شيئا فيصيب صيدا. والناسى هو الذى يتعمد الصيد ولا يذكر
إحرامه. واختلف العلماء فى ذلك على خمسة أقوال :
الأول: ما أسنده الدارقطنى عن ابن عباس قال: إنما التكفير فى العمد، وإنما غلظوا فى
الخطأ لئلا يعودوا.
الثانى: أن قوله ﴿متعمدا﴾ خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة.
الثالث : أنه لا شىء على المخطىء والناسى وبه قال الطبرى وأحمد - فى إحدى روايته -
وطاووس وداود وأبو ثور ..
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٩٨.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٢٤.

٢٩٥
سورة المائدة
الرابع: أنه يحكم عليه فى العمد والخطأ والنسيان، وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة
وأصحابهم .
قال الزهرى: وجب الجزاء فى العمد بالقرآن، وفى الخطأ والنسيان بالسنة. فقد سئل النبى
وَّر عن الضبع فقال: ((هى صيد)) وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا
ولا خطأ .
الخامس : أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه - وهو قول مجاهد -، لقوله - تعالى - بعد
ذلك ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ قال: ولو كان ذاكرا لإِحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة.
قال: فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإِحرامه))(١).
ويبدو لنا أن القول الرابع الذى قال به الأئمة أبو حنيفة والشافعى، ومالك أقرب إلى
الصواب، لأن تخصيص العمد بالذكر فى الآية، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود، لأن
العمد هو الذى يترتب عليه ذلك دون الخطأ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التى قررت
التسوية فى ضمان المتلفات، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ فى غير الحرم
فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام فى جميع المتلفات ومادام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتا على المحرم
متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدا أم خطأ.
وقد اختلف العلماء - أيضا فى المراد بالمثل فى قوله - تعالى - ﴿ومن قتله منكم متعمدا
فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
فجمهور الفقهاء يرون أن المراد بالمثل النظير. أى أن الجزاء يكون بالمماثلة بين الصيد
المقتول وبين حيوان يقاربه فى الحجم والمنظر من النعم وهى الإِبل والبقر والغنم.
ومن حججهم أن الله أوجب مثل المصيد المقتول مقيدا بكونه من النعم، فلابد أن يكون
الجزاء مثلا من النعم، وعليه فلا تصح القيمة لأنها ليست من النعم.
قال ابن كثير: وفى قوله - تعالى -: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ دليل لما ذهب إليه
مالك والشافعى وأحمد من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان
الإِنسى، خلافا لأبى حنيفة حيث أوجب القيمة سواء أكان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلى.
قال : وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه. وإن شاء اشتری به هدیا.
والذى حكم به الصحابة فى المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا فى النعامة ببدنه، وفى بقرة
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٠٨.

٢٩٦
المجلد الرابع
الوحش ببقرة، وفى الغزال بعنز. وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمن
يحمل إلى مكة))(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك طريق معرفة الجزاء، ومآله، وأنواعه، فقال - تعالى -
﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا﴾.
والضمير فى قوله ﴿به﴾ يعود على الجزاء المماثل للمصيد المقتول.
وقوله: ﴿هديا﴾ حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية. أى يهديه هديًا.
والهدى: اسم لما يذبح فى الحج لاهدائه إلى فقراء مكة.
وقوله ﴿بالغ الكعبة﴾ صفة لقوله ﴿هديًا﴾ لأنه إضافته لفظية:
وقوله: ﴿أو كفارة﴾ معطوف على جزاء. وأو للتخيير، وكذلك فى قوله ﴿أو عدل ذلك
صياما﴾.
والعدل - بالفتح - ما عادل الشىء من غير جنسه. وأما بالكسر فما عادله من جنسه. وقيل
هما سيان ومعناهما المثل مطلقا.
والمعنى الإِجمالى للآية الكريمة: يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، لا تقتلوا الصيد وأنتم
محرمون، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعليه جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول
ومقارب له فى الخلقة والمنظر، أو فى القيمة، وهذا الجزاء المماثل للصيد المقتول يحكم به رجلان
منكم تتوافر فيهما العدالة والخبرة حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب، ويكون هذا
الجزاء الواجب على قاتل الصيد ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ أى: يصل إلى الحرم فيذبح فيه ويتصدق
به على مساكينه، أو يكون على قاتل الصيد ﴿كفارة﴾ هى ﴿طعام مساكين﴾ بأن يطعمهم من
غالب قوت البلد ما يساوى قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد المقتول بحيث يعطى لكل مسكين
نصف صاغ من بر أو صاعا من غيره، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صياما، بأن يصوم
عن طعام كل مسكين يوما، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما كاملا.
وإذا لم يجد للصيد المقتول مماثلا كالعصفور وما يشبهه فعليه قيمته، يشترى بها طعاما لكل
مسكين مد، أويصوم عن كل مد يوما.
وبهذا نرى أن المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاء من النعم مماثل للصيد المقتول فى الخلقة
والمنظر أو عليه ما يساوى قيمة هذا الجزاء طعاما، أو عليه ما يعادل هذا الطعام صياما. وهذا
ما يقول به جمهور الفقهاء.
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٩٩.

٢٩٧
سورة المائدة
أما أبو حنيفة فيرى - كما سبق أن أشرنا - أن المماثلة إنما تعتبر ابتداء بحسب القيمة، فيقوم
الصيد المقتول من حیث هو، فإن بلغت قيمته قيمة هدی یخیر الجانی بین أن یشتری بها هدیا
يهدى إلى الكعبة ويذبح فى الحرم ويتصدق بلحمه على الفقراء، وبين أن يشترى بها طعامًا
للمساكين، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما.
والمراد من الكعبة هنا الحرم؛ وإنما خصت بالذكر تعظيما لها.
قال بعض العلماء : ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته، إنما هو ترتيب مراتب على
حسب القدرة علی کل رتبة، فالأصل بلا ريب شراء هدی وذبحه فی الحرم، فإن تعذر ذلك كان
الطعام، فإن تعذر كان الصيام.
هذا هو الظاهر عند الحنفية. وروى عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت القيمة بين الذبح
عند الكعبة وبين إطعام المساكين، وبين الصوم.
وعندى أن الترتيب حسب القدرة أوضح وذلك هو رأى أحمد وزفر.
والمذاهب الأخرى تلتقى فى الجملة مع المذهب الحنفى بيد أنها تعتبر المماثلة فى الأوصاف.
وغندى أن المذهب الحنفى أوضح وأسهل تطبيقًا، وأدق فى تعرف المثل وقد اضطروا إليه
عند استبدال الطعام بالذبح، إذ لا يعرف مقدار الطعام إلا بمعرفة القيمة))(١).
هذا، وقوله - تعالى - ﴿ليذوق وبال أمره﴾ تعليل لأيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل
للصيد عن تعمد.
وقوله ﴿ليذوق﴾ من الذوق وهو إدراك المطعومات باللسان لمعرفة ما فيها من حلاوة أو مرارة
أو غير ذلك. والمراد به هنا: إدراك ألم العذاب على سبيل الاستعارة.
والوبال فى الأصل: الثقل والشدة والوخامة. ومنه طعام وبيل إذا كان ثقيلا على المعدة.
ومرعى وبيل وهو الذى يتأذى به بعد أكله.
والمراد به هنا: سوء عاقبة فعله.
والمعنى : شرعنا ما شرعنا من جزاء على المحرم فى حالة قتله للصيد، ليدرك سوء عاقبة قتله
وفعله السىء، وليعلم أن مخالفته لأمر الله تؤدى إلى الخسارة فى الدنيا والآخرة.
قال الإِمام الرازى: وإنما سمى الله - تعالى - ذلك وبالا، لأنه خيره بين ثلاثة أشياء : اثنان
منها توجب تنقيص المال - وهو ثقيل على الطبع - وهما : الجزاء بالمثل والإطعام. والثالث :
٧٠
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد السادس من السنة ٢٢.
١

٢٩٨
المجلد الرابع
يوجب إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضا ثقيل على الطبع.
والمعنى أنه - تعالى - أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التى كل واحد منها ثقيل على
الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد فى الحرم وفى حال الإِحرام)) (١).
وقوله: ﴿عفا الله عما سلف﴾ بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم، لأنه -
سبحانه - لم يؤاخذهم على قتلهم للصيد وهم محرمون قبل تحريمها والنهى عنها.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتهديد شديد لمن تتكرر منه المخالفة لأوامر الله ونواهيه
فقال: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾.
أى: ومن عاد وهو محرم إلى قتل الصيد بعد ورود النهى عن ذلك فإن الله - تعالى - ينتقم
منه ويعاقبه عقابا شديدا فهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغالب ولا يقاوم، المنتقم الذى
لا يدفع انتقامه بأى وسيلة من الوسائل.
هذا وجمهور العلماء على أن المحرم يتكرر الجزاء عليه فى قتل الصيد بتكرر القتل وأن عقوبة
الآخرة - وهى انتقام الله من الجانى - لا تمنع وجوب الجزاء عليه فى الدنيا.
قال ابن كثير. ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء
ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ فى ذلك والعمد.
وقال على بن طلحة عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه
فيه كلما قتله. فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له ينتقم الله منك))(٢).
وبذلك نرى الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين من التعرض للصيد فى حالة إحرامهم، وبينت
الجزاء المترتب على من يفعل ذلك، وهددت من يستهين بحدود الله بالعذاب الشديد.
ثم بين - سبحانه - ما أحله للمحرم وما حرمه عليه مما يتعلق بالصيد فقال - تعالى - :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعَالَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةَوَحُرِمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَادُ مْتُمْ حُمًا وَأَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ
٩٦
تُحْشَرُونَ
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٣ ص٩٦.
(٢) تفسير ابن كثير جـ٢ ص١٠١.

٢٩٩
سورة المائدة
والمراد بصيد البحر: ما توالده ومثواه فى الماء. والمراد بالبحر: ما يشمل جميع المياه العذبة
والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما.
والمراد بالصيد : الاصطياد أو ما يصاد منه.
والمراد بطعامه: ما يطعم من صيده. وهو عطف على ﴿صيد﴾ من عطف الخاص على
العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد
حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل؛ فإن صيد
البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه.
ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدرى، وقدر مضافا فى صيد البحر،
وجعل الضمير فى طعامه يعود إليه لا إلى البحر، فيكون المعنى :
أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه. فهو يرى حل الأكل
من جميع حيوانات البحر.
وقيل : بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو انحسر
عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة.
وقوله: ﴿متاعا﴾ مفعول لأجله.
وقوله: ﴿وللسيارة﴾ متعلق بأحل. وهو جمع سيار باعتبار الجماعة.
والمراد بالسيارة : القوم المسافرون.
والمعنى: أحل الله لكم أيها المحرمون صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه، لأجل
تمتعكم وانتفاعكم بذلك فى حال إقامتكم وفى حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين
ومسافرين، وذلك يقتضى منكم الشكر لله لكى يزيدكم من هذه النعم.
قال ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه
الشيخان عن جابر قال: بعث رسول الله * بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم
ثلاثمائة - قال : وأنا فيهم - قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد. قال : ثم
انتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير. فأكل منه ذلك الجيش ثمانى عشرة ليلة. فلما قدمنا المدینة أتينا
رسول الله وَلٌ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم من لحمه شىء
فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله وَ﴿ منه فأكله)).
وأخرج الإِمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة : أن رجلا سأل رسول الله
* فقال: يا رسول الله !! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا

٣٠٠
المجلد الرابع
أنتتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله (ص18: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ◌َل: ((أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان : فالحوت
والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال)).
رواه الشافعى وأحمد وابن ماجة والدارقطنى والبيهقى وله شواهد.
وقد احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من
ذلك شيئا. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها.
وقال أبو حنيفة : لا يؤكل مامات فى البحر كما لا يؤكل مامات فى البر لعموم قوله -
تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾(١).
ثم أكد - سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال: ﴿وحرم عليكم صيد البر مادمتم
حرمًا﴾ والمراد بصيد البر: ما كان توالده ومأواه فى البر مما هو متوحش بأصل خلقته.
وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة
الاصطياد فقط، وأما الأكل منه - أى من المصيد - بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية.
وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد. وعليه فتكون الآية تقتضى تحريم
جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل.
وقد بسط القرطبى الكلام فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿وحرم عليكم
صيد البر مادمتم حرما﴾ التحريم ليس صفة للأعيان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : ﴿وحرم
عليكم صيد البر﴾ أى فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد.
أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب
له، ولا يجوز له شراؤه، ولا اصطياده، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه.
وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد، فقال مالك والشافعى وأحمد. إنه لا بأس
بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله، لما رواه الترمذى والنسائى عن جابر عن النبى
* قال: ((صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم))
وقال أبو حنيفة : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال - سواء صيد
من أجله أو لم يصد لظاهر قوله - تعالى - ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فحرم صيده وقتله
على المحرمين دون ما صاده غيرهم.
(١) تفسير ابن کثیر جـ٢ ص ١٠٢.