النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة المائدة
والمراد بقوله: ﴿لا تحرموا﴾: لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم من طيبات بأن تأخذوا على
أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها.
فالنهى عن التحريم هنا ليس منصبا على الترك المجرد. فقد يترك الإِنسان بعض الطيبات
لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره. وإنما هو منصب على اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ويأخذ
الشخص على نفسه عهدا بذلك.
والمراد بالطيبات : الأشياء المستلذة المستطابة المحللة التى تقوى بدن الإِنسان وتعينه على
الجهاد فى سبيل الله، من طعام شهى، وشراب سائغ. وملبس جميل.
والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، لا تحرموا على أنفسكم شيئًا من الطيبات التى
أحلها الله لكم، فإنه - سبحانه - ما أحلها لكم إلا لما فيها من منافع وفوائد تعينكم على شئون
دینکم ودنیاکم.
٠
وقوله : ﴿ولا تعتدوا﴾ تأكيد للنهى السابق. والتعدى معناه: تجاوز الحدود التى شرعها
الله - تعالى - عن طريق الإِسراف أو عن طريق التقتير. أو عن طريق الاعتداء على حق الغير
أو عن أى طريق يخالف ما شرعه الله - تعالى -.
وقوله : ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ فى موضع التعلیل لما قبله.
أى: لا تحرموا - أيها المؤمنون - على أنفسكم ما أحله الله لكم من طيبات ولا تتجاوزوا
حدوده بالإِسراف. أو بالتقتير أو بتناول ما حرمه عليكم فإنه - سبحانه - لا يحب الذين
يتجاوزون حدود شريعته، وسنن فطرته. وهدى نبيه ◌َله.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال: ﴿وكلوا مما
رزقكم الله حلالا طيبًّا، واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون﴾.
والأمر فى قوله ﴿وكلوا﴾ للإِباحة. وقيل إنه للندب. ويرى بعضهم أنه للوجوب لأن من
الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله - تعالى - تركا مطلقًا لأن هذا الترك یکون من باب
تحريم ما أحله الله.
أى: وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذى رزقكم الله إياه، وتفضل
عليكم به ﴿واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون﴾ بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وتلتزموا
فى مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم حدود شريعته، وتوجيهات رسوله وله .
والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التى أحلها الله، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا ،
وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه - سبحانه - من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها .

٢٦٢
المجلد الرابع
وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل، لأنه أعظم أنواع المتع، وأهم ألوان منافع
الإِنسان التى عليها قوام حياته.
وقد زكى - سبحانه - طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها : أنه جعله مما رزقهم إياه، وأنه
وصفه بكونه حلالا وليس محرما، ويكونه طيبًا وليس خبيئًا.
والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة
واجتهدت فى الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى.
قال الألوسى: قوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾ أى: كلوا ما حل لكم وطاب مما
رزقكم الله - تعالى - فحلالا مفعول به لكلوا. و﴿مما رزقكم﴾ حال منه وقد كان فى الأصل
صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا. والآية دليل لنا فى شمول الرزق للحلال
والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف
الظاهر فى مثل ذلك.
وقوله : ﴿واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون﴾ استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه
حسن.
والآية ظاهرة فى أن أكل اللذائذ لا ينافى التقوى. وقد أكل النبى وَل تريد اللحم ومدحه،
وكان يجب الحلوى))(١).
وقال القرطبى : قال علماؤنا : فى هذه الآية وما شابهها، والأحاديث الواردة فى معناها، رد
على غلاة المتزهدين، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين، إذ كل فريق منهم قد عدل عن
طريقه، وحاد عن تحقيقه.
قال الطبرى: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شىء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين
من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد النبى وَّر التبتل على ابن مظعون، فثبت أنه
لا فضل فى ترك شىء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو فى فعل ما ندب عباده إليه
وعمل به رسول الله وَ ليه وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون.
وقد جاء رجل إلى الحسن البصرى فقال له: إن لى جارا لا يأكل الفالوذج فقال له ولم؟
قال: يقول، لا يؤدى شكره. فقال الحسن: أفيشرب الماء البارد؟ قال: نعم. فقال الحسن :
إن جارك جاهل، فإن نعمة الله عليه فى الماء البارد أكثر من نعمته عليه فى الفالوذج(٢).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ٩
(٢) تفسير القرطبى جـ٦ ص٢٦٢ بتصرف وتلخيص

٢٦٣
سورة المائدة
والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التى أحلها الله لهم، وتأمرانهم
بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله - تعالى وشكره على ما وهبهم من نعم.
وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدى إلى ضعف العقول والأجسام، والإِسلام يريد من أتباعه
أن يكونوا أقوياء فى عقولهم وفى أجسامهم وفى سائر شئونهم، لأن المؤمن القوى خير وأحب إلى
الله من المؤمن الضعيف - كما جاء فى الحديث الشريف.
ولأن دين الإِسلام ليس دين رهبانية، وفى الحديث الشريف ((إن الله لم يبعثنى بالرهبانية)) (١)
وإنما دين الإِسلام دين عبادة وعمل، فهو لا يقطع العابد عن الحياة، ولكنه يأمره أن يعيش
عاملا فيها غير منقطع عنها.
وإن التفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس، وسلامة العبادة وكثرة إيصال النفع
للناس. ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا، وتحريم طيباتها التى أحلها الله - تعالى.
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين.
أما الآيات فمنها قوله - تعالى - ﴿یابنی آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾(٢).
ومنها قوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم
إياه تعبدون﴾(٣).
وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت
أزواج النبى ﴿ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أى عدوها قليلة - فقالوا :
وأين نحن من رسول الله وَلهر؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
قال أحدهم : أما أنا فإنى أصلى الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال
آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله - وَل# فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم
له. لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد؛ وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى))(٤).
(١) تفسير الألوسى جـ ٧ ص ٩
(٢) سورة الأعراف الآية ٣١
(٣) سورة البقرة الآية ١٧٢ .
(٤) أخرجه البخاری فی باب الترغيب فى النكاح من كتاب النكاح جـ٧ ص٢، وأخرجه مسلم فی کتاب النكاح جـ٤

٢٦٤
المجلد الرابع
ورحم الله الحسن البصرى فقد قال: إن الله - تعالى - أدب عباده فأحسن أدبهم فقال -
تعالى - ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ ما عاب قوما ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا،
ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه))(١).
فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التى أحلها الله له، وأن يتمتع بها بدون إسراف أو
تقتير، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه، وأن يجعل جانبًا من هذه النعم للاحسان إلى
الفقراء والمحتاجين.
قال الفخر الرازى: لم يقل - سبحانه - : وكلوا ما رزقكم الله، ولكن قال : ﴿وکلوا مما
رزقكم الله﴾ وكلمة ((من)) للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا فى الأكل على البعض واصرفوا
البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإِسراف كما قال: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب
المسرفين﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين، وأمر المؤمنين بحفظ أيمانهم فلا يكثروا منها، فقال -
تعالی ۔
لَا يُؤَاخِذُ كُمُ اللَّهُ
بِاللَّغْوِ فِي أَيَّمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الأَيْمَنَّ
فَكَفَّارَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ تَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاثَةِ أَبَّاءٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُوَاْ
أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَنِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(٨٩
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل
الله لكم﴾ فى القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم: قالوا يارسول الله. كيف
نصنع بأيماننا التى حلفنا عليها؟ فأنزل الله - تعالى - قوله: ﴿لا يؤخذكم الله باللغو فى أيمانكم
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٧٢.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٧٢.

٢٦٥
سورة المائدة
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم بالإِيمان) الآية(١) واللغو من الكلام - كما يقول الراغب: مالا يعتد
به منه، وهو الذى يورد لا عن روية وفكر فيجرى مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من
الطيور. وقد يسمى كل قبيح لغوا. قال - تعالى - ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾(٢).
ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شىء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك.
ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذى يجرى على اللسان بدون قصد، كقولك لا والله ويلى
والله .
وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. واللغو فى اليمين هو قول الرجل فى الكلام
من غير قصد: لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعى. وقيل هو فى الهزل. وقيل فى المعصية :
وقيل على غلبة الظن وهو قول أبى حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله :
﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإِيمان﴾(٣).
وقوله : ﴿عقدتم﴾ من العقد وهو الجمع بين أطراف الشىء لتوثيقه وهو نقيض الحل: وقرأ
حمزة والكسائى (عقدتم﴾ بالتخفيف. وقرأ ابن عامر ((عاقدتم)).
والمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية.
والمعنى: لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو فى اليمين وهو
ما يجرى على ألسنتكم بدون قصد. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة فى الآخرة أو بوجوب الكفارة
بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية، إذا حيثتم فيها، بأن تعمدتم الكذب فى أيمانكم.
فالمراد بعدم المؤاخذة فى قوله ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم): عدم المعاقبة فى الدنيا
بالكفارة ولا فى الآخرة بالعقوبة.
والمراد بالمؤاخذة فى قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾: العقوبة الأخروية عند
جمهور الفقهاء ويرى الشافعى أن المراد بها الكفارة التى تجب على الحانث.
وقوله ﴿فى أيمانكم﴾ متعلق باللغو. وما فى قوله ﴿بما عقدتم﴾ مصدرية أى: ولكن
يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها. ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف. أى ولكن
يؤاخذكم بالذى عقدتم الأيمان عليه.
وقوله : ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير
(١) تفسير ابن جرير جـ٧ ص ١٣.
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٥١.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٩.

:
٢٦٦
المجلد الرابع
رقبة﴾ بيان لكيفية الكفارة والضمير فى قوله : فكفارته يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام
وإن لم يجر له ذكر.
أى: فكفارة الحنث. ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث فى يمينه فيكون المعنى :
فكفارة الحالف إذا حنث فى يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص الحانث فى يمينه هو الذى
يجب عليه التكفير عن حنثه.
والكفارة من الكفر بمعنى الستر، وهى اسم للفعلة التى من شأنها أن تكفر الخطيئة، أى
تسترها وتمحوها، لأن الشىء الممحى يكون كالشىء المستور الذى لا يرى ولا يشاهد.
وكلمة ﴿أوسط﴾ يرى بعضهم أنها يمعنى الأمثل والأحسن، لأن لفظ الأوسط كثيرًا
ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾(١) أى:
قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظرًا.
ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط لأن هذا هو الغالب فى استعمال هذه الكلمة،
أى يطعمهم لا من أفخر أنواع الطعام ولا من اردئه ولكن من الطعام الذى يطعم منه أهله فى
الغالب.
والمعنى : لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة والكفارة فى الأيمان
اللغو، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث
أحدكم فى يمينه، فمن الواجب عليه لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما
يكون من متوسط ما يطعم منه أهله فى الجودة والمقدار، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة
كساء مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حرًّا.
قال الجمل ما ملخصه: وقوله: ﴿فكفارته إطعام﴾ مبتدأ وخبر.
وقوله : إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبنى للفاعل أى فكفارته أن
يطعم الحانث عشرة، وفاعل المصدر يحذف كثيرًا.
وقوله : ﴿من أوسط﴾ فى محل نصب مفعول ثان لإطعام؛ ومفعوله الأول عشرة أى :
فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون أهليكم .. وقوله :
﴿ماتطعمون﴾ مفعوله الأول: أهليكم، ومفعوله الثانى: محذوف أى: ((تطعمونه أهليكم))(٢).
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد خير الحانث فى يمينه بين أمور ثلاثة يختار إحداها، فإذا لم
(١) سورة ن الآية: ٢٨.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص٥٢١.

٢٦٧
سورة المائدة
يستطع إحداها، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾.
أى: فمن لم يجد ما يكفر حنثه فى يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن
يصوم ثلاثة أيام، تطهيرا لنفسه، وتكفيرا عن ذنبه، وتقوية لإِرادته وعزيمته.
واسم الإشارة فى قوله: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ يعود إلى المذكور من الإطعام
والكساء وتحرير الرقبة والصوم.
أى: ذلك الذى شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها، وخالفتم طريق الحق
الذى أمركم الله تعالى باتباعه.
وقوله: ﴿واحفظوا أيمانكم) أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث فى
أيمانهم، وعن الإكثار منها لغير ضرورة، فإن الإكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء
من الله تعالى. كما أن الحلف الكاذب يؤدى إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له.
وقوله : ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ تذييل قصد به التذكير بنعم الله حتى
يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل.
أى: مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه الخير والفلاح، يبين الله لكم آياته المشتملة على
الأحكام الميسرة، والتشريعات الحكيمة، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر
الله وطاعته، وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١ - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها. أى: لا عقوبة عليها فى الآخرة ولا كفارة لها فى الدنيا
لقوله تعالى: ﴿لا يؤخذكم الله باللغو فى أيمانكم﴾.
ونعنى بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله وبلى والله.
ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو لذلك؛
لأن الإكثار من الحلف يسقط مهابة الإِنسان، وقد يفضى به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التى
شرعها الله.
قال تعالى : ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم
عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم﴾(١).
٢ - أن اليمين التى يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها، يستحق صاحبها العذاب
(١) سورة النحل الآية ٩٤.

٢٦٨
المجلد الرابع
الشديد من الله - تعالى -، وهى التى يسميها الفقهاء باليمين الغموس، أى التى تغمس
صاحبها فى النار - قال - تعالى - ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.
أى: بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها.
قال القرطبى ما ملخصه : خرج البخارى عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابى إلى النبى
* فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: ((الإشراك بالله. قال : : ثم ماذا؟ قال: عقوق
الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس)) قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التى
يقتطع بها مال أمرى مسلم وهو كاذب فيها)).
وخرج مسلم عن أبى أمامة أن رسول الله وَ لتر قال: ((من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه .
فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال :-
وَّر: وإن كان قضيبا من أراك)).
وقد اختلف فی الیمین الغموس فالذی علیه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد
ولا كفارة فيها. لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف
باليمين بالله. فأهان ما عظمه الله، وعظم ما حقره الله، ولهذا قيل: إنما سميت اليمين
الغموس غموسا، لأنها تغمس صاحبها فى النار.
وقال الشافعى: ((هى يمين منعقدة، لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم
الله - تعالى -، وفيها الكفارة.
والصحيح الأول: وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعى
والثورى وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى من أهل الكوفة(١):
٣ - أن ﴿أو﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون
أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ للتخيير.
أى: أن الحالف إذا حنث فى يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التى
حنث فيها. وهذه الثلاثة هى الإطعام أو الكسوة، أو عتق الرقبة. فإذا لم يجد إحدى هذه
الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم.
قال الفخر الرازى : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب فى كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة
على التخيير، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شىء آخر وهو الصوم.
ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإِتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها
(١) تفسير القرطبى جـ١ ص ٢٦٨.

٢٦٩
سورة المائدة
جميعا. ومتى أتى بأى واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة. فإذا اجتمعت هذه
القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير))(١).
وللعلماء أقوال متعددة فى الإطعام المطلوب لكفارة اليمين.
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون
أهليكم﴾ لابد عندنا - أى المالكية - وعند الشافعى من تمليك ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى
يتملكوه ويتصرفوا فيه.
وقال أبو حنيفة: لو غداهم وعشاهم جاز. والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين
طرفين - أى يطعمهم من غالب الطعام الذى يطعم منه أهله لا من أدناه حتى لا يبخس
المساكين حقهم ولا من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه -
والإِطعام عند مالك : مد(٢) لكل واحد من المساكين العشرة. وبه قال الشافعى. وقال
أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا. أى يخرج ما يجب فى صدقة
الفطر.
ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعى، لأن الله - تعالى - نص
على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما
. واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه، فغفر للمكفر بسبب ذلك.
وقال أبو حنيفه : يجزئه - أى: إذا أطعم واحدا عشر مرات أغنى عن إطعام العشرة - لأن
المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه))(٣).
والكسوة التى تصلح لكفارة اليمين يلاحظ فيها أن تكون سابغة فى الجملة وهى تختلف
باختلاف الأزمان والأحوال.
قال الشافعى : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص
أو سراويل - أجزأه ذلك.
وقال مالك وأحمد : لا بد أن يدفع إلی کل واحد منهم من الكسوة ما یصح أن یصلی فیه، إن
كان رجلا أو امرأة كل بحسبه.
وقال أبو حنيفة : الكسوة فى كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار. ولا تجزىء القيمة عن
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٢ ص ٧٤.
(٢) المد : ربع صاع
(٣) تفسير القرطبى جـ٧ ص ٢٧٦ .

٢٧٠
المجلد الرابع
الطعام والكسوة عند الشافعى.
وقال أبو حنيفة : تجزئ القيمة، لأن الغرض سد حاجة المحتاج، وقد تكون القيمة أنفع
له.
والنوع الثالث الذى به تكون كفارة اليمين : تحرير رقبة أى: إعتاقها من الرق، والمراد
بالرقبة جملة الإنسان.
قال الرازى: المراد بالرقبة: الجملة قيل : الأصل فى هذا المجاز أن الأسير فى العرب كانت
تجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. فسمى الإِطلاق من الرقبة فك الرقبة.
ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزىء الكافرة كما تجزىء
المؤمنة. وقال الشافعى وآخرون : لابد أن تكون مؤمنة.
فإن قيل: أى فائدة فى تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة؟ قلنا له
وجوه .
أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب،
لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ.
وثانيها: قدم الإطعام لأنه أسهل، لكون الطعام أعم وجودا، والمقصود منه التنبيه على
أنه - تعالى - يراعى التخفيف والتسهيل فى التكاليف.
وثالثها : أن الإِطعام أفضل، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه
الطعام فيقع فى الضر. أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته(١).
٤ - يرى مالك والشافعى أن قوله: تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ يصدق على الصيام المتتابع
والمتفرق، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متفرقة أجزأه ذلك، لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو
قياس على منصوص وقد عدما.
ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم الثلاثة أيام متتابعة، فقد قرأ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود
((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما.
وقال ابن كثير: واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ويجزىء
التفريق ؟ قولان :
أحدهما: لا يجب وهذا منصوص الشافعى فى كتاب الأيمان. وهو قول مالك، لإطلاق
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٣ ص٧٦ المطبعة البهية.

٢٧١
سورة المائدة
قوله : ﴿فصيام ثلاثة أيام ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة كما فى قضاء رمضان لقوله :
﴿فعدة من أيام أخر﴾ ونص الشافعى فى موضع آخر فى الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب
الحنفية والحنابلة لأنه قد روى عن أبي بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها ((فصيام ثلاثة أيام
متتابعات)) وحكاها مجاهد والشعبى وأبوإسحاق عن عبدالله بن مسعود. وهذه، إذا لم يثبت
كونها قرآنا متواترا فلا أقل من أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة وهو فى حكم
المرفوع .
وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة يا رسول الله
نحن بالخيار؟ قال: أنت بالخيار. إن شئت أعتقت. وإن شئت كسوتَ. وإن شئت أطعمت.
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات(١).
ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل، لأن قراءة أبى وحديث حذيفة يزكيانه، ولأنه رأى عدد
كبير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود.
٥ - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ ... الخ. أن
الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث؛ لأن السبب فى الكفارة هو الحنث، وما دام لم يتحقق فإنه
لا كفارة .
وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل.
وقد تكلم عن هذه المسألة الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه: اختلف العلماء فى تقديم
الكفارة على الحنث أتجزىء أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها : يجزىء مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة، وجمهور الفقهاء، وهو
مشهور مذهب مالك، فقد قال أبو موسى الأشعرى: قال رسول الله وَطير (( وإنى والله إن شاء
الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو خير)) رواه
وأخرجه أبو داود.
ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة، لقوله - تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾
فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعانى تضاف إلى أسبابها. وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز
تقديمها قبل الحنث.
وثانيها : قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزىء بوجه لما رواه مسلم عن عدی بن حاتم قال :
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٩١ بتلخيص يسير.
-

٢٧٢
المجلد الرابع
خير - زاد النسائى - وليكفر عن يمينه)).
ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هى لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى
لفعلها. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارًا بالصلوات وسائر العبادات.
وثالثها: قال الشافعى : تجزىء بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزىء بالصوم؛ لأن عمل
البدن لا يقدم قبل وقته. ويجزىء فى غير ذلك تقديم الكفارة))(١).
٦ - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ﴿واحفظوا أيمانكم) أن من الواجب على المؤمن أن
يقلل من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة، وأن يحرص على أن يكون صادقا فيها حتى
لا يحتاج إلى التكفير عنها؛ وأن يبادر إلى التكفير عنها إذا كانت المصلحة تستدعى الحنث فيها،
لما سبق أن ذكره القرطبى من حديث أبي موسى الأشعرى وحديث عدى بن حاتم.
ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبى وَليه يا عبد الرحمن بن سمرة،
لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت
عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير)).
هذا ((وقد ساق صاحب المنار فى نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق بالأيمان فقال
ما ملخصه :
(أ) لا يجوز فى الإِسلام الحلف بغير الله تعالى - وأسمائه وصفاته، لما رواه الشيخان من
حديث ابن عمر: ((من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله)) ورويا عنه أيضا أن النبى وَّر سمع
رجلا يحلف بأبيه فقال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله
أو ليصمت)).
روى أحمد والبخارى وأصحاب السنن عن ابن عمر أيضا قال: كان أكثر ما يحلف به النبى
** يحلف: لا ومقلب القلوب.
وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى حظر الحلف بغير الله تعالى ويدخل النبى وَّر فى عموم
غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم شرعا تعظيما يليق به.
(ب) ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان وأحمد عن عبد الرحمن
بن سمرة قال رسول الله وَل18: ((إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير
وكفر عن يمينك وفى رواية فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير)).
وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام :
(١) تفسير القرطبى جـ٦ ص ٢٧٥.

٢٧٣
سورة المائدة
١ - أن يحلف على فعل واجب وترك حرام، فهذا تأكيد لما كلفه الله إياه فيحرم الحنث
ويكون إثمه مضاعفا.
٢ - أن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم، فهذا يجب عليه الحنث، لأنه يمين معصية على
ترك فريضة من الفرائض، أو حق من الحقوق الواجبة عليه.
٣ - أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه، فهذا طاعة فيندب له الوفاء ويكره الحنث
كذا قال بعضهم. والظاهر وجوب الوفاء كما قالوا فى النذر.
٤ - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، فيستحب له الحنث ويكره التمادى كذا
قالوا. وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا.
٥ - أن يحلف على ترك مباح وقد اختلفوا فيه: فقال ابن الصباغ: إن ذلك يختلف
باختلاف الأحوال.
أى أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذى سيترتب على الاستمرار فى الترك، والخير الذى
يجلبه الحنث، فإن رجح أحدهما مضى فيه.
(جـ) ثم قال: وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية : الأيمان - بحسب صيغتها وأحكامها -
ثلاثة أقسام :
أحدها : ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة والمشايخ
والملوك والآباء ونحو ذلك، فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء بل هى منهى
عنها باتفاق أهل العلم والنهى نهى تحريم فى أصح الأقوال. ففى الحديث: ((إن الله ينهاكم أن
تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) :
الثانى: اليمين بالله كقول القائل: والله لأفعلن كذا. فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا
حنث فيها باتفاق المسلمين.
الثالث: أيمان المسلمين التى هى فى معنى الحلف بالله، ومقصود الحالف بها تعظيم الخالق
لا الحلف بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو
الحج إلى بيت الله.
فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه إذا حنث فيها لزمته كفارة يمين كما قال - تعالى -
﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. وقال تعالى ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
(د) ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله : واليمين الغموس التى يهضم بها الحق أو يقصد
بها الغش والخيانة، لن يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام، بل لابد من التوبة وأداء الحقوق

٢٧٤
المجلد الرابع
والاستقامة. قال - تعالى - ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها، وتذوقوا
السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم﴾(١).
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا فى أيمانهم،
وحضتهم على حفظ أيمانهم، لكى ينالوا من الله - تعالى - الرضا والفلاح.
وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله لهم، وأمرهم بأن يتمتعوا بما رزقهم من خير
بدون إسراف أو تقتير، وبين لهم حكم ما عقدوه من أيمان بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء
ثانيا إليهم بين لهم فيه مضار الخمر وأشباهها من الرذائل، وأمرهم باجتنابها، فقال تعالى:
يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفِّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌُ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٨ ) إِنَّمَايُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِوَالْمَيْسِ
وَيَصُدَّكُمْعَنْ ذِكْرِاللَّهِوَ عَنِ الصَّلَوْ فَهَلْ أَنْهُمْنَهُونَ (٦)، وَأَطِيعُواْ
اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواأَنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
٩٢
قال الفخر الرازى : اعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة فى هذا الموضع - فقد
أمر الله المؤمنين بعدم تحريم الطيبات ثم بين حكم الأيمان المنعقدة.
ووجه اتصال هذه الأيات بما قبلها أنه - تعالى - قال فيما تقدم : ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل
الله لكم) إلى قوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبًا﴾. ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة
الخمر والميسر، لا جرم أنه - تعالى - بين أنهما غير داخلين فى المحلات بل فى المحرمات(٢).
والخمر - بمعنى المصدر - هو الستر، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء خمار.
والخمر - بمعنى الاسم - ما يخمر العقل ويستره، ويمنعه من التقدير السليم :
-
(١) تفسير المنار جـ ٧ ص ٤٠، ٤٨
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٧٩

٢٧٥
سورة المائدة
قال القرطبى : والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها. وكل
شىء غطى شيئًا فقد خمره. ومنه: خمروا آنيتكم أى: غطوها.
وقيل : إنما سميت الخمر خمرًا، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر العجين،
أى : : بلغ إدراكه. وخمر الرأى، أى ترك حتى يتبين فيه الوجه.
وقيل: إنما سميت الخمر خمرًا، لأنها تخالط العقل. من المخامرة وهى المخالطة. ومنه
قولهم: دخلت فى خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أى: اختلطت بهم. فالمعانى الثلاثة
متقاربة، فالخمر تركت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر)) (١).
والميسر: القمار - بكسر القاف - وهو فى الأصل مصدر ميمى من يسر كالموعد من وعد.
وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة، لأن المال يجىء، للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من
يسر بمعنى جزأ، ثم أصبح علما على كل ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه.
قال القرطبى : الميسر: الجزور الذى كانوا يتقامرون عليه، سمى ميسرًا لأنه يجزأ أجزاء .
فكأنه موضوع التجزئة. وكل شىء جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر، لأنه يجزىء لحم
الجزور. ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون لأنهم جازرون إذا كانوا
سببا لذلك))(٢).
والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجىء بطريق الحظ المبنى على المصادفة فاللعب بالنرد على
مال يسمى قمارًا، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قمارًا وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان
تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى على المصادفة.
وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل. فالعمل فى ذاته حرام، والكسب عن طريقه حرام.
والأنصاب : جمع نصب، وتطلق على الأصنام التى كانت تنصب للعبادة لها أو على الحجارة
التى كانت تخصص للذبح عليها تقربًا للأصنام.
والأزلام : جمع زلم. وهى السهام التى كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت.
فسهم عليه واحد، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة. أو هى السهام التى كانوا يكتبون على
أحدها : أمرنى ربى وعلى الآخر نهانى ربى، ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرًا أو
حربًا أو زواجًا أو غير ذلك، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها، فإن خرج أمرنى ربى أقدموا
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٥١
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٥٣

٢٧٦
المجلد الرابع
على ما يرونه، وإن خرج نهانى ربى أمسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج
الآمر أو الناهى.
وقد نهى الله - تعالى - فى أوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال ﴿وأن تستقسموا
بالأزلام ذلكم فسق﴾(١).
وقوله : ﴿رجس﴾ أى قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة لقذارته ونجاسته.
قال الفخر الرازى: والرجس فى اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال : رجس الرجل
رجسا إذا عمل عملا قبيحا : وأصله من الرجس - بفتح الراء - وهو شدة الصوت. يقال :
سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد. فكأن الرجس هو العمل الذى يكون قوى
الدرجة كامل الرتبة فى القبح))(٣).
٠
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما جاء فى صحيح مسلم عن
سعد بن أبى وقاص أنه قال : نزلت فىّ آيات من القرآن، وفيه قال. وأتيت على نفر من الأنصار
فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرًا وذلك قبل أن تحرم الخمر - قال فأتيتهم فى حش - أى
بستان - فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من خمر قال : فأكلت وشربت معهم. قال :
فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال. فأخذ رجل -
من الأنصار - لحى جمل فضربنى به فجرح أنفى، فأتيت رسول الله - وَّ فأخبرته فأنزل الله -
تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان
فاجتنبوه﴾ .. الآيات(٣).
ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : نزل تحريم الخمر فى قبيلتين من قبائل
الأنصار. شربوا حتى ثملوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا، جعل الرجل منهم يرى
الأثر بوجهه ولحيته فيقول : فعل هذا بى أخى فلان - وكانوا إخوة ليس فى قلوبهم ضغائن -
والله لو كان بى رءوفًا رحيما ما فعل بى هذا، حتى وقعت فى قلوبهم الضغائن فأنزل الله : ﴿يأيها
الذين آمنوا إنما الخمر﴾. إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾(٤).
والمعنى: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ إيمانا حقا. إنما تعاطى ﴿الخمر﴾ أى: الشراب الذى يخامر
العقل ويخالطه ويمنعه من التفكير السليم ﴿والميسر﴾ أى القمار الذى عن طريقه يكون تمليك
(١) الآية ٣ من سورة المائدة.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٧٩
(٣) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٨٦
(٤) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٣٤

٢٧٧
سورة المائدة
المال بالحظ المبنى على المصادفة والمخاطرة ﴿والأنصاب﴾ أى: الحجارة التى تذبح عليها
الحيوانات تقربا للأصنام. ﴿والأزلام﴾ أى: السهام التى عن طريقها يطلب الشخص معرفة
ما قسم له من خير أو شر. هذه الأنواع الأربعة ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ أى: مستقذرة
تعافها النفوس الكريمة، وتأباها العقول السليمة، لأنها من تزيين الشيطان الذى هو عدو
للإِنسان، ولا يريد له إلا ماكان شيئًا قبيحًا.
قال - تعالى -: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾.
والفاء فى قوله ﴿فاجتنبوه﴾ للإفصاح، والضمير فيه يعود على الرجس الذى هو خبر عن
تلك الأمور الأربعة وهى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.
أى: إذا كان تعاطى هذه الأشياء الأربعة رجسا وقذرا ينأى عنه العقلاء فاجتنبوه لعلكم
بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون الفلاح والظفر فى دنياكم وآخرتكم.
والنداء بقوله : ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ عام لجميع المؤمنين، وقد ناداهم - سبحانه - بهذه
الصيغة لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم حتى يستجيبوا لما نودوا من أجله، وهو اجتناب تلك
الرذائل وتركها تركا تامًّا.
وقوله: ﴿رجس﴾ خبر عن هذه الرذائل الأربعة. وصح الإخبار به - مع أنه مفرد- عن
متعدد هو هذه الأربعة، لأنه مصدر يستوى فيه القليل والكثير وشبيه بذلك قوله - تعالى -
﴿إنما المشركون نجس﴾.
وقيل : لأنه خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور
وقيل : لأن فى الكلام مضافا إلى تلك الأشياء، وهو خبر عنه. أى: إنما شأن هذه الأشياء
أو تعاطيها رجس.
وقوله : ﴿من عمل الشيطان﴾ فى محل رفع على أنه صفة لقوله: ﴿رجس﴾ أى: رجس
كائن من عمل الشيطان، لأنه ناجم عن تزيينه وتسويله، إذ هو خبيث والخبيث لا يدعو إلا إلى
الخبيث فالمراد من إضافة العمل إلى الشيطان المبالغة فى كمال قبح ذلك العمل.
وعبر بقوله : ﴿فاجتنبوه﴾ للمبالغة فى الأمر بترك هذه الرذائل، فكأنه سبحانه يقول
لا آمركم فقط بترك الرذائل، بل آمركم أيضًا بأن تكونوا أنتم فى جانب وهذه المنكرات فى
جانب آخرٍ. فالأمر هنا منصب على الترك وعلى كل ما يؤدى إلى اقتراف هذه المنكرات
كمخالطة المرتكبين لها. وغشيان مجالسها. إلخ.
ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية فقال تعالى ﴿إنما يريد

٢٧٨
المجلد الرابع
الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة
فهل أنتم منتهون﴾.
أى: ﴿إنما يريد الشيطان﴾ بتزيينه المنكرات لكم ﴿أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾ بأن
يقطع ما بينكم من صلات، ويثير فى نفوسكم الأحقاد والضغائن بسبب تعاطيكم للخمر
والميسر، وذلك لأن شارب الخمر إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده. وأفقدته وعيه،
وتجعله قد يسىء إلى من أحسن إليه، ويعتدى على صديقه وجليسه. وذلك يورث أشد ألوان
العداوة والبغضاء بين الناس.
ولأن متعاطى الميسر كثيرًا ما يخسر ماله على مائدة الميسر. والمال كما نعلم شقيق الروح، فإذا
ما خسره هذا المقامر صار عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة، وأصبح يضمر له السوء. وقد
يؤدى به الحال إلى قتله حتى يشفى غيظه منه، لأنه قد جعله فقيرًا بائسًا مجردا من أمواله بعد أن
كان مالكها وفى ذلك ما فيه من تولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس.
فقوله تعالى: ﴿إِنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر﴾ إشارة
إلى مفاسدهما الدنيوية.
أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله: ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن
الصلاة﴾ .
أى: ويريد الشيطان أيضًا بسبب تعاطيكم للخمر والميسر - أن يصدكم أى يشغلكم
ويمنعكم ﴿عن ذكر الله﴾ أى: عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه ﴿وعن الصلاة﴾ التى هى
الركن الثانى من أركان الإِسلام.
وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة، ومن فقدان لرشده عن طاعة الله
وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها.
ولأن متعاطى الميسر بسبب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث، ويسبب فقدانه
للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر فى القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات.
ورحم الله الألوسى، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ووجه صد الشيطان لهم عن ذكر الله
وعن الصلاة بسبب تعاطيهم الخمر والميسر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس.
والاستغراق فى الملاذ الجسمانية، تلهى عن ذكر الله تعالى - وعن الصلاة.
وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبا، انشرحت نفسه، وصده حب الغلب والقهر والكسب
عما ذكر، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا
فلا يخطر بقلبه غير ذلك.

٢٧٩
سورة المائدة
وقد شاهدنا كثيرًا ممن يلعب بالشطرنج يجرى بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن
ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسود رقعة الأعمال(١).
وجمع - سبحانه - الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام فى الآية الأولى ثم أفردهما بالذكر فى
هذه الآية، لأن الخطاب للمؤمنين، والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر، وإظهار أن هذه الأربعة
متقاربة فى القبح والمفسدة، أى أن مجىء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح
تعاطيهما، وتأكيد حرمتهما، حتى لكأن متعاطى الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية، وأهل
الشرك بالله - تعالى - وكأنه - كما يقول الزمخشرى - : لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله
فى علم الغيب، وبين من شرب خمراً أو قامر.
وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله، تعظيما لشأنها، كما هو الحال فى ذكر
الخاص بعد العام، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن الايمان، لما أنها عماد الدين والفارق
بين المسلم وبين الكافر.
والاستفهام فى قوله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ لإنكار استمرارهم على الخمر والميسر بعد أن بين
لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ولحضهم على ترك تعاطيهما فورا، أى : انتهوا سريعًا
عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك.
ولقد لبى الصحابة - رضى الله عنهم - هذا الأمر فقالوا: ((انتهينا يارب؛ انتهينا يارب))
وألقوا ما عندهم من خمر فى طرقات المدينة.
ثم أكد - سبحانه - وجوب هذا الانتهاء بأن أمر بطاعته وطاعة رسوله وخير فقال :
﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾.
أى: اجتنبوا - أيها المؤمنون - هذه الرذائل وانتهوا عنها فقد بينت لكم مضارها، ﴿وأطيعوا
الله وأطيعوا الرسول﴾ فى جميع ما أمر به ونهيا عنه ﴿واحذروا﴾ مخالفتهما، لأن مخالفة أوامرهما
تؤدى إلى الحسرة والخسران.
وأمر - سبحانه - بطاعته وبطاعة رسوله مع أن طاعة رسوله طاعة له - سبحانه - لتأكيد
الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول ◌َالقر حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله -
تعالى - .
وقوله : ﴿فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ تأكيد للتحذير السابق وتنبيه إلى
سوء عاقبة العاصين لأمر الله ورسوله.
(١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ١٦

٢٨٠
المجلد الرابع
وجواب الشرط محذوف والتقدير: أطيعوا الله واطيعوا الرسول - أيها المؤمنون - واحذروا
مخالفة أمرهما، فإن توليتم وأعرضتم عن طاعتهما، فقد وقعتم فى الخطيئة وستعاقبون عليها عقابا
شديدا، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد يلي سوى التبليغ الواضح البين عن الله - تعالى -
أما الحساب والجزاء، والثواب والعقاب فمن الله وحده.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات، وألوانا من التهديدات
التى تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتنابا تاما وتركهما تركا لا عودة بعده إليهما.
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله : أكد - سبحانه - تحريم الخمر والميسر بوجوه
من التأكيد :
منها : تصدير الجملة بإنما.
ومنها: قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله - وَ ل جر ((شارب الخمر كعابد الوثن)).
ومنها: أنه جعلهما رجسا كما قال - تعالى - ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾
ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان، لا يأتى منه إلا الشر البحت.
ومنها : أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب.
ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خيبة
وخسرانًا.
ومنها : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال - وهو وقوع التعادى والتباغض - وما يؤديان إليه
من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة.
ومنها: قوله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فهو من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلى عليكم
ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم باقون على
ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا))(١).
هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١ - أن هذه الآيات الكريمة هى آخر ما نزل فى القرآن لتحريم الخمر تحريما قاطعًا لأن
التعبير بالانتهاء والأمر به فيه إشارة إلى تمهيدات سابقة للتحريم.
قال القرطبی : تحريم الخمر کان بتدریج ونوازل كثيرة. فإنهم كانوا مولعین بشربها، وأول
ما نزل فى شأن الخمر قوله - تعالى - ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع
للناس﴾(٢) أى: فى تجارتهم. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة فيما فيه
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٧٥ - بتصرف يسير -
(٢) سورة البقرة الآية ٢١٩