النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة المائدة
وقد ورد أنه ◌ّله حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة، أعطى العباس
بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك العباس وقال شعرا يتضمن التعجيب من هذا
التصرف. فقال ◌َ# ((اقطعوا لسانه» .. فزادوه حتى رضى. فهذا نوع من الرشوة رخص فيه
السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه))(١).
٢ - استدل بعض العلماء بقوله- تعالى -: ﴿فإن جاءك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾
على أن الرسول ◌َ ر كان خيرا فى الحكم بين أهل الكتاب أو الإِعراض عنهم، وأن حكم
التخيير غير منسوخ، لأن ظاهر الآية يفيد ذلك.
ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وأن احكم بينهم
بما أنزل الله﴾. قالوا: إن الرسول و # كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم.
وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية.
أما قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له.
ويرى فريق ثالث من العلماء : أن التخيير ورد فى المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبنى
النضير وبنى قريظة، فهؤلاء كان الرسول وَل﴿ مخيرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم:
وقوله - تعالى - ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ ورد فى أهل الذمة الذين لهم مالنا وعليهم
ما علينا. وعلى هذا فلا نسخ فى الآية.
قال الألوسى : قال أصحابنا : أهل الذمة محمولون على أحكام الإِسلام فى البيوع والمواريث
وسائر العقود، إلا فى بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين،
ولا يرجمون لأنهم غير محصنين، واختلف فى مناكحتهم، فقال أبو حنيفة : يقرون عليها،
وخالفه - فى بعض ذلك. محمد وزفر. وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضى بأحكامنا؛ فمتى
تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، وتمام التفصيل فى كتب الفروع.
٣ - أخذ العلماء من هذه الآية - أيضًا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه لأن اليهود
حكموا رسول الله وَل# فى بعض قضاياهم، فحكم فيهم بما أنزل الله، ونفذ هذا الحكم عليهم.
قال بعضهم : إنه ◌َّ قد حكم بينهم بشريعة موسى - عليه السلام - ولكن هذا الحکم کان
قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأى
حاكم أن يحكم بغير الأحكام الإِسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم(٢).
(١) تفسير آيات الأحكام جـ ٢ ص ١٩٣ لفضيلة الأستاذ محمد على السايس:
(٢) تفسير آيات الأحكام جـ ٢ ص ١٩٥.

١٦٢
المجلد الرابع
هذا، وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباهم بجملة من الصفات القبيحة، وخير
رسول الله وَله بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض عنهم. بعد كل ذلك أنكر عليهم
مسالكهم الخبيثة، وعجب كل عاقل من حالهم فقال - تعالى - : ﴿وكيف يحكمونك وعندهم
التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ أى أن أمر هؤلاء اليهود لمن
أعجب العجب، لأنهم يحكمونك - يا محمد - فى قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن
كتابهم التوراة قد ذكر حكم الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه.
فالاستفهام فى قوله: ﴿وكيف يحكمونك﴾ للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من
لا يؤمنون به فى قضية حكمها بين أيديهم، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى
أهواءهم وشهواتهم.
وقوله : ﴿وعندهم التوراة﴾ جملة حالية من الواو فى ﴿يحكمونك﴾ والعامل ما فى الاستفهام
من التعجيب.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ﴿فيها حكم الله﴾ ما موضعه من الإِعراب؟ قلت: إما
أن ينتصب على الحال من التوراة، وكلمة التوراة هى مبتدأ والخبر ﴿عندهم﴾، وإما أن يرتفع
خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة
مبينة، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك
بالصواب فما تصنع بغيره(١).
وقوله ﴿ثم يتولون من بعد ذلك﴾ معطوف على ﴿يحكمونك﴾-
وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى للإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما فى التوراة من حق وبين
ماهم عليه من باطل ومخادعة.
واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى حكم الله الذى فى التوراة، والذى حكم به النبى ثه .
أى: كيف يحكمونك یا محمد فى قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة فيها حكم الله واضحًا
فیما تحاكموا إليك فیه، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في
كتابهم التوراة.
وقوله: ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
ونفى الإِيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم.
أى: وما أولئك الذين جاءوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة. لأنهم
را (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣٦
٠

١٦٣
سورة المائدة
لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك يا محمد لأنهم لو كانوا مؤمنين بك استجابوا لك فيما
تأمرهم به وتنهاهم عنه.
قال الفخر الرازى: قوله - تعالى -: ﴿وكيف يحكمونك﴾ .. الخ: هذا تعجيب من الله
لنبيه قي بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما فى التوراة من حد الزانى، ثم تركهم قبول ذلك
الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة. فلا جرم ظهر
جهلهم وعنادهم فى هذه الواقعة من وجوه :
أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم.
والثانى: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل.
والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا
يغتربهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله))(١).
وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة، كمسارعتهم
فى الكفر. وكثرة سماعهم للكذب، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، وتهافتهم على أكل
السحت. وبعد أن خير رسوله # فى أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم إذا ما تحاكموا إليه،
وبعد أن عجب كل عاقل من أحوالهم. بعد كل ذلك شرع - سبحانه - فى بيان منزلة التوراة
وفى بيان بعض ما اشتملت عليه من أحكام فقال - تعالى - :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَّةَ فِيهَا
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَنِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبٍ
اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ
وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْبِعَايَتِ ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ (١٥) وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٢٣٦

١٦٤
المجلد الرابع
فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ
◌ِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ وَاَلْسِنَّ بِآلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُوَمَنْ
لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ
(٤٥
فقوله - تعالى -: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ بيان لشرف التوراة قبل أن تمتد إليها
الأيدى الأثيمة بالتحريف والتبديل. ويدل على شرفها وعلو مقامها أن الله - تعالى - هو الذى
أنزلها لا غيره، وأنه - سبحانه - جعلها مشتملة على الهدى والنور. والمراد بالهدى، ما اشتملت
عليه من بيان للأحكام والتكاليف والشرائع التى تهدى الناس إلى طريق السعادة.
والمراد بالنور: ما اشتملت عليه من بيان للعقائد السليمة، والمواعظ الحكيمة، والأخلاق
القويمة .
والمعنى إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى - عليه السلام- مشتملة على ما يهدى الناس إلى الحق
من أحكام وتكاليف وعلى ما يضئ لهم حياتهم من عقائد ومواعظ وأخلاق فاضلة.
ثم بين - سبحانه - بعض الوظائف التى جعلها للتوراة فقال : ﴿يحكم بها النبيون الذين
أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾.
والمراد بقوله : ﴿النبيون﴾ من بعثهم الله فى بنى إسرائيل من بعد موسى لإقامة التوراة.
وقوله: الذين أسلموا صفة للنبيين. أى: أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة
والطاعة .
وعن الحسن والزهرى وقتادة: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا محمدا وَ ل ل وذلك
لأنه حكم على اليهوديين الذين زنيا بالرجم، وكان هذا حكم التوراة. وإنما ذكر بلفظ الجمع
تعظيما له.
وقال ابن الأنبارى : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم
يهود أو نصارى - فقال - تعالى - ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾ يعنى أن الأنبياء ما كانوا
موصوفين باليهودية أو النصرانية، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفة))(١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٣ - طبعة عبد الرحمن محمد

١٦٥
سورة المائدة
وقوله: ﴿الذين هادوا﴾ أى: رجعوا عن الكفر. والمراد بهم اليهود. واللام للتعليل.
وقوله: ﴿والربانيون﴾ معطوف على ﴿النبيون﴾ وهو جمع ربانى. وهم - كما يقول ابن
جرير - العلماء والحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم(١).
وقوله: ﴿الأحبار﴾ معطوف أيضًا على ﴿النبيون﴾.
قال القرطبى ما ملخصه: والأحبار: قال ابن عباس: هم الفقهاء. والحبر بالفتح
والكسر - الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين، فهم يحبرون العلم.
. أى: يبينونه، وهو محبر فى صدورهم(٢)
والباء فى قوله: ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾ متعلقة بقوله ﴿يحكم﴾.
وقوله ﴿استحفظوا﴾ من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية وفهم، إذ أن السين والتاء
للطلب، والضمير فى ﴿استحفظوا﴾ يعود على النبيين والربانيين والأحبار.
والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق، وضياء لهم من ظلمات الباطل،
وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا له العبادة
والطاعة، ويحكم أيضًا بينهم الربانيون والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء. وكان هذا الحكم
منهم بالتوراة بين اليهود، بسبب أنه - تعالى - حملهم أمانة حفظ كتابه، وتنفيذ احكامه
وشرائعه وتعاليمه .
ويصح أن يكون قوله ﴿بما استحفظوا﴾ متعلقا بالربانيين والأحبار، وأن يكون الضمير عائدا
عليهم وحدهم. أى: على الربانيين والأحبار ويكون الاستحفاظ بمعنى أن الأنبياء قد طلبوا
منهم حفظه وتطبيق أحكامه.
والمعنى : كذلك الربانيون والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود. بسبب أمر أنبيائهم
إياهم بأن يحفظوا كتاب الله من التغيير والتبديل.
وقوله: ﴿وكانوا عليه شهداء﴾ معطوف على ﴿استحفظوا﴾.
أى: وكان الأنبياء والربانيون والأحبار شهداء على الكتاب الذى أنزله الله - وهو التوراة -
بأنه حق، وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده، وتطبيق أحكامه حتى لا يهمل شىء منها.
قال الفخر الرازى قوله : ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾: حفظ كتاب الله على وجهين:
(١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٣٩
(٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٨٩

١٦٦
المجلد الرابع
الأول : أن يحفظ فلا ينسى.
الثانى : أن يحفظ فلا يضيع.
وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من وجهين.
أحدهما : أن يحفظوه فى صدورهم ويدرسوه بألسنتهم.
والثانى : ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه.
وقوله : ﴿وكانوا عليه شهداء﴾ أى: هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن
كل ما فى التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها من
التحريف والتغيير))(١).
ثم أمر الله - تعالى - اليهود - ولا سيما علماءهم وفقهاءهم - أن يجعلوا خشيتهم منه وحده.
وألا يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى -: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيات ثمنًا
قليلاً﴾.
:
والخشية - كما يقول الراغب - خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى
منه، ولذلك خص العلماء بها فى قوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾(٢).
وكأن الراغب - رحمه الله - يريد أن يفرق بين الخوف والخشية فهو يرى أن الخشية خوف
يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب
أو مرهوب مبغوض مذموم.
والفاء فى قوله ﴿فلا تخشوا﴾ للإفصاح عن كلام مقدر.
والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكر من أن الله - تعالى - قد أنزل التوراة لتنفيذ أحكامها،
وتطبيق تعاليمها .. فمن الواجب عليكم يا معشر اليهود أن تقتدوا بأنبيائكم وصلحائكم فى
ذلك، وأن تستجيبوا للحث الذى جاء به رسولنا محمد بَّه وأن تجعلوا خشيتكم منى وحدى
لا من أحد من الناس، فأنا الذى بيدى نفع العباد وضرهم.
وقوله : ﴿ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا﴾ معطوف على قوله ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾
والاشتراء هنا المراد به الاستبدال.
والمراد بالآيات: ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات بالنبى وَلقر.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٤
(٢) المفردات من غريب القرآن ص ١٤٩. للراغب الأصفهانى.

١٦٧
سورة المائدة
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه وما إلى ذلك من
متع الحياة الدنيا.
أى : ولا تستبدلوا بأحكام آيات التى اشتملت عليها التوراة احكامًا أخرى تغايرها وتخالفها،
لكى تأخذوا فى مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ الدنيا وشهواتها كالمال والجاه
وما يشبه ذلك.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة
للثمن المحصل فى مقابل استبدال الآيات؛ لأنه لا يكون إلا قليلا - وإن بلغ ما بلغ من
أعراض الدنيا - بالنسبة لطاعة الله، والرجاء فى رحمته ورضاه.
وهذا النهى الذى اشتملت عليه هاتان الجملتان الكريمتان: ﴿فلا تخشوا، ولا تشتروا﴾ وإن
كان موجها فى الأصل إلى رؤساء اليهود وأحبارهم. إلا أنه يتناول الناس جميعا فى كل زمان
ومكان، لأنه نهى عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب.
وإلى هذا المعنى أشار الألوسى بقوله : ﴿فلا تخشوا الناس﴾ خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم
بطريق الالتفات - إذا انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء
المعاصرين للنبى وَ﴿ ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة من يفعل فعل اليهود، فيحكم بغير شريعة الله
فقال - تعالى - ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾.
أى: كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله : وقضى بغيره من الأحكام، فأولئك هم
الكافرون بما أنزله - سبحانه - لأنهم كتموا الحق الذى كان من الواجب عليهم إظهاره والعمل
به. والجملة الكريمة - كما يقول الألوسى - تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير، وتحذير
من الإِخلال به أشد تحذير.
هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١ - سمو منزلة التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام، فقد
أضاف - سبحانه - إنزالها إليه، فكان لهذه الإِضافة مالها من الدلالة على علو مقامها، كما
بين - سبحانه - شرفها الذاتى بذكر ما اشتملت عليه من هداية إلى الحق، ومن نور يكشف
للناس ما اشتبه عليهم من أمور دينهم ودنياهم.
وهذا السمو إنما هو للتوراة التى لم تمتد إليها أيدى اليهود بالتحريف والتبديل، والزيادة
(١) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١٤٥

١
١٦٨
المجلد الرابع
والنقصان. أما تلك التوراة التى بين أيديهم الآن، والتى دخلها من التحريف ما دخلها فهى
عارية عن الثقة فى كثير مما اشتملت عليه من قصص وأحكام.
٢ - قال الفخر الرازى: ((دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار،
وهذا يقتضى كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين.
والأحبار كآحاد العلماء.
ثم قال : وقد احتج جماعة بأن شرع من قبلنا لازم علينا - إلا إذا قام الدليل على صيرورته
منسوخا - بهذه الآية، وتقريره أنه - تعالى - قال فى التوراة هدى ونورًا، والمراد كونها هدى
ونورا فى أصول الشرع وفروعه، ولو كان ما فيها منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيها
هدى ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى
والنور ولو كان المراد منهما معا ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار، وأيضًا فإن هذه الآية إنما
نزلت فى مسألة الرجم فلابد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها لأنا - وإن اختلفنا فى أن
غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا - لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن
یکون داخلا فيها))(١).
٣ - استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن ينفذ أحكام الله دون أن
يخشى أحدا سواه، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل المحرم بكل صوره وأشكاله، وألا يغير
حكم الله فى نظير أى عرض من أعراض الدنيا، لأن الله - تعالى - يقول: ﴿فلا تخشوا الناس
واخشون، ولاتشتروا بآياتى ثمنا قليلا﴾.
وقد أشار إلى هذا المعنی صاحب الکشاف بقوله : قوله : ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ نهی
للحكام عن خشيتهم غير الله فى حكومتهم، وادهانهم فيها - أى ومصانعتهم فيها - وإمضائها
على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء
وقوله : ﴿ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرف أحبار
اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة فى الدنيا وطلبا للرياسة فهلكوا))(٢).
٤ - قال بعض العلماء : فى قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾
تغليظ فى الحكم بخلاف المنصوص عليه، حيث علق عليه الكفر هنا والظلم والفسق بعد.
وكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله مقيد بقيد الاستهانة به. والجحود له، وهذا ماسار عليه
كثير من العلماء وأثروه عن عكرمة وابن عباس.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٤٠٢
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٧٣

١٦٩
سورة المائدة
i
وعن عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. أى : أن كفر المسلم
وظلمه وفسقه ليس مثل كفر الكافر وظلمه وفسقه. فإن كفر المسلم قد يحمل على جحود
النعمة)) (١).
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف: قوله ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾: اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية والآيتان بعدها. فقيل فى اليهود خاصة
وقيل : فى الكفار عامة. وقيل: الأولى فى هذه الأمة والثانية فى اليهود. والثالثة فى النصارى
والكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، لا على الكفر الذى ينقل عن الملة.
والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أريد منهما العتو والتمرد فى الكفر. وعن ابن عباس : من لم
يحكم بما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. ومن أقربه ولم يحكم به فهو ظالم فاسق))(٢).
وقال الألوسى ما ملخصه: واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن.
ووجه استدلالهم بها أن كلمة ﴿من﴾ فى قوله: ﴿ومن لم يحكم﴾ عامة شاملة لكل من لم يحكم
بما أنزل الله فيدخل الفاسق المصدق أيضًا لأنه غير حاكم وغير عامل بما أنزل الله.
وأجيب عن شبهتهم بأن الآية متروكة الظاهر فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل القلب
والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق ولانزاع فى كفر من لم يصدق بما أنزل
الله - تعالى))(٣).
والذى يبدو لنا أن هذه الجملة الكريمة عامة فى اليهود وفى غيرهم فكل من حكم بغير ما أنزل
الله، مستهينًا بحكمه - تعالى - أو منكرًا له، يعد كافرًا لأن فعله هذا جحود وإنكار واستهزاء
بحكم الله ومن فعل ذلك كان كافرًا.
أما الذى يحكم بغير حكم الله مع إقراره بحكم الله واعترافه به، فإنه لا يصل فى عصيانه
وفسقه إلى درجة الكفر.
ثم بين - سبحانه - بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام فقال ﴿وكتبنا عليهم فيها أن
النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح
قصاص﴾.
فالآية الكريمة معطوفة على ما سبقها وهو قوله - تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة﴾.
(١) تفسير القاسمى جـ ١ ص ٢٠٠٠
(٢) تفسير ((صفوة البيان)) ص ١٩٤
(٣) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٤٥
٠

١٧٠
المجلد الرابع
وقوله: ﴿كتبنا﴾ بمعنى فرضنا وأوجبنا وقررنا. والمراد بالنفس: الذات.
أى: أنزلنا التوراة على موسى لتكون هداية ونورًا لبنى إسرائيل، وفرضنا عليهم (أن النفس
بالنفس) أى: مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها بغير حق. وأن (العين) مفقوءة ﴿بالعين﴾ وأن
﴿الأنف﴾ مجدوع ﴿بالأنف﴾ وأن ﴿الأذن﴾ مقطوعة ﴿بالأذن﴾ وأن ﴿السن﴾ مقلوعة
﴿بالسن﴾ وأن ﴿الجروح قصاص﴾ أى: ذات قصاص، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك، وإلا
فما لا يمكن القصاص فيه - ككسر عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على نهايته - ففيه حكومة
عدل.
وعبر - سبحانه - عما فرض عليهم من عقوبات فى التوراة بقوله : ﴿كتبنا﴾ للإشارة إلى أن
هذه العقوبات وتلك الأحكام لا يمكن جحدها أو محوها، لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام
توثيقًا وقوة.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف﴾. ألخ قرأ
نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب فى جميعها على العطف.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح؛ فإنه بالرفع على ...
القطع عما قبله والاستئناف به - أى أن الجروح مبتدأ وقصاص خبره.
وقرأ الكسائى وأبو عبيد: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن،
والجروح﴾ بالرفع فيها كلها.
قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير، عن عقيل عن الزهرى، عن
أنس أن النبى و لو قرأ ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف،
والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾.
والرفع من ثلاث جهات، بالابتداء والخبر. والوجه الثانى : بالعطف على المعنى على موضعٍ
(أن النفس)، لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس والوجه الثالث - قاله الزجاج - يكون عطفًا
على المضمر فى النفس. لأن الضمير فى النفس فى موضع رفع، لأن التقدير أن النفس هى
مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هى(١).
وقوله : ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ ترغيب فى العفو والصفح.
والضمير فى (به) يعود إلى القصاص. والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة فى الحث عليه فإنه
أدعى إلى صفاء النفوس. وإلى فتح باب التسامح بين الناس.
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٩٢

١٧١
سورة المائدة
وقوله : ﴿فهو﴾ يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل (تصدق) والضمير فى قوله
يعود إلى العافى المتصدق وهو المجنى عليه أو من يقوم مقامه.
والمعنى : ﴿فمن تصدق﴾ بما ثبت له من حق القصاص، بأن عفا عن الجانى فإن هذا
التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق، حيث قدم العفو مع تمكنه من القصاص.
وقيل إن الضمير فى ﴿له﴾ يعود على الجانى فيكون المعنى : فمن تصدق بما ثبت له من حق
القصاص، بأن عفا عن الجانى، فإن هذا التصدق يكون كفارة له. أى لذنوب الجانى، بأن
لا يؤاخذه الله بعد ذلك العفو. وأما المتصدق فأجره على الله.
وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى العافى المتصدق وهو المجنى عليه أو ولى دمه فقال :
وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب : قول من قال : عنى به : فمن تصدق به فهو كفارة له
أى المجروح، ولأنه لأن تكون الهاء فى قوله (له) عائدة على (من) أولى من أن تكون عائدة على
من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، إذ الصدقة هى المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق
عليه فى سائر الصدقات)(١).
وقوله : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ تذييل قصد به التحذير من مخالفة
حكم الله. أى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم، حيث تركوا الحكم
العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر الظالم.
قال الرازى: وفيه سؤال وهو أنه - تعالى -. قال: أولا: ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ وثانيًا
﴿هم الظالمون﴾ والكفر أعظم من الظلم، فلماذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأى فائدة فى ذكر
الأخف بعده؟
وجوابه : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر، ومن حيث إنه
يقتضى إبقاء النفس فى العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس. ففى الآية الأولى ذكر الله
ما يتعلق بتقصيره فى حق الخالق - سبحانه - وفى هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير فى حق
نفسه)»(٢).
هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١ - أن الآية الكريمة - ككثير غيرها - تنعى على بنى إسرائيل إهمالهم لأحكام الله - تعالى -
وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٦٢ بتصريف وتلخيص.
(٢) تفسیر الفخر الرازى جـ ١٢ ص.١٢

١٧٢
المجلد الرابع
قال ابن كثير: هذه الآية مما وبخت به اليهود أيضًا وقرعت عليه، فإن عندهم فى نص
التوراة أن النفس بالنفس. وقد خالفوا حكم ذلك عمدًا وعنادًا فأقادوا النضرى من القرظى،
ولم يقيدوا القرظى من النضرى وعدلوا إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة فى رجم الزانى
المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإِشهار. ولهذا قال هناك ﴿ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا
وعمدًا. وقال هنا فى تتمة الآية ﴿فأولئك هم الظالمون﴾. لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم فى
الأمر الذى أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على
بعض .
ثم قال : واستدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا بهذه
الآية. وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ. والحكم عندنا على وفقها فى الجنايات عند جميع
الأئمة. وقال الحسن البصرى: هى عليهم وعلى الناس عامة))(١).
٢ - استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة. ويؤيد ذلك مارواه
النسائى وغيره أن رسول الله وسلو كتب فى كتاب عمرو بن حزم: أن الرجل يقتل بالمرأة .. وفى
رواية للإِمام أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديتها(٢).
قال الآلوسي: واستدل بعموم ﴿أن النفس بالنفس﴾ من قال: يقتل المسلم بالكافر، والحر
بالعبد، والرجل بالمرأة ومن خالف استدل بقوله - تعالى :
﴿الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى) وبقوله بَ ليل ((لا يقتل مؤمن بكافر)).
وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفى ما عداه. والمراد بما
روى فى الحديث الكافر الحربى وقد روى أنه مَ﴿ قتل مسلما بذمى))(٣).
٣ - استدل العلماء بجريان القصاص فى الأطراف لقوله - تعالى - ﴿العين بالعين، والأنف
بالأنف﴾ إلخ. إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل الجانى بدون تعد أو ظلم فتؤخذ
العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى.
وقالوا: إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجانى متعمدًا. فإن أصابها خطأ ففيها نصف
الدية : إن أصاب العينين معًا خطأ ففيهما الدية كاملة.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦١ بتصرف يسير.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦١ بتصرف يسير.
(٣) تفسير الألوسى جـ ٦ ص ١١٨

١٧٣
سورة المائدة
ويرى بعضهم أن فى عين الأعور الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذى عينين أو قريبة منها.
وقد توسع الإِمام القرطبى فى بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت(١).
٤ - أخذ العلماء من هذه الآية أن الله - تعالى - رغب فى العفو، وحض عليه، وأجزل
المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾. أى: فمن تصدق بما
ثبت له من حق القصاص فتصدقه كفارة لذنوبه.
وقد وردت فى الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿فمن عفا
وأصلح فأجره على الله﴾(٢) وقوله - تعالى - ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله
يحب المحسنين﴾(٣).
وروى الإِمام أحمد عن الشعبى أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صل* يقول :
((ما من رجل يجرح فى جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به)) (٤).
وروى ابن جرير عن أبى السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار، فاندقت
ثنيته. فرفعه الأنصارى إلى معاوية. فلما ألح عليه الرجل قال معاوية : شأنك وصاحبك.
قال: وأبو الدرداء عند معاوية. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((ما من
مسلم يصاب بشىء من جسده، فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة)). فقال
الأنصارى: أنت سمعته من رسول الله وَلَه؟ فقال: سمعته أذناى ووعاه قلبى - فخلى سبيل
القرشى. فقال معاوية: ((مروا له بمال))(٥).
ومن هذه الآية وغيرها نرى أن الإسلام قد جمع فيها شرع من عقوبات بين العدل والرحمة
فقد شرع القصاص زجرًا للمعتدى. وإشعارا له بأن سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز
حده، جبرا لخاطر المعتدى عليه، وتمكينا له من أخذ حقه ممن اعتدى عليه.
ومع هذا التمكين التام للمجنى عليه من الجانى فقد رغب الإِسلام المجنى عليه فى العفو عن
الجانى حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة، ووعده على ذلك بتكفير خطاياه، وارتفاع
درجاته عند الله - تعالى -
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٩١ - ٢٠٩
١
(٢) سورة الشورى الآية ٤٠
(٣) سورة آل عمران الآية ١٣٤
(٤) تفسير ابن كثير جـ٢ ص١٦٤.
(٥) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٦٠
۔

١٧٤
المجلد الرابع
وبعد أن بين - سبحانه - منزلة التوراة وما اشتملت عليه من هدايات وتشريعات أتبع ذلك
ببيان منزلة الإنجيل وما اشتمل عليه من مواعظ وأحكام .. فقال - تعالى - :
وَقَفَّيْنَا عَلَىْ ءَ اثَِّهِمْ بِعِيسَى أَبْنِ مَنْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَابَيْنَ
يَدَيْدِ مِنَ التَّوْرَكَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلْيَحْكُمْ
أَهْلُ الْإِنِجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيَّةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
٤٧
وقوله: ﴿وقفينا﴾ معطوف على قوله قبل ذلك ﴿أنزلنا التوراة) وأصل القفو اتباع الأثر:
يقال قفاه يقفوه أى : اتبع أثره، والتقفية : الاتباع، يقال: قفيته بكذا أى أتبعته. وإنما سميت
قافية الشعر قافية؛ لأنها تتبع الوزن، والقفا مؤخر الرقبة. ويقال: قفا أثره إذا سار وراءه
واتبعه .
قال صاحب الكشاف : قفيته مثل عقبته، إذا أتبعته. ثم يقال قفيته وعقبته به، فتعديه إلى
الثانى بزيادة الباء.
فإن قلت فأين المفعول الأول فى الآية؟ قلت هو محذوف. والظرف الذى هو ((على آثارهم))
كالسّادمسدّه، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه. والضمير فى قوله: ﴿على آثارهم﴾
يعود على النبيين فى قوله: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾(١).
وقوله: ﴿آثارهم﴾ جمع أثر وهو العلم الذى يظهر للحس. وآثار القوم: ما أبقوا من
أعمالهم. وقوله ﴿على آثارهم﴾ تأكيد لمدلول فعل ((قفينا)) وإيماء إلى سرعة التقفية.
وقوله. ﴿لما بين يديه﴾ أى: لما تقدمه، لأن ما بين يدى الإِنسان كأنه حاضر أمامه.
والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا له العبادة،
والذين كانوا يحكمون بالتوراة - كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم - أتبعنا على آثارهم
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٩

١٧٥
سورة المائدة
بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم فى الخضوع والطاعة والإِخلاص لله رب العالمين ومصدقا للتوراة
التى تقدمته، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه فى الإِنجيل منها.
وفى التعبير بقوله ﴿وقفينا على آثارهم﴾ إشارة إلى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعة
من الرسل، وإنما هو واحد منهم، جاء على آثار من سبقوه، سالكا مسلكهم فى الدعوة إلى
عبادة الله وحده وإلى التحلى بمكارم الأخلاق.
وفى التعبیر بقوله ﴿بعیسی ابن مریم﴾ إیذان بأنه محدث کجمیع المحدثات، وأنه قد ولد من
أمه کما یولد سائر البشر من أمهاتهم، وأنه لا نسب له إلا من جهتها، فليس له أب، ولیس ابنا
الله - تعالى -، وإنما هو عبد من عباد الله أو جده بقدرته، وأرسله - سبحانه - لدعوة الناس
إلى توحيده وعبادته.
وقوله : ﴿مصدقًا﴾ حال من عيسى - عليه السلام -:
قال بعض العلماء: ((ولو سايرنا الواقع عند النصارى فى هذه الأيام، لكان لذكر كلمة
التصديق فى هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول، بل بالتنفيذ، لأن الإِنجيل
ليس فيه أحكام عملية كثيرة، فأحكام الأسرة كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة، وليس
ثمة نص قاطع فى الأناجيل التى بين أيدينا يغاير ما جاء فى التوراة من أحكام تتعلق بالأسرة،
ولا بأحكام العقوبات من حدود وقصاص
ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة للمسيح - عليه السلام - تدل على العمل بأحكام
التوراة، مثل قوله - عليه السلام - ((ماجئت لأنقض الناموس)) أى التوراة.
وكلمة ﴿بين يديه﴾ تعبير قرآنى، للدلالة على أن التوراة كانت حاضرة قائمة وقت مجىء
عيسى - عليه السلام - وعلما عنده، وهو علم خال من التحريف والتبديل، أوحى الله به إليه.
ولفظ بين يديه فى دلالته على الأمر المهيأ القائم من الاستعارات الرائعة، ومضمونها أن الأمر .
معلوم علما يقينا لعيسى بن مريم - عليه السلام - كعلم المحسوس يكون موضوعًا بين يديه(١) . ..
وقوله : ﴿وآتيتاه الإِنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة.
للمتقين) معطوف على ﴿قفينا﴾.
وقد وصف الله - تعالى - الإنجيل الذى أعطاه لعيسى بخمس صفات :
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الاسلام العدد الثالث من السنة ٢١

١٧٦
المجلد الرابع
أولها : أنه فيه ﴿هدى﴾ أى: فيه هداية للناس إلى الحق الذى متى اتبعوه سعدوا فى دنياهم
وآخرتهم.
وثانيها : أنه فيه ﴿نور﴾ أى: ضياء يكشف لهم ما التبس عليهم من أمور دينية ودنيوية.
وثالثها : كونه ﴿مصدقا لما بين يديه من التوراة﴾ أى أن الإنجيل مؤيد ومقرر لما جاءت به
التوراة من أحكام وآداب وشرائع أنزلها الله فيها.
ورابعها: كونه: ﴿هدى﴾ أى: هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه.
وخامسها: كونه: ﴿موعظة للمتقين﴾ أى: تذكير لهم بما يرق له القلب، وتصفو به
النفس، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات.
وقوله ﴿فيه هدى﴾ جملة مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر. وقوله ﴿ونور﴾ معطوف على
قوله ﴿هدى) والجملة كلها فى موضع نصب على أنها حال من الإنجيل.
أى: أعطينا عيسى الإنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور.
وقوله: ﴿ومصدقا لما بين يديه من التوراة﴾ حال أيضًا من الإِنجيل. ولا تكرار
بين ﴿مصدقا﴾ الأولى وبين ﴿مصدقًا﴾ الثانية، لأن الأولى لبيان حال عيسى وأنه جاء يدعو
الناس إلى التصديق بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها، والثانية لبيان حال الإِنجيل وأنه جاء مقرر لما
اشتملت عليه التوراة من أحكام أنزلها الله، وأن من الواجب على بنى إسرائيل أن يسيروا على
هدى هذه الأحكام إلا ما نسخه الإنجيل منها فعليهم أن يتبعوا أحكام الإنجيل فيها.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿ومصدقا لما بين يديه من التوراة﴾ أى: متبعا لها غير مخالف لما فيها
إلا فى القليل. مما بین لبنى إسرائيل بعض ماكانوا يختلفون فيه - كما قال - تعالى - إخبارا عن
المسيح أنه قال لبنى إسرائيل: ﴿ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم﴾. ولهذا كان المشهور
من قول العلماء: ((أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة))(١).
وقوله: ﴿وهدى وموعظة للمتقين) معطوف على ما تقدم ومنتظم معه فى سلك الحالية.
وقال أولا ﴿فيه هدى﴾ وقال ثانيا ﴿هدى﴾ لزيادة المبالغة فى التنويه بشأن الإنجيل، فهو
مشتمل على ما يهدى الناس إلى الحق والخير، وهو فى ذاته هدى، لأنه منزل من عند الله، ولأنه
بشارة بنبى يرسل من بعد عيسى اسمه أحمد.
قال الفخر الرازى: ((وأما كونه ﴿هدى﴾ مرة أخرى، فلأن اشتمال الإنجيل على البشارة
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٤

۔
٠٠
١٧٧
سورة المائدة
بمجىء محمد وَّلهو سبب لاهتداء الناس إلى نبوته. ولما كان أشد وجوه الاختلاف والمنازعة بين
المسلمين وبين اليهود، والنصارى فى ذلك، لاجرم أعاده الله - تعالى - مرة أخرى تنبيها على أن
الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد ﴿ فكان هدى فى هذه المسألة التى هى أشد المسائل
احتياجا إلى البيان والتقرير.
وأما كونه موعظة : فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة.
وإنما خصها بالمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿وليحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله فيه﴾ أمر من الله - تعالى - لأتباع
سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا قبل بعثة النبى وير بأن يحكموا فيما بينهم بمقتضى
أحكام الإنجيل بدون تحريف أو تبديل. أما الذين وجدوا بعد بعثة النبى ◌ّ ر فمن الواجب
عليهم أن يصدقوه ويتبعوا شريعته، لأن الشريعة التى جاء بها وير نسخت ما قبلها من شرائع.
قال الألوسى ما ملخصه، قوله: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ أمر مبتدأ لهم
بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التى من جملتها دلائل رسالته ◌َالقر وما قررته شريعته
الشريفة من أحكام ، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله، بل هو إبطال
وتعطيل له إذ هو شاهد, بنسخها وانتهاء وقت العمل بها، لأن شهادته بصحة ما ينسخها من
الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها. واختار كونه أمرًا مبتدأ الجبائى.
وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله ﴿وآتيناه﴾.
أى : - وآتينا عيسى ابن مريم الإِنجيل فيه هدى ونور - وقلنا ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل
الله فيه. وحذف القول - لدلالة ما قبله عليه - كثير فى الكلام. ومنه قوله -تعالى - :
﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم﴾.
واختار ذلك على بن عيسى.
وقرأ حمزة ﴿وليحكم﴾ - بكسر اللام وفتح الميم - بأن مضمرة - بعد لام كى - والمصدر
معطوف على ﴿هدى وموعظة﴾ على تقدير كونهما معللين. أى: وآتيناه ليحكم(٢).
وقوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ تذييل مقرر ومؤكد لوجوب
الامتثال لأحكام الله - تعالى -. أى: ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم المتمردون
الخارجون عن جادة الحق. وعن السنن القويم، والصراط المستقيم.
(١) تفسير الرازى جـ ١٢ ص ٩
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٥٠

١٧٨
المجلد الرابع
قال أبو حيان : قوله ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ ناسب هنا ذكر
الفسق، لأنه خرج عن أمر الله - تعالى - إذ تقدم قوله: ﴿وليحكم) وهو أمر كما قال -
تعالى - للملائكة ﴿اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.
أى: خرج عن طاعته))(١)
وقال صاحب المنار ما ملخصه : وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير
بالكفر فى الأولى وبوصف الظلم فى الثانية، وبوصف الفسوق فى الثالثة.
ففى الآية الأولى كان الكلام فى التشريع، وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور،
والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به. فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن
كل معرض عن الحكم به لعدم الإِذعان له، مؤثرا لغيره عليه. يكون كافرا به.
وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها فى أصل الكتاب الذى هو ركن الإِيمان، بل فى عقاب
المعتدين على الأنفس أو الأعضاء. فمن لم يحكم بحكم الله فى ذلك یکون ظاما فی حکمه.
وأما الآية الثالثة فهى فى بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب فى إقامة
الشريعة على الوجه الذى يطابق مراد الشارع وحكمته. فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا
فهم الفاسقون بالمعصية، والخروج عن محيط تأديب الشريعة(٢).
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة والإنجيل وما فيها من الهدى والنور، وأمر باتباع
تعاليمهما .. عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذى أنزله على رسوله و طيور فقال
- تعالى - :
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ لَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ
عَمَّاجَآءَ كَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ
(١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٣ ص ٥٠
(٢) تفسير المنار جـ٦ ص٤٠٤.

١٧٩
سورة المائدة
وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ
ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ () وَأَنْ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ
أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَـ عَنْ
بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّيُرِدُ اللَّهُأَنْ يُصِبْهُم
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ، أَفَحُكْمَ
الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٥
قوله : ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾.
معطوف على قوله قبل ذلك ﴿إنا أنزلنا التوراة﴾.
والمراد بالكتاب الأول: القرآن الكريم وأل فيه للعهد.
والمراد بالكتاب الثانى : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإنجيل وأل فيه
للجنس وقوله ﴿ومهيمنا عليه﴾ أى: رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من
التغيير، وأمينا وحاكما عليها؛ لأنه هو الذى يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها.
قال ابن جرير: وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب. يقال: إذا رقب الرجل الشىء وحفظه
وشهده: قد هيمن فلان عليه. فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن))(١).
وقال صاحب الكشاف : وقرىء ﴿ومهيمنا عليه﴾ - بفتح الميم - أى هومن عليه بأن حفظ
من التغيير والتبديل كما قال - تعالى -: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾.
والذى هيمن عليه هو الله - عز وجل. أو الحفاظ فى كل بلد، لو خُرِّف حرف منه أو حركة
أو سكون لتنبه له كل أحد، ولاشمأزوا، رادين ومنكرين))(٢).
والمعنى: لقد أنزلنا التوراة على موسى، والإِنجيل على عيسى، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب
(١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٦٦
(٢) تفسير الكشاف جـ ٦ ص ٦٤٠
:

١٨٠
المجلد الرابع
الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذى
لا يحوم حوله باطل، وجعلناه ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب﴾ أى: مؤيدًا لما فى تلك الكتب
التى تقدمته : من دعوة إلى عبادة الله وحده، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق. وجعلناه كذلك
((مهيمنا. عليها)) أى: أمينا ورقيبا وحاكما عليها.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية
بإشارات من أهمها :
أنه - سبحانه - لم يقل: وقفينا على آثارهم - أى على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد وصلت
وآتيناه القرآن. كما قال فى شأن عيسى ابن مريم ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما
بين يديه من التوراة وآتيناه الإِنجيل﴾ .. الخ.
لم يقل ذلك فى شأن الرسول و 18 وفى شأن القرآن الكريم، وإنما قال: ﴿وأنزلنا إليك
الكتاب بالحق﴾ للإشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التى سبقته، وللإِیذان
بأن الشريعة التى هذا كتابها هى الشريعة الباقية الخالدة التى لا تقبل النسخ أو التغيير.
وأنه - سبحانه - لم يزد فى تعريف الكتاب الذى أنزله على نبيه محمد وَلتر على تعريفه بلام
العهد فقال: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب﴾ للإشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب.
أى: أنه الكتاب الذى هو جدير بهذا الإسم، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا
إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب فى هذا الوجود.
وأنه - سبحانه- قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق، وأنه مؤيد ومقرر لما
اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين
على تلك الكتب، وحاكم عليها، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق، ومالم يؤيده منها فهو
باطل.
قال ابن كثير: جعل الله هذا الكتاب العظيم الذى أنزله آخر الكتب وخاتمها، جعله
أشملها وأعظمها وأكملها، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من
الكمالات ما ليس فى غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينا وحاكما عليها كلها، وتكفل - سبحانه -
بحفظه بنفسه فقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون﴾(١).
وقوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾ أمر من الله -
تعالى - لنبيه 1 بأن يلتزم فى حكمه بين الناس الأحكام التى أنزلها - سبحانه -
(١) تفسير ابن جرير جـ ٢ ص ٦٥