النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة المائدة وهنا يسوق الله - تعالى - ما يبطل معاذيرهم، بإثبات أن البشير والنذير قد جاءهم فقال - تعالى -: ﴿فقد جاءكم بشير ونذير﴾. والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها. والتقدير. لا تعتذروا بقولكم ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم رسولنا الذى يبشركم بالخير إن آمنتم وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم. والتنكير هنا فى قوله: ﴿بشير ونذير﴾ للتعظيم من شأن الرسول وَ ل الذى هو خاتم النبيين، والذى أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين. وقوله: ﴿بشير ونذير﴾ وإن كانا وصفين للرسول و ◌ّ﴾. إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما التغايرهما فى المعنى، لأن التبشير عمل يختلف عن الإِنذار، وكلاهما من وظائف النبوة. وقوله - تعالى - ﴿والله على كل شىء قدير﴾ تذييل قصد به شمول قدرة الله وأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء. أى: والله على كل شىء قدير، فلا يعجزه أن يرسل رسله تترى، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة. وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها، وأنها جاءت والناس فى أشد الحاجة إليها، وأنه لا عذر لأهل الكتاب فى عدم الاستجابة لها بعد أن بلغتهم، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا، وبالعذاب الأليم إن استمروا على كفرهم وضلالهم. وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من رذائل أهل الكتاب، ومن أقوالهم الباطلة فى حق الرسول الذى أرسله الله - تعالى - لهدايتهم وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان. بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا مما حدث بين موسى - عليه السلام - وبين قومه بنى إسرائيل، ومما لقيه منهم من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان. إذ فى ذلك تسلية للرسول وَلثر عما شاهده منهم من عناد وجحود. استمع إلى القرآن وهو يحكى بعض قصص بنى إسرائيل مع نبيهم موسى فيقول : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ . نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَءَاتَنْكُم مَّالَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ (٥) يَقَوْمِ أُدْ خُلُواْ اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَنْتَدُ واْعَلَى أَذْبَارِكُمْ ١٠٢ المجلد الرابع فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِ ينَ ﴾ قَالُواْيَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ تَّدْ خُلَهَا حَتَّى يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِنِ يَخْرُ جُواْمِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا آدْ خُلُواْ عَلَتَهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَِبُونَ وَعَلَى اَللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِنَ كُمْ مُؤْ مِنِينَ ٢٣ قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّاهَهُنَا قَعِدُونَ (١) قَالَ رَبِّ إِى لَآَ أَمْلِكُ إِلََّ نَفْسِى وَأَخِى فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ اٌلْفَسِقِينَ ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ٢٦ هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد، وعزيمة خوارة، وعصيان لرسلهم. وإيثار للذلة مع الراحة على العزة مع الجهاد وهى تحكى بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة، وملخص هذه القصة : أن بنى إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى - عليه السلام - إلى بلاد الشام، عقب غرق فرعون أمام أعينهم. أوحى الله - تعالى - إلى موسى أن يختار من قومه اثنى عشر نقيبا، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقدسة التى كان يسكنها الكنعانيون حينئذ. ليتحسسوا أحوال سكانها، وليعرفوا شيئا من أخبارهم. وقد أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله : ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا﴾(١). ولقد نفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به ربه - سبحانه -، وكان مما قاله موسى للنقباء (١) راجع تفسيرنا للآية رقم ١٢ من هذه السورة. ١٠٣ سورة المائدة عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة: ((لاتخبروا أحدا سواى عماترونه)). فلما دخل النقباء الأرض المقدسة، واطلعوا على أحوال سكانها. وجدوا منهم قوة عظيمة، وأجساما ضخمة .. فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له - وهو فى جماعة من بنى إسرائيل - : قد جئنا إلى الأرض التى بعثتنا إليها، فإذا هى فى الحقيقة تدر لبنا وعسلا، وهذا شىء من ثمارها، غير أن الساكنين فيها أقوياء، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال. إلا اثنين منهم، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى - عليه السلام - وبقتال الكنعانيين معه. ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة ((وأصروا على عدم الجهاد، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا فى مصر أو فى هذه البرية. وحاول موسى - عليه السلام - أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين؛ ولكنهم عموا وصموا. وأوحى الله - تعالى - إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم. هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت فى كتب التفسير والتاريخ. وقد حشا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين - الذين ورد ذكرهم فى الآيات الكريمة - لا تقبلها العقول السليمة، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هى مما يستحى من ذكره كما قال ابن كثير(١). هذا، وقوله - تعالى -: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾ كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق. و﴿إِذ﴾ ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت. وهو مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام، تقديره اذكر. وقد خوطب بهذا الفعل رسول الله - وَالر - بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات. أى: واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك، قول موسى لآبائهم على سبيل النصح والإِرشاد: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. أى: تذكروا إنعامه عليكم بالشكر والطاعة . والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب. قال أبو السعود: وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت، دون ما وقع فيه من حوادث، - مع أنها (١) من ذلك ما جاء فى وصفهم من أن منهم عوج بن عنق الذى كان طوله ثلاثة آلاف ذراع. وأن سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا فى ظل واحد منهم. وقال الألوسى بعد أن حكى ما قيل فيهم من صفات. وهى عندى حديث خرافة. ١٠٤ المجلد الرابع هى المقصودة، لأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصیله کأنه مشاهد عیانا))(١). وفى قول موسى لهم - كما حكى القرآن عنه - : ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾ تلطف معهم فى الخطاب، وحمل لهم على شكر النعمة، واستعمالها فيما خلقت له لكى يزيدهم الله منها. وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من رابطة الدم والقرابة التى تجعله منهم، يهمه ما يهمهم، ويسعده ما يسعدهم، فهو يوجه إليهم ما هو كائن لهدايتهم وسعادتهم. وقوله - تعالى -: ﴿إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم. أما النعمة الأولى: فهى جعل كثير من الأنبياء فيهم كموسى وهارون، واسحق،، ويعقوب، ويوسف، -عليهم السلام -. وقد أرسل الله - تعالى - هؤلاء الأنبياء وغيرهم فى بنى إسرائيل، لكى يخرجوهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور الهداية والطاعة والإِيمان. والتنكير فى قوله ﴿أنبياء﴾ للتكثير والتعظيم. أى: تذكروا يا بنى إسرائيل نعم الله عليكم، وأحسنوا شكرها، حيث جعل فيكم أنبياء كثيرين يهدونكم إلى الرشد. قال صاحب الكشاف: ((لم يبعث الله فى أمة ما بعث فى بنى إسرائيل من الأنبياء))(٢). وأما النعمة الثانية: فهى جعلهم ملوكا. أى: جعلكم أحرارًا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب. أى: جعلكم تملكون المساكن وتستعملون الخدم، بعد أن كنتم لا تملكون شيئًا من ذلك وأنتم تحت سيطرة فرعون وقومه . قال الألوسى: ((أخرج البخارى عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك زوجة تأوى إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال الرجل: فإن لى خادما. قال عبد الله: فأنت من الملوك . وأخرج ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله رَله: كانت بنو إسرائيل (١) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ١٧ - بتصرف وتلخيص - (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٩ ١٠٥ سورة المائدة إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا))(١). وهذه النعمة - أى: نعمة الحرية بعد الذل، والسعة بعد الضيق - من النعم العظمى التى لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، التى تعاف الظلم، وتأبى الضيم، وتحسن الشكر لله - تعالى -. قال صاحب الانتصاف : فإن قلت: فلماذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء، كما قال : ﴿وجعلكم ملوكا﴾؟ قلت. لأن النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس يشارك الملك فى كثير مما به صار الملك ملكا، ولا كذلك النبوة، فإن درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته فى مزيتها وخصوصيتها ونعتها، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك))(٢). وأما النعمة الثالثة: فهى أنه - سبحانه - : آتاهم من ألوان الإِكرام والمنن ما لم يؤت أحدا من عالمى زمانهم. فقد فلق لهم البحر فساروا فى طريق يابس حتى نجوا وغرق عدوهم. وأنزل عليهم المن والسلوى ليأكلوا من الطيبات، وفجر لهم من الحجر اثنتى عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم .. إلى غير ذلك من ألوان النعم التى حباهم الله - تعالى - بها، والتى كانت تستلزم منهم المبادرة إلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. قال الألوسى: و((أل)) فى ﴿العالمين﴾ للعهد: والمراد عالمى زمانهم. أو للاستغراق. والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل : وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل، فوجود خطاب فى الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم))(٣). وبعد هذا التذكير بالنعم، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض المقدسة فقال - كما حكى القرآن عنه : ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾. ومعنى المقدسة : المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من الأنبياء. والمراد بها. بيت المقدس وقيل المراد بها: اريجاء وقيل: الطور وما حوله. قال ابن جرير: وهى لا تخرج عن أن تكون من الأرض التى ما بين الفرات وعريش مصر، الإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك)). (١) تفسير الألوسى جـ ٦ ص١٠٥. (٢) حاشية الكشاف جـ ١ ص ٦١٩ (٣) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٠٦ ء ١٠٦ المجلد الرابع ومعنى ﴿كتب الله لكم﴾: قدر لكم سكناها، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه، أو معناه : فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة - وسنفصل القول فى هذه المسألة بعد تفسيرنا للآيات -. ومفعول ﴿كتب﴾ محذوف. أى كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم دخولها لإِنقاذكم من الأهوال التى نزلت بكم فى أرض مصر من فرعون وجنده. وقد تعدى فعل ﴿كتب﴾ هنا باللام دون على، للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم. وفى تكرير النداء من موسى لهم بقوله: ﴿يا قوم﴾ مبالغة فى حثهم على الامتثال لما يأمرهم به، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه. وقوله: ﴿كتب الله لكم﴾ فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره، وإغراء لهم بالنصر والفوز، لأن الذى كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا وأطاعوا هو الله الذى لا معقب لحكمه. قال الإِمام الرازى: فى قوله: ﴿كتب الله لكم﴾ فائدة عظيمة. وهى أن القوم كانوا جبارين إلا أن الله - تعالى - لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى - عليه السلام - علموا قطعا أن الله ينصرهم عليهم، فلابد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع))(١). وقوله - تعالى -: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ تحذير لهم من الجبن والإِحجام، بعد ترغيبهم الشديد فى الشجاعة والإِقدام. وقوله ﴿ترتدوا﴾ من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف. و ﴿الأدبار﴾ جمع دبر وهو الظهر. وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء، بدل أن يسير بوجهه إلى الأمام. وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى. وقوله (فتنقلبوا) من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشىء وهو مجزوم عطفا على فعل النهى وهو ﴿ولا ترتدوا﴾. والمعنى : آمضوا أيها القوم لأمر الله، وسيروا خلفى لقتال الأعداء ودخول الأرض المقدسة (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٩٨ ١٠٧ سورة المائدة التى أمركم - سبحانه - بدخولها، ولا ترجعوا القهقرى منصرفين عن القتال خوفا من أعدائكم، ومبتعدين عن طاعتى وأمرى، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الخسران فى الدنيا والآخرة، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التى أوجب الله عليكم دخولها. 1 قال ابن جرير: فإن قال قائل : وماكان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾. أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل: إن الله - تعالى - كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به، وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض الله عليهم من وجهين : أحدهما : تضييع فرض الجهاد الذى كان الله فرضه عليهم. والثانى: مخالفتهم أمر الله فى تركهم دخول الأرض المقدسة))(١). هذا، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة، وهى قوله - تعالى -: ﴿ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ تحمل طابع التحذير الشديد، وتنذرهم بالخسران المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من المشجعات والمرغبات فى الجهاد، وذلك لأنه - عليه السلام - كان متوقعًا منهم الإِحجام عن القتال، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على أعقابهم فى مواطن كثيرة، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات وأشد التحذيرات لكى يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة. ولكن بنى إسرائيل هم بنو إسرائيل، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة، وطبيعتهم المنتكسة لم تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة : ﴿يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ وقوله: ﴿جبارين﴾ جمع جبار ((والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثى. ويطلق فى اللغة على الطويل القوى العاتى الذى يجبر غيره على ما يريد. مأخوذ من قولهم : مخلة جبارة أى: طويلة لا ينال ثمرها بالأيدى. أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - إن الأرض التى وعدتنا بدخولها فيها قوم متغلبون على من يقاتلهم، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا لن ندخل هذه الأرض المقدسة التى أمرتنا بدخولها مادام هؤلاء الجبارون فيها، فإن يخرجوا منها لأى سبب من الأسباب التى لاشأن لنا بها، فنحن على استعداد لدخولها فى راحة ويسر، وبلا أدنى تعب أو جهد. (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٧٣ ١٠٨٠ المجلد الرابع ولا شك أن قولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن والضعف، لأنهم لا يريدون أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو العقلية، وإنما يريدون أن ينالوا مايبغون بقوة الخوارق والآيات، وأمة هذا شأنها لا تستحق الحياة الكريمة، لأنها لم تقدم العمل الذى يؤهلها لتلك الحياة : وفى ندائهم لنبيهم باسمه مجردًا ﴿قالوا يا موسى﴾ سوء أدب منهم معه، حيث استهانوا بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد. وفى قولهم ﴿وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها﴾ امتناع عن القتال بإصرار شديد، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفى ﴿لن﴾ وجعلوا غاية النفى أن يخرج الجبارون منها، مع أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد، وهم لا يريدون قتالا، بل يريدون دخولا من غير معاناة ومجاهدة. ثم بين القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكروا إحجام قومهم عن الجهاد، وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. والمراد بالرجلين : يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وكانا من الاثنى عشر نقيبًا. وقد وصف الله - تعالى - هذين الرجلين بوصفين. أولهما : قوله : ﴿من الذين يخافون﴾ أى: من الذين يخافون الله وحده ويتقونه ولا يخافون سواه وفى وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه - تعالى - بل يخافون العدو. وقيل المعنى : من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم إلا أن الله - تعالى - ربط على أ قلبيهما بطاعته. فجعلهما يقولان ما قالا : · الوصف الثانى: فهو قوله: ﴿أنعم الله عليهما﴾ فهذه الجملة صفة ثانية للرجلين. أى: قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله - تعالى - ولا يخافون سواه، وبأنهما من الذين أنعم الله عليهما بالإِيمان والتثبيت والثقة بوعده، والطاعة لأمره قالا لقومهما. ادخلوا عليهم الباب . هذا، وقد ذكر صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال : ويجوز أن تكون الواو فى قوله : ﴿يخافون﴾ - لبنى إسرائيل. والراجع إلى الموصول محذوف. والتقدير: قال رجلان من الذين يخاف بنو إسرائيل منهم، -وهم الجبارون- وهما رجلان منهم ((أنعم الله عليهما)) بالإِيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لاقلوب فيها فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، ١٠٩ سورة المائدة يشجعانهم على قتالهم. وقراءة من قرأ: ﴿يخافون﴾ - يضم الياء - شاهدة له. وكذلك. أنعم .. الله عليهما))(١). والذى نراه أن الرأى الأول أرجح وهو أن الرجلين من بنى إسرائيل، وأن قوله - تعالى - . ﴿من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ صفتان للرجلين وأن مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو الله - تعالى - أى : يخافون الله ويخشونه لأن هذا هو الظاهر من معنى الآية، وهو الذى صدر به المفسرون تفسيرهم للآية، ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه فى أن أحد الجبارين قد آمن وحرض بنى إسرائيل على قتال قومه، بينما وردت الآثار فى بيان اسمى الرجلين وأنهما كانا من الإثنى عشر نقيبا - كما سبق أن ذكرنا - وقوله - تعالى - ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا عنهم الخوف من قتال الجبارين. أى: قال الرجلان اللذان يخافان الله لقومهما: آدخلوا على أعدائكم باب مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم، وباغتوهم بقتالكم إياهم، فاذا فعلتم ذلك أحرزتم النصر عليهم، وأدركتم الفوز، فإنه ((ما غزى قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا)). قال صاحب الكشاف : فان قلت : من أين علما أنهم غالبون؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك. ومن جهة قوله - تعالى - ﴿كتب الله لكم﴾. وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله فى نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى فى قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة))(٢). وقوله - تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) دعوة من الرجلين المؤمنين لقومها، بأن يكلوا أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب على أعدائهم، إن كانوا مؤمنين حقا، فإن النصر يحتاج إلى تأييد من الله - تعالى - لعباده، وإلى توكل عليه وحده، وإلى عزيمة صادقة، ومباشرة للأسباب التى توصل إليه. ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين، لم تصادف من بنى إسرائيل قلوبا واعية، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد وكرروا لنبيهم موسى عليه السلام - نفيهم القاطع للإقدام على دخول الأرض المقدسة مادام الجبارون فيها فقالوا - كما حكى القرآن عنهم: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها﴾. أى: قالوا غير عابئين بالنصيحة. بل معلنين العصيان والمخالفة : يا موسى إنا لن ندخل (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٠ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٢٦ ١١٠ المجلد الرابع هذه الأرض التى أمرتنا بدخولها فى أى وقت من الأوقات، مادام أولئك الجبارون يقيمون فيها، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم. وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض فى هذه المرة بثلاث مؤكدات، هى : إن، ولن، وكلمة أبدا. أى: لن ندخلها بأى حال من الأحوال مادام الجبارون على قيد الحياة ويسكنون فيها. ثم أضافوا إلى هذا القول الذى يدل على جبنهم وخورهم، سلاطة فى اللسان، وسوء أدب فى التعبير، وتطاولا على نبيهم فقالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾. أى: إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه - سبحانه - ليس ربا لهم - فى زعمهم - إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض. وقولهم: ﴿إنا ها هنا قاعدون﴾ تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة. أى: إنا ها هنا قاعدون فى مكاننا لن نبرجه، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن فى غنى عنه، ولا رغبة لنا فيه. وإن هذا الوصف الذى وصفوا به أنفسهم، ليدل على الخسة وسقوط الهمة، لأن القعود فى وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة، والمذلة، قال - تعالى - ذمًّا لأمثالهم: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فتبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾(١). قال الألوسى ما ملخصه : وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ قالوا ذلك استهانة واستهزاء به - سبحانه - وبرسوله موسى وعدم مبالاة. وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبىء عنه غاية جهلهم، وقسوة قلوبهم والمقابلة: ﴿إنا هاهنا قاعدون﴾. ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم، أو يعبأوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجبن، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم، فقال: ﴿رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ . أى: قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى الله، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم (١) سورة التوبة الآية ٤٦ ١ ١١١ سورة المائدة وجبنهم : رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسى، وأمر أخى هارون، ولا ثقة لى فى غيرنا أن يطيعك فى العسر واليسر والمنشط والمكره. ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ لعدم ثقته الكاملة فى دخولهما معه أرض الجبارين، وفى وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل. ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وامر أخيه. وصرح موسى - عليه السلام - بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه، لمؤازرته التامة له فى كفاحه ظلم فرعون، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة فى كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله - تعالى. قال صاحب الكشاف: فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحية من أحوال قومه، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبى المعصوم الذى لاشبهة فى أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على دینی))(١). هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإِعراب لقوله ﴿وأخى﴾ منها : أنه منصوب عطفا على قوله: ﴿نفسى﴾ أى: ولا أملك إلا أخى مع ملكى نفسى دون غيرهما. وقوله - تعالى - : ﴿فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ بيان لما يرجوه موسى من ربه - عز وجل - بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته. والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيئين. والمعنى : قال موسى مخاطبًا ربه: لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصرة دينك إلا أمر نفسى وأمر أخى، أما قومى فقد خرجوا عن طاعتى وفسقوا عن أمرك ومادام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل، بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد. وهذا الرجاء من موسى لربه فى معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب الله - تعالى - دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال - تعالى -: ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض، فلا تأس على القوم. الفاسقين﴾ . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٢٣ ١١٢ المجلد الرابع وقوله : ﴿يتيهون﴾ من التيه وهو الحيرة. يقال: تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق. ووقع فلان فى التيه. أى : فى مواضع الحيرة. وقوله: ﴿فلا تأس﴾ أى: فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن. يقال: أسى - كتعب - أى: حزن. فهو اسين مثل حزين. وأسا على مصيبته - من باب عدا - أى: حزن قال أمرؤ القيس : وقوفا بها صحبى على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل أى : يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر. والمعنى : قال الله - تعالى - لنبيه موسى مجيبا لدعائه: يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلالها فى الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقر لهم قرار، فلاتحزن عليهم بسبب هذه العقوبة؛ فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا، وتمردهم على أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أدبهم مع أنبيائنا. قال الألوسى. قوله: ﴿محرمة عليهم﴾ أى: لا يدخلونها ولا يملكونها. والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر وقوله ﴿أربعين سنة﴾ متعلق بقوله : محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدًا، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله - تعالى - ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم﴾. والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقى - يجوز له دخولها - فقد روى أن موسى سار بمن بقى من بنى إسرائيل - بعد انقضاء هذه المدة - إلى الأرض المقدسة. وقوله : ﴿يتيهون فى الأرض﴾ استئناف لبيان كيفية حرمانهم. وقيل حال من ضمير ﴿عليهم). وقيل: الظرف متعلق بقوله: ﴿يتيهون﴾ فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقًا يحتمل التأبيد وعدمه))(١). وقال الفخرى الرازى : اختلف الناس فى أن موسى وهارون - عليهما السلام - هل بقيا فى التيه أو لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا فى التيه؛ لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابة، لأن التيه كان عذابًا والأنبياء لا يُعذبون. وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم فى ذلك التيه، إلا أن الله - تعالى - سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلامًا. وإنهما قد ماتا فى التيه وبقى يوشع بن (١) تفسير الآلوسي جـ٦ ص ١٠٩ - بتصرف وتلخيص - ١١٣ سورة المائدة نون - وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته - وهو الذى فتح الأرض المقدسة - بعد انقضاء مدة التيه . وقيل بل بقى موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة)) (١). هذا ونرى من المناسب فى هذا المقام أن نتعرض بشىء من التفصيل للمسائل الآتية : أولا : الرد على اليهود فى دعواهم أن الأرض المقدسة - فلسطين - ملك لهم مستندين إلى قوله - تعالى -: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم﴾ ثانيا : الحكمة فى كون عقابهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض. ثالثًا : ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات. وللإجابة على المسألة الأولى نقول: للمفسرين أقوال فى المراد من الكتابة فى قوله - تعالى - (ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم﴾ أشهرها قولان : أولهما: أن معنى ﴿كتب الله لكم﴾: أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله فى قوله - تعالى - ﴿كتب عليكم الصيام﴾: أى: فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثانى : أن معنى ﴿كتب الله لكم﴾ قدرها لكم وقضی أن تكون مساكن لكم دون الجبارين. وهذا القضاء مشروط بالإِيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد فى سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين فى الأرض المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾. قال الألوسى: ((وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإِيمان قطعًا))(٢). وقال ابن عباس : كانت هبة من الله لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وقال الفخر الرازى: إن الوعد بقوله ﴿كتب الله لكم﴾ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لاجرم لم يوجد المشروط)»(٣). (١) تفسير الفخر الرازى جـ١١ ص١٩٩. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٠٦ (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٩٧ ١١٤ المجلد الرابع والخلاصة أن الكتابة فى قوله - تعالى - ﴿كتب الله لكم﴾: إما أن تكون تكليفية على معنى : أن الله - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة . وإما أن تكون كتابة قدرية. أى: قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم. وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها - سبحانه - عليهم. وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله - تعالى - ﴿كتب الله لكم﴾ لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل. وللإجابة على المسألة الثانية نقول: اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية. وضعف عندهم الشعور بالعزة. وأصبحت حياة الذلة مع القعود. أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عندما أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض " المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها مادام الجبارون فيها : وقالوا: ﴿إنا هاهنا قاعدون﴾. فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وان يعاقبهم بما يشبه القعود، بأن يحكم عليهم بالتيهان فى بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذى استمرأ الذل والهوان. قال ابن خلدون فى مقدمته .. ويظهر من مساق قوله - تعالى - ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض﴾ ومن مفهومه : أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهى فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر، وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ فى ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة. فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر. فسبحان الحكيم العليم))(١). هذا ولصاحب المنار كلام حسن فى حكمة هذه العقوبة، نرى من المناسب إثباته هنا، فقد قال - رحمه الله - فى ختام تفسيره لهذه الآيات : ((إن الشعوب التى تنشأ فى مهد الاستبداد، والاحساس بالظلم والاضطهاد، تفسد (١) مقدمة ابن خلدون. نقلا عن تفسير القاسمى جـ ٦ ص ١٩٤٢ ١١٥ سورة المائدة أخلاقها، وتذل نفوسها. وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية. والطبائع الخلقية، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر فى كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر. أفسد ظلم فرعون فطرة بنى إسرائيل فى مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل. وقد أراهم الله - تعالى - من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى - عليه السلام - وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى الحرية. ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إليها. وكان الله - تعالى - يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده - تعالى - لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته فى طبيعة الاجتماع البشرى، إذا هلك ذلك الجيل الذى نشأ فى الوثنية والعبودية. ونشأ بعده جيل جديد فى حرية البداوة، وعدل الشريعة، ونور الآيات الإِلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلموا أنه لم يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم. وعلى هذه السُّنة العادلة أمر الله - تعالى - بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، فأبوا واستكبروا. فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قومًا آخرين. فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التى ضربها الله لنا، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها(١). وللإجابة على المسألة الثالثة - وهى ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر - نقول : إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على لون حكيم فى أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى - فقد بدأت بتذكير بنى إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم، لتغرس فيهم الشعور بالعزة؛ ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به - سبحانه - . كما اشتملت على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدى إلى الخسران. وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن خور عزيمتهم، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم .. بما جعلهم أهلا العقوبات الرادعة وفى كل ذلك تسلية للرسول وَلقر عما لحقه من اليهود المعاصرين له من أذى، وتحذير لهم من السير (١) تفسير المنار جـ ٦ ص ٣٣٧ - بتصرف يسير. ١١٦ المجلد الرابع ٠٠٩٠٠٠ على طريقة آبائهم المعوجة، حتى لايعرضوا أنفسهم للعقوبات التى حلت بأسلافهم. قال الإِمام ابن جرير: عند تفسيره للآيات الكريمة: وهذا - أيضًا - من الله - تعالى تعريف - لنبيه * يتمادى هؤلاء اليهود فى الغى، وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع آياته وآلائه عليهم، مسليا بذلك نبيه وَ ليقر عما ينزل به من مجادلاتهم فى ذات الله، يقول الله - له : لا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله، والبعد عن الحق، وما فيه من الحظ لهم فى الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم، وأوائلهم، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى - عليه السلام -(١). وقال الإِمام ابن كثير: وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه فى ذلك الزمان. وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده فى اليم وهم ينظرون. لتقر به أعينهم - وما بالعهد من قدم - ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هى بالنسبة إلى ديار مصر لاتوازن عشر المعشار فى عدة أهلها وعددهم. وظهرت قبائح صنيعهم الخاص والعام وافتضحوا فضيحة لايغطيها الليل، ولا يسترها الذيل. وقال - رحمه الله - قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضى الله عنهم - يوم بدر رسول الله وَالقر حين استشارهم فى قتال قريش. فقد قالوا فأحسنوا. لقد قال المقداد: يارسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى؛ ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن نقول لك: ((إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)) (٢) كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية الله ورسله تؤدى إلى الخسران، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة، وعصوا أمر نبيهم، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة، صارت قصتهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين. "وبعد أن ساق - سبحانه - جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة، أُتبع ذلك بقصة ابنى آدم، فقال - تعالى - : (١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ١٦٨ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٩ بتصرف وتلخيص. ١١٧ سورة المائدة وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِقَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَبِنْ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ) إِى أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنَّمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُ الظَّلِينَ ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ وَنَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ اْخَسِرِينَ ( ٣٠ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَتَىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ ٣١ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّاء يَلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا ٣٢ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ قال أبو حيان فى البحر ((مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هو أن الله لما ذكر تمرد بنى إسرائيل وعصيانهم أمره فى النهوض لقتال الجبارين، أتبع ذلك بذكر قصة ابنى آدم وعصيان قابيل أمر الله، وأنهم اقتفوا فى العصيان أول عاص الله وأنهم انتهوا فى خور الطبيعة. وهلع النفوس . ١١٨ المجلد الرابع والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذى ظهرت على يديه خوارق عظيمة - ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصى بعد الشرك وهو قتل النفس التى حرم الله قتلها، بحيث كان أول من سن القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإِقدام عليه. ومن حيث المعصية بهما وأيضًا فتقدم قوله فى أوائل الآيات : ﴿إِذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ وتبين ان عدم اتباع بنى إسرائيل للنبى عليه إنما سببه الحسد، وقصة بنى آدم انطوت على الحسد: وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض(١). وقوله : ﴿واتل﴾ من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الواضحة فى مخارج حروفها. وفى النطق بها. والمراد بابنى آدم : ولداه وهما قابيل وهابيل. قال القرطبى : واختلف فى ابنى آدم. فقال الحسن البصرى: ليسا من صلبه كانا رجلين من بنى إسرائيل - ضرب الله بهما المثل فى إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا فى بنى إسرائيل قال ابن عطية : وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل يقتدى بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه. هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل(٢). والضمير فى قوله: ﴿عليهم﴾ يعود على بنى إسرائيل الذين سبق الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول وَلقول لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أوليًا، لإِعلامهم بما هو فى كتبهم حيث وردت هذه القصة فى التوراة. وقوله ﴿بالحق﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ﴿اتل﴾ أى: اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق. والقربان : إسم لما يتقرب به إلى الله - تعالى - من صدقة أو غيرها. ويطلق فى أكثر الأحوال على الذبائح التى يتقرب إلى الله - بذبحها. قال أبو حيان : وقد طول المفسرون فى سبب تقريب هذا القربان - من قابيل وهابيل - وملخصه : أن حواء كانت تلد فى كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر. ولا يحل للذكر نكاح توأمته: فولد مع قابيل أخت جميلة، وولد مع هابيل أخت دون ذلك. فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمة هابيل، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل هابيل فى ذلك، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل قربانه تزوجها، والقربان الذى (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ص ٤٦٠ . (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٣٣ ١١٩ سورة المائدة قرباه هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع - وكبش هابيل - وكان صاحب غنم - فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل. وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل(١). والمعنى : واتل - يا محمد - على هؤلاء الحسدة من اليهود، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل، وقت أن قربا قربانًا لله - تعالى - فتقبل الله - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل - لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل من الآخر - وهو قابيل - بسوء نيته وعدم تقواه. ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال: ﴿قال لأقتلنك﴾ أى قال قابيل متوعدا أخاه هابيل : لأقتلنك بسبب قبول قربانك، دون قربانى، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - وهو من أكبر الكبائر. دون أن يقيم للأخوة التى بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره فى الحياة والذى حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول. وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى فى الكلام والذى، تدل عليه اللام. ونون التوكيد الثقيلة أى والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك. وهنا يحكى القرآن الكريم مارد به الأخ البار التقى هابيل على أخيه الظالم الحاسد قابيل، فيقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. أى: قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدًا: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه فى السر والعلن؛ وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم، فعليك أن تكون من المتقين لكى يقبل منك الله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف كان قوله: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ جوابا لقوله : ﴿لأقتلنك﴾؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذى حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلى، فلم تقتلنى؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التى هى السبب فى القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق،(٢). ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بر وتسامح فقال - كما حكى القرآن عنه - ﴿لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٣٠ (٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ٢ ص ٤٦١. ١٢٠ المجلد الرابع إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين﴾ وبسط اليد: مدها والمراد هنا: مدها بالاعتداء. والمعنى: لئن مددت إلى - يا أخى - يدك لتقتلنى ظلما وحسدًا ﴿ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك﴾ فإن القتل - وخصوصا بين الأخوة جريمة منكرة، تأباها شرائع الله - تعالى - وتنفر منها العقول السليمة . وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة قسمية وهى ﴿لأقتلنك﴾ فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية - أيضًا وهى ﴿لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك﴾. فأنت ترى أن الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد. قال الألوسى : قيل كان هابيل أقوى من قابيل ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفًا من الله - تعالى - لأن المدافعة لم تكن جائزة فى ذلك الوقت، وفى تلك الشريعة. أو تحريًا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا، لا قاتلا))(١). وقوله : ﴿إنى أخاف الله رب العالمين﴾ جملة تعليلية مسوقة لبيان سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل. أى: إني أخاف الله رب العالمين أن يرانى باسطًا يدى إليك بالقتل. وقد أكد خوفه من الله - تعالى - بأن المؤكدة للقول، وبذكره له - سبحانه - بلفظ الجلالة، المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان، وبوصفه له عز وجل بأنه رب العالمين، أى: منشىء الكون ومن ومافيه، وصاحب النعم التى لا تحصى على خلقه. وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله . ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال: ﴿إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين) : وقوله : ﴿أن تبوء بإثمى وإثمك﴾، أى ترجع. وتقر: من البوء وهو الرجوع واللزوم، يقال : باء إليه: أى: رجع، وبؤت به إليه أى رجعت. والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ولم تعطف على ما قبلها للإِيذان باستقلالها فى العلية، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة تامة. (١) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١١٢ ٠٠٠