النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة المائدة والمراد بالزكاة فى قوله ﴿وآتيتم الزكاة﴾ الزكاة المفروضة. والمراد بالقرض الحسن فى قوله ﴿وأقرضتم الله قرضًا حسنا﴾ الصدقات غير المفروضة التى يبذلها القادرون عليها فى وجوه الخير المتنوعة بدون رياء أو أذى وفى التعبير بقوله : ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾ تأنيس للقلوب وترغيب للنفوس فى البذل والعطاء، حيث شبه - سبحانه - ما يعطى للمحتاج رغبة فى الثواب بالقرض الذى سيكافىء الله - تعالى - صاحبه عليه بأضعافه من الخير والنعم. وأضاف - سبحانه - الرسل إليه فى قوله ﴿وآمنتم برسلى﴾ لتشريفهم وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإشارة إلى أن الايمان بهم جميعا واجب، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن كفر بواحد منهم كفر بالله - تعالى -. ثم بعد أن فتح الله - تعالى - لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به حذرهم من المخالفة والعصيان فقال: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ أى: فمن جحد منكم شيئًا مما أمرته به فتركه، أو أعرض عن التكاليف التى كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية، أخطأ الطريق الواضح المستقيم، وسار فى متاهات الضلال التى لا هداية فيها ولا خير معها. فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضًا فقد ضل سواء السبيل، فلم قال: ﴿قمن كفر بعد ذلك﴾؟ قلت: أجل من كفر قبل ذلك أيضًا فقد ضل. ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم : لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى))(١). وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على بنى إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التى كلفهم بها، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر، ورغبهم فى الطاعة والإِيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله - تعالى - ؟ لقد بين - سبحانه - جانبا من رذائلهم، ومن العقوبات التى عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن أمره فقال: ﴿فيما نقضهم ميثاقهم، لعناهم، وجعلنا قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به﴾. والفاء فى قوله: ﴿فيما نقضهم﴾ للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم، والباء للسببية (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٥ ٨٢ المجلد الرابع و ((ما)) مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه فى النفس والجار والمجرور - متعلق بقوله: ﴿لعناهم﴾ وقوله : ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ معطوف على ماقبله وقوله : ﴿قاسية﴾ بوزن فاعلة - من القسوة بمعتى الصلابة واليبوسة يقال: قسا قلبه يقسو فهو قاس، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب أى فبسبب جرائمهم الشديدة أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تتأثر بالمواعظ والنذر. وقرأ حمزة والكسائى : ﴿وجعلنا قلوبهم قسية﴾ بتشديد الياء من غير ألف على وزن فعيلة. وللمفسرين فى معناها رأيان : أحدهما : أن (قسية) بمعنى قاسية، غير أن فيها مبالغة، إذ هى على وزن فعيلة، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم. والثانى : أن معنى (قسية) هنا غير معنى قاسية، لأن قسية فى هذا الموضع مأخوذة من قولهم : درهم قسى - على وزن شقى - أى: فاسد ردىء لأنه مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم. والمعنى على هذا الوجه : وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا وإنما يخالطه كفر ونفاق كالدراهم القسية التى يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص أو غيرهما. وقد رجح ابن جرير الرأى الأول - وهو أن قسية بمعنى قاسية غير أن فيها مبالغة - فقال (وأولى التأويلين عندى بالصواب تأويل من تأول فعيلة من القسوة كما قيل : نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله - تعالى - وصف القوم بنقضهم ميثاقهم، وكفرهم به، ولم يصفهم بشىء من الإِيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التى يخالط فضتها غش)(١) وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثانى إلى الأول وجعل بينهما تعانقا وتلازمًا فى المعنى فقال : وقرأ عبد الله (قسية) أى : ردية مغشوشة. من قولهم : درهم قسى وهو من القسوة، لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه يبس وصلابة))(٢). وقوله : ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ استئناف مبين لشدة قساوة قلوبهم، فإنه لا قسوة (١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ١٥٥ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٥ ٨٣ سورة المائدة أشد من تحريف كلام الله - تعالى - والميل به عن الحق والصواب. أى: أنهم بلغ بهم الحال فى قسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بوعيد الله أنهم يميلون كلامه - سبحانه - عن الموضع الذى نزل فيه ولأجله عن طريق التأويل الباطل، أو التفسير الفاسد، أو التبديل للألفاظ بالزيادة تارة وبالنقصان أخرى، على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوتة وعبر - سبحانه - بقوله : ﴿يحرفون﴾ بصيغة الفعل المضارع، لاستحضار صورة هؤلاء المحرفين. والدلالة على أن أبناءهم قد نهجوا نهج آبائهم فى هذا الخلق الذميم. فإن هذا التحريف الذی حكاه الله - تعالى - فى هذه الآية قد كان من بنى إسرائيل بعد عهد موسى - عليه السلام - واستمروا على ذلك دون أن يصدهم عنه ما كان من نصح النبى وَلالية لهم ومن تحذيره إياهم. والمراد بالنسيان فى قوله: ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ الترك والإِهمال قال الراغب: (النسيان : ترك الإِنسان ضبط ما استودع. إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره). والأنواع الثلاثة التى ذكرها الراغب كأسباب للنسيان قد فعلها بنو إسرائيل فهم قد أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم، واستيلاء المطامع والشهوات عليها وأهملوا امر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا أنفسهم بها عن تعمد وإصرار، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على دين الله وهذا ما تأباه نفوسهم الجامحة وشهواتهم العارمة. والتنكير فى قوله : ﴿حظا﴾ للتكثير والتهويل. أى: تركوا نصيبا كبيرًا مما أمرتهم به شريعتهم وذكرتهم به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد - وَلجر - عند ظهوره. وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن فى هذا المعنى تعتبر من المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم فإن الناس قبل البعثة النبوية الشريفة لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسوا حظا كبيرا مما ذكرتهم به توراتهم. فلما بين القرآن ذلك، عرفوا مالم يكونوا يعرفونه من قبل . ولما كانت أخلاق الآباء كثيرًا ما يتوارثها الأبناء، فقد رأينا القرآن الكريم يحذر النبى وَّ من اليهود المعاصرين له، والذين ورثوا رذائل آبائهم فقال: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم﴾ . وقوله ﴿خائنة﴾ بمعنى الخيانة أى عدم الوفاء بالعهد. فهى مصدر على وزن فاعله كالعافية والطاغية. قال - تعالى - ﴿فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية﴾ أى بالطغيان. ويحتمل أن يكون قوله ٨٤ المجلد الرابع خائنة﴾ صفة لموصوف محذوف أى على فرقة خائنة أو طائفة. والمعنى : ولا تزال - أيها الرسول الكريم - ترى فى هؤلاء اليهود المعاصرين لك صورة السابقين فى الغدر والخيانة. وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم، وغدرهم ونقضهم لعهودهم. إلا قليلا منهم دخلوا فى الإِسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها. وفى هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول - وَله عما لقيه من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة. فكأن الله - تعالى - يقول له إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئًا مستبعدًا، بل هو طبيعة فيهم ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد: وفيها - أيضًا - تحذير له وَّر من شرورهم ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الإِسلام والمسلمين فإن التعبير بقوله ﴿ولا تزال﴾ المفيد للدوام والاستمرار يدل على استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم وقوله : ﴿إلا قليلا منهم﴾ استثناء من الضمير المجرور فى قوله ﴿خائنة منهم﴾ والمراد بهذا العدد القليل منهم، أولئك الذين دخلوا فى الإِسلام، واتبعوا الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله. ثم ختم سبحانه - الآية بقوله : ﴿فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين﴾ والعفو عدم مقابلة الإِساءة بمثلها . والصفح : ترك اللوم والمعاتبة. ولذا قالوا: الصفح أعلى رتبة من العفو، لأن العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرًا. أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية واعتبار الإِساءة كأن لم تكن فى الظاهر والباطن. وللعلماء أقوال فى المراد بالذين أمر النبى و # بالعفو والصفح عنه: ١ - فيرى بعضهم أن المراد بهم، القلة اليهودية التى أسلمت، واستثناها الله بقوله ﴿إلا قليلا منهم﴾ وهذا الرأى مردود بأنهم ماداموا قد آمنوا، فقد عصموا دماءهم وأموالهم، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع. ٢ - ويرى آخرون أن الذين أمر النبى وَّر بالعفو والصفح عنهم هم كافة اليهود، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهى قوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون﴾(١) وهذا الرأى ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين وهو غير متعذر - كما سنبين. (١) سورة التوبة آية ٢٩ ٨٥ سورة المائدة ٣ - ويرى أبو مسلم أن المراد بهم اليهود الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ينقضوا عهودهم . والذى نراه أولى أن العفو والصفح عام لليهود، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم، ومجادلتهم بالتى هى أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم مالنا وعليهم ما علينا، مع العفو عن زلاتهم التى لاتؤثر على كيان الدعوة الإسلامية . فإذا مانقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين ففى هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التى تقى المسلمين شرورهم، لأن العفو عنهم - عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة - يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو فى غير موضعه. وهذا القول يقارب ماذهب إليه أبو مسلم. وربما اعتبر توضيحًا له. فكأن الله - تعالى- يقول لنبيه و الر فاعف عن هؤلاء اليهود الذين ورثوا الخيانة عن آبائهم، واصفح عن زلاتهم التى لا تؤثر فى سير الدعوة الإسلامية إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم، إن اللّه تعالى يحب المحسنين. وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانبًا مما أخذ الله على بنى إسرائيل من عهود ومواثيق، ورغّبتهم فى الوفاء بها وحذرتهم. من نقضها، كما بينت بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبى وال طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقى المسلمين من شرورهم ومكرهم. وبعد أن بين - سبحانه - جانبًا من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ببيان حال النصارى فقال - تعالى - : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْإِنَّا نَصَرَىَ أَخَذُنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِمَّاذُ كِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَبِنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّتُهُمُ اللَّهُ ١٤ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وقوله - تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى﴾ معطوف على قوله قبل ذلك: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل﴾. ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى﴾ ٨٦ المجلد الرابع جمع نصران كندامى جمع ندمان، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. وقد صارت كلمة نصرانى لكل من اعتنق المسيحية. وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم. أو نسبة إلى بلدة الناصرة التى فيها نشأ عيسى - عليه السلام - وأعلن دعوته للناس. والمعنى : وكما أخذنا على بنى إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه، ويستجيبوا لمحمد8# الذى بشرت به الكتب السماوية، فقد أخذنا - أيضًا - من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك، ولكنهم كان شأنهم فى الكفر ونقض العهود كشأن اليهود، إذ ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى قدرًا كبيرًا، ونصيبًا عظيمًا مما ذكروا به على لسان عيسى عليه السلام - فقد أمرهم بتوحيد الله، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو محمد رَّر ودعاهم إلى الإِيمان به، ولكنهم استحبوا الكفر على الايمان، فكان دأبهم كدأب بنى إسرائيل فى العناد . والضلال. ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال: ﴿ومن الذین قالوا إنا نصارى﴾ ولم يقل: ((ومن النصارى)) للإشارة إلى أن ادعاءهم النصرانية وهی الدین الذى جاء به عیسى. إنما هو قول يقولونه بأفواههم دون أن يتبعوه بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقًّا لما جاء به عيسى . عليه السلام - لأقروا الله - تعالى - بالوحدانية ولآمنوا بمحمد ليل الذى بشر به عيسى - عليه السلام - . وإلى هذا المعنى أشار - صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فهلا قيل : ومن النصارى؟ قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، أنصارًا للشيطان))(١). وقوله - تعالى: ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ بيان لما حدث منهم بعد أخذ الميثاق. أى: أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل تركوا نصيبًا كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم. والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصد، لأن الناسى حقيقة لا يؤاخذه الله - تعالى - : والإِتيان بالفاء فى قوله : ﴿فنسوا﴾ للاشارة إلى أن تركهم لما أخذ عليهم من ميثاق، كان عن تعجل وعدم تمهل بسبب استيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم. والتنكير فى قوله تعالى: ﴿حظا﴾ للتهويل والتكثير. أى تركوا نصيبًا كبيرًا مما أمرتهم به (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٦ طبعة دار الكتاب العربى ببيروت ٨٧ سورة المائدة شريعتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد ويطهر عند ظهوره ((فكان تركهم لهذا النصيب العظيم مما ذكروا به سببا فى ضلالهم وسوء عاقبتهم. قال بعض العلماء: ((وسبب نسيان حظ أى نصيب كبير مما ذكروا به، هو اضطهاد النصارى اضطهادًا شديدًا فى عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شىء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتى سنة من ترك المسيح هذه الدنيا. وما ظهرت هذه الأناجيل التى يتدارسونها - ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات المختلفة - إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان فى المسيحية، وغير وبدل فى مجمع نيقية الذى انعقد فى سنة ٣٢٥ ميلادية. وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد))(١). وقوله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما أرشدوا إليه، ولما ذكروا به. فالفاء فى قوله - تعالى - ﴿فأغرينا﴾ للسببية وأغرينا أى: ألقينا وهيجنا وألصقنا. يقال: أغريت فلانا بكذا حتى أغرى به، أى: الزمته به وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشىء. وقوله: ﴿بينهم﴾ ظرف لأغرينا. والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى المتعددة عند جمهور المفسرين. والمعنى : بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به فرقناهم شيعًا وأحزابًا وجعلنا كل فرقة منهم تعادى الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة. ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله : ﴿بينهم﴾ تعود إلى اليهود والنصارى، فيكون المعنى: بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فهم فى عداوة شديدة، وكراهية مستحكمة. وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال : وأولى التأويلين بالآية عندى: ما قاله الربيع بن أنس وغيره. وهو أن المعنى بالإِغراء بينهم : النصارى فى هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى، دون اليهود، لأن ذكر الإِغراء فى خير الله عن النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود، وبعد ابتداء خبره عن النصارى، فلأن يكون ذلك معنيًا به النصارى خاصة. أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرناه)»(٢) (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبوزهرة - رحمه الله - مجلة لواء الإسلام السنة ١٩ العدد التاسع ص ٥٤٥. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٦٠ ٨٨ المجلد الرابع وقال ابن كثير: قوله - تعالى - : ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ أى: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولاتدعها تلج معبدها. فالملكانية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون. وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى فى هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد))(١). والذى تطمئن إليه النفس أن قوله - تعالى - ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائى فى كل العصور والأزمان، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة. وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتى الكاثوليك والبروستانت فى. إيرلاندا وفى غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم، وأنه من عند الله - عز وجل - وقوله - تعالى: ﴿وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ بيان لسوء عاقبتهم فى الآخرة بعد بيان ماحكم به عليه فى الدنيا من عداوة وبغضاء. و﴿سوف﴾ هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة. والمعنى : لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف يخبرهم الله فى الآخرة بما كانوا يصنعونه من كتمان الحق، ومخالفة للرسل، وانغماس فى الباطل، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد. وبعد أن بين - سبحانه - بعض الرذائل التى انغمس فيها اليهود والنصارى. وجه إليهم نداء دعاهم فيه إلى الدخول فى الدين الحق الذى جاء به محمد وَ له فقال: تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٣. ٨٩ سورة المائدة يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ, مُبِينٌ ره سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٦ والمعنى: ﴿يا أهل الكتاب﴾ من اليهود والنصارى ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ محمد والاخر ﴿يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ أى: يظهر لكم كثيرًا من الأحكام والمسائل التى ذكرتها كتبكم وكتمتموها عن الناس، كإخفائكم صفة النبى ويليه التى تجدونها فى التوراة والإنجيل وكتمانكم ما جاء فيها من بشارات تبشر به. وغير ذلك من الأحكام التى أخفاها علماؤكم عن العامة، وتولى الرسول : ﴿ إعلانها إظهارا للحق، ووضعا للأمور فى نصابها. وقوله: ﴿ويعفو عن كثير﴾ أى: يعرض ولا يظهر كثيرًا مما كنتم تخفونه، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه، ولا فائدة تعود على الناس من وراء إظهاره، ففى السكوت عنه رحمة بكم، وصيانة لكم عن الافتضاح والمؤاخذة. يقال: عفا عن المذنب، أى: ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه. والمراد بالكتاب فى قوله ﴿يا أهل الكتاب﴾ جنس الكتب، فيشمل التوراة والإنجيل. وفى ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول فى الإِسلام؛ فإن علمهم بما فى كتبهم من بشارات بالرسول پڼ يدعوهم إلى الإيمان به. فإذا لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق فى رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى. وكان التعبير بقوله - تعالى - ﴿قد جاءكم﴾ للإشارة إلى أنه وي لتر قد وصل إليهم، ويعيش بينهم، فهم يرونه ويراهم، ويخاطبهم ويخاطبونه، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون حجاب أو وساطة. وفى التعبير بقوله - تعالى - ﴿رسولنا﴾ تشريف للرسول والم حيث أضافه - سبحانه - إلى ذاته، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه لأنه رسول مبلغ عن الله - تعالى - ما يأمره بتبليغه بدون تغییر أو تبدیل. والمراد بالكتاب فى قوله: ﴿تخفون من الكتاب﴾ التوراة والإنجيل. فقد امتدت أيدى اليهود والنصاررى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما على حسب ماتمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم. وفى إظهار الرسول وَلقر للكثير مما كتموه، وعفوه عن الكثير مما أخفوه، معجزة له، لأنه لم ٩٠ المجلد الرابع يقرأ كتابا، ولم يجلس أمام معلم، فإخباره بأسرار ما فى كتبهم إخبار عن أمور مغيبة، فيكون معجزة له تحملهم على الإِيمان به فيما يدعوهم إليه. ثم مدح الله - تعالى - رسوله، وما جاء به من الخير والهدى فقال: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾. والمراد بالنور هنا: محمد ◌َر فهو نور الأنوار - كما يقول الألوسى. والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى أنزله - تعالى - على نبيه * والجملة الكريمة مستأنفة مسووقة لبيان أن فائدة مجىء الرسول صل* ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع أخرى لا تحصی. قال ابن جرير ما ملخصه، قوله : تعالى - ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ يقول - جل ثناؤه - لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: ((قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد ◌َّقي الذى أنار الله به الحق، وأظهر به الإِسلام ومحق به الشرك)) قوله ﴿وكتاب مبين﴾ يعنى: ((كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله، وحلاله وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذى أنزله على نبينا محمد وَلٍ))(١). ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور وبالكتاب هنا: القرآن الكريم. وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال : قوله : ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإِبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإِعجاز))(٢). ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح، لأن العطف فى الغالب يقتضى المغايرة فى الذات إذ الرسول وقد جاء للناس برسالة هى نور فى شخصه و ير كما جاءهم بالقرآن الكريم الدال على صدقه فى رسالته. ثم بين - سبحانه - الغاية من رسالته و 18 فقال - تعالى - ﴿يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾. والضمير فى قوله ﴿به﴾ يعود إلى مجموع ما ذكر، أو إلى الكتاب المبين باعتباره أقرب مذكور و﴿سبل﴾ جمع سبيل بمعنى طريق. و﴿السلام﴾ مصدر بمعنى السلامة. والمعنى : قد جاءكم - يا معشر أهل الكتاب - من الله نور وكتاب مبين. يهدى الله -تعالى- (١) تفسير ابن جرير ج٦ ص١٦١ (٢) تفسير الكشاف جـ١ ص٦١٧ ٩١ سورة المائدة بذلك أو بالكتاب ﴿من اتبع رضوانه﴾ أى: من علم - سبحانه - منه أنه يريد اتباع ما يرضي بأن يخلص له العبادة ويستجيب للحق الذى أرسل به أنبياءه فإنه متى كان كذلك، أوصله - سبحانه - إلى ﴿سبل السلام﴾ أى: إلى طرق السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء، بأن يثبته فى الدنيا على طريق الحق، ويكرمه فى الآخرة بمثوبته وجنته هذه هى الثمرة الأولى من ثمار اتباع ما جاء من عند الله من نور وكتاب مبين. أما الثمرة الثانية فقد بينها - سبحانه - بقوله : ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه﴾. والضمير المنصوب فى قوله ﴿ويخرجهم﴾ وهو ﴿هم﴾ يعود إلى ﴿من﴾ فى قوله ﴿من اتبع رضوانه﴾ باعتبار المعنى. أى: ويخرج - سبحانه - هؤلاء الأخيار الذين علم منهم اتباع ما يرضيه يخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الحق والإِيمان ﴿بإذنه﴾ أى: بإرادته وعلمه. وقوله : ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم) بيان للثمرة الثالثة من ثمار اتباع ماجاء من عند الله من حق وخير. أى: ويهدى - سبحانه - هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب، وهو طريق الإسلام الذى يوصل إلى الفوز والفلاح فى الدنيا والآخرة. وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى اتباع الحق الذى جاء به محمد - واله من عند الله، بأوضح أسلوب، وأكمل بيان، وبينتا لهم ما يترتب على اتباعه وَّل من منافع جليلة، وفوائد عظيمة تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه . وبعد أن أرشد - سبحانه - أهل الكتاب إلى الطريق القويم الذى يجب عليهم أن يسلكوه، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى من ضلال وبطلان فقال : لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ, وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيرٌ ١٧ ٩٢ المجلد الرابع اللام فى قوله: ﴿لقد كفر﴾ واقعة جوابًا لقسم مقدر. والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره، والانغماس فى الباطل والضلال. والمعنى : أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم. قال بعض العلماء ما ملخصه: ((لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهى)) وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهى فقد قالوا : إن الألوهية قد حلت فيه. ولازم ذلك القول أن يكون هو الله، أو هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه. وقد قال فى ذلك البيضاوى: ((هم الذين قالوا بالاتحاد منهم. وقيل : لم يصرح به أحد منهم. ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا، وقالوا : لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم)). وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، وإن لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الأولوهية فيه مع الله. وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد فى اعتقاد الألوهية وأنه ابن الله وبذلك يكون قوله - تعالى - فى أواخر هذه السورة ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم. والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة. وأنها شىء واحد. وينتهون إلى أن المسيح هو الله، والله هو روح القدس. فقد قال الدكتور بوست فى تاريخ الكتاب المقدس: ((طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هى : الله الآب، والله الإِبن والله الروح القدس فإلى الآب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير. غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء. أما مسألة التثليث فغير واضحة فى العهد القديم، كما هى فى العهد الجديد)). ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه. فهم يصرحون بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الأب، كما أن الله هو روح القدس(١) هذا، وقد أمر الله - تعالى - نبيه وسي أن يرد على أولئك الذين قالوا ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال - تعالى - : (١) تفسير الآية الكريمة لفضيدالشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإِسلام السنة ١٩ العدد ١١ ٩٣ سورة المائدة ﴿قل فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا﴾ . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النصارى الذين قالوا: ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾، قل لهم على سبيل الإِنكار والتوبيخ والتجهيل: من ذا الذى يملك من أمر الله وإرادته شيئًا يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض، إن أراد الله - سبحانه - أن يهلكهم ويبيدهم؟ لاشك أن أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته - سبحانه - لأنه هو المالك لأمر الوجود كله، ولا يملك أحد من أمره شيئًا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده؛ أو يحمله على أمر لا يريده، أو يستقل بعمل دونه. ومادام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان، لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التى هى قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها. وحاشا للمخلوق الفانى أن يكون إلها وإنما الألوهية الله الخالق الباقى ﴿ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين﴾ قال الإِمام الرازى ما ملخصه: ((احتج - سبحانه - على فساد ماذهب إليه النصارى بقوله: ﴿فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا﴾. وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط. والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا فمن الذى يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره. وقوله ﴿فمن يملك من الله شيئًا﴾ أى : فمن يملك من أفعال الله شيئًا والملك هو القدرة. يعنى فمن الذى يقدر على دفع شىء من أفعال الله - تعالى - ومنع شىء من مراده. وقوله : ﴿ومن فى الأرض جميعا﴾ يعنى: أن عيسى مشاكل لمن فى الأرض فى الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلم كونه - تعالى - خالقا للكل مدبرًا للكل وجب أن يكون أيضًا خالقًا لعيسى))(١). وفى توجيه الأمر إلى الرسول وَله للرد عليهم تثبيت له وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذى آمنوا به. قال أبو السعود: وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى عن أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط، لتحقيق الحق بنفى الألوهية عن كل ماعداه - سبحانه- وإثبات المطلوب فى ضمنه بالطريق البرهانى. (١) تفسير النخر الرازى جـ١١ ص ١٩١. طبعة عبد الرحمن محمد ٩٤ المجلد الرابع وتعميم إرادة الإهلاك للكل - مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح - لتهويل الخطب، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره - تعالى - وملكوته. لا يقدر أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما أريد بغيره. وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات فى كونه عرضة للهلاك، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز، وعدم استحقاق الألوهية))(١). وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها فى عموم المعطوف، لزيادة تأكيد عجز المسيح، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لايقدران على رفع الهلاك عنهما. وعطف عليهما قوله ﴿ومن فى الأرض جميعا﴾ من باب عطف العام على الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين. مرة بالنص عليهما. ومرة بالاندراج فى العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة فى تعلق نفاذ الإِرادة فيهما. وقوله ﴿ولله ملك السموات والأرض وما بينهما﴾ تأكيد لاختصاص الألوهية به - تعالى - إثر بيان انتفائها عما سواه. أى: والله - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع. أو يشاركه مشارك، ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة. فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح وأمه إلا من جملة ما فى الأرض، فهما عبدان من عباد الله يدينان له - سبحانه - بالعبادة والطاعة والخضوع. وقال - سبحانه - ﴿ومابينهما﴾ ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ الجمع، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان. أى: والله - تعالى - وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته. وقوله ﴿يخلق ما يشاء﴾ جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه فى أمر المسيح لولادته من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله. أى أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التى يريدها تبعا لمشيئته وإرادته . (١) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ١٧ طبعة صبيح. ٩٥ سورة المائدة فتارة يخلق الإِنسان من ذكر وانثى كما هو المعتاد بين الناس، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن فى خلق آدم، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن فى خلق عيسى، إلى ذلك من مخلوقاته التى ليست مقصورة على نوع واحد بل هى شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه، لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته. وقوله : ﴿والله على كل شىء قدير) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى: والله - تعالى - قدير على كل شىء ومالك لكل شىء ومهيمن على كل شىء لا يغلبه شىء طلبه، ولا يعجزه أمر أراده وماعيسى وأمه إلا من مخلوقاته وعبيده، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله - عز وجل -. فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة فى شأن عيسى - عليه السلام - وترد عليهم بما يزهق باطلهم، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد الله وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار. ثم ساق - سبحانه - بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه وَلهو أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - : بے - وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَىِ غَحْنُ أَبْنَوْاْللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ قُلّ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِدُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَابَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ١٨ قال الإِمام ابن کثیر: روی محمد بن إسحاق وابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول الله وَلقول جماعة من اليهود فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله - تعالى - وحذرهم نقمته فقالوا : ماتخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى؛ فأنزل الله - تعالى - فيهم. ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ .. الآية(١). وقوله - تعالى - ﴿وقالت اليهود والنصارى﴾ حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة، يدل على سفاهة عقولهم، وبلادة تفكيرهم، حيث قالوا فى حق الله - تعالى - (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥ ٩٦ المجلد الرابع مالا يليق بعظمته - سبحانه - . قال الألوسى: ماملخصه: ((ومرادهم بالأبناء: المقربون. أى نحن مقربون عند الله - تعالى - قرب الأولاد من والدهم. ومن مرادهم بالأحباء : جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب. ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة، كما يقال: أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة. أى قالت اليهود : نحن أشياع ابنه عزير. وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء فى قرب المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك. وقيل الكلام على حذف المضاف. أى : نحن أبناء أنبياء الله - تعالى - وهو خلاف الظاهر. ومقصود الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ هو المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزية عند الله - تعالى - على سائر الخلق))(١). والمعنى : وقالت طائفة اليهود التى تزعم أنها شعب الله المختار، وقالت طائفة النصارى التى تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما : نحن فى القرب من الله - تعالى - بمنزلة أبنائه المدللين، وأحبائه المختارين، فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر. والذى حملهم على هذا القول الباطل، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم، وتخبطهم فى الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعانى الألفاظ. قال ابن كثير: ((ونقلوا عن كتبهم أن الله - تعالى - قال لعبده إسرائيل : أنت ابنی بکری. فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم. وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم، يعنى: ربي وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها فى عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾(٢). وعطف - سبحانه - قولهم: ﴿وأحباؤه﴾ على قولهم ﴿نحن أبناء الله﴾ للإشارة إلى غلوهم فى الجهل والغرور، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه. وقد أمر الله - نبيه وير أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾. (١) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٠٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٤ طبعة عيسى الحلبى. ٠ ٩٧ سورة المائدة والفاء فى قوله ﴿فلم يعذبكم﴾ للافصاح، لأنها تفصح عن جواب شرط مقدر أى : قل يا محمد لهؤلاء المغرورين، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء الله وأحباؤه فلأى شىء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه. وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم، فقد عذبكم - سبحانه - فى الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهيج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة. · أما فى الآخرة فإن كتبكم التى بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون فى الآخرة على ما تقترفون من آثام فى دنياكم. وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم - فى زعمهم - أياما معدودات فى الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك فى قوله - تعالى - ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ : وأقر النصارى بأن الله - تعالى - سيحاسب الناس يوم القيامة، وسجازى كل إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر. قال القرطبى: ((رد الله عليهم قولهم فقال: ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين، إما إن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه ولا أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه. وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما فى كتبهم، وما جاءت به رسلهم. ويبيجوا المعاصى وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم))(١) وقوله : ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ رد على أصل دعواهم الباطلة، وبيان لما هو الحق من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر. أى: ليس الأمر كما زعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق الله. فإنكم إن آمنتم وأصلحتم أعمالكم نلتم الثواب من الله، وإن بقيتم على كفركم وغروركم حق عليكم العقاب، وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإِيمان والعمل الصالح. قال أبو حيان قوله: ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ إضراب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه، فهم مساوون لغيرهم فى البشرية والحدوث، وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشرا، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوجهين البنوة. وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله، فبطل الوصفان اللذان أدعوهما))(٢). (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٢٠ (٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٢ ص ٤٥١ ٩٨ المجلد الرابع وقوله - سبحانه - ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ بيان لعموم قدرته، وشمول إرادته. أى أنه - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه، وهم المؤمنون به وبرسله، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم، وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى، لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه . وقوله ﴿ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير﴾ تذييل قصد به تأكيد ماقبله من عموم قدرته، وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه. أى: ولله - تعالى - وحده ملك جميع الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة فيجازيهم على ماعملوا من خير أو شر. قال - تعالى - ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم ﴿أبناء الله وأحباؤه) وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كذابون فيما يدعون؛ وأنه لافضل لأحد على أحد إلا بالإِيمان والعمل الصالح . وبعد أن بين - سبحانه - فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم، ورد عليهم بما - لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات. أتبع ذلك بتوجيه نداء آخر إليهم تكريرا لوعظهم، وتحريضًا لهم على اتباع الحق فقال - تعالى - يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَذَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَلَهُ عَلَى كُلّ ١٩ شَىْءٍ قَدِيرُ أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله. لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرًا بعده، فأنزل الله ٩٩ سورة المائدة فى قولهما قوله: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) الآية(١). وقوله ﴿على فترة من الرسل﴾ أى: على انقطاع من الرسل، إذ الفترة هى الزمن بين زمنين، ويكون فيها سكون عما يكون فى هذين الزمنين. قال الراغب: الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة. قال - تعالى - ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل﴾ أى: سكون خال عن مجىء رسول الله وَ ر وقوله ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ أى لا يسكنون عن نشاطهم فى العادة))(٢). فأصل الفتور: السكون والانقطاع. يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد والنشاط. والمعنى : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يا من أنزل الله - تعالى - الكتب السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم، ها هو ذا رسولنا محمد - صل - قد جاءكم لكى يبين لكم شرائع الدين، والطريق الحق الذى يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية، وذلك بعد انقطاع من الرسل، وطموس من السبل، وضلال فى العقائد، وفساد فى الأفكار والمعاملات. قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿على فترة من الرسل﴾ أي: بعد مدة ... متطاولة ما بين إرساله * وبين عيسى ابن مريم. وقد اختلفوا فى مقدار هذه الفترة كم هى؟ فعن قتادة خمسمائة وستون سنة. وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم -آخر أنبياء بنى إسرائيل- وبين محمد پ#خاتم النبيين من بنى آدم على الإطلاق، كما ثبت فى ((صحيح البخارى)) عن أبى هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((أنا أولى الناس بابن مريم ليس بينى وبينه نبى)) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عیسی نبی يقال له خالد بن سنان. والمقصود من هذه الآية، أن الله - تعالى - بعث محمدًا وَّ ر على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عُبَّاد الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم(٣). وفى ندائه - سبحانه - اليهود والنصارى بقوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ تنبيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة، يوجبان عليهم المبادرة إلى اتباع الرسول وَّ ر الذى بشرت بمبعثه كتبهم التى بين أيديهم، والذى يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم. وإلا فسيكون (١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ١٦٦ (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٧١ للراغب الأصفهانى (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥ ١٠٠ المجلد الرابع عقابهم أشد إذا ما استمروا فى كفرهم وضلالهم. وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿قد جاءكم﴾ للإِبذان بأنه وير قد أصبح بينهم، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه، ويسمع منهم ويسمعون منه، وأنه قد صار من اللازم عليهم اتباعه، لأن الشواهد قد قامت على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وأضاف - سبحانه - الرسول وَ ل18 إلى ذاته فقال: ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ لتشريفه وَل وتكريمه، وللإشارة إلى قدسية هذه الرسالة وسمو منزلتها، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها، ولا يصح الخروج عن طاعته، لأنه رسول من عند الله - تعالى - الذى له الخلق والأمر. ومفعول ﴿يبين﴾ محذوف. أى: يبين لكم الشرائع والأحكام، وما أمرتم به، وما نهيتم عنه، وحذف هذا المفعول اعتمادًا على ظهوره، إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحکام . وقوله : ﴿على فترة﴾ متعلق بقوله ﴿جاءكم) على الظرفية، وقوله: ﴿من الرسل) متعلق بمحذوف صفة لفترة. أى: قد جاءكم رسولنا محمد وَّل على حين فتور من الإِرسال وانقطاع الوحى، ومزيد الاحتياج إلى البيان. والتعبير بقوله - تعالى - ﴿على فترة﴾ فيه معنى فوقية الرسالة على الفترة، وعلوها عليها؛ كعلو البيان على الجهل، والنور على الظلمة، فمن الواجب عليهم أن يسارعوا إلى اتباع الرسول الذى جاءهم بالحق، وإلا كانوا ممن يرتضى لنفسه الانحدار من الأعلى إلى الأدنى، ومن العلم إلى الجهل، ومن الهدى إلى الضلال. وقوله - تعالى -: ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ جملة تعليلية المقصود بها قطع معاذيرهم إذا احتجوا بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر الله ونواهيه. والمراد بالبشير: المبشر الذى يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة. والمراد بالنذير: المنذر الذى ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير. والمعنى: لقد جاءكم يا معشر أهل الكتاب رسولنا محمد بَّه يبين لكم شرائع الله بعد فترة متطاولة من انقطاع الرسل، لكى لا تقولوا على سبيل المعذرة يوم الحساب، ما جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المعصية. و﴿من﴾ فى قوله ﴿من بشير﴾ لتأكيد نفى المجىء. والتنكير فى قوله: ﴿بشير ونذير﴾ للتقليل، أى: ما جاءنا أى بشير ولو كان صغيرا، وما جاءنا أى نذير ولو كان ضئيلا.