النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة المائدة الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. وقوله ﴿إلى المرافق﴾ و﴿إلى الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها فى الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبى وَّ أنه كان يدير الماء على مرفقيه))(١). رابعا : أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله - تعالى - ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ إلا أنهم اختلفوا فى مقدار المسح. فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم فى ذلك الحنابلة. وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس. ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكية والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون - أيضًا - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا فى ذلك. وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة أن النبى و # كان فى سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته)) قالوا: والناصية تساوى ربع الرأس. قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض فى بعض الحالات كما فى صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه غير أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هى التى استمر عليها وَّر فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التى كان يداوم عليها. وهى مسح الرأس مقبلا ومدبرًا. وإجراء غيرها فى بعض الأحوال(٢). خامسًا: قوله تعالى ﴿وأرجلكم﴾ وردت فيه قراءتان متواترتان. احداهما : بفتح اللام وهى قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائى ويعقوب. والثانية : بكسر اللام وهى قراءة الباقين. أما قراءة النصب فعلى أن قوله ﴿وأرجلكم﴾ معطوف على قوله ﴿وجوهكم﴾ أو هو منصوب بفعل مقدر أى: وامسحو برءوسكم؛ واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. وأما قراءة الجر فعلى أن قوله ﴿وأرجلكم﴾ معطوف على ﴿برءوسكم) (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٠ (٢) تفسير القاسمى جـ ٦ ص١٨٨ ٦٢ المجلد الرابع قال القرطبى ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل ((اغسلوا)) وبنى على ذلك أن الفرض فى الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبى وَّه واللازم من قوله فى غير ماحديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته: ((ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء)) ثم إن الله حدهما فقال: ﴿إلى الكعبين﴾ كما قال فى اليدين ﴿إلى المرافق﴾ فدل على وجوب غسلهما. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربى : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبرى من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبرى بقراءة الخفض - أى قال بمسح الرجلين. ثم قال : وقد قيل: إن قوله ﴿وأرجلكم﴾ بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى -أى لفظ الرءوس- وهذا أيضًا يدل على الغسل، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا فى القرآن وغيره قال - تعالى - ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس﴾ بالجر لأن النحاس هو الدخان. ثم قال: والقاطع فى الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله وال ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب. ولاخلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح. إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح . ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم ولو أنه كان يغسل رجليه فى وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا حجة فى الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل فى قوله ﴿وأرجلكم﴾ قوله ﴿فاغسلوا﴾ والعرب قد تعطف الشىء على الشىء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول: أكلت الخبز واللبن .. أى: وشربت اللبن(١). وقد عقد الإِمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية - كثيرًا من الأحاديث التى وردت فى غسل الرجلين، وجعل عنوانه: ((ذكر الأحاديث الواردة فى غسل الرجلين وأنهلابد منه ). (١) تفسير القرطبى جـ٦ ص٩١ - ص٩٦. ٦٣ سورة المائدة ومن هذه الاحاديث ماجاء فى الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس. أن رسول الله ◌َلّ غسل الرجلين فى وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا. على اختلاف رواياتهم. وفى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله وَّلتر توضأ فغسل قدميه ثم قال: ((هذا وضوء لايقبل الله الصلاة إلا به)). وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبى # فى رِجْل رَجل مثل الدرهم لم يغسله فقال: ((ويل للأعقاب من النار)). ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الاحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى فى مسح الخف(١). ويرى الزمخشرى أن قراءة الجر فى قوله ﴿وأرجلكم﴾ محمولة فى المعنى على النصب ويكون السبب فى عطفها على الرءوس المجرورة، للاشارة إلى وجوب عدم الإسراف فى الماء. فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها فى حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها : فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهى عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد فى صب الماء عليها. وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله : لم يوجه الزمخشرى قراءة الجر بما يشفى الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة . ثم يقال : ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإيجاز والاختصار. وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا : واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذى لا يكون إلا فى الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدًّا. على أن الغسل المطلوب فى الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود))(٢). •٠ هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين فى الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٦ (٢) تفسير الكشاف وحاشيته جـ ١ ص ٦١٠ ٦٤ المجلد الرابع بالجر. وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء(١). سادساً: أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هى هذه الأربعة فحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين. وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية - كما سبق أن أشرنا - كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا التريب فى القرآن فيجب التزامه. ولأن النبى و لو لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ماجاء عنه قوله . وقال الأحناف : الترتيب ليس فرضًا، لأن العطف بين الأركان بالواو وهى لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا. كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضىء الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه. وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة. والذى تطمئن إليه النفس أن المتوضى إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله. أما إذا قطع المتوضى وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه فى هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه. تلك هى بعض المسائل التى رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها. وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبه فقال - تعالى - ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ . والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابه. وكلمة جنب من الألفاظ التى يستوى فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال : رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب .. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة معنى شرعى يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر. وقوله ﴿فاطهروا﴾ أصله فتطهروا فأدغمت التاء فى الطاء فسكنت فأتى بالهمزة. والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول فى الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم (١) راجع تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ٦١٠ م ٦٥ سورة المائدة فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برؤوسكم. وتغسلوا أرجلكم إلی الکعبین، هذا إذا کنتم محدثین حدثًا أصغر وأردتم الصلاة أما إذا کنتم محدثین حدثا أکبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول فى الصلاة فعليكم فى هذه الحالة أن تتطهروا. أى: تغسلوا بالماء جميع بدنكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو، كان أمرًا شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله -تعالى- فى الآية على تلك الأعضاء التى أوجب غسلها. وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾(١) ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده. والتعبير بقوله ﴿فاطهروا﴾ فيه إشارة إلى وجوب العناية فى تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولاشك أن الاغتسال بعد الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله، ولأداء تكاليفه. قال الفخر الرازى: والدلك غير واجب فى الغسل. وقال مالك : الدلك واجب وحجة غيره أن قوله ﴿فاطهروا﴾ أمر بتطهير البدن وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك. ثم قال : والشافعى قال : المضمضة والاستنشاق غير واجبين فى الغسل - ومثله فى ذلك الإِمام مالك. وقال أبو حنيفة - والحنابلة - هما: واجبان لأن الآية تقول ﴿فاطهروا﴾ وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم. وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التى لا يمكن تطهيرها. وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما. فوجب بقاؤهما تحت النص. ولأن الرسول وَلتر قال: ((بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة)) فقوله ((بلوا الشعر)) يدخل فيه الأنف. لأن داخله شعر. وقوله ((وأنقوا البشرة)) يدخل فيه الجلدة التى داخل الفم. وحجة الشافعى - ومالك قوله غير أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا . قد طهرت)) وقد قال النبى پر ذلك فى مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه فى أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله(٢). ١- (١) سورة الأنفال الآية ١١ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ١١ ص١٦٥ الطبعة البهية. ٦٦ المجلد الرابع ثم شرع - سبحانه - فى بيان الاعذار التى تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لا مستم النساء : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ والمراد بالمرضى فى قوله - تعالى - ﴿وإن كنتم مرضى﴾ المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقًا كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطىء البرء. وقوله ﴿أو على سفر﴾ فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه فى قوله - تعالى - فى سورة البقرة : ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذى يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء فى الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية. وقوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ معطوف على ماقبله والغائط: من الغيط وهو المكان . المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس. وفى إسناد المجىء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سموفى التعبير. حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى مايستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به. وفى ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب فى الخطاب، والبعد عن الالفاظ التى تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم. والمراد بالملامسة فى قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع: فهو هنا كنابة عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال : وهى كناية قرآنية أراد - سبحانه - أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التى تتنافى مع آداب الإِسلام وتعاليمه السامية. وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبى طالب وابن عباس وأبو موسى. وتبعهم فى ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والثورى فقد قالوا : لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها. واستدلوا بأن النبى ولو كان يقبل نساءه ثم يصلى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم. واستدلوا - أيضًا - بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون فى الفعل من الجانبين مقصودًا، وذلك إنما يتأتى فى الجماع دون اللمس باليد. وأيضًا فإن اللمس وإن كان حقيقة فى اللمس باليد إلا أنه قد عهد فى القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما فى قوله - تعالى : ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن ٦٧ سورة المائدة تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾(١). ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء. وقد سار الإِمام الشافعى على هذا الرأى فقال : إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة. ومن أدلته أن اللمس حقيقة فى المس باليد، وهو فى الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإِمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما. وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك فى كتب الفروع. والذى نراه أولى بالصواب فى هذه المسألة ما قاله الإِمام مالك - رحمه الله - لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها. والفاء فى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله. ﴿وإن كنتم مرضى﴾. والضمير فى قوله : ﴿فلم تجدوا﴾ يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. والمراد بعدم الوجدان فى قوله هنا ﴿فلم تجدوا ماء﴾ ما هو أعم من الوجود الحسى أى : أن قوله: ((فلم تجدوا ماء)) كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء. وقوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ جواب الشرط وهو قوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾. والمعنى : وإن كنتم - أيها المؤمنون - فى حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر؛ أو كنتم محدثين حدثًا أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله، أو كنتم فى حاجة ماسة إليه، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدًا طيبا بدلا من الماء، فإن الله - تعالى - ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يعود إلى الجميع ماعدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم الوجدان الحسى. (١) سورة البقرة الآية ٢٣٧ ٦٨ المجلد الرابع والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشىء إذا قصدته. ويطلق فى الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به. وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره. وقيل يطلق على التراب فحسب. والطيب : الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر. وقوله : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ بيان لكيفية التيمم. أى : إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم. وقد استدل بعض الفقهاء بقوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب. ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما مائله من كل ما كان من جنس الأرض. متى كان طاهرًا. قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض. وهذه الصفة لاتختص بالتراب. قال القرطبى - بعد أن ذكر آراء الفقهاء فى ذلك - ((وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الاجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب. ومكان الإِجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره))(١). كما استدل الأحناف والشافعية بقوله - تعالى - ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد فى عضوين مخصوصين على قصد التطهير. والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء فى الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبى وَّر قال: ((التيمم ضربتان ضربة للوجه. وضربة للذراعين إلى المرفقين)). ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة النساء: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٣٧ ٦٩ سورة المائدة صعيدًا طيبًّا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى ﴿مايريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾. أى: ما يريد الله - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه، ما يريد - سبحانه - بذلك ﴿ليجعل عليكم من حرج﴾ أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم. أى: ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضًا ﴿ليتم نعمته عليكم﴾ بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكى تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته، لأنكم متى شكرتموه زادكم من فضله ومننه . وعبر - سبحانه - عن نفى الحرج بنفى إرادته، مبالغة فى بيان رأفته - سبحانه - بعباده، ورعايته لمصالحهم. فكأنه - سبحانه - يقول: ما كان من شأن الله - تعالى - مع عباده أن يشرع لهم مافيه مشقة أو حرج. وقوله ﴿ليجعل﴾ يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله : ﴿من حرج﴾ وتكون ﴿من﴾ زائدة لتأكيد النفى وقوله ﴿عليكم﴾ متعلق بالجعل. ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون قوله ﴿عليكم﴾ هو المفعول الثانى، وقوله: ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله. وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى - ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾(٢). وقوله - تعالى - ﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾(٣) وقوله تعالى - ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإِنسان ضعيفًا﴾(٤). وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا (١) راجع تفسيرنا لسورة النساء الآية ٤٣ (٢) سورة البقرة الآية ١٨٥ (٣) سورة الحج الآية ٧٨ (٤) سورة النساء الآية ٢٨ ٧٠ المجلد الرابع الدخول فى الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله فى تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها . ثم بعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم، أتبع ذلك بأمرهم بمداومة شكره، وبالوفاء بعهده فقال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى وانقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾. أى: تنبهوا أيها المؤمنون - بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه الله عليكم من منن فداوموا على شكرها ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ بدين الإسلام الذى هديتم به إلى الصراط المستقيم، واذكروا كذلك ﴿ميثاقه الذى واثقكم به﴾ أى: عهده الوثيق الذى أخذه عليكم، وامركم بالتزامه بكل قوة. وقوله: ﴿إِذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾ ظرف لقوله ﴿واثقكم به﴾ أى: إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد الموثق : سمعنا قولك وأطعنا أمرك. فأنت ترى أن الآية الكريمة أوجبت على المؤمنين أمرين : أولهما : التنبه إلى نعم الله وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين الإِسلام، ومداومة شكره - سبحانه - على ذلك. وثانيهما : الوفاء بعهوده التى أخذها عليهم، وتقبلوها بالسمع والطاعة لأنهم متى شكروه على نعمه، وكانوا أوفياء بعهودهم، زادهم - سبحانه - من فضله وعطائه قال الفخر الرازى: وإنما قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ ولم يقل نعمه عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل فى أعداد نعم الله، بل المقصود منه التأمل فى جنس النعم. كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات. فجنس هذه النعم لا يقدر عليه سوى الله - تعالى - فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل. وإنما قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم) وهو يشعر بنسيانها مع أن مثلها فى تواترها لا ينسى، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها، صارت كالأمر المعتاد الذى لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء)) (١) والمراد بالميثاق الذى أخذه عليهم ما جرى بين النبى وَ ل ﴿ وبين المؤمنين من عهود على أن (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٧٨ - بتصرف وتلخيص -. ٧١ سورة المائدة يسمعوا له ويطيعوا فى العسر واليسر، والمنشط والمكره، كما حدث مع الأنصار ليلة العقبة، وكما حدث مع المؤمنين جميعا فى بيعة الرضوان وإنما أضيف الميثاق إلى الله تأكيدًا لوجوب الوفاء به؛ ولأنه - سبحانه - هو الذى شرعه وهو الذى سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به وقال مجاهد: المراد به الميثاق الذى أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم، وضعف هذا القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعًا. قال ابن جرير ما ملخصه: وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك: قول ابن عباس، وهو أن معناه: واذكروا أيها المؤمنون - نعمة الله التى أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى الإِسلام ﴿وميثاقه الذى واثقكم به﴾ يعنى: وعهده الذى عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدًا وَّل على السمع والطاعة له فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا من المواثيق، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه .. فأوفوا - أيها المؤمنون - بميثاقه الذى واثقكم به ونعمته التى أنعم علیکم بها يوف لكم بما ضمن لكم الوفاء به، من إتمام نعمته علیکم، وبإدخالكم جنته، وإنعامكم بالخلود فى دار كرامته وإنقاذكم من عذابه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم فى صلب آدم، لأن الله بعد أن ذكر المؤمنين بميثاقه الذى واثقهم به، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذى أخذه الله عليهم فى قوله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل﴾ منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بماعاهدهم عليه، ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فى تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه(١) وبعد أن ذكر الله - تعالى - المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذى واثقهم به وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به ختم - سبحانه - الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه قال: ﴿واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور﴾. أى: اشكروا الله - أيها المؤمنون - على نعمته، وكونوا أوفياء بعهودكم واتقوا الله وراقبوه فى کل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عن کل ما یکرهہ لکم، فإنه - سبحانه - علیم علما تامًا بخفيات الأمور الكامنة فى الصدور. وبكل مايظهره الإِنسان ويبطنه، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته و(ذات الصدور) هى الأمور المستقرة فى الصدور، فهى بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذى يلازمه ولا يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية. (١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ١٤٠ ٧٢ المجلد الرابع والجملة الكريمة ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾ تعليل لقوله ﴿واتقوا الله﴾ وكرر - سبحانه - اسمه الجليل لاشعار المؤمنين برقابته التامة عليهم. واطلاعه على أحوالهم المختلفة، وأعمالهم المتنوعة وللإشارة إلى أنه إذا كان - سبحانه - يعلم خفيات الأمور، فمن باب أولى يعلم جلياتها. وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه، أتبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق فى كل أقوالهم وأعمالهم، وذكرهم بما أفاء عليهم من نعم فقال - سبحانه - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْاللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ ٩ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَتِكَ أَصْحَبُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْنِعْمَتَ اْجَحِيمِ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمِّ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وقوله : ﴿قوامين﴾ جمع قوام. وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام: هو المبالغ فى القيام بالشىء. وفى الإِتيان به على أتم وجه وأحسنه. وقوله: ﴿شهداء﴾ جمع شهيد - بوزن فعيل - والأصل فى هذه الصيغة، دلالتها على الصفات الراسخة فى النفس ككريم وحكيم. ٧٣ سورة المائدة والقسط : العدل يقال أقسط فلان يقسط إذا عدل فى أقواله وأحكامه وقوله ﴿ولا يجرمنكم﴾ أى: ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو معناه: ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه فى كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب؛ لأن الكاسب ينقطع لكسبه والشنآن : البغض الشديد. يقال: شنئت الرجل أشنؤه شنا وشنأة وشنآنا، إذا أبغضته بغضا شديدًا. والمعنى. يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقًا ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾ أى. ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أن تقوموا لله وحده بالحق فى كل ما يلزمكم القيام به. ومن العمل بطاعته، واجتناب منهياته، وليكن من دأبكم وشأنكم - أيضًا - أن تلتزموا العدل فى شهادتكم، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على عدم العدل معهم، فإن عدم العدل فى الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإِسلام. الذى آمنتم به، ورضيه الله لكم دينا. وفى ندائه - سبحانه - لهم بصفة الإِيمان، تنبيه إلى الأمر الخطير الذى ناداهم من أجله، ودعاهم إلى تنفيذه، من العمل بطاعته واجتناب منهياته. وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿كونوا قوامين﴾ بصفة الكينونة الدالة على الدوام، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. لتمكين صفة الطاعة له من نفوسهم، وترسيخها فى قلوبهم. فكأنه - سبحانه - يقول لهم : روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم، وعودوها على التزام الحق والعدل. واجعلوا ذلك شأنكم فى جميع الظروف والأحوال فلا يكفى أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين، وإنما الواجب عليكم أن يكون التزامكم لذلك فى كل أوقاتكم وأعمالكم . وقوله : ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى) تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهى عن تركه فى قوله ﴿ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا﴾ للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم - سبحانه - به وما نهاهم عنه، ولبيان العلة فى تكليفهم بذلك. والضمير ﴿هو﴾ يعود إلى المصدر المفهوم من قوله: ﴿اعدلوا﴾. أى: التزموا - أيها المؤمنون - العدل فى كل أحوالكم، فإن العدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصى، وإلى صيانة النفس عن الوقوع فى المهالك. وقال - سبحانه ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ مع أن العدل دليل التقوى ولبابها لأن المؤمن فى حال حربه وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ماله، وأن يأخذ منه ما يمكن ٧٤ المجلد الرابع أخذه، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن معاملة عدوه، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه. قال صاحب الكشاف، قوله: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله ﴿أقرب للتقوى﴾ أى: العدل أقرب للتقوى، وأدخل فى مناسبتها. وفيه تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾. أی : واتقوا الله أيها المؤمنون - فی کل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عمّا لا يرضيه، وافعلوا ما أمركم به، إن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر الله، ومن انتهاك حرماته. وبذلك نرى الآية الكريمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على طاعة الله فى جميع الأوقات والأحوال، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم، وبوجوب العدل فى معاملة الأعداء والأصدقاء، وبمراقبة الله - تعالى - وخشيته فى السر والعلانية. قال الألوسى : وقد تقدم نظير هذه الآية فى سورة النساء ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله﴾(٢) - ولم يكتف بذلك لمزيد من الاهتمام بالعدل والمبالغة فى إطفاء ثائرة الغيظ. وقيل : لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت فى المشرکین، وهذه فى اليهود. وذکر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا، وهو أن آية النساء جىء بها فى معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه. بدأ فيها بالقسط الذى هو العدل من غير محاباة نفس، ولا والد ولا قرابة. والتى هنا جىء بها فى معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام الله - تعالى - لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء فى كل معرض بما يناسبه))(٣). ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - ﴿وعد الله﴾ بفضله وإحسانه ﴿الذين آمنوا﴾ إيمانا حقا ﴿وعملوا﴾ الأعمال ﴿الصالحات﴾ التى نالوا بها رضا الله، وعدهم بأن ﴿لهم مغفرة﴾ عظيمة ولهم ﴿أجر عظيم﴾ لا يعرف مقداره إلا (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص٫ ٦١٣ (٢) الآية ١٣٥ من سورة النساء. (٣) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ٨٣ i ٧٥ سورة المائدة هو - سبحانه -. ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ التى جاء بها نبينا محمد ياليل ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾ أى: أولئك الموصفون بما ذكر من الكفر والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة الشديدة التأجج، بسبب إيثارهم الكفر على الإِيمان والتكذيب على التصديق. ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة، حتى يزدادوا شكرًا له، ووفاء بعهده؛ والتزاما لطاعته فقال - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾. وقد أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها مارواه عبد الرازق عن معمر الزهرى عن أبى أسامة عن جابر: أن النبى وَلّ نزل منزلا وتفرق الناس فى العضاة يستظلون تحتها. وعلق النبى وَلقر سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه فسله. ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال : الله - عز وجل - فسقط السيف من يد الأعرابى. فدعا النبى وَلقر أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابى، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه . قال ابن كثير: وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت فى شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله و لر الرحى لما جاءهم يستعينهم فى دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. وأمروه إن جلس النبى وَالفر تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه. فأطلع الله رسوله وَ له على ما تمالأوا عليه. فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه. فأنزل الله فى ذلك هذه الآية(١). وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله - تعالى - ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾ تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم ◌َّ مما أضمره له أعداؤه وأعداؤهم. وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. روى أن المشركين رأوا رسول الله وَايه وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان فى غزوة ذات أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا : إن لهم بعدها صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم - يعنون صلاة العصر - وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف(٢). وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله - تعالى - ﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾ تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم بَّ من كيد أعدائهم. وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء ٠۶ (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣١ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٣ ٧٦ المجلد الرابع للنبى وأصحابه فقال: وأولى الأقوال بالصحة فى تأويل ذلك قول من قال: عنى الله بالنعمة التى ذكر فى هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التى أنعم بها عليهم فى استنقاذه نبيهم وتمثيل مما كانت يهود بنى النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم فى الدية التى كان تحملها عن قتيلى عمروبن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة فى تأويل ذلك لأن الله عقب ذكر ذلك برمى اليهود بسوء صنائعها، وقبيح أفعالها، وخيانتها ربها وأنبياءها(١). والمعنى: يأيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوها بدوام الشكر والطاعة له - سبحانه - حيث أراد قوم من أعدائكم، أن يبسطوا إليكم أيديهم. أى : أن يبطشوا بكم بالقتل والإِهلاك ولكنه - سبحانه - رحمة بكم، ودفاعًا عنكم، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء. فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد أعدائهم، ومن محاولتهم إهلاكهم. إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال الدين، وهدايتهم إلى الإِسلام، وغير ذلك من الآلاء والمنن. وفى تكرار هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره . وقوله ﴿إِذهم قوم﴾ ظرف لقوله: ﴿نعمة الله﴾ والهم: إقبال النفس على فعل الشىء. أى: اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والاهلاك. وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإِهلاك. يقال: بسط يده إليه، إذا بطش به. وبسط إليه لسانه : إذا شتمه. والبسط فى الأصل: مطلق المد. وإذا استعمل فى اليد واللسان كان كناية عما ذكر. وقوله: ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ معطوف على قوله: ﴿هَمَّ قوم﴾ وهذا الكف هو النعمة التى قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته وعبر - سبحانه - بقوله ﴿إِذهم قوم﴾ للإيذان بأن نعمة كف أيدى الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها والفاء فى قوله ﴿فكف﴾ للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو - سبحانه - قد حال بين الأعداء وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين. وقال - سبحانه - ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ بإظهار الأيدى، ولم يقل فكفها عنكم؛ لزيادة (١) تفسير ابن جرير ج٦ ص١٤٧ : ٧٧ سورة المائدة التقرير. وللإشارة إلى أنه - سبحانه - هو الذى قضى على موضع قوة أعدائهم، ومناط شدتهم. إذ الأيدى هى من أهم وسائل البطش والقتل. أى: أنه - سبحانه - قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك دفاعا عنكم - أيها المؤمنون - وحماية لكم من الشرور، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم. وقوله : ﴿واتقوا الله﴾ معطوف على قوله: ﴿اذكروا) وقوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أمر لهم بالاعتماد على الله وحده. أى: داوموا على شكر نعم الله عليكم، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه -سبحانه- هو الفعال لما يريد، وهو الذى يدفع الشر عمن توكل عليه، ويعطى الخير لمن شكره وأطاعه. فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه. وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمس نداءات، أمرتهم فى أول نداء منها بالوفاء بالعقود. ونهتهم فى الثانى عن إحلال شعائر الله، وأرشدتهم فى النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول فى الصلاة، وأمرتهم فى النداء الرابع بالمداومة على القيام بالتكاليف التى كلفهم - سبحانه - بها وبالتزام العدل فى أقوالهم وأحكامهم، ثم أمرتهم فى النداء الخامس بالتنبه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها حيث نجاهم - سبحانه - مما أراده لهم أعداؤهم من شرور واستئصال وبعد هذه النداءات والتكليفات التى كلف الله - تعالى - بها المؤمنين، شرعت السورة الكريمة فى الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود موثقة، وموقفهم منها، وعقوبتهم على نقضهم لها. فقال -تعالى - : وَلَقَدْ أَخَذَ اٌللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْ خِلَنَّكُمْ ٧٨ المجلد الرابع جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَهُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِةٌ، وَنَسُواْ حَظّامِّمَا ذُكِرُواْبِهٍ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَابِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣ قال الفخر الرازى: قوله - تعالى - ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل، وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكم﴾ اعلم أن فى اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه - تعالى - خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال : ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾. ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا - أيها المؤمنون - مثلهم فى هذا الخلق الذميم. الثانى : أنه لما ذكر قوله : ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم﴾ وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت فى اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالمؤمنين. فلما ذكر - سبحانه - ذلك أتبعه بذكر فضائحهم، وبيان أنهم كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق. الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين فى قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان. فذكر - سبحانه - أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله فى التكليف والالزام غير مخصوصة بهم، بل هى عادة جارية له مع جميع عباده))(١). والميثاق : العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشد والربط على الشىء بقوة وإحكام . والمراد به : ما أخذه الله على بنى إسرائيل لكى يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف ولكى يعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها. والنقيب : كبير القوم. والكفيل عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم (١) تفسير الفخر الرازى جـ١١ ص١٨٣ ٧٩ سورة المائدة وضمينهم وعريفهم، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع. قال الألوسى. والنقيب : قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه ﴿فنقبوا فى البلاد﴾ وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم. قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق فى الجبل : ويقول: فلان حسن النقيبة. أى: جميل الخليقة، ويقال: فلان نقاب؛ للعالم بالأشياء، الذكى القلب، الكثير البحث عن الأمور(١). والمعنى: ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل. لكى يعملوا بما كلفهم من تكاليف، وأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يختار متهم اثنى عشر نقيبا. وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكى يطلعوا على أحوال ساكنيها، ثم يخبروا نبيهم موسى - عليه السلام - بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم. وسنفصل القول فى شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا﴾. وأكد - سبحانه - ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام، للاهتمام بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين فى الوفاء بعهودهم مع الله - تعالى - حتى لا يصيبهم ما أصاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم. وأسند - سبحانه - الأخذ إليه، لأنه هو الذى أمر به موسى - عليه السلام - ولأن فى إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - زيادة فى توثيقه، وتعظيم توكيده وأى عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟ وفى قوله: ﴿وبعثنا﴾ التفات إلى المتكلم العظيم - سبحانه - لتهويل شأن هذا الابتعاث، لأن الله - تعالى - هو الذى أمر به. وإنما اختار موسى - عليه السلام - اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، كما قال - تعالى - ﴿وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطًا أما﴾(٢) ولأن كل نقيب كان يمنزلة الرقيب على القبيلة التى هو منها يذكرها بالفضائل ويرغبها فى اتباع موسى - عليه السلام - وينهاها عن معصيته. (١) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ٨٥ (٢) سورة الأعراف الآية ١٦٠. ٨٠ المجلد الرابع والمعية فى قوله - تعالى - ﴿وقال الله إنى معكم) معية مجازية بمعنى الحفظ والرعاية والنصرة . أى: أخذ الله على بنى إسرائيل العهود الموثقة، وأمر نبيه موسى أن يرسل منهم اثنى عشر نقيبا لمعرفة أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة وقال الله - تعالى - لهؤلاء النقباء، أو لبنى إسرائيل جميعا : إنى معكم لاتخفى علىَّ خافية من أحوالكم. وسأؤيدكم برعایتی ونصرى متى وفيتم بعهدى، واتبعتم رسلى. فالجملة الكريمة تحذير لهم من معصية الله؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ووعد لهم بالنصر متى أطاعوه. ثم بين - سبحانه - بعض التكاليف التى كلفهم بها، وأخذ عليهم العهد بالمحافظة عليها فقال: ﴿لئن أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلى، وعزرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنا، لأكفرن عنكم سيئاتكم، ولأدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾. واللام فى قوله ﴿لئن﴾ موطئة للقسم المحذوف، و((إن)) شرطية، وقوله: ﴿لأكفرن﴾ جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. وقوله: ﴿وعزرتموهم﴾ من التعزيز بمعنى النصر والإعانة مع التعظيم والتفخيم يقال: عزر فلان فلانا إذا نصره وقواه، وأصل معناه : المنع والذب؛ لأن من نصر إنسانا منع عنه أعداءه . والمعنى : لئن داومتم على إقامة الصلاة، وعلى أدائها على الوجه الأكمل بخضوع وخشوع، وأعطيتم الزكاة لمستحقيها ﴿وآمنتم برسلى﴾ إيمانا كاملا، ونصرتموهم مع تعظيمهم وطاعتهم ﴿واقرضتم الله قرضا حسنا﴾ بأن أنفقتم جانبا من أموالكم فى وجوه الخير والبر، لئن فعلتم ذلك ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم﴾ بأن أغفرها لكم، ولأدخلنكم فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كلف بنى إسرائيل بخمسة أمور نافعة ووعدهم على أدائها بتكفير سيئاتهم فى الدنيا، وبإدخالهم جناته فى الآخرة. قال الإِمام الرازى: وأخر - سبحانه - الإِيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؛ لأن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد فى حصول النجاة من الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل. فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإِيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير فى حصول النجاة بدون الإِيمان بجميع الرسل))(١). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٨٥