النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة النساء دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال - تعالى - ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾. وفى الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صل# قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله))(١). وقوله: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذى افتروه على الله. أى: لا تصفوه - سبحانه - بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه - سبحانه - إلا القول الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح. ٠ وعدى - سبحانه - قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب، فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه. ثم بين - سبحانه - القول الفصل فى شأن عيسى فقال. ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾. أى: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله - سبحانه - لهداية الناس إلى الحق، ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أى: أن عيسى مكون ومخلوق بكلمة من الله وهى كلمة (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ألقاها - سبحانه - إلى مريم، أى: أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله بشرًا سويا. وقوله: ﴿وروح منه﴾ أى: ونفخة منه، لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل فى درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله، لأنه بأمره كان. وسمی النفخ روحًا لأنه ربح تخرج من الروح. قال - تعالى -: ﴿والتى أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾(٢). وقيل المراد بقوله: ﴿وروح منه﴾ أى: وذو روح من أمر الله، لأنه - سبحانه - خلقه. كما يخلق سائر الأرواح. وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة. كما فى قوله - تعالى - ﴿وأيدهم بروح منه﴾ أى: برحمة منه. وصدر - سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما) للتنبيه على أن عيسى - عليه السلام - ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٠٥ (٢) سورة الأنبياء الآية ٩١ ٤٠٢ المجلد الثالث وذكره - سبحانه - بلقبه وباسمه وببنوته لمريم، للإشارة إلى أنه إنسان كسائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود خرج من رحم انثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته. قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أى: خلقه بكلمة منه وهى (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر بيذر فى رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، والأسباب التى تجرى بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته (كن) وبذلك سمى كلمة الله. وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته - تعلق باطل - فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى من الرجل يمنى .... وقوله : ﴿وروح منه﴾ أى أنه - سبحانه - أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال : إنه نشأ بروح منه - سبحانه - أی : أنه أفاض بروحه فى جسمہ کما أفاض بها على كل "إنسان كما قال - تعالى -: ﴿الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون﴾(١). والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله : ﴿وروح منه﴾ أى: أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل إنسانا، وذلك بالملك الذى أرسله وهو جبريل ... وسمى الله - تعالى - عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة، ولأنه غلبت عليه الروحانية . . وبهذا يزول الوهم الذى سيطر على عقول من غالوا فى شأن عيسى فنحلوه ما ليس له، وما ليس من شأنه، إذ جعلوه إلها، أو ابن إله ... (٢). وقوله ﴿المسيح﴾ مبتدأ، و﴿عيسى﴾ عطف بيان له أو بدل منه. وقوله ﴿ابن مريم﴾ صفة له وقوله ﴿رسول الله﴾ خبر للمبتدأ. وقوله ﴿وكلمته﴾ معطوف على ما قبله وهو رسول الله. أو قوله ﴿ألقاها إلى مريم﴾ جملة حالية من الضمير المجرور فى ﴿كلمته﴾ بتقدير قد، والعامل فيها معنى الإِضافة. والتقدير: وكلمته ملقيا إياها إلى مريم. (١) سورة السجدة الآيات من ٧ - ٩ (٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة، بمجلة لواء الإسلام السنة ١٨ العدد ٩ ٤٠٣ سورة النساء وقوله ﴿وروح منه﴾ معطوف على ﴿كلمته﴾ والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح. ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية، أى أن الروح كائن من عند الله - تعالى - ونافخ بإذنه . وبعد أن بين - سبحانه - القول الحق فى شأن عيسى، دعا أهل الكتاب إلى الإِيمان به وبجميع رسله. ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال - تعالى - ﴿فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة. انتهوا خيرا لكم: إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد له ما فى السموات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا﴾. والفاء فى قوله: ﴿فآمنوا﴾ للافصاح عن جواب شرط مقدر. أى: إذا كان ذلك هو الحق فى شأن عيسى، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم، ولا تغالوا فى أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .. وقوله: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل. أى: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، أو المعبودات ثلاثة. فثلاثة خبر لمبتدأ محذوف وعبر - سبحانه - بقوله : ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ بدل قوله - مثلا -: ولا تؤمنن بثلاثة؛ لأن أمر الثلاثة قول يقولونه، فإن سألتهم عن معناه قالوا تارة معناه : الآب والإِبن والروح القدس، أى أنهم ثلاثة متفرقون. وتارة يقولون معناه: أن الأقانيم(١) ثلاثة والذات واحدة .. إلى غير ذلك من الأقوال التى ما أنزل الله بها من سلطان. قال صاحب الكشاف : والذى يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ﴿أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾. والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون : فى المسيح لاهوتيه وناسوتيه من جهة الأب والأم ... )(٢). هذا، وقد أفاض بعض العلماء فى الرد على مزاعم أهل الكتاب فى عقائدهم(٣) .. وقوله: ﴿انتهوا خيرا لكم﴾ أمر لهم بسلوك الطريق الحق، والإقلاع عن الضلالات والأوهام. (١) الأقانيم جمع الأقثوم - بضم الهمزة وسكون القاف - بمعنى الأصل أو الصف. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٩٤ (٣) راجع تفسير الآلوسى جـ ٦ من ص ٢٦ إلى ٣٦، وتفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٧٦٥ ٤٠٤ المجلد الثالث أى: انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب، واتركوا . القول بالتثليث، يكن انتهاؤكم خيرا لكم، بعبادتكم الله وحده تكونون قد خرجتم من ظلمات الشرك إلى نور · الوحدانية. وقوله: ﴿إنما الله إله واحد﴾ إثبات لوحدانية الله - تعالى - بأقوى طريق. أى: إن المعبود بحق ليس إلا واحد، وهو الله - تعالى - ذو الجلال والإكرام، الخالق لهذا الكون، والمدبر لأمره. وقوله: ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ تنزيه له - جل وعلا - عن صفات المخلوقين، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به. وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظه: أى: أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن يكون له ولد، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين، وهو - سبحانه - منزه عن صفات المخلوقين، قال - تعالى -: ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾. وقوله ﴿له ما فى السموات وما فى الأرض﴾ جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه أى أنه -سبحانه- مالك لجميع الموجودات علوبها وسفليها، ولا يخرج عن ملکه منها شىء. قال - تعالى - ﴿إن كل من فى السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا﴾ ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك فى ملكه. وقوله: ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ تذييل قصد به بيان سعة قدرته - سبحانه وهيمنته على هذا الكون. والوكيل: هو الحافظ والمدبر لأمر غيره. - أى: وكفى بالله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه. ومفعول كفى محذوف للعموم. أى: كفى كل أحد وكالة الله وحفظه وتدبيره، فتوكلوا عليه وحده، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له. ثم بين - سبحانه - أن المسيح عيسى - عليه السلام - عبد من عباد الله - تعالى -، وأنه . لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإِذعان لأمره فقال: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾. وأصل ﴿يستنكف﴾ - يقول القرطبى: نكف، فالياء والسين والتاء زوائد. يقال: نكفت من الشىء واستنكفت منه وأنكفته أى: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: سُئل-رسول الله ﴿ عن ﴿سبحان الله﴾ فقال: ((إنكاف الله من كل سوء)). يعنى : تنزيه وتقديسه عن الأنداد والأولاد. .٤. ٤٠٥ سورة النساء قال الزجاج : استنكف أى: أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك. ومنه الحديث ((ما ينكف العرق عن جبينه)) أى: ما ينقطع. وقيل : هو من النِّكْف وهو العيب. يقال: ما عليه فى هذا الأمر من نِكْفٍ ولا وَكَف. أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله - تعالى - ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدًا لله تعالى(١). والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه الله - تعالى - عن أن يكون له ولد، وإثبات لوحدانيته - عز وجل - وإفراده بالعبادة. وقد روى المفسرون فى سبب نزولها أن وفد نجران قالوا لرسول الله وَلل: لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال: ((ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال ◌َله: وأى شىء قلت؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله. قال ◌َثير: إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله))(٢). والمعنى: لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبدًا لله، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله - تعالى - ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته. قال - تعالى - ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾ . وصدر - سبحانه - الجملة بحرف (لن) المفيدة للنفى المؤكد، لبيان أن عدم استنكاف المسيح والملائكةة المقربين عن عبادة الله والخضوع له أمر مستمر وثابت ثبوتا لا شك فيه، لأنه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق ورزقهم. ومن حقه عليهم أن يعبدوه،، ويذعنوا لأمره، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف لعبادتهم له - سبحانه - كما قال الشاعر الحكيم : وكدت بإخمصى أطأ الثريا ومما زادنى عجبًا وتيها دخولى تحت قولك يا عبادى وجعلك خير خلقك لى نبيًّا هذا، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وممن فهم هذا الفهم الإِمام الزمخشرى فقد قال : وقوله: ﴿لن يستنكف المسيح﴾ أى: لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، (من نكفت الدمع إذا نخيته عن خدك بإصبعك) ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ أى: ولا من هو أعلى منه قدرا، : (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٦ - بتصرف يسير -. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١١٧ . ٤٠٦ المجلد الثالث وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن فى طبقتهم . ثم قال: فإن قلت: من أين دل قوله ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ على أن المعنى: ولا من فوقه؟ قلت : من حيث إن علم المعانى لا يقتضى غير ذلك. وذلك أن الكلام إنما سبق لرد . مذهب النصارى وغلوهم فى رفع عيسى عن منزلة العبودية. فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أعلى منه درجة. فكأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح ؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة(١). وهذا الفهم الذى اتجه إليه الزمخشرى من أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لم يوافقه عليه أكثر العلماء، فقد قال الإِمام ابن كثير: وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال : ﴿ولا الملائكة المقربون﴾. وليس له فى ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع. والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر - سبحانه - أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه(٢). وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال : وعندى أن الترقى قائم، ولكن فى المعنى الذى سيق له الكلام: وذلك أن النصارى غلوا غلوًّا كبيرا فى المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة، ولأنه روحانى المعانى، فيبين الله - تعالى - أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبدا لله، ولا يستنكف من هو أعلى منه فى هذه المعانى أن يكون عبدًا لله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم. وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح الذى نفخ فى مريم، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقى فى هذه المعانى، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل فى المنزلة عند الله. وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف، والترقى دائما يكون فى المعانى التى سيق لها الكلام دون غيرها. وليس المتأخر أعلى فى ذاته من المتقدم وأفضل، ولكنه أعلى فى الفعل الذى كان فيه كقول القائل : لا تضرب حرا ولا عبدا. فالتدرج هنا فى النهى عن الضرب، لأنه إذا كان (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٩٥. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٩١. ٤٠٧ سورة النساء ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز. وذكر وصف المقربين، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم(١). ثم هدد - سبحانه - كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال : ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا﴾. أى: ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه - سبحانه - وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته. فالضمير فى قوله ﴿فسيحشرهم﴾ يعود إلى المستنكفين والمستكبرين وإلى غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وبدليل التفصيل المفرع على هذا الحشر فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله﴾ أى: أن مرجع العباد جميعا إلى الله من استكبر عن عبادته وامتنع ومن لم يفعل ذلك بل آمن وأطاع. فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، ولم يستنكفوا ولم يستكبروا، فسيعطيهم - سبحانه - ثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، ويزيدهم على ذلك شيئا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر. ﴿وأما الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادة الله وطاعته ﴿فيعذبهم عذابا أليما﴾ لا يحيط به الوصف ﴿ولا يجدون لهم من دون الله وليا﴾ أى أحدا يدافع عنهم ويلى أمورهم، ولا يجدون كذلك ((نصيرا)) ينصرهم وينجيهم من عذاب الله وبأسه. وبعد هذا الوعد والوعيد والتيشير والإِنذار، والترغيب والترهيب، وجه - سبحانه - نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال - تعالى - ﴿يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينا﴾. والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبى وَر فيما يبلغه عن ربه. ويصح أن يكون المراد به النبى سير وسماه - سبحانه - بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التى شهدت بصدقه ون له، والمراد بالنور المبين: القرآن الكريم. قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى، وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد مر فقال: ﴿يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم﴾. (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد العاشر. ٤٠٨ المجلد الثالث والبرهان: هو محمد بَّل﴿ وإنما سماه برهانا، لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل. والنور المبين هو القرآن الكريم. وسماه نورا، لأنه سبب لوقوع نور الإِيمان فى القلب(١). . . . و ﴿من﴾ فى قوله: ﴿من ربكم﴾ لابتداء الغاية مجازا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى: قد جاءكم برهان كائن من ربكم. وفى وصف البرهان بأنه من الله - تعالى -، تقوية وتشريف لمعنى البرهان، لأنه ما دام قد جاء من عند من له الخلق والأمر - سبحانه - فلابد أن يكون برهانا صادقا مقنعا لمن يريد أن يتبع الحق. وقال - سبحانه - (وأنزلنا إليكم﴾ بإسناد الإنزال إلى ذاته - تعالى -، للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال. وقال ﴿إليكم﴾ مع أن المنزل عليه هو النبى يميز للإشعار بكمال اللطف بهم، وللمبالغة فى إزالة أعذارهم. ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحكم التى اشتمل عليها القرآن الكريم بالنور المبين أى الواضح الظاهر، لأن هذه الشرائع والآداب. لا يخفى صدقها واشتمالها على الحق إلا على من انطمست بصيرته، وفسدت مداركه. ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المستجيبين للحق، السالكين الطريق المستقيم، فقال : ﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقیما﴾ . أى: أن الله - تعالى - قد أرسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من كفر وغوى، فأما الذين آمنوا بالله - تعالى - حق الإِيمان، واعتصموا به - سبحانه - مما يضرهم ويؤذيهم، فلم يستجيروا إلا به، ولم يخضعوا إلا له، ولم يعتمدوا إلا عليه . هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله - تعالى فی رحمة منه وفضل أی سیدخلهم فى جنته. ورضوانه، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم، ويبهج نفوسهم، ويصلح بالهم . وقوله ﴿ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾ أى: ويوفقهم فى دنياهم إلى سلوك الطريق الحق وهو (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١١٩ - طبعة عبد الرحمن محمد. ٤٠٩ سورة النساء طريق الإِسلام، الذى يفضى بهم فى آخرتهم إلى السعادة والأمان والفوز برضا الله - عز وجل -. وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به، ولم تذكر عقاب الذين كفروا إهمالا لهم، لأنهم فى حيز الطرد والطرح، أو لأن عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسبب كفرهم وسوقهم عن أمر الله. والسين فى قوله ﴿فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل﴾ للتأكيد. أى فسيدخلهم فى رحمة كائنة منه وفى فضل عظيم من عنده إدخالا لا شك فى حصوله ووقوعه. وقوله ﴿صراطا﴾ مفعول ثان ليهدى لتضمنه معنى يعرفهم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت أهل الكتاب عن المغالاة فى شأن عيسى - عليه السلام -، وعرفتهم حقيقته، ودعتهم إلى الإِيمان بوحدانية الله، وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين لن يستنكفوا عن عبادة الله، وان من امتنع عن عبادة الله فسيحاسبه - سبحانه - حسابا عسيرا، ويجازيه بما يستحقه من عقاب. أما من آمن بالله - تعالى - واتبع الحق الذى أنزله على رسله، فسينال منه - سبحانه - الرحمة الواسعة، والفضل العظيم، والسعادة التى ليست بعدها سعادة. هذا، وكما اشتملت سورة النساء فى مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة وأحكام الزواج والمواريث. فقد اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض أحكام المواريث وهى قوله -تعالى - : ـاد يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِنِ أَمْرُ وَ هَلَكَ لَيْسَ لَهُوَلَهٌ وَلَّهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَآ ج إِن أَمْ يَكُن ◌ََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَهُمَا التَّلْثَانِ مِمَاتَرَاً وَإِنَ كَانُّوْاْإِخْوَةٌ رّجَالًا وَنِسَاءُ فَلِلَّ كَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْيِنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُو ١٧٠ .. ٤١٠ المجلد الثالث أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبدالله قال: دخل على النبى وَ﴿ وأنا مريض لا أعقل. فتوضأ فصب على أو قال: صبوا عليه. فعقلت فقلت : إنه لا يرثنى إلا كلالة. فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض. وفى بعض الألفاظ فأنزل الله آية الميراث ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾ الآية. وفى رواية قال جابر: نزلت فى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾(١). ويبدو أن عددًا من الصحابة قد سألوا النبى وَّر فى شأن ميراث الكلالة فى أزمنة متفرقة فنزلت هذه الآية للأجابة عن أسئلتهم المتعلقة بها. وقد سمى النبي ◌َّ ر هذه الآية بآية الصيف، لأنها نزلت فى هذا الوقت. قال القرطبى : قال عمر: إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة. وقد سألت رسول الله ◌ِّ عنها فما أغلظ لى فى شىء ما أغلظ لى فيها، حتى طعن بإصبعه فی جنبی أو فى صدری ثم قال: ((يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التى أنزلت فى آخر سورة النساء))(٢). وقوله : ﴿يستفتونك﴾ من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. يقال: استفتيت العالم فى مسألة كذا. أى: سألته أن يبين حكمها. فالإِفتاء معناه : إظهار المشكل من الأحكام وتبينه. والكلالة .. كما يقول الراغب -: اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة وروى أن النبى والفقه سئل عن الكلالة فقال: ((من مات وليس له ولد ولا والد))، فجعله اسما للميت. وقال ابن عباس: هو اسم لمن عدا الولد))(٣). وقال ابن كثير ما ملخصه : وكان - رضى الله عنه - يقول: الكلالة من لا ولد له. وكان أبو بكر - رضى الله عنه - يقول: الكلالة ما عدا الولد والوالد. ثم قال : وعن عمر أنه قال: إنى لأستحى أن أخالف أبا بكر. وهذا الذى قاله الصديق، هو الذى عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة فى قديم الزمان وحديثه. وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذى يدل عليه القرآن (٤). وقد ذكرت كلمة الكلالة مرتين فى هذه السورة. أما المرة الأولى ففى قوله - تعالى -. فى آيات المواريث: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٩٢ (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢٩ (٣) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٤٣٧ . (٤) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٩٥ ٤١١ سورة النساء امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث﴾ . وقد بينا عند تفسيرنا لهذه الجملة الكريمة أن المراد بالإِخوة والأخوات فيها : الإِخوة لأم والأخوات لأم. أما هنا فالأمر يختلف إذ المراد بالإِخوة والأخوات فى الآية التى معنا : الإِخوة والأخوات الأشقاء أو من الأب فقط. والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد فى كيفية ميراث الكلالة، قل الله يفتيكم فى ذلك، فاسمعوا حكمه وأطيعوه ولا تخالفوه. وقوله ﴿فى الكلالة﴾ متعلق بقوله ﴿يفتيكم﴾. وقد تولى - سبحانه - الإِجابة مع أن المسئول هو النبى وَله، للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه، ولتأكيد أن المواريث من الأمور التى تكفل الله ببيانها وتوزيعها وحده، فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير فى شأنها فهو - سبحانه - أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم، ومن كل مخلوق. وقوله : ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها . ولد﴾ كلام مستأنف مبين للاجابة عما سألوا عنه فى شأن ميراث الكلالة. والمختار الذى عليه المحققون من العلماء أن الولد هنا عام يتناول الذكر والأنثى، لأن الكلام فى الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا لا ذكر ولا أنثى وليس له والد - أيضا - إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأن الولد مشترك معنوى وقع نكرة فى سياق النفى فيعم الإِبن والبنت. وقيل : المراد بالولد هنا الذكر خاصة لأنه المتبادر من معنى اللفظ. والمراد بالأخت هنا - كما سبق أن أشرنا - الأخت الشقيقة أو الأخت لأب. والمعنى : يسألك أصحابك يامحمد عن توريث الكلالة فقل لهم : الله يفتيكم فى ذلك، إذا مات إنسان ولم يترك أولادًا لا من الذكور ولا من الإناث. ولم يترك كذلك والدًا، وترك أختا شقيقة أو من أبيه، فلأخته فى تلك الحالة نصف ما تركه هذا الميت بالفرض، والباقى للعصبة، أولها بالرد إن لم يترك عصبة. وإذا ماتت الأخت قبل أخيها ولم يكن لها ولد - ذكرًا كان أو أنثى -، ولم يكنّ لها كذلك والد، فإن الأخ فى تلك الحالة يحرز جميع مالها. ٤١٢ المجلد الثالث وقوله : ﴿امرؤ﴾ مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده أى : إن هلك امرؤ وقوله: ﴿ليس له ولد﴾ فى محل رفع على أنه صفة لقوله ﴿امرؤ﴾ أى: هلك امرؤ غير ذى ولد ولا والد. والفاء فى قوله ﴿فلها نصف ماترك﴾ واقعة فى جواب الشرط. وقوله ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ جملة مستأنفة. سدت مسد جواب الشرط فى قوله : ﴿إن لم يكن لها ولد﴾. قال الألوسى: والآية كما أنها لم تدل على سقوط الإِخوة بغير الولد، فإنها لم تدل على عدم سقوطهم به. وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب. إذا صح عنه - وَلجزم أنه قال : ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى عصبة ذكر)) ولا ريب فى أن الأب أولى من الأخ. وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة(١). ثم بين - سبحانه - صورتين أخريين من صور الكلالة فقال: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ أى: فإن كانتا أى: الوارثتان بالأخوة اثنتين أو أكثر، فلهما الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى، وإن كان الورثة لهذا الأخ المتوفى إخوة من الرجال والنساء ففى هذه الحالة تقسم تركته بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ذكرت صورا أربعا لميراث الإخوة والأخوات للميت الذى لم يترك ولداً ولا والدا. أى الميت الكلالة. ١ - أن يموت الميت وترثه أخت واحدة. ففى هذه الحالة يكون لها نصف تركته بالفرض والباقى للعصبة إن وجدوا، فإن لم يوجدوا فلها الباقى بالرد. ٢ - أن يكون الأمر بالعكس بأن تموت امرأة ويرثها أخ واحد. فيكون له جميع تركتها. ٣ - أن يكون الميت أخا أو أختا والوارث أختان فصاعدا، ففى هذه الحالة يكون لهما أو لهن الثلثان. ٤ - أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة والأخوات، ففى هذه الحالة تقسم التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا، وظاهر الآية يفيد أنه لا فرق بين الإخوة الأشقاء والإِخوة لأب فى أنهم يشتركون فى التركة إذا اجتمعوا؛ ولكن هذا الظاهر غير مراد، فقد خصصت السنة هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإِخوة لأب. فإذا ما اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإِخوة لأب. (١) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ٤٥ . ٤١٣ سورة النساء وقد تكفلت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه الأحكام وأمثالها. هذا، وقوله - تعالى - ﴿يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شىء عليم﴾ تذييل قصد به إظهار جانب من فضل الله - تعالى - على عباده، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره. أى: يبين الله لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها خشية أن تضلوا طريق الحق فى ذلك. بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق، والله - تعالى - عليم بكل شىء لا تخفى عليه خافية من أحوالكم، وسيحاسبكم على أعمالكم، فيجازى المتبع لشرعه بالثواب العظيم، ويجازى المخالف له بالعذاب الأليم. والمفعول فى قوله: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ محذوف، والمصدر المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف أى: يبين الله لكم الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن تضلوا. ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله ﴿يبين﴾ أى: يبين الله لكم ضلالكم لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليجتنب، والخير يعرف ليفعل. ويرى بعضهم أن الكلام على تقدير (اللام ولا) فى طرفى ((أن)) والمعنى: يبين الله لكم ذلك لئلا تضلوا. ثم أما بعد: فهذا تفسير وسيط لسورة النساء. تلك السورة التى نظمت المجتمع الإسلامى تنظيما دقيقا حكيما. نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية. أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية، فقد رأينا فيما سبق، كيف ساقت الأحكام والآداب والتوجيهات التى تكون مجتمعا فاضلا، يعرف الفرد فيه واجبه نحو خالقه، وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو غيره. مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان، والمحبة والمودة والوئام. مجتمعا رجاله يكرمون نساءه، ويعطفون عليهن، ويعاشروهن بالمعروف. ونساؤه يحترمن رجاله، ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب، وعفة، وإخلاص، ووفاء. مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل، ويراقبون الله فى أقوالهم وأعمالهم. المحكومون فيه يطيعون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير. مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله. هى أمانة فى أعناقهم جميعا، وأن ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا. لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى الله، وفيما يعود ٤١٤ المجلد الثالث عليهم وعلى أمتهم بالخير والصلاح والاستغناء والفلاح. وأما فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية، فقد رأينا - أيضا - فيما سبق، كيف كشفت النقاب عن رذائل المنافقين. وعن العقائد الفاسدة التى يتشبث بها أهل الكتاب. وعن المسالك الخبيثة، والوسائل المتعددة التى اتبعها هؤلاء جميعا لكيد الدعوة الإِسلامية والإِساءة إلى النبى ◌َّر . كما رأينا كيف أنها قد حذرت المؤمنين من شرور أعدائهم، وبصرتهم بما يجب عليهم نحوهم. وبما يجعلهم دائما على أتم استعداد لمقاومتهم، ولتأديبهم ولرد كيدهم فى نحورهم. ولقد ساقت السورة الكريمة من الآيات التى ترغب فى الجهاد فى سبيل الله، ما يجعل المؤمنين يقبلون عليه بقلوب منشرحة، وبعزائم ثابتة، وبأرواح غايتها الشهادة فى سبيل الله. وباتباع المسلمين السابقين لهذا التوجيه الحكيم الذى اشتملت عليه هذه السورة الكريمة، نالوا ما نالوا من مجد وسؤدد، وظفروا بما ظفروا به من عزة وسعادة، وأصابوا ما أصابوا من خير وفلاح. وأخيرا، فإنى أحمد الله - تعالى - حمدا كثيرا على توفيقه لى لخدمة كتابه، وأضرع إليه بإخلاص أن يعيننى على إتمام ما بدأته من خدمة كتابه، إنه أعظم مسئول وأكرم مأمول. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. محمد سيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية ٤١٥ فهرس اجمالى لتفسير سورة ((النساء)) رقم الآية الآية المفسرة المقدمة ٥ بین یدی السورة ٧ ١٩ ٢ ٢٨ وإن خفتم ألا تقسطوا فی الیتامی ٣ ٣٦ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ٤ ٤٠ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ٥ ٦ وابتلوا الیتامی حتی إذا بلغوا ٤٣ ٤٩ للرجال نصيب مما ترك الوالدان ٧ وإذا حضر القسمة أولو القربى ٨ ٥٢ ٥٤ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ٩ إن الذین یأکلون أموال اليتامى ظلما ١٠ ٥٨ ٦٣ يوصيكم الله فى أولادكم ١١ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ١٢ تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله ٧١ ٧٦ ١٣ ومن يعص الله ورسوله ٧٦ ١٤ واللآتى يأتين الفاحشة من نسائكم ٧٩ ١٥ ٨٢ ١٦ واللذان یأتیانها منكم ١٧ إنما التوبة على الله للذين يعملون ٨٤ ٨٧ ١٨ وليست التوبة للذين يعملون يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم ٨٨ ٩٤ ٢٠ ١٩ وإن أردتم استبدال زوج الصفحة ١ يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم ٢٥ وآتوا اليتامى أموالهم ٠ ٤١٦ الصفحة رقم الآية الآية المفسرة وکیف تأخذونه وقد أقضى ٢١ ٩٥ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ٢٢ ٩٨ حرمت علیکم أمهاتكم ٢٣ ١٠٢ والمحصنات من النساء ٢٤ ٢٥ ١١٥ ومن لم يستطع منكم طولا ٢٦ يريد الله ليبين لكم ١٢١ والله يريد أن يتوب عليكم ٢٧ ١٢٣ يريد الله أن يخفف عنكم ٢٨ ١٢٤ ١٢٨ ٣١ إن تجتنبوا کبائر ما تنهون عنه ١٣٠ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ٣١ ولكل جعلنا موالى مما ترك ٣٣ ١٣٢ ١٣٥ الرجال قوامون على النساء ٣٤ ١٤١ ٣٥ وإن خفتم شقاق بينهما ١٤٤ ١٤٩ الذین یبخلون ویأمرون الناس ٣٧ ١٥٠ ٣٨ والذين ينفقون أموالهم ١٥١ ١٥١ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ٤٠ فكيف إذا جئنا من كل أمة ١٥٣ ٤١ یؤمئذ یود الذین کفروا ٤٢ ١٥٤ يأيها الذين آمنوا لا تقربوا ٤٣ ١٥٦ ١٦٧ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ٤٤ ١٢٣ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا ٢٩ ٣٠ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ١٢٨ واعبدوا الله ولا تشركوا به ٣٦ وماذا عليهم لو آمنوا بالله ٣٩ ١٠٨ ٤١٧ : رقم الآية الآية المفسرة الصفحة والله أعلم بأعدائكم ٤٥ ٤٦ من الذين هادوا يحرفون ١٧٠ ٤٧ يأيها الذين أوتوا الكتاب ١٧٣ ١٧٧ إن الله لا يغفر أن يشرك به ٤٨ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ١٨٠ ٥١ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ١٨٠ ٥٢ أولئك الذين لعنهم الله ١٨٢ أم لهم نصيب من الملك ٥٣ ١٨٣ ٥٤ أم يحسدون الناس ١٨٣ ٥٦ إن الذین کفروا بآياتنا ١٨٤ ١٨٥ ١٨٦ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ٥٧ ١٨٧ إن الله یأمركم أن تؤدوا الأمانات ٥٨ ١٩١ ٥٩ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ١٩٤ ألم تر إلى الذين يزعمون ٦٠ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ٦١ فکیف إذا أصابتهم مصيبة ٦٢ ١٩٧ ١٩٧ ١٩٨ أولئك الذین یعلم الله ما فى قلوبهم ٦٣ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ٢٠٠ ٢٠٢ ٦٤ فلا وربك لا يؤمنون ٦٥ ولو أنا كتبنا عليهم ٦٦ ٢٠٤ وإذا لآتيناهم من لدنا ٦٧ ٢٠٦ ٢٠٦ ولهديناهم صراطا مستقيما ٦٨ ١٦٩ ٤٩ انظر کیف یفترون ٥٠ ١٧٨ ٥٥ فمنهم من آمن به ٤١٨ رقم الآية الآية المفسرة الصفحة ٢٠٨ ومن يطع الله والرسول ٦٩ ٢١٠ ذلك الفضل من الله ٧٠ ٢١٢ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم ٢١٤ وإن منکم لمن لیبطئن ٧٢ ٢١٥ ٧٣ ولئن أصابكم فضل من الله ٢١٧ فلیقاتل فى سبيل الله ٧٤ ومالكم لا تقاتلون فى سبيل الله ٧٥ الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله ٧٦ ٢١٨ ألم تر إلى الذین قيل لهم کفوا ٧٧ ٧٨ أينما تكونوا یدرککم الموت ما أصابك من حسنة . ٧٩ من يطع الرسول فقد أطاع الله ٨٠ ویقولون طاعة ٨١ أفلا يتدبرون القرآن ٨٢ وإذا جاءهم أمر من الأمن ٨٣ ٨٤ فقاتل فى سبيل الله من يشفع شفاعة حسنة ٨٥ وإذا حييتم بتحية فحيوا ٨٦ الله لا إله إلا هو ٨٧ فما لکم فی المنافقین فئتین ٨٨ ودوالو تكفرون کما کفروا ٨٩ ٩٠ إلا الذين يصلون إلى قوم ستجدون آخرین یریدون ٩١ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ٩٢ ٢٢٠ ٢٢١ ٢٢٧ ٢٢٩ ٢٣٢ ٢٣٢ ٢٣٤ ٢٣٥ ٢٣٩ ٢٤٢ ٢٤٤ ٢٤٥ ٢٤٦ ٢٤٩ ٢٥١ ٢٥٤ ٢٥٥ ٧١ ٤١٩ رقم الآية الآية المفسرة الصفحة ٢٦١ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ٩٣ ٩٤ يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم ٢٦٣ ٢٦٨ لا يستوى القاعدون من المؤمنین ٩٥ ٢٧٢ درجات منه ومغفرة ورحمة . ٩٦ إن الذين توفاهم الملائكة ٩٧ ٢٧٤ ٢٧٧ إلا المستضعفين من الرجال ٩٨ ٢٧٨ ومن يهاجر فى سبيل الله ٢٧٨ ١٠١ وإذا ضربتم فى الأرض ١٠٢ وإذا كنت فيهم فأقمت ٢٨٧ ١٠٣ فإذا قضيتم الصلاة ١٠٤ ولا تهنوا فى ابتغاء القوم ١٠٥ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ٢٩٣ ٤ ٢٩ ٢٩٦ ٢٩٩ ١٠٦ واستغفر الله إن الله ١٠٧ ولا تجادل عن الذين يختانون ١٠٨ يستخفون من الناس. ١٠٩ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ٢٩٩ ٣٠٠ ٣٠١ ٣٠١ ٣٠٢ ١١٠ ومن يعمل سوءا ١١١ ومن یکسب إثما ٣٠٣ ١١٢ ومن يكسب خطيئة أو إثما ١١٣ ولولا فضل الله عليك ٣٠٤ ٣٠٦ ١١٤ لا خير فى كثير من نجواهم ١١٥ ومن يشاقق الرسول ٣١٠ ١١٦ إن الله لا يغفر أن يشرك به ص ٣١١ ٩٩ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ١٠٠ ٢٨٢ ٤٢٠ رقم الآية الآية المفة الصفحة ١١٧ إن يدعون من دونه إلا إناثا ٣١٣ ١١٨ لعنه الله وقال ٣١٤ ١١٩ ولأضلنهم ولأمنينهم ٣١٧ ١٢٠ يعدهم ويمنيهم ٣١٧ ١٢١ أولئك مأواهم جهنم ٣١٨ والذين آمنوا وعملوا ١٢٢ ٣١٩ ١٢٣ لیس بأمانیکم ٣٢١ ومن يعمل من الصالحات ١٢٤ ومن أحسن دينا ١٢٥ ٣٢٢ ٣٢٤ ١٢٦ ولله ما فى السموات وما فى الأرض ٣٢٤ ١٢٧ ويستفتونك فى النساء ٣٢٩ ١٢٨ وإن امرأة خافت من بعلها ٣٣٣ ١٢٩ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ٣٣٦ ١٣٠ وإن يتفرقا ١٣١ ولله ما فى السموات وما فى الأرض ٣٣٧ ٣٣٨ ١٣٢ ولله ما فى السموات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا ٣٣٩ ١٣٣ إن یشأ یذهبكم أيها الناس ٣٤٠ ٣٤١ يأيها الذين آمنوا كونوا ١٣٥ ٣٤٦ يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ١٣٦ ١٣٧ إن الذين آمنوا ثم كفروا ٣٤٧ ٣٥٠ ١٣٨ بشر المنافقين ١٣٩ الذين يتخذون الكافرين ٣٥٠ ٣٥٢ ١٤٠ وقد نزل علیکم فی الکتاب ٠٠ ١٣٤ من کان یرید ثواب الدنيا ٣١٥