النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة النساء
﴿ثواب الدنيا﴾ يعنى عرض الدنيا ﴿فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ يعنى: أن جزاءه فى
الدنيا منها هو ما يصيب من المغنم. وأما ثوابه فى الآخرة فنار جهنم(١).
والذى نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة، فتبين لهم أن خير الدنيا بيد الله وخير
الآخرة أيضا بيد الله، فإن اتقوه نالوا الخيرين، وتنبههم إلى أن من الواجب عليهم ألا يشغلهم
طلب خير الدنيا عن طلب خير الآخرة. بل نعليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا.
عملا بقوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من
الدنيا﴾. ولا نرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمنافقين كما - يرى ابن جرير - رحمه الله.
وقوله - تعالى - ﴿وكان الله سميعا عليما﴾ تذييل قصد به حض الناس على الإِخلاص فى
أقوالهم وأعمالهم.
أى: وكان الله - تعالى - سميعا لكل ما يجهر به الناس ويسرونه، بصيرا بأحوالهم الظاهرة
والخفية، وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب، ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى
الله بقلب سليم﴾.
ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداءين متتاليين إلى المؤمنين أمرهم فيهما بالمداومة على
التمسك بفضيلة العدل فى جميع الظروف والأحوال، وبالثبات على الإِيمان الحق الذى ينالون به
ثواب الله ورضاه، وتوعد الذين ينحرفون عن طريق الحق بسوء العاقبة فقال - تعالى - :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَلِلَّهِ
وَلَوْ عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَ بِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُ: أَأَوْتُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(٦) يَّأَيُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ
عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِى أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٣٩١.

٣٤٢
المجلد الثالث
بِاللَّهِ وَ مَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْضَلَّ
ضَلَلَا بَعِيدًا.
٣٦
وقوله ﴿قوامين﴾ جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام: هو المبالغ فى القيام بالشىء
وفى الإِتيان به على أتم وجه وأحسنه.
وقوله ﴿شهداء﴾ جمع شهيد بوزن فعيل. والأصل فى هذه الصيغة أنها تدل على الصفات
الراسخة فى النفس ككريم وحكيم.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا. كونوا مواظبين على إقامة العدل فيما بينكم فى
جميع الظروف والأحوال دون أن يصرفكم عن ذلك صارف، وكونوا ((شهداء لله)) أى: مقيمين
للشهادة بالحق ابتغاء وجه الله لا لغرض من الأغراض الدنيوية. ولا لمطمع من المطامع
الشخصية، فإن الإِيمان الحق يستلزم منكم أن تعدلوا فى أحكامكم وأن تؤدوا الشهادة على
وجهها .
وفى ندائه - سبحانه - لهم بقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ تنبيه إلى الأمر الخير الذى ناداهم من
أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة فى كل أمورهم، وتحريك لعاطفة الإِيمان فى قلوبهم
بمقتضى وصفهم - بهذه الصفة الجليلة.
وعبر - سبحانه - بقوله ﴿كونوا قوامين﴾ بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة والمداومة على
الشىء، لتمكين صفة العدالة فى نفوسهم، وترسيخها فى قلوبهم.
فكأنه - سبحانه - يقول لهم : روضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق، وعودوها على نصرة
المظلوم وخذلان الظلم، وليكن ذلك خلقا من أخلاقكم. وسجية من سجاياكم، فلا يكفى أن
تعدلوا فى أحكامكم مرة أو مرتين، وإنما الواجب عليكم أن تداوموا على إقامة العدل فى كل
الأحوال، ومع كل الأشخاص.
قال صاحب المنار: وهذه العبارة - وهى قوله - تعالى - ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ أبلغ
ما يمكن أن يقال فى تأكيد أمر العدل والعناية به فالأمر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات
مختلفة بعضها آكد من بعض تقول: اعدلوا أو اقسطوا. وتقول : كونوا عادلين أو مقسطين.
وهذه العبارة أبلغ؛ لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الإِتيان بالقسط الذى يصدق بمرة.
وتقول : أقيموا القسط. وأبلغ منه: كونوا قائمين بالقسط. وأبلغ من هذا وذاك : كونوا
قوامين بالقسط. أى: لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم، بأن

٣٤٣
سورة النساء
تتحروه بالدقة التامة حتى تكون ملكة راسخة فى نفوسكم. والقسط يكون فى العمل كالقيام
بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون فى الحكم بين الناس .. (١).
وقوله ﴿شهداء﴾ خبر ثان لكونوا. وقوله ﴿لله﴾ متعلق بمحذوف حال من ضمير
﴿شهداء﴾ .
أى: كونوا ملازمين للعدل فى كل أموركم وكونوا مقيمين للشهادة على وجهها حالة كونها
لوجه الله، لا لعرض من أعراض الدنيا.
قال الفخر الرازى : وإنما قدم - سبحانه - الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه :
الأول : أن أكثر الناس من عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم
تركوه حتى ان أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان فى محل المسامحة وأحسن الحسن. وإذا صدر عن
غيرهم كان محل المنازعة. فالله - تعالى - نبه فى هذه الآية على سوء هذه الطريقة. وذلك أنه
- سبحانه - أمرهم بالقيام بالقسط أولا، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا، تنبيها على أن
الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإِنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير.
الثانى : أن القيام بالشهادة عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذى عليه الحق.
ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير.
الثالث: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول والفعل أقوى من القول(٢).
وقوله : ﴿ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ تأكيد للأمر بالتزام الحق فى الأحكام
والشهادات .
أى: كونوا قوامين بالقسط، وكونوا مقيمين للشهادة بالحق خالصة لوجه الله، ولو كانت
الشهادة على أنفسكم - بأن تقروا بأن الحق عليها إذا كان واقع الأمر كذلك - ولو كانت -
أيضا. على والديكم وعلى أقرب الناس إليكم.
قال القرطبى : وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما
وعظم قدرهما. ثم ثنى بالأقربين إذهم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنبى من الناس أحرى أن
يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ... ولا خلاف بين أهل العلم فى صحة أحكام هذه الآية، وأن
شهادة الولد على الوالدين ماضية، ولا يمنع ذلك من برهما، بل أن يشهد عليهما ويخلصهما من
الباطل. وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الواالدين والأخ، لأنه لم يكن أحد
(١) تفسير المنار جـ ٥ ص ٤٥٦.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ١١ ص٧٢.

٣٤٤
المجلد الثالث
يتهم فى ذلك من السلف. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة
من يتهم. وأجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا(١).
و ﴿لو﴾ فى قوله ﴿ولو على أنفسكم﴾ شرطية. والجار والمجرور خبر لكان المحذوفة مع .
اسمها. وجواب لو محذوف. والتقدير: ولو كانت الشهادة على أنفسكم فاشهدوا عليها بأن
تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه.
وقوله - تعالى - ﴿إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما﴾ تأكيد لوجوب التزام الحق مع الغنى
والفقير والصغير والكبير.
أى: إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى فى العادة ويخشى أو فقيرًا يترحم عليه فى الغالب
ولا يخشى، فلا تمتنعوا عن الشهادة، لأن الله -تعالى- هو الأولى والأجدر بحساب كل من
الغنى والفقير، وهو الأعلم بمصالح الناس، والأرحم بهم منكم. وجواب الشرط محذوف،
أى : إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن الشهادة فى مصلحتهما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم ثنى الضمير فى ((أولى بهما)) وكان حقه أن يوحد؛ لأن
قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا فى معنى إن يكن أحد هذين؟
قلت قد رجع الضمير إلى مادل عليه قوله: ﴿إن يكن غنيًّا أو فقيرا﴾ لا إلى المذكور، فلذلك
ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنى وجنس الفقير. فكأنه قيل : فالله أولى بجنسى الغنى والفقير.
أى: بالأغنياء والفقراء. وفى قراءة أبى: فالله أولى بهم وهى شاهدة على ذلك.
وقال ابن جرير: نزلت فى النبى وَلّ إذا اختصم إليه رجلان: غنى وفقير. وكان ضلعه - أى
ميله - مع الفقير؛ لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى. فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط فى الغنى
والفقير فقال: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾(٢).
٠
والذى يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا فى
التفاوت فى الحكم. ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس، لأن الله -تعالى- هو الذى نظم
الكون بحكمته، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى
والفقر أمران ثابتان فى هذا الوجود، ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإِنسانية، لأن ذلك تنظيم
الله - تعالى، وإرادته الخالدة، وهو الذى يتفق مع الطبيعة الإنسانية، إذ العقول متفاوتة،
والعزائم مختلفة، والأعمال متنوعة، ونتيجة لذلك كانت الثماار ليست متحدة.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤١٠ - بتصرف وتلخيص -.
(٢) تفسير ابن جرير ج ٥ ص ٣٢١.

٣٤٥
سورة النساء
والمراد بالهوى فى قوله : ﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ الخضوع للشهوات والميل مع نزعات
النفس الأمارة بالسوء.
وقوله ﴿أن تعدلوا﴾ فى موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى العدل فيكون علة
للمنهى عنه، ويكون فى الجملة مضاف مقدر. والمعنى : فلا تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات
كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون بمعنى العدول عن الحق فيكون علة للنهى
بتقدير لا، أى: أنهاكم عن اتباع الهوى لئلا تميلوا عن الحق وتتركوا العدل.
قال ابن كثير: أى: لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم، على ترك العدل فى
شئونكم. بل الزموا العدل على أى حال كان. كما قال - تعالى - ﴿ولا يجر منكم شنآن قوم على
أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبى وليه
يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد
جئتكم من عند أحب الخلق إلى. ولأنتم أبغض الخلق إلى. وما يحملنى حبى إياه وبغضى لكم
على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض(١).
وقوله - تعالى - ﴿وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ تذييل قصد به
تهديدهم ووعيدهم على ترك العدل، وعلى الامتناع عن الشهادة بالحق.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: وفى الآية قراءتان. فقد قرأ الجمهور ﴿تلووا﴾ - بواوين
قبلهما لام ساكنة - بمعنى الدفع والإِعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه. أو بمعنى
التحريف والتبديل من قولهم لوى الشىء إذا فتله.
وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿تلوا﴾ بلام مضمومة بعدها واو ساكنة - من الولاية بمعنى مباشرة
الشىء والاشتغال به(٢).
والمعنى على قراءة الجمهور: وإن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق بأن تحرفوها وتقيموها
على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا وتتركوها يعاقبكم الله عقابا شديدا فإنه - سبحانه - علیم
بدقائق الأشياء، خبير بخفايا النفوس، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه.
والمعنى على القراءة الثانية : وإن تلوا الشهادة فتباشروها على وجهها يعطكم الله أجرا حسنا،
وإن تعرضوا عنها وتتركوها يعاقبكم الله عقابا أليما، فإن الله - تعالى - خبير بكل أقوالكم
وأعمالكم.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٦٥.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٧٤.

٣٤٦
المجلد الثالث
وقيل : إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل (تلوا) - وهى قراءة حمزة وابن عامر - تلووا-
وهى قراءة الجمهور - نقلت حركة الواو - فى قراءة الجمهور - إلى الساكن قبلها فالتقى واوان
ساكنان فحذفت إحداهما فصارت الكلمة (تلوا).
هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تبنى المجتمع الإِسلامى على أقوى القواعد، وأمتن
الأسس وأشرف المبادىء. إنها تبنيه على قواعد العدل والقسط، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كلمة
الحق مع أنفسهم ومع أقرب المقربين إليهم مهما تكلفوا فى ذلك من جهاد شاق يقتضيه التزام
الحق، فإن كلمة الحق كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإِيذاء والاعتداء والاتهام بالباطل من
الأشرار والفجار. بل إن كلمة الحق قد تفضى بصاحبها إلى الموت. ولكن لا بأس، فإن الموت
مع التمسك بالحق، خير من الحياة فى ظلمات الباطل.
ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يثبتوا على إيمانهم فقال: ﴿يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله
ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ أى: يأيها المؤمنون اثبتوا
على إيمانكم وداوموا على تصديقكم بوحدانية الله - تعالى - وعلى تصديقكم برسوله محمد وائل
وبالكتاب الذى نزله الله - تعالى - عليه وهو القرآن، وبالكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على
الرسل الذين أرسلهم من قبله.
والمراد بالكتاب الذى أنزله على الرسل من قبله جنس الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل
والزبور.
ثم بين - سبحانه - سوء مصير من يكفر بشىء مما يجب الإِيمان به فقال - تعالى - : ﴿ومن
يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا مبينًا﴾.
أى: ومن يكفر بالله بأن يجحد وحدانيته وألوهيته، ولا يخلص له العبادة، ويكفر بملائكته
بأن ينكر بأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويكفر بكتبه التى
أنزلها - سبحانه، على أنبيائه، وبرسله الذين أرسلهم لهداية الخلق. وباليوم الآخر وما فيه من
ثواب وعقاب، من يكفر بكل ذلك فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن السبيل القويم بعدًا
كبيرًا، لأنه بكفره بذلك يكون قد خالف الفطرة، وانحرف عما يقتضيه العقل السليم، وأوغل
فى الشرور والآثام إيغالا شديدا، يؤدى به إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.
وبعد هذه الأوامر السديدة للمؤمنين. عادت السورة الكريمة إلى تحذيرهم من أعدائهم ومن
المنافقين، فكشفت لهم عن طبيعتهم، ونهتهم عن القعود معهم، وبينت لهم أنماطا من
خداعهم، وألوانا من أخلاقهم الذميمة، وأخبرتهم عن سوء مصير أولئك المنافقين والمتمادين فى
الغى والضلال.

٣٤٧
سورة النساء
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك بأسلوبها الحكيم فتقول :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ
ثُمَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُ واْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَلَهُمْوَلَا لِيَهْدِيَهُمْ
سَبِيلاً ◌َّ بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابَا أَلِيمًا (٦) الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْنَغُونَ
عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاَّ، وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى
اَلْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِيُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُبِهَا فَلَا
نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ هِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُ
١٤٠)
إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا
الَّذِينَ يَقَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْأَلَمْ
نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ قَالُواْأَلَمْ نَسْتَحْوِذْ
عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَّ فَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
١٤١
إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى
الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا
ج
قَلِيلًا (٢) ◌ُذَبّذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ
وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٥) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ

٣٤٨
المجلد الثالث
لَا نَتَّخِذُ واْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِيدُونَ
أَنْ تَجْعَلُوْلِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًّا مُبِينًا () إِنَّالْتُفِقِينَ
فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
(١٤٥)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْبِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ
دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ
اَلْمُؤْمِنِينَ أَجْرَاً عَظِيمًا (٢) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ
إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
١٤٧١٠
وقوله - تعالى -: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لم يكن الله ليغفر لهم
ولا ليهديهم سبيلا﴾ للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه :
أولها : أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى
والضلال.
وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال : المراد بهم الذين يتكرر منهم
الكفر بعد الإِيمان مرات وکرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان فی قلوبهم، إذ لو كان
للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه
لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾. وليس
المراد أنه لو أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه
الذی ذکرناه(١).
وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم
رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ((ولا يجعل
له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم
ولا لیهدیهم سبیلا﴾. وقد قال ابن عباس فى قوله : ﴿ثم ازدادوا کفرا﴾: تمادوا فی کفرهم حتى
ماتوا))(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص٧٨.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٦.

٣٤٩
سورة النساء
وثانيها : أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه
الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر
من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد رَّر والفرقان،
فازداد بتكذيبه كفرا على كفره(١).
وثالثها : أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى
يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا
بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾(٢).
ورابعها : أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك
هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من
المسلمين قالوا : إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا
معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق
المسلمين .
والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما
دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمروا فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد
الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين
أم من غيرهم.
والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا
ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا ... هؤلاء الذين
فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن -
سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين
كانوا ﴿إِن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا﴾.
قال الألوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى
ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم
الارتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان
عندهم أدون شىء وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل
الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص٣٢٨.
(٢) سورة آل عمران الآية ٧٢.

٣٥٠
المجلد الثالث
ثم قالوا : وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريدًا
للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه(١).
ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول : ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما﴾
والتعبير بقوله : بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار
السارة، لأن الخبر السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى
الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
قال الراغب : ويقال : أبشرت الرجل وبشرته أى : أخبرته بأمر سار بسط بشرة وجهه وذلك
أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر(٢).
وقوله: ﴿المنافقين﴾ من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.
قالوا : وسمی المنافق منافقا أخذًا من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابین يدخل
من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله : أنا مؤمن. ويدخل مع
الكفار بقوله : أنا كافر.
والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم،
وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل
تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.
ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال : ﴿الذين يتخذون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين﴾.
أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء
ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.
والمراد بالكافرين هنا : اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا
يقولون: إن أمر محمد وَالر لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير
المسلمين - كان من اليهود.
وقوله ﴿من دون المؤمنين﴾ حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة
كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ١٧١ بتصريف وتلخيص.
(٢) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٤٨.

٣٥١
سورة النساء
والاستفهام فى قوله : ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾ للإنكار والتعجيب من شأنهم، والتهكم من
سوء تصورهم.
وقوله : ﴿فإن العزة لله جميعًا﴾ رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت
للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.
أى : أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا
الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والقوة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم
فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.
قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال
على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى وَال
قال: ((من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار))(١).
وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة :
عزاز. ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها
ويصعب. والعزة : القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف
الذليل.
ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم
باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: ﴿فإن العزة لله جميعًا﴾.
فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾؟ قلنا القدرة الكاملة
الله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه
الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأن الأمر عند التحقيق أن العزة
جميعا لله(٢).
قالوا : وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين.
قال - تعالى - ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا
آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾(٣).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٦.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٨٠.
(٣) سورة المجادلة الآية ٢٢.

٣٥٢
المجلد الثالث
ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: ﴿وقد
نزّل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى
يخوضوا فى حديث غيره﴾.
أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر
بها الكافرون، ويستهزىء بها المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن
تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.
قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب : هو ما نزل عليهم فى مكة من
قوله - تعالى -: ﴿وإذا رأيت الذين يخرضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث
غيره﴾(١). وذلك أن المشركين كانوا يخرضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به،
فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ماداموا خائضين فيه.
وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل
ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة(٢).
وأن فى قوله ﴿أن إذا سمعتم﴾ تفسيرية، لأن ﴿نزل﴾ تضمن معنى القول دون حروفه.
وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم
ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.
وقوله ﴿يكفر بها ويستهزأ بها﴾ جملتان فى موضع الحال من الآيات.
وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.
والضمير فى قوله ﴿معهم﴾ يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله : ﴿يكفر بها
ويستهزأ بها﴾ فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها .
والضمير فى قوله ﴿غيره﴾ يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى : حتى يخوضوا فى حديث
سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.
وقوله ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ تعليل للنهى عن القعود معهم.
أى : - أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله -
تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن
(١) سورة الأنعام الآية ٦٨.
(٢) تفسير الكشاف جـ١ ص٥٧٨.

٣٥٣
سورة النساء
الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة
من الله - تعالى -
قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض ؟
قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت : فهلا كان
المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت : لأنهم كانوا
لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم(١).
وقال القرطبى : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن
من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - ﴿إنكم إذا مثلهم﴾.
فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر
عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم
حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون
الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية
﴿إنكم إذا مثلهم﴾ أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة.
العاصى حتى يهلكوا جميعا. وهذه الممائلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم
الظاهر من المقارنة(٢))).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال : ﴿إن الله
جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعًا﴾ لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر
بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعًا فى جهنم يوم
القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.
فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئین بها،
لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن
الحق الذى آمن به.
ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع
عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقولة تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم .. وإما أن
يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح
أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أول مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا
وعذاب الآخرة.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٨٨
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤١٨.

٣٥٤
المجلد الثالث
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون
المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى
يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: ﴿الذين
يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا : ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب
قالوا : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾؟.
وقوله : ﴿يتربصون﴾ من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا
انتظره مع ترقب وملاحظة.
وقوله : ﴿نستحوذ﴾ من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان
على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم
ذكر الله﴾ .
والمعنى : إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى :
ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة ﴿فإن كان لكم
- فتح من الله﴾ أى: نصر وظفر على أعدائكم ﴿قالوا) على سبيل التقرب إليكم ﴿ألم نكن
معكم﴾ فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. ﴿وإن كان للكافرين
نصيب﴾ أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - ﴿قالوا﴾ لهم - أيضا - على سبيل.
التقرب إليهم ﴿ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾ أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم
ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب
تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم، وما دام الأمر كذلك
فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء
شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.
وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم
شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق
أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا فى دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه
الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارىء وليس بدائم.
قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين
فيه : استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما
كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا
4

٣٥٥
سورة النساء
مطابق للواقع(١) والاستفهام فى قوله ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾ وفى قوله ﴿ألم نكن معكم﴾ للتقرير
أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: ﴿فالله يحكم
بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾.
والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى
الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل،
فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم -
أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين
بدينكم، ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسئن
الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.
فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.
ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.
وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله -تعالى- ﴿ولن يجعل الله للكافرين على
المؤمنين سبيلا﴾ أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.
ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ أى: فى الدنيا،
بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان
على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، کما قال - تعالى - ﴿إنا لننصر رسلنا.
والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾(٢).
والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على
المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر
حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على
المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسلمون إلى
دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه.
وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.
ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى
(١) حاشية الكشاف جـ ١ ص ٥٧٨.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٧ بتصريف وتلخيص.

٣٥٦
المجلد الثالث
للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قبائحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول : ﴿إن المنافقين
يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله
إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾.
وقوله : ﴿يخادعون﴾ من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر
حقيقته .
قال الراغب : الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه ...
ويقال : طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث: (بین یدی
الساعة سنون خداعة) أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة (١).
وقوله: ﴿خادعهم﴾ اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.
والمعنى : إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم ﴿يخادعون الله﴾ أى: يفعلون
ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر ﴿وهو خادعهم﴾ أى: وهو فاعل بهم
ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال.
وأعدلهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.
ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنین فیکون الكلام على حذف
مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو
كقوله - تعالى - ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾
وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله ﴿يخادعون﴾،
للإشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.
وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن
الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه
من جنايات وسيئات.
وقوله : ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ بيان للون آخر من قبائحهم.
و﴿كسالى﴾ جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها.
وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين
(١) مفردات القرآن ص ١٤٤

٣٥٧
سورة النساء
متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها،
ولا عقابا على تركها.
وقوله ﴿يراءون الناس) حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن
يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب : يراءون
الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ هذه صفة المنافقين فى أشرف
الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية
لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.
ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: ﴿يراءون الناس﴾ أى: لا إخلاص لهم
ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة
التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس کما ثبت فى
الصحيحين أن رسول الله﴾ قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر
ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولوحبوا)) وروى الحافظ أبو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن
الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز
وجل -(١).
وقوله: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ معطوف على ﴿يراءون﴾ أى: أن من صفات المنافقين
أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم،
ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون
ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهون لاهون.
روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾
((تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى
الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا)).
قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى
عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.
ومنهم من فسر قوله ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما
يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٨ - بتصرف وتلخيص

٣٥٨
المجلد الثالث
قال صاحب الكشاف: قوله ((ولا يذكرون الله إلا قليلا)) أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم
لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم
ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح
والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام
والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته
لا يفتر عنه ..
فإن قلت مامعنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان :
أحدهما : أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.
والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك
نعمه وناعمه .. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكتها لترى وجهه .. (١).
وقوله: ﴿مذبذبين بين ذلك﴾ حال من فاعل يراءون واسم الإشارة ((ذلك)) مشار به إلى
الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.
قال القرطبى : المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته
فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
أى : يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب : المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء
المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى
صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبى وجهله: ((مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين
الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى))(٢).
:
وقوله ﴿لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ فى محل نصب على أنه حال من ضمير ﴿مذبذبين﴾ أو
على أنه بيان وتفسير له.
وقوله: ﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾ أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق
الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المستقيم.
وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه -
نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا
الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾.
(١ ) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٧٩
(٢) القرطبى جـ ٥ ص ٤٢٤.

٣٥٩
سورة النساء
أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين
بالحق الذى آمنتم به ﴿أولياء﴾ أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم،
فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين
إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى :
﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء
إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير﴾(١).
وفى هذا النهى - أيضًا - توبيخ للمنافقين الذين مازال الحديث متصلا عن قبائحهم
ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف
الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - ﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ .
والاستفهام فى قوله: ﴿أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينًا﴾ للإِنكار والتحذير من
أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان : الحجة والدليل أى : إنكم إن اتخذتم الكافرين
أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم الله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم
ورعایتکم.
وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛
ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.
قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى
الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.
وقال الزمخشرى : وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق
الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليك أن تخالص
المؤمن))(٢).
ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى - :
﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾ أى: فى الطبقة السفلى من
طبقاتها وسميت دركات لكونها متداركة أى : متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك
وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا
قيل : درجات الجنة ودركات النار.
(١) سورة آل عمران الآية ٢٨
(٢) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٦٢١
و

٣٦٠
المجلد الثالث
قال الألوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية : لظى.
والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة :
الهاوية. وقد تسمى النار جميعًا باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار
يجمعها ... (١).
والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم
سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجدلهم نصيرًا ينصرهم من عذاب الله أو
يدفع عنهم عقابه.
وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام
وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى
صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.
قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق
النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو
أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر
الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.
ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين
المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة
الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.
قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا
بخلافه !! فقال: كنا نعده من النفاق.
ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان : فريق خلص للنفاق، وهذا
منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد
قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإمام أحمد. ((القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل
السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب
الأجرد، فقلب المؤمن سراحه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب
المنكوس : فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح : فقلب فيه إيمان ونفاق.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ١٧٧.