النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة النساء
قال الألوسى قوله - تعالى -: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ أى: عاجلا أو آجلا. فقد أخرج
الترمذى وغيره عن أبى بكر الصديق قال: كنت عند النبى وَ يلو فنزلت هذه الآية. فقال رسول
الله: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت على؟ فقلت: بلى يا رسول الله. فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى
وجدت انفصاما فى ظهرى .. فقال رسول الله وَ﴾. مالك يا أبا بكر؟ قلت بأبي أنت وأمى
يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء. وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله وله: أما
أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله - تعالى - ليس
عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة.
وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت
منهم ما شاء الله - تعالى - فشكوا ذلك إلى رسول الله مسلم فقال: سددوا وقاربوا فإن كل
ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها.
قال الألوسى: والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولهذا أجمع عامة العلماء على أن
الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها - وإن قلت مشقتها - يكفر الله - تعالى - بها
الخطيئات، والأكثرون على أنها - أيضا ترفع بها الدرجات، وهو الصحيح المعول عليه. فقد
صح فی غیر ما طریق؛ ((ما من مسلم يشائ شوكة فما فوقها إلا کتبت له بها درجة ومحيت عنه بها
.
خطيئة)) (١)
وقوله - تعالى - ﴿ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ تذليل قصد به تأكيد ما قبله من
أن ثواب الله لا ينال إلا بالإِيمان والعمل الصالح، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء.
أى: أن من يعمل السوء سيجازى به، ولا يجد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى الله -
سبحانه - يلى أمره ويحامى عنه، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب الله - تعالى -
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال : ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى
وههو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا﴾.
أى: ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى ما دام متحليا
بصفة الإِيمان، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة جزاء عملهم؛ ولا ينقصون
شيئا من ثواب أعمالهم، ولو كان هذا الشىء نقيرا وهو النقطة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب
بها المثل فى القلة والحقارة.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿من الصالحات﴾ للتبعيض أى: بعض الأعمال الصالحات لأن الإِنسان
(١) تفسير الآلولسى جـ ٥ ص ١٥٢.

٣٢٢
المجلد الثالث
لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة، وإنما كل إنسان يعمل على قدر طاقته وقدرته
ولا يكلف نفسا إلا وسعها.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿من ذكر أو أنثى﴾ للبيان. أى بيان أن الأحكام الشرعية وما يترتب عليها
من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين
لا يشاركه فيه الصنف الآخر.
وفى ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذى كان واقعا عليها قبل شريعة الإِسلام العادلة .
والجملة الكريمة فى موضع نصب على الحال من ضمير ﴿يعمل﴾.
وقوله ﴿وهو مؤمن﴾ قيد لإِخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من أعمال صالحة فى الدنيا
فإنها لن تنفعه فى الآخرة بسبب كفره بالدين الحق.
واسم الإشارة وهو قوله ﴿فأولئك﴾ يعود إلى من فى قوله ﴿ومن يعمل﴾ باعتبار معناها.
وقوله ﴿ولا يظلمون نقيرا﴾ بيان لفضل الله - تعالى - وعدله، وأنه - سبحانه - ﴿لا يظلم
الناس شيئا وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾.
ثم أثنى - سبحانه - على من أخلص له الإِيمان والعمل فقال: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم
وجهه لله وهو محسن﴾.
أى: لا أحد أحسن دينا، وأجدر بالقبول عند الله ويجزيل ثوابه ممن أخلص نفسه لله،
وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه.
وقوله ﴿وهو محسن﴾ أى: وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عن كل مانهاه الله عنه، على الوجه
اللائق الحسن.
فالاستفهام فى قوله ﴿ومن أحسن﴾ للنفى. والمقصود منه مدح من فعل ذلك على أتم وجه.
وقوله ﴿وهو محسن﴾ جملة فى موضع الحال من فاعل ﴿أسلم﴾.
فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين :
أولهما: إخلاص القلب والنية لله - تعالى - بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله.
والثانى: إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإِحسان الذى عرفه النبى ولايه
بقوله: ((الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
وقوله ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ بيان لما كان عليه إبراهيم - عليه السلام - من عقيدة
سليمة، ودين قويم. وهو معطوف على قوله ﴿أسلم وجهه﴾.

٣٢٣
سورة النساء
أى: لا أحد أحسن دينا، وأصوب طريقا ممن أخلص نفسه لله، وأتقن أعماله الصالحة على
الوجه الذى يرضاه الله - تعالى - واتبع ملة إبراهيم الذى كان مبتعدًا عن كل الملل الزائفة
المعوجة ومتجها إلى الدين الحق، والمنهاج المستقيم.
والمراد بملة إبراهيم : شريعته التى كان يدين الله عليها، ومنهاجه الذى يوافق منهاج الإِسلام
الذى أتى به محمد - عليه الصلاة والسلام.
وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة. وضده الجنف يقال : تحنف فلان
أى تحرى طريق الاستقامة.
وقوله ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ تذييل جىء به للترغيب فى اتباع ملة إبراهيم، وللتنويه
بشأنه - عليه السلام - وبشأن من اتبع طريقته.
والخليل فى كلام العرب : هو الصاحب الملازم الذى لا يخفى عليه شيء من أمور صاحبه.
مشتق من الخلة وهى صفاء المودة التى توجب الاختصاص بتخلل الأسرار،
قال الآلوسي: والخليل مشتق من الخلة - بضم الخاء - وهى إما من الخلال - بكسر
الخاء - فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية. فالخليل من بلغت مودته هذه المرتبة.
وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح خلل الآخر. وإما من الخل - بالفتح -
وهو الطريق فى الرمل، لأنهما يتوافقان على طريقة. وإما من الخلة - بفتح الخاء - بمعنى الخصلة
لأنهما يتوافقان فى الخصال والأخلاق. وأطلق الخليل على إبراهيم، لأن محبة الله تعالى، قد
تخللت نفسه وخالطتها مخالطة تامة، أو لتخلقه بأخلاق الله تعالى(١).
والمعنى : واتخذ الله إبراهيم حنيفا له من بين خلقه، لأنه - عليه السلام - كان خالص
المحبة لخالقه - عز وجل - ومبغضا لكل ما يبغضه الله من الشريك والأعمال السيئة، وغيورا
على إعلاء كلمة الله وعلى تمكين دينه فى الأرض فوصفه الله - تعالى - بهذا الوصف الجليل،
وأسبغ عليه الكثير من ألوان نعمه وفضله.
قال الجمل: وقوله ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ فى ﴿خليلا﴾ وجهان، فإن عدينا اتخذ
لاثنين كان مفعولا ثانيا وإلا كان حالا . وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التى معناها
الخبر للتنبيه على شرف المتبوع وأنه جدير بأن يتبع لاصطفاء الله له بالخلة، وفائدة هذه الجملة
تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا جديرًا بأن تتبع ملته.
وأظهر اسم إبراهيم فى مقام الاضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه(٢).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١١٥
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٤٨

٣٢٤
المجلد الثالث
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه هو المالك لكل شىء، والمهيمن على شئون هذا
الكون فقال: ﴿ولله ما فى السموات وما فى الأرض وكان الله بكل شىء محيطا﴾.
أى : ولله - تعالى - وحده جميع ما فى السموات وما في الأرض من موجودات، فهو خالقها
ومالكها ولا يخرج عن ملكوته شىءٍ منها. وكان الله - تعالى - بكل شىء محيطا، بحيث لا تخفى
عليه خافية من شئون خلقه، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا
بالحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت المؤمنين بحسن الثواب، وبينت أن ثواب الله
لا ينال بالأمانى وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح، وأن الدين الحق هو الدين الذى يدعو
الإِنسان إلى إخلاص نفسه لله، وإلى إحسان العمل فى طاعته، وإلى اتباع ما كان عليه إبراهيم
من منهاج سليم، وخلق قويم. وأنه - سبحانه هو المتصرف فى شئون هذا الكون، وسيجازى
كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جملة من الأحكام التى يتعلق أكثرها بالنساء فقال -
تعالى - :
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ فِى يَتَمَى النِّسَاءِ
الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى
(١٢٧)
بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا
وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحَا وَالضُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ
الْأَ نفُسُ الشُّخِّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ

٣٢٥
سورة النساء
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْ
١٢٨٠
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ
فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ، وَإِن يَنَفَرَّ قَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً
١٣٠١
مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا
قال الإِمام الرازى فى بيان صلة هذه الآيات بما قبلها : اعلم أن عادة الله - تعالى - فى
ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه. وهو أن يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر
عقيبه آيات كثيرة فى الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله
وجلال قدرته. ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى
التأثير فى القلوب، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع فى موقع القبول إلا إذا كان مقرونا
بالوعد والوعيد. والوعد والوعيد لا يؤثر فى القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه
الوعد والوعيد. فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الحق.
إذا عرفت هذا فنقول : إنه - سبحانه - ذكر فى أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع
والتكاليف. ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى فى ذلك. ثم ختم تلك
الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه. ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال :
﴿ويستفتونك فى النساء﴾ .. إلخ الآية(١).
وقوله ﴿ويستفتونك﴾ من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. يقال استفتيت العالم فى
مسألة كذا. أى سألته أن يبين حكمها. فالإِفتاء إظهار المشكل من الأحكام وتبيينه.
فمعنى ﴿ويستفتونك فى النساء﴾: ويسألك أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى أمر النساء. أى
يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام التى تتعلق بما يجب للنساء من حقوق، وبما يكون
عليهن من واجبات.
والذى حمل الصحابة على هذا الطلب أنهم كانوا فى جاهليتهم يعاملون النساء معاملة سيئة،
ويظلمونهن ظلما شديدا، ثم وجدوا أن الإِسلام الذى يدينون به قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٦١

٣٢٦
المجلد الثالث
لم يألفوها من قبل، فتتعددت أسئلتهم عن الأحكام التى تتعلق بالنساء حتى ينفذوا نحوهن
ما يطلبه الإِسلام منهم من حيث معاشرتهن وولايتهن وميراثهن وغير ذلك من الأحكام.
قال القرطبى : نزلت - هذه الآية - بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء
وأحكامهن فى الميراث وغير ذلك. فأمر الله - تعالى - نبيه أن يقول لهم : الله يفتيكم فيهن أى :
يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء.
وكانت قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن .. (١).
فسؤال الصحابة ليس عن ذوات النساء وإنما عن أحكام تتعلق بهن.
أخرج ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذى قد بلغ أن
يقوم فى المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت آية المواريث فى سورة النساء
شق ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذى لا يقوم فى المال، والمرأة التى هى كذلك
كما يرث الرجل الذى يعمل فى المال؟ فرجوا أن يأتى فى ذلك حدث من السماء فانتظروا :
فلما رأوا أنه لا يأتى حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا : سلوا رسول الله
وَلير فسألوه. فأنزل الله ﴿ويستفتونك فى النساء﴾ .. الآية(٢).
وقوله ﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾ وعد من الله - تعالى - بالإِجابة عما يسألون عنه. وهو لون
من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد ضالته حتى يطمئن قلبه، ويهدأ باله. وذلك مثل قولهم
-ولله المثل الأعلى- لمن سأل سؤالا لمن يحسن الإِجابة عنه: على الخبير وقعت.
أى: قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن بعض الأحكام المتعلقة بالنساء : الله - تعالى - يفتيكم
فى شأنهن، ويبين لكم بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من أحكامهن. ويقضى بينكم وبينهن
بالعدل الذى لا يحوم حوله باطل.
وفى تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا، وإشعار بوجوب التزام ما تتضمنه من أحكام .
لأنها صادرة من العليم الخبير.
وقوله ﴿وما يتلى عليكم فى الكتاب﴾ للنحاة فيه مذاهب شتى، لعل أولاها بالقبول أن تكون
﴿ما﴾ اسم موصول مبتدأ والخبر محذوف والتقدير يسالونك يا محمد عن بعض أحكام النساء
فقل لهم : الله يفتيكم فى شأنهن، والذى يتلى عليكم فى الكتاب كذلك أى : يفتیکم فى شأنهن
أيضا. وذلك المتلو فى الكتاب الذى بين بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء منه قوله - تعالى فيما
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٠٢
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٣٩٩ - بتصرف يسير.
'د.

٣٢٧
سورة النساء
تقدم من هذه السورة : ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من
النساء﴾ .
قال الفخر الرازى: وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال
النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها. وما كان مبين الحكم فى الآيات
المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من
الكتاب - على سبيل المجاز - ألا ترى أنه يقال فى المجاز المشهور: إن كتاب الله بين لنا هذا
الحكم. وكما جاز أيضا أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا.
وقوله ﴿فى يتامى النساء﴾ صلة ليتلى. أى: يتلى عليكم فى شأنهن(١).
وإضافة اليتامى إلى النساء من إضافة الصفة إلى الموصوف أى النساء اليتامى وجعلها
بعضهم هنا على معنى من لأنها من إضافة الشىء إلى جنسه أى: فى اليتامى من النساء.
وقوله ﴿اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾ صفة لليتامى.
والمراد بما كتب لهن : ما فرض لهن من ميراث وصداق وغير ذلك من حقوق شرعها الله -
تعالى - لهن.
قوله: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ معطوف على صلة اللاتى.
أى: لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن.
وقوله : أن تنكحوهن فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف وهو إما (فى) وإما (عن).
وعلى أن حرف الجر المحذوف (فى) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون فى
نكاحهن لأنفسكم إن كن جميلات أو غنيات أو غير ذلك مما يرغبكم فى الزواج بهن مع عدم
إعطائهن حقوقهن كاملة.
وعلى أن حرف الجر المحذوف (عن) يكون المعنى : لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون عن
نكاحهن. أى لا أنتم تتزوجونهن ولا تتركونهن يتزوجن بغيركم حتى تبقى أموالهن تحت
أیدیکم .
قال ابن كثير: روى البخارى عن عائشة فى قوله - تعالى - ﴿ويستفتونك فى النساء قل الله
يفتيكم فيهن﴾ .. إلى قوله ﴿وترغبون أن تنكحوهن .. ﴾ أنها قالت: هو الرجل تكون عنده
اليتيمة هو وليها ووارثها. فأشركته فى ماله حتى فى العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن
يزوجها رجلا فيشركه فى ماله بما شركته فيعضلها. فنزلت هذه الآية.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٦٢

٣٢٨
المجلد الثالث
وعنها - أيضا أنها قالت: وقول الله - تعالى - ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ رغبة أحدكم عن
يتيمته التى فى حجره حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها
من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن - أى إذا كن قليلات المال والجمال.
ثم قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان فى حجره يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب
فى أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة بمثالها من النساء. وتارة لا يكون له فيها رغبة فنهاه
الله - تعالى - عن أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه فى ماله الذى بينه وبينها(١).
وحذف حرف الجار هنا لا يعد لبسا، بل يعد من باب الإِجمال والإِيجاز البليغ، لأن الجملة
الكريمة صالحة لتقدير كل من الحرفين السابقين على سبيل البدل، بالاعتبارين السابقين. أى
باعتبار الرغبة فيهن أو الرغبة عنهن فكأنه - سبحانه - يقول : وترغبون فى نكاح بعضهن فى
حالات معينة وترغبون عن نكاح بعض آخر منهن فى حالات أخرى؛ لأن فعل رغب يتعدى
بحرف (فى) للشىء المحبوب، وبحرف (عن) للشىء غير المحبوب.
قال الألوسى : واستدل بعض أصحابنا - أى الأحناف - بالآية على جواز تزويج الصغيرة،
لأنه ذكر الرغبة فى نكاحها فاقتضى جوازه. والشافعية يقولون : إنه إنما ذكر ما كانت تفعله
الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك، مع أنه لا يلزم من الرغبة فى نكاحها فعله فى
حال الصغر. وهذا الخلاف فى غير الأب والجد، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغيرة
بلا خلاف(٢).
وقوله : ﴿والمستضعفين من الولدان﴾ معطوف على يتامى النساء، وقد كانوا فى الجاهلية
لا يورثونهم كما لا يورثون النساء، فشرع الله لهم الميراث كما هو مبين فى آيات المواريث.
وقوله ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾ فى محل جر عطفا على ما قبله. أى: وما يتلى عليكم فى
يتامى النساء وفى المستضعفين من الولدان وفى أن تقوموا لليتامى بالقسط فيه الكفاية لحملكم
على سلوك الطريق القويم مع هؤلاء الضعاف.
ومما ذكره الله - تعالى - فى شأن اليتامى قوله فى مطلع هذه السورة: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم
ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾.
فيكون معنى الآية إجمالا : يسألك بعض أصحابك يا محمد أن تفتيهم فى بعض الأحكام التى
تتعلق بالنساء. قل لهم على سبيل التعليم والإِرشاد : الله - تعالى - یفتیکم ویبین لكم بيانا
(١) تفسير ابن كثير - بتلخيص يسير جـ ١ ص ٥٦١
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٦٠

٣٢٩
سورة النساء
شافيا ما تسألون عنه بشأنهن. ويفتيكم أيضا فى شأنهن ما تلاه الله عليكم فى قرآنه قبل نزول
هذه الآية وما سيتلوه عليكم بعدها.
ويفتيكم - أيضا - ما يتلى عليكم فى القرآن فى شأن اليتامى اللاتى تمنعوهن ما فرض لهن من
الميراث وغيره. وترغبون فى نكاحهن لما لهن لجمالهن بأقل من صداقهن. أو ترغبون عن
نكاحهن وتعضلوهن طمعا فى أموالهن. وهذا الإِفتاء الذى تلاه الله عليكم فى قرآنه يمنعكم من
أن تفعلوا شيئا من ذلك.
ويفتيكم أيضا ما يتلى عليكم فى الكتاب فى شأن اليتامى - ذكورا كانوا أو إناثا - بأن يأمركم
أن تلتزموا العدل معهم فى أموالهم وفى سائر أمورهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما﴾ أى :
وما تفعلوا من خیر یتعلق بهؤلاء المذکورین أو بغیرهم فإن الله - تعالى - کان به علیما علما دقيقا
محيطا، وسيجازيكم عليه جزاء يشرح نفوسكم ويصلح بالكم.
فالآية الكريمة قد اشتملت على ألوان من الترغيب بشأن الإِحسان إلى النساء وإلى
المستضعفين من الولدان. وإلى اليتامى حتى تعيش الأمة عيشة هانئة، يشعر ضعيفها برعاية
قويها له. ويشعر قويها برضا ضعيفها عنه.
ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالزوجين، وعالج ما يقع بينهما من خلاف
ونفرة علاجا حكيما فقال - تعالى - ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح
عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾.
والخوف معناه: توقع الانسان مكروها ينزل به. وهو هنا مستعمل فى حقيقته إلا أنه
لا يكون إلا بعد ظهور علامات تدل عليه من الرجل. كأن يقول لها : إنك قد كبرت وأريد أن
أتزوج بشابة. إلى غير ذلك من الأحوال التى تلمسها الزوجة من زوجها بمقتضى مخالطتها له .
والنشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع ويوصف به الرجل والمرأة. والمراد به هنا ما يكون
من الرجل من استعلاء على زوجته. ومجافاة لها بترك مضاجعتها والتقصير فى نفقتها وفى
حقوقها .
والإعراض عنها من مظاهره: التقليل من محادثتها ومؤانستها وإدخال السرور عليها. وهو
أخف من النشوز.
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٦١

٣٣٠
المجلد الثالث
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الترمذى وحسنه عن ابن
عباس قال: خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات النبى ﴿ أن يطلقها رسول الله وال
فقالت: يا رسول الله. لا تطلقنى واجعل يومى لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية.
وأخرج الشافعى عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج
فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقنى واقسم لى ما بدالك. فاصطلحا على صلح
فجرت السنة بذلك ونزل القرآن.
وروى عن عائشة أنها قالت : نزلت فى المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها
غيرها فتقول له: أمسكنى وتزوج بغيرى وأنت فى حل من النفقة والقسم.
وقوله: ﴿وإن امرأة﴾ فاعل لفعل واجب الإضمار. أى: وإن خافت امرأة خافت.
وقوله: ﴿من بعلها﴾ متعلق بخافت، وقوله: ﴿فلا جناح عليهما﴾ جواب الشرط.
والمعنى: وإن خافت امرأة من زوجها (نشوزا) أى تجافيا عنها، وترفعا عن صحبتها ﴿أو
إعراضا﴾ أى: انصرافا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف ما عهدته منه قبل ذلك، ففى هذه
الأحوال ﴿لا جناح عليهما﴾ أى: لا حرج ولا إثم على الزوجة وزوجها فى ﴿أن يصلحا بينهما
صلحا﴾ يتفقان عليه فيما بينهما رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على دوامها، وذلك بأن تترك المرأة
بعض حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على إزالة ما فى نفسه من استعلاء وانصراف عنها .
وقوله ﴿صلحا﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله. أو مفعول به على تأويل يصلحا بيوقعا صلحا.
و﴿بينهما﴾ حال من ﴿صلحا﴾ لأنه كان نعتا له ونعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا، وفيه
إشارة إلى أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس على ذلك. بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما.
وقد عبر - سبحانه - عن طلب الصلح بقوله ﴿فلا جناح عليهما﴾ ترفقا فى الإِيجاب، ونفيا
لما يتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى إلى الإِثم، لأن الصلح بينهما يقتضى
أن يتسامح أحد الزوجين فى جزء من حقه ليظفر بخير أكثر مما تسامح فيه. فإذا تركت المرأة
بعض حقها لتدوم عشرتها مع زوجها بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير.
وأكد - سبحانه - هذا الصلح بقوله (صلحا﴾ للإشارة إلى وجوب أن یکون الصلح بينهما
حقيقيا لا شكليا، وأن يكون بحيث تتلاقى فى القلوب، وتصفو النفوس. وتشع بينهما المودة
والرحمة، ويرضى كل واحد منهما بما قسم الله له.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٦٥

٣٣١
سورة النساء
وقوله ﴿والصلح خير﴾ جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح الذى حض الله عليه
قبل ذلك.
أى: والصلح بين الزوجين خيرا من الفرقة وسوء العشرة، اللهم إلا إذا استحال الصلح
والوفاق بينهما فإنه فى هذه الحالة تكون الفرقة بينهما خيرا. ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من
سعته﴾ .
قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ﴿والصلح خير﴾. الظاهر من الآية أن صلحهما على ترك
بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبى وَلخير سودة على
أن تركت يومها لعائشة ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله هذا لتتأسى به أمته فى
مشروعية ذلك وجوازه فهو أفضل فى حقه # ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال :
﴿والصلح خير﴾، بل الطلاق بغيض إليه - سبحانه - ولهذا جاء الحديث الذى رواه أبو داود
وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَ له((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))(١).
وقوله - تعالى - ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ جملة أخرى معترضة جىء بها لبيان ما جبل
عليه الإِنسان من طباع، وللحض على الصلح حتى ولو خالف ما طبعت عليه النفس من
سجایا .
والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه الهمزة فجعلته يتعدى لاثنين كما هنا. إذ المفعول
الأول نائب الفاعل وهو الأنفس والمفعول الثانى كلمة الشح.
والشح : البخل مع الحرص، والمراد: وأحضر الله الأنفس الشح. أى جبل الله النفوس
على الشح بما تملكه، فالمرأة لا تكاد تتسامح أو تتنازل عن شىء من حقها، والرجل كذلك
لا يكاد يتنازل عن شىء من حقوقه، لأن حرص الإنسان على حقه طبيعة فيه. فعلى الزوجين أن
يلاحظا ذلك وأن يخالفا ميولهما وطبعهما من أجل الإِبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ومودة.
فالجملة الكريمة ترشد الإِنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته حتى ولو أدى ذلك إلى مخالفة
ما جبلت عليه نفسه.
ويرى ابن جرير أن المراد بالأنفس هنا أنفس النساء خاصة فقد قال ما ملخصه : وأولى
القولين فى ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك. أحضرت أنفس النساء الشح
بأنصبائهن من أزواجهن فى الأيام والنفقة. والشح: الإفراط فى الحرص على الشىء. وهو فى
هذا الموضع : إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٣

٣٣٢
المجلد الثالث
فتأويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرصَ على حقوقهن من
أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن.
ثم قال. ويشهد لهذا ما روى فى سبب نزول الآية من أنها نزلت فى أمر رافع بن خديج
وزوجته، إذ تزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقر على الأثرة، فطلقها
تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة.
فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة فراجعها وآثر عليها. فلم تصبر. ففى ذلك دليل واضح
على أن قوله - تعالى - ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ إنما عنى به: وأحضرت أنفس النساء
الشح بحقوقهن من أزواجهن على ما وصفنا(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته ومراقبته، والسيرفى طريق الصلح والوفاق
فقال: ﴿وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾.
أى: وإن تحسنوا - أيها الرجال - فى أقوالكم وأفعالكم إلى نسائكم وتتقوا الله فيهن : بأن
تتركوا التعالى عليهن والإعراض عنهن وتصبروا على مالا ترضونه منهن، من دمامة أو تقصير فى
واجباتهن. إن تفعلوا ذلك یرفع الله درجاتکم. ويجزل ثوابکم، لأنه - سبحانه - خبير بكل
أحوالكم وأعمالكم، ولن يضيع - سبحانه - أجر من أحسن أعملا.
فالجملة الكريمة خطاب للأزواج بطريق الالتفات. لقصد استمالتهم وترغيبهم فى حسن
معاملة نسائهم، وسلوك طريق الصلح معهن.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن على الزوجين أن يحسنا
العشرة الزوجية كل واحد منهما من جانبه، وأن يصبر كل واحد منهما على ما يكون من صاحبه
من هفوات ومخالفات لا تخلو منها طبيعة الحياة الزوجية ...
وأن أحد الزوجين إذا تنازل عن بعض حقوقه للآخر بقصد الإبقاء على الحياة الزوجية جاز
ذلك، فإذا رغب رجل - مثلا - فى طلاق زوجته لسبب من الأسباب وكانت الزوجة تريد
البقاء معه، وتنازلت المرأة عن بعض حقوقها فى سبيل أن تبقى معه وتراضيا على ذلك عن طيب
خاطر، بأن أعطته بعض المال - مثلا - فإن ما أخذه منها لا يعد مالا حراما فى مثل هذه الحالة.
أما إذا تظاهر الرجل بالنشوز أو الإِعراض لكى ينال شيئا من حقوقها أو تتنازل له عن بعضها،
فإن ما يأخذه الرجل منها فى مثل هذه الحالة يكون أكلا لحقوق غيره بالباطل، لأنه لم يكن راغبا
حقيقة فى الطلاق وإنما تصنع النشوز أو الإِعراض اجتلابا لمالها، واستدرارًا لخيرها. وقد نهى
(١ ( تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٣١٣

٣٣٣
سورة النساء
الله عن كل ذلك بل أمر بترك النشوز، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ويتقى الله بالأجر
الجزيل.
قال القرطبى ما ملخصه : يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر. أو تعطى هى على أن يبقيها
فى عصمته، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة - أى يؤثر غيرها عليها من غير عطاء فهذا
كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشىء تعطيه إياها فقد غضب
الرسول 18 مرة على صفية فقالت لعائشة، أصلحى بينى وبين رسول الله وَله وقد ذهب لك
يومى. قالت عائشة: فجئت إلى رسول الله وَله فجلست إلى جانبه. فقال: ((إليك عنى فإنه
ليس بيومك)) فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأخبرته الخبر، فرضى عنها. وفيه أن ترك
التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها(١).
وقال بعض العلماء ما ملخصه: فإن قيل : إن الله - تعالى - قال فى نشوز المرأة: ﴿واللاتى
تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾. الآية وقال فى نشوز الرجل :
﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا﴾. الآية
فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها فى المضجع ويضربها ولم يجعل لنشوز
الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفا فما معنى ذلك؟
والجواب عن ذلك: أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعى
المرأة ورئيسها المهيمن عليها. ومن قضية ذلك ألا يكون للمرءوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب
الأمر وضاعت هيمنة الرئيس.
وأن الله فضل الرجال على النساء فى العقل والدين. ومن قضية ذلك ألا يكون نشوز من
الرجل إلا لسبب قاهر. ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شىء تتوهمه
سببًا.
وأن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة. وإذا كان الله قد جعل له حق
الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه
أمارات هذه الفرقة (٢).
.
ثم بين - سبحانه - أن تحقيق العدالة الكاملة فى الحياة الزوجية غير ممكن فقال - تعالى -
﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾.
والخطاب هنا للرجال الذين يتزوجون بأكثر من زوجة.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٠٥
(٢) تفسير آيات الأحكام جـ ٢ ص ١٤٨ لفضيلة الشيخ محمد على السايس
-

٣٣٤
المجلد الثالث
والمعنى : ولن تستطيعوا - أيها الرجال - أن تعدلوا بين زوجاتكم المتعددات عدلا كاملا فى
المحبة وفى الميل القلبى وفى غير ذلك من الأمور التى تختلف باختلاف تآلف النفوس وتنافرها .
ولو أنكم حرصتم على العدل الكامل فى مثل هذه الأمور النفسية لما استطعتم، لأن الميل النفسى
لا يملكه الإنسان ولا يستطيع التحكم فيه.
قال ابن كثير: نزلت هذه الآية فى عائشة. وكان النبى ◌َّ يحبها أكثر من غيرها. وقد روى
الترمذى وأبو داود وغيرهما عنها أنها قالت: كان رسول الله وَّطهر يقسم بين نسائه فيعدل. ثم
يقول: ((اللهم هذا قسمى فيما أملك. فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك)) يعنى القلب(١).
وقوله ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ إرشاد من الله - تعالى - للرجال إلى ما يجب
عليهم نحو نسائهم المتعددات اللائى ليس فى استطاعتهم التسوية بينهن فى الميل القلبى.
أى: إذا ثبت أنكم لن تستطيعوا أن تعدلوا بينهن عدلا كاملا من جميع الوجوه ولو حرصتم
على هذا العدل أتم الحرص. إذا ثبت ذلك فلا تميلوا كل الميل إلى إحداهن بأن تبالغوا فى
إرضائها والإِقبال عليها حتى تصير الأخرى التى ملتم عنها وهجرتموها كالمعلقة أى كالمرأة التى
لا هى بذات زوج فتنال منه حقوقها الزوجية ولا هى بمطلقة فترجو من الله أن يرزقها بالزوج
الذى يكرمها. وإنما الواجب عليكم - يا معشر الرجال - أن تجاهدوا أنفسكم حتى تصلوا إلى
الحق المستطاع من العدل بين الزوجات.
فقد أخرج الإِمام أحمد وأبوداود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله وَل ◌ّ قال:
((من كانت له أمرأتان فمال إلى أحداهما - أى لم يعدل بينهما فيما يمكنه العدل فيه - جاء يوم
القيامة وأحد شقيه ساقط)).
، وعن مجاهد قال: ((كانوا يسوون بين الضرائر حتى فى الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب
هذه)»(٢).
وقوله ﴿كل الميل﴾ نصب لفظ كل على المصدرية لأنها على حسب ما تضاف إليه من مصدر
أو ظرف أو غيره.
وقوله ﴿فتذروها﴾ منصوب بإضمار أن فى جواب النهى. أو مجزوم عطفا على الفعل قبله.
والجملة الكريمة توبيخ للأزواج الذين لا يعدلون بين نسائهم.
قال القرطبى: وقوله ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ أى: لاهى مطلقة ولا ذات زوج. وهذا تشبيه
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٦٤ بتصرف يسير
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٦٣

٣٣٥
سورة النساء
بالشىء المعلق من شىء، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل، وهذا مطرد
فى قولهم فى المثل : (ارض من المركب بالتعليق). وفى حديث أم زرع: زوجى العشنق - أى
الطويل الممتد القامة- إن أنطق أطلق. وإن أسكت أعلق - أى أهمل وأترك حتى لكأننى بدون
زوج -(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما﴾.
أى: وإن تصلحوا أعمالكم - أيها الناس - فتعدلوا فى قسمتكم بين أزواجكم وتعاشروهن
بالمعروف، وتتقوا الله وتراقبوه فيهن، وتتوبوا إلى الله توبة نصوحا مما حدث منكم من ظلم لهن.
إن تفعلوا ذلك يغفر الله لكم ذنوبكم ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه.
هذا وقد ادعى بعض الذين لم يفهموا تعاليم الإسلام فهما سليما أن هذه الآية بضمها إلى
قوله - تعالى - فى مطلع هذه السورة ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ يكون منع تعدد
الزوجات جائزًا شرعا، لأن الله تعالى - قد بين فى الآية التى معنا وهى قوله ﴿ولن تستطيعوا أن
تعدلوا﴾ أن العدل بين الزوجات المتعددات غير مستطاع، وبين فى الآية الأخرى وهى قوله
﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ أن الجمع بين النساء غير جائز إلا عند الوثوق من العدل ..
بينهن، وبما أن العدل بينهن غير مستطاع بنص الآية التى معنا، إذا فالجمع بين النساء غير
جائز، وعلى الرجل أن يكتفى بواحدة.
وللرد على هذه الدعوى نقول : إن العدل الذى أخبر الله عنه غير مستطاع، هو العدل الذى
يتعلق بالتسوية بين الزوجات فى الحب القلبى، والميل النفسى، والتجاوب العاطفى، إذ من
المعلوم أن هذه الأمور النفسية لا يستطيع الإِنسان أن يتحكم فيها. فأنت - مثلا - تجلس فى
مجلس فيه أشخاص متعددون لا تعرفهم فتحس بارتياح لبعضهم وبنفور من بعضهم مع أنك لم
يسبق لك أن اختلطت بواحد منهم، وما ذلك إلا لأن الميول القلبية يعجز الإِنسان عن التحكم
فيها .
أما العدل الذى جعله الله شرطا فى جواز الجمع بين الزوجات فهو العدل الذى يتعلق
بالتسوية فيما يقدر عليه الإنسان ويملكه مثل التسوية بينهن فى النفقة والكسوة والسكنى والمبيت.
وغير ذلك من الأمور التى يقدر عليها.
وبهذا نرى أن موضوع الآية التى معنا يتعلق بالعدل النفسى وهو أمر غير مستطاع كما جاء فى
الحديث الشريف: ((اللهم هذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك)).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٤٠٨

٣٣٦
المجلد الثالث
وأما موضوع الآية التى فى صدر السورة وهى قوله - تعالى - ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا
فواحدة﴾ فيتعلق بالعدل الظاهرى الذى يقدر عليه الإِنسان مثل التسوية فى النفقة وغير ذلك
مما يقدر عليه الإِنسان.
· ومع هذا، فالآية التى معنا لم تطالب الرجل بالعدالة المطلقة الكاملة بين زوجاته بأن يسوى
بينهن فى كل شىء، لأن العدل بهذا المعنى غير مستطاع للمكلف ولو حرص على إقامته وبالغ فى
ذلك. وإنما الآية الكريمة طالبته بالممكن منه فكأنها تقول : إنكم - أيها الرجال - لن تستطيعوا
أن تعدلوا العدل المطلق الكامل بين زوجاتكم فى القسم والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة
والمحبة وغير ذلك مما لا يكاد يحصر ﴿ولو حرصتم﴾ على هذا العدل الكامل أتم الحرص
لما استطعتموه، ولذلك لم يكلفكم الله به، إذ التكليف الشرعى إنما يكون بما فى الوسع
والطاقة، وإذا كان الأمر كذلك فاجتهدوا ما استطعتم فى العدل بين زوجاتكم، ولا تميلوا كل
الميل إلى واحدة منهن وتهملوا الأخرى إهمالا يجعلها كأنها لا هى ذات زوج ولا هى مطلقة.
فإن العجز عن العدل المطلق الكامل لا يمنع تكليفكم بما دون ذلك من المراتب التى تقدرون
عليها قالوا: ما لا يدرك كله لا يترك كله.
وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين تدعوان المسلم إلى العدل بين زوجاته بالقدر الذى يستطيعه
بدون تقصير أو جور، وأنهما بانضمام معناهما لا تمنعان تعدد الزوجات كما ادعى المدعون.
وبعد أن رغب - سبحانه - فى الصلح بين الزوجين وحض عليه، وأمر الأزواج بالعدل بين
الزوجات بالقدر الذى يستطيعونه، عقب ذلك ببيان أن التفرقة بينهما جائزة إذا لم يكن منها بد.
لأن التفرقة مع الإِحسان خير من المعاشرة السيئة فقال - تعالى - ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من
٠
سعته وكان الله واسعا حكيما﴾
وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التى أوجبها على كل
واحد منهما ﴿يغن الله كلا﴾ منهما ﴿من سعته﴾ أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر
﴿وكان الله واسعا حكيما﴾ أى: وكان الله - تعالى - وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة
والفضل ﴿حكيما﴾ فى جميع أفعاله وأحكامه.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية السليمة،
وعالجت أمراضها بالعلاج الشافى الحكيم، فقد أمرت الرجال بأن يؤدوا للنساء حقوقهن، وأن
يعاشروهن بالمعروف، وأن على الزوجين إذا ما دب بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينهما بالتصالح
والتسامح، وإذا اقتضى الأمر أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل
الإبقاء على الحياة الزوجية. وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بین زوجاته،

٣٣٧
سورة النساء
ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو ميل مع الهوى، فإن
الميسور لا يسقط بالمعسور. وأنه إذا استحال الصلح وتنافرت الطباع، وساءت العشرة كان
الفراق بينهما أجدى، إذ الفراق مع الإِحسان خير من الإمساك مع المعاشرة السيئة التى عز معها
الإِصلاح والوفاق والتقارب بين القلوب.
وبعد أن بين - سبحانه - ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ووسائل علاج
أدوائها .. بعد كل ذلك بين - سبحانه - أن كل شىء فى ملكه وتحت سلطانه، فعلى الناس أن
يخشوه ويراقبوه ويشتغلوا بعبادته فقال - تعالى - :
وَللَّهِ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْلَكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَثَّقُوا اللَّه وَ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّلِلَّهِ
مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا
١٣١١
وَلِلّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
(١٣٢)
إِن يَشَأَيُذْ هِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَرِينَ وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ◌َ﴾ مَن كَانَ يُرِيدُ نَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ
اللَّهِ ثَّوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
١٣٤١
قال ابن جرير، قوله ﴿ولله ما في السموات وما فى الأرض﴾ يعنى بذلك - سبحانه - ولله
ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر - جل ثناؤه
ذلك بعقب قوله ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند
فراق أحدهم زوجه ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه، وتذكيرا
منه له أنه الذى له الأشياء كلها. وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه
ويغنى كل ذى فاقة وحاجة ويؤنس كل ذى وحشة(١).
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٣١٨.

٣٣٨
المجلد الثالث
فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان مظاهر قدرته ورحمته بعباده. والخطاب فى قوله : ﴿ولقد وصینا
الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ والمراد بالذين ﴿أوتوا الكتاب﴾: اليهود
والنصارى ومن قبلهم من الأمم. والمراد بالكتاب: جنس الكتب الإِلهية.
وقوله: ﴿وإياكم﴾ معطوف على الموصول. وقوله ﴿من قبلكم﴾ متعلق بأوتوا أو بوصينا
وقوله : ﴿أن اتقوا الله﴾ أن مصدرية فى محل جر بتقدير حرف الجر.
والمعنى : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من الأمم السابقة ﴿وإياكم﴾ أى:
وصينا كلا منهم ومنكم بتقوى الله. أى بمراقبته وخشيته وتنفيذ أوامره والبعد عن نواهيه.
وقوله : ﴿وإن تكفروا فإن الله ما فى السموات وما فى الأرض﴾ معطوف على وصينا بتقدير
قلنا. أى وصيناهم ووصيناكم بتقوى الله، وقلنا لكم ولهم : إن تكفروا فاعلموا أنه - سبحانه
- هو مالك الملك والملكوت ولن يضره كفركم ومعاصيكم، كما أنه - سبحانه - لن ينفعه
شكركم وتقواكم، وإنما وصاكم وإياهم بما وصى لرحمته بكم لا لحاجته إليكم. كما قال -
تعالى - فى آية أخرى: ﴿إِن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا
يرضه لكم﴾.
ويرى صاحب الكشاف أن قوله - تعالى - ﴿وإن تكفروا﴾ عطف على اتقوا، فقد قال :
وقوله : ﴿وإن تكفروا فإن الله ما فى السموات وما فى الأرض﴾ عطف على اتقوا. لأن المعنى :
أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن الله ما فى السموات وما فى
الأرض. والمعنى : إن الله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها،
فحقه أن يكون مطاعا فى خلقه غير معصى. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين
أوتوا الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم أن اتقوا الله. يعنى : أنها وصية قديمة مازال يوصى
الله بها عباده، لستم بها مخصوصين: لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة فى
العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن الله فى سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من
يوحده ويعبده ويتقيه(١).
وجواب الشرط فى قوله ((وإن تكفروا محذوف، والتقدير: إن تكفرا بما وصاكم به فلن يضره
كفركم فإنه - سبحانه - له ما فى السموات وما فى الأرض ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله :
﴿وكان الله غنيا حميدا﴾ أى: وكان الله ومازال غنيا عن خلقه وعن عبادتهم، مستحقا لأن
يحمده الحامدون لكثرة نعمه عليهم فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله.
ثم أكد - سبحانه - هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال : ﴿ولله ما في السموات وما فى
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٨٥٤.

٣٣٩
سورة النساء
الأرض وكفى بالله وكيلا﴾.
أى: ولله - تعالى - وحده ما فى السموات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا وإعداما.
وإحياء وإماتة. وكفى بالله - تعالى - وكيلا فى تدبير أمور خلقه، وحفظه لمصالحهم.
والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذى يوكل إليه. وقد ذكر - سبحانه - فى هاتين الآيتين
ملكيته لما فى السموات وما فى الأرض ثلاث مرات، تأكيدا لعظم سلطانه وقدرته وسعة غناه
ورحمته، حتى ترسخ فى نفوس الناس تقواه وخشيته.
قال القرطبى : فإن قال قائل: ما فائدة هذا التكرار؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما فى ملكوته وأنه غنى عن العالمين.
الجواب الثانى: أنه كرر لفوائد: فأخبر فى الأول أن الله - تعالى - يغنى كلا من سعته لأن
له ما فى السموات وما فى الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال : أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى
وإن تكفروا فإنه غنى عنكم لأن له ما فى السموات والأرض. ثم أعلم فى الثالث بحفظ خلقه
وتدبيره إياهم بقوله ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، لأن له ما فى السموات وما في الأرض ... (١) . .
وقوله - تعالى - ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا﴾
تقرير لما سبق بيانه من عظيم سلطانه وغناه وقدرته.
أى: إن يشأ الله يفنكم ويهلككم أيها الناس - ويأت مكانكم بقوم آخرين، وكان الله
ومازال على إفنائكم وإيجاد غيركم بليغ القدرة، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء. لكنه -
سبحانه - لم يشأ ذلك لا لعجز منه. ولكن لأن حكمته اقتضت بقاءكم، ليبلوكم أيكم أحسن
عملا، وليجازى كل إنسان على حسب عمله.
قال الجمل : (ومفعول المشيئة محذوف يدل عليه مضمون الجزاء. أى: إن يشأ إفناءكم
وإيجاد آخرين يذهبكم - يعنى : أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه
عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم لا لعجزه - سبحانه -
وقيل : هو خطاب لمن عادى رسول الله وَلقر من العرب. أى: يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين
يوالونه. فمعناه هو معنى قوله - تعالى - ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا
أمثالكم﴾. ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله وَ ﴿ بيده على ظهر سلمان الفارسى وقال:
((إنهم قوم هذا)). يريد أبناء فارس(٢).
فالآية الكريمة تقرير لغناه وقدرته - سبحانه - وتهديد لمن كفر به وعصاه.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٤٠٩.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٣٢.

٣٤٠
المجلد الثالث
ثم حرض - سبحانه - الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه الله ، وأن يجعلوا مقصدهم
الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى - : ﴿من کان یرید ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا
والآخرة، وكان الله سميعًا بصيرًا﴾.
والمراد بثواب الدنيا : خيراتها التى تعود على طالبها بالنفع الدنيوى.
والمراد بثواب الآخرة: الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - لعباده الصالحين.
والمعنى : من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية، فأخبره
وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة. فلماذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع
أن ثواب الآخرة أجزل وأبقى؟ وهلا اقتدى بمن قالوا فى دعائهم : ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفى الآخرة حسنة﴾؟
وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإِعلام والإِخبار. أى : من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه
وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن
من جاهد - مثلا - جهادا خالصا لم تفته المنافع الدنيوية، وله بجانب ذلك فى الآخرة ما هو
أنفع وأعظم وأبقى. فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله وسلم قال: ((من كان
همه الآخرة جمع الله - تعالى شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت
نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له))(١).
ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال : والذى
يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه. والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا
فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
ثم قال: وقال الراغب وقوله ﴿فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ تبكيت للإِنسان حيث
اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين، وحث على أن يطلب منه - تعالى -
ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه. فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنىء
الهمة. وقيل: الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة(٢).
وما عبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله : وقيل : الآية وعيد للمنافقين، قد رجحة ابن
جرير واختاره فقد قال ما ملخصه : قوله ﴿من كان يريد﴾ أى: ممن أظهر الإِيمان من أهل
النفاق.
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٦٧
(٢) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٣ ص ٢٦٩.