النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة النساء
ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم بالباطل فقال :
﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون
عليهم وكيلا﴾.
أى: ها أنتم أيها المدافعون عن الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم فى الدنيا مبرئين
إياهم من الخيانة بدون حق، فمن ذا الذي يستطيع منكم أن يدافع عنهم أمام الله يوم القيامة،
بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا. أى : قائما بتدبير أمورهم، ومدافعا عنهم؟ لاشك أنه لن
يكون هناك أحد يدافع عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان سيجازى بعمله، ولن ينفعه دفاع
المدافعين، أو جدال المجادلين.
وقوله ﴿ها﴾ حرف تنبيه. أى تنبيه المخاطبين على خطئهم فى المجادلة عن السارق، وقوله
﴿أنتم﴾ مبتدأ. وقوله ﴿هؤلاء﴾ منادى بحرف نداء محذوف مبنى على الكسر فى محل نصب.
وجملة ﴿جادلتم عنهم﴾. خبر المبتدأ. وبعضهم أعرب هؤلاء خبر أول. وجعل جملة جادلتم
خبرا ثانيا.
وقوله ﴿جادلتم﴾ من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل مجدول الفتل أى قوى البنية فالجدال
معناه تقوية الحجة التى يدافع بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره. وقيل إن الجدال
مأخوذ من الجدالة وهى وجه الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يكون كالمصارع الذى
يريد أن يلقى صاحبه عليها. ومنه قولهم: تركته مجدلا أى مطروحا على الأرض.
﴿أم﴾ فى قوله ﴿أمن يكون عليهم وكيلا﴾ منقطعة للإضراب الانتقالى.
مـ
والاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى الموضعين. أى لا أحد يجادل عنهم أمام الله - تعالى - ..
ولا أحد يستطيع أن يقوم بتدبير أمورهم يوم القيامة.
ثم فتح - سبحانه - بعد هذا التوبيخ الشديد للخائنين - باب التوبة لعباده فقال : ﴿ومن
يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ أى: ومن يعمل عملا سيئا
يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودى، أو يظلم نفسه بارتكاب الفواحش، التى يعود معظم
ضررها على نفسه كشرب الخمر، وترك فرائض الله التى فرضها على عباده؛ ثم بعد كل ذلك
﴿يستغفر الله﴾ بأن يتوب إليه توبة صادقة نصوحا ((يجد الله)) بفضله وكرمه ﴿غفورا رحيما﴾ أى
كثير الغفران لعباده التائبين، واسع الرحمة إليهم.
فالمراد بعمل السوء هنا - على أرجح الأقوال - العمل السىء الذى يكون فيه أذى للغير
كالقذف والشتم والسب وما يشبه ذلك.
٠

٣٠٢
المجلد الثالث
والمراد بظلم النفس : الأعمال السيئة التى يعود ضررها ابتداء على فاعلها نفسه كشرب
الخمر، وترك الصلاة أو الصيام وما يشبه ذلك.
وإنما فسروا كل جملة بهذا التفسير المغاير للآخر لوجود المقابلة بينهما.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ﴿ومن يعمل سوءا﴾ أى عملا قبيحا يسوء به
غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودى ﴿أُو يظلم نفسه﴾ بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل
ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار
والتوبة أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه(١).
والتعبير ((بثم)) فى قوله ﴿ثم يستغفر الله﴾ للإشارة إلى ما بين المعصية والاستغفار من تفاوت
معنوى شاسع. إذ المعصية تؤدى بفاعلها إلى الخسران أما الاستغفار الذى تصحبه التوبة
الصادقة فيؤدى إلى الفلاح والسعادة.
وقوله ﴿يجد الله غفورا رحيما﴾ يفيد أن الله - تعالى - يستجيب لطلب الغفران من عبده متى
تاب إليه وأناب، لأنه - سبحانه - قد وصف نفسه بأنه كثير المغفرة والرحمة لعباده، متى أقبلوا
على طاعته بقلب سليم، ونية صادقة.
ثم بين - سبحانه - بأن الأفعال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده فقال - تعالى -
﴿ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه، وكان الله عليما حكيما﴾.
والكسب كما يقول الراغب - ما يتحراه الإِنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، ككسب
المال. وقد يستعمل فيها يظن الإِنسان أنه يجلب منفعة له ثم استجلب به مضرة. وقد ورد فى
القرآن فى فعل الصالحات والسيئات فمما استعمل فى الصالحات قوله : ﴿أو كسبت فى إيمانها
خيرا﴾. ومما استعمل فى السيئات قوله: ﴿إن الذين يكسبون الإِثم﴾(٢).
ومنه قوله - تعالى - هنا ﴿ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾
أى. ومن يرتكب إثما من الآثام التى نهى الله عن ارتكابها، فإن ضرر ذلك يعود على نفسه
وحدها. وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يبتعد عن الذنوب والآثام حتى ينجو من العقاب.
وقوله ﴿وكان الله عليها حكيما﴾ تذييل قصد به التحذير من سوء عاقبة اكتساب الآثام.
أى: وكان الله عليما بما فى قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون، حکیما فى كل ما قدر وقضى.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٦٣ بتصرف يسير.
(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٤٠

٣٠٣
سورة النساء
وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين - سبحانه - المصير السىء الذى ينتظر
أولئك الذین یرتکبون السوء ثم یرمون به غیرهم فقال : ﴿ومن یکسب خطیئة أو إثما ثم يرم به
بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا﴾.
وقد قيل : إن الخطيئة والإِثم هنا بمعنى واحد وقد جىء بهما على اختلاف لفظيهما للتأكيد
المعنوى. ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما متغايران. وأن المراد بالخطيئة :
المعصية الصغيرة. والمراد بالإِثم: المعصية الكبيرة. وقال آخرون : الفرق بين الخطيئة والإِثم
· أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد. والإِثم لا يكون إلا عن عمد.
ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التى يرتكبها صاحبها عن استهانة
وعدم اكتراث، لأنه لكثرة ولوغه فى الشرور صار يأتيها بلا مبالاة. قال - تعالى - ﴿بلى من
كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ وقال - تعالى - ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾.
وأن المراد بالإِثم هنا : الذنوب التى يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار فتؤدى به إلى الإِبطاء
عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة، لأن الإِثم كما يقول الراغب -: اسم للأفعال المبطئة
عن الثواب(١).
والبهتان كما يقول القرطبى من البهت - بمعنى الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به الإِنسان
من كذب - وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برىء. وروى مسلم عن أبى هريرة
رضى الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّ قال. أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال. ذكرك أخاك
بما يكره قال. أفرأيت أن كان فى أخى ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم
یکن فیه فقد بهته. ثم قال القرطبی وهذا نص. فرمی البرىء بهت له. يقال. بهته بهتا وبهتانا
إذا قال عليه ما لم يفعله(٢).
والمعنى: ((ومن يكسب خطيئة)) أى ذنبا من الذنوب التى يرتكبها صاحبها عن استهانة لكثرة
تعوده على ارتكاب السيئات، أو يرتكب ﴿إثما﴾ من الآثام التى تبطئه عن رضا الله ورحمته ((ثم
يرم به بريئا)) أى: ينسبه إلى غيره من الأبرياء مع أنه هو الذى اقترفه ﴿فقد احتمل﴾ أى: فقد
تحمل بسبب فعله ذلك ﴿بهتانا﴾ أى كذبا يجعل من رمى به فى حيرة ودهشة، وتحمل أيضا ﴿إثما
مبينا﴾ أى ذنبا واضحا بينا لاخفاء فيه يؤدى به إلى غضب الله وسخطه.
قال الجمل وقوله (به) فى هذه الهاء أقوال :
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٠
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٨١

٣٠٤
المجلد الثالث
أحدها : أنها تعود على ﴿إثما﴾ والمتعاطفان بأو يجوز أن يعود الضمير على المعطوف كما فى هذه
الآية وعلى المعطوف عليه كما فى قوله - تعالى - ﴿وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها وتركوك
قائما ﴾.
الثانى : أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو (اعدلوا هو أقرب للتقوى) أى
العدل.
الثالث : أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو فإنه فى قوة ثم يرم بأحد
المذكورين(١).
وقال الفخر الرازى: واعلم أن صاحب البهتان مذموم فى الدنيا أشد الذم ومعاقب فى
الآخرة أشد العقاب. فقوله: ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم فى
الدنيا. وقوله ﴿وإثما مبينا﴾ إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم فى الآخرة(٢).
وبهذا نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد بينت مراتب العصاة أمام الله - تعالى وفتحت لهم باب
التوبة ليثوبوا إلى رشدهم، وتوعدت المصرين على معاصيهم بسوء المصير.
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على نبيه ويل فقال: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت
طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء﴾.
أى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بك - يا محمد - بأن وهبك النبوة، وعصمك من كيد
الناس وأذاهم، وأحاطك علما بما يبيتونه من سوء لولا ذلك ﴿لهمت طائفة منهم﴾ أى: من
هؤلاء الذين يختانون أنفسهم وهم طعمة وأشیاعه الذین دافعوا عنه، ومن كان على شاكلتهم فى
النفاق والجدال بالباطل ﴿أن يضلوك﴾ أى: لهمت طائفة من هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض أن
يضلوك عن القضاء بالحق بين الناس، ولكن الله - تعالى - حال بينهم وبين هذا الهم
بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن طريق الوحى.
وقوله ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ أى: أنهم بمحاولتهم إخفاء الحق والدفاع عن الخائن،
وتعاونهم على الإِثم والعدوان، ما يضلون إلا أنفسهم، لأن سوء عاقبة ذلك ستعود عليهم
وحدهم، أما أنت يا محمد فقد عصمك الله من شرورهم، وحماك من كل انحراف عن الحق
والعدل.
وقوله ﴿وما يضرونك من شىء﴾ معطوف على ما قبله. أى هم بمحاولتهم إخفاء الحق
(١) تفسير الجمل جـ ١ ص ٤٢٤
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٢٨

٣٠٥
سورة النساء
ما يضرونك بأى قدر من الضر. لأنك إنما قضيت بينهم بما هو الظاهر من أحوالهم، وهو الذى
تحكم بمقتضاه، أما الأمور الخفية التى تخالف الحق فمرجع علمها إلى الله وحده.
﴿ومن﴾ فى قوله ﴿من شىء﴾ زائدة لتأكيد النفى. وشىء أصله النصب على أنه مفعول
مطلق لقوله ﴿يضرونك﴾. أى: وما يضرونك شيئا من الضرر وقد جر لأجل حرف الجر
الزائد .
وقوله ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك
عظيما﴾ معطوف على قوله ﴿وما يضرونك من شىء﴾ لزيادة التقرير، ولزيادة بيان ما وهبه الله
- تعالى - لنبيه من خير ورعاية وعصمة أى: أن الله - تعالى - قد امتن عليك يا محمد بأن
أنزل عليك القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم، وأنزل عليك الحكمة أى العلم النافع الذى
يجعلك تصيب الحق فى قولك وعملك ((وعلمك ما لم تكن تعلم)) من أخبار الأولين والآخرين،
ومن خفيات الأمور، ومن أمور الدين والشرائع.
﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾ أى وكان فضل الله عليك عظيما عظمًا لا تحده عبارة،
ولا تحيط به إشارة.
فالآية الكريمة فيها ما فيها من التنويه بشأن الرسول وَل 9 ومن مظاهر فضل الله عليه ورحمته
به .
وبعد فإن المتأمل فى هذه الآيات الكريمة، ليراها تهدى الناس إلى ما يسعدهم فى كل زمان
ومکان متی اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها .
إنها تأمرهم فى شخص نبيهم ◌َّ أن يلتزموا الحق فى كل أقوالهم وأعمالهم، حتى ولو كان
الذى عليه الحق من أقرب الناس إليهم، وكان الذى له الحق من أعدى أعدائهم، وتنهاهم عن
الدفاع عن الخائنين الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وتبين لهم أن دفاعهم
عنهم لن يفيده أمام الله - تعالى -.
ثم تفتح للعصاة باب التوبة لكى يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى طاعة ربهم وتخبرهم أن شؤم
المعصية سيعود إليهم وحدهم ... وتنبههم إلى أن من أشد الذنوب عند الله - تعالى - أن
يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره.
ثم تسوق الآيات فى ختامها جانبا من فضل الله على نبيه ورحمته به، لکی يزداد ثباتا
واطمئنانا)) ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا.
وهكذا نرى الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذى لا يميل مع الهوى، ولا مع
العصبية. ولا يتأرجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان الذى عليه الحق ممن يظهرون الإِسلام

٣٠٦
المجلد الثالث
ويعاملون معاملة المسلمين، وكان الذى له الحق من اليهود الذين لم يتركوا مسلكا لمحاربة
الدعوة الإسلامية إلا سلكوه والذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك أنكروه
وحاربوه .
فهل رأيت - أخى القارىء - عدالة تقترب من هذه العدالة فى سموها ونقائها واستقامة
منهجها ؟
إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند الله، لأن البشر مهما استقامت طبائعهم،
فإنهم ليس فى استطاعتهم أن يصلوا إلى هذا المستوى الرفيع الذى تشير إليه الآيات، والذى
يكشف لكل عاقل أن هذا القرآن من عند الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
کثیرا﴾ .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لا خير فيه، وأن العاقل هو الذى
يحرص على القول النافع والعمل الطيب. وأن الذين يتبعون الطريق المخالف لطريق الحق
سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال - سبحانه - :
لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
أَبْتِغَاءَ مَرْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا () وَمَنْ
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَى وَ تُصْلِهِ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِیرًا
١١٥٠
وقوله - تعالى -: ﴿لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين
الناس﴾. إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من إخفاء الأقوال أو الأعمال التى فيها شر
ومضرة، ومن إعلان الأقوال أو الأفعال التى من ورائها خير ومنفعة. وقوله ﴿نجواهم﴾ أى :
مما يتناجى به الناس ويتكلمون فيه. والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة. يقال : نجوته نجوا

٣٠٧
سورة النساء
ونجوى وناجيته مناجاة. أى: ساررته بكلام على انفراد. وأصله : أن تعلو بمن تناجيه بسر
معين فى نجوة من الأرض. أى فى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله. وقيل : أصله من
النجاة، لأن الإِسرار بالشىء فيه معاونة على النجاة. وتطلق النجوى على القوم المتناجين كما فى
قوله - تعالى - ﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى﴾.
والضمير فى قوله ﴿من نجواهم﴾ يعود إلى الناس جميعا، ويدخل فيه أولئك الذين كانوا
يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا.
والمعروف - كما يقول الألوسى - هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أنواع البر
كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك. ويراد به هنا ماعدا الصدقة وماعدا ما أشير
إليه بقوله - تعالى - ﴿أو إصلاح بين الناس﴾(١).
والمعنى : لا خير فى كثير من الكلام الذى يتناجى فيه الناس، ويتحدثون به سرا، إلا فى
نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله، وينفع بها المحتاج إليها، أو من أمر غيره
بالإِكثار من أعمال البر، أو القيام بالإصلاح بين الناس المتخاصمين لكى يعودوا إلى ما كانوا
عليه من الألفة والإِخاء والصفاء.
قال الجمل: وقوله ﴿إلا من أمر﴾. فى هذا الاستثناء قولان :
أحدهما : متصل
والثانى : أنه منقطع. وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدعوى فتكون
بمعنى التناجى أى التحدث. وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا.
فعلى الأول يكون منقطعا، لأن من أمر ليس مناجاة، فكأنه قيل : لكن من أمر بصدقة ففى
نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا. وقوله ﴿إلا من أمر﴾. إما منصوب
على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا فى لغة الحجازيين. أو على أصل الاستثناء إن جعلته
متصلا. وإما مجرور على البدل من كثير، أو من نجواهم، أو صفة لأحدهما (١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجى المذموم ثلاث خصال هى جماع الخير،
وذلك لأن الصدقة التى يخرجها الإِنسان تكون سببا فى تزكية ماله، وحسن ثوابه، ونشر المحبة
والمودة بين الناس.
والتعبير بقوله ﴿إلا من أمر بصدقة﴾ يفيد الدعوة إليها، والحث على بذلها سرا ما دامت
المصلحة تقتضى ذلك.
(١) تفسير الكشاف جـ ٥ ص ١٤٤.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٢٤.

٣٠٨
المجلد الثالث
أما المعروف وهو النوع الثانى من التناجى المحمود فهو - كما يقول القرطبى لفظ يعم كل
أعمال البر. ففى الحديث الشريف (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه
طلق) وقال على بن أبى طالب: (لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر
بأضعاف جحود الجاحد).
وقال الماوردى : ينبغى لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة
عجزه، وليعلم أنه من فرض زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق
بالقدرة ففاتت فأعقبت ندما.
وروى عن النبى وَلّ أنه قال: لكل شىء ثمرة وثمرة المعروف السراح - أى التعجيل -
ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإِعجاب بفعله. لما فيهما من إسقاط الشكر،
وإحباط الأجر. قال بعض الشعراء :
أنه عندك مستور حقير
زاد معروفك عندى عظما
وهو عند الناس مشهور خطير (١)
تتناساه كأن لم تأته
والأمة التى يفشو فيها قول المعروف وفعله، تسودها السعادة، وتظلها المحبة والمودة والرحمة.
وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت
عزائمهم، ورسخ إيمانهم.
وقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن التخاصم
والتنازع يؤدى إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس. قال - تعالى -: ﴿إنما المؤمنون إخوة
فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تحض على الاصلاح بين الناس ومن ذلك
ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش قال : دخلنا على سفيان الثوری نعوده. قدخل
علينا سعيد بن حسان فقال له الثورى الحديث الذى كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على.
فقال: حدثتنى أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلطيار: ((كلام
ابن آدم كله عليه لا له. إلا ذكر الله - تعالى - أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر)). فقال
سفيان : أو ما سمعت الله فى كتابه يقول : ﴿لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
معروف أو إصلاح بين الناس﴾. فهو هذا بعينه.
وروى الجماعة - سوى ابن ماجه - عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله وَ ال
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣٨٤ بتصرف وتلخيص.

٣٠٩
سورة النساء
يقول: ((ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا)). وقالت: لم أسمعه
يرخص فى شىء مما يقوله الناس إلا فى ثلاث: فى الحرب. والإصلاح بين الناس. وحديث
الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن أبى الدرداء قال: قال رسول وَله: ((ألا أخبركم
بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. يا رسول الله !! قال إصلاح ذات
البين)). قال: ((وفساد ذات البين هى الحالقة))(١).
ففى هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الاصلاح بين الناس حتى يعيشوا فى أمان
واطمئنان .
وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التى أخرجها الله - تعالى - من التناجى المذموم هى جماع
الخير الإِنسانى والاجتماعى .
وقد أشار الإِمام الرازى إلى ذلك بقوله : هذه الآية وإن نزلت فى مناجاة بعض قوم ذلك
السارق مع بعض إلا أنها فى المعنى عامة. والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه
من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه - تعالى - ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع :
الأمر بالصدقة. والأمر بالمعروف. والاصلاح بين الناس.
وإنما ذكر الله - تعالى - هذه الأقسام الثلاثة، لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو
بدفع المضرة. أما إيصال الخير: فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال. وإليه
الإِشارة بقوله: ﴿إلا من أمر بصدقة﴾. وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن
تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة. ومجموعهما عبارة عن
الأمر بالمعروف. وإليه الإِشارة بقوله ﴿أو معروف﴾ وأما إزالة الضرر فإليها الإِشارة ﴿أو
إصلاح بين الناس﴾ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة فى هذه الآية(٢).
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال : ﴿ومن يفعل ذلك
ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيما﴾.
أى: ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، قاصدا بفعله
رضا الله وحسن مثوبته، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى -. وقال -
سبحانه - ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء فى صدر الآية. لأن المقصود
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٥٣
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٤

٣١٠
المجلد الثالث
الترغيب فى هذا الفعل الحسن، لأن الآمر بالخير إذا دخل فى زمرة الخيرين كان الفاعل أحرى
بالدخول فى زمرتهم.
وفى تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله، تحريض على إخلاص النية، لأن الأعمال
بالنيات، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ومحق بركتها.
والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع فى المستقبل. أى. فسوف نؤتيه أجرًا لا يحيط به نطاق
الوصف، ولن نبخسه شيئًا من حقه حتى ولو كان هذا الشىء بالغًا النهاية فى الصغر.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يسيرون فى طريق الباطل، ويتركون طريق الحق
فقال - تعالى -: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله
ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾.
وقوله ﴿يشاقق﴾ من المشاقة بمعنى المعاداة والمخالفة المقصودة. وهى من الشق لأن المخالف
كأنه يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر.
فقوله ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ أى: من يخالفه ويعاديه.
وقوله ﴿من بعد ما تبين له الهدى﴾ أى يخالفه ويعاديه من بعد ما اتضح له الحق، وقام لديه
الدليل على صحة دين الإِسلام.
وقوله ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ معطوف على يشاقق. أى: ويتبع طريقا غير طريق
الإِسلام التى سار فيها المؤمنون، واعتقدوا صحتها وسلامتها من كل سوء. من يفعل ذلك.
نوله ما تولى، أى نجعله - كما يقول الآلوسي واليًا لما تولاه من الضلال. أو نخل بينه وبين
ما اختار لنفسه من الضلال فى الدنيا. أو نكله فى الآخرة إلى ما اتكل عليه فى الدنيا وانتصر به
من الأوثان وغيرها.
قال صاحب المنار: والذى أريد توجيه الأذهان إلى فهمه هو أن هذه الجملة مبينة لسنة الله -
تعالى - فى عمل الإِنسان. ومقدار ما أعطيه من الإِرادة والاستقلال والعمل بالاختيار. فالوجهة
التى يتولاها فى حياته، والغاية التى يقصدها من عمله، يوليه الله إياها ويوجهه إليها. أى :
يكون بحسب سنته - تعالى - واليا لها وسائرا على طريقها. فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره
على ترك ما اختار لنفسه. ولو شاء - سبحانه - لهدى الناس أجمعين بخلقهم على حالة واحدة
فى الطاعة كالملائكة، ولكنه شاء أن يخلقهم على ما نراهم عليه الآن من تفاوت فى الاستعداد
والإِدراك وعمل كل فرد بحسب ما يرى أنه خير له وأنفع فى عاجله أو آجله أو فيهما
جميعا(١)
(١) تفسير المنار جـ ٥ ص ٤١٥.

٣١١
سورة النساء
وقوله ﴿ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ وعيد شديد لأولئك المخالفين لطريق الحق. وأصل
الصلى: إيقاد النار ولزومها وقت الاستدفاء. يقال صلى بالنار أى: بلى بها. وصليت الشاة :
شويتها وهى مصلية.
والمعنى: ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله فى الآخرة جهنم ليشوى فيها
كما تشوى الشاة، وساءت جهنم مكانا لمن صار إليها، وحل فيها.
قال ابن كثير: والذى عول عليه الشافعى يرحمه الله - فى الاحتجاج على كون الإجماع حجة
تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروى والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات
وأقواها. وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة على ذلك ... (١).
وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين قد بشرتا من يفعل الخير ابتغاء مرضاة الله بالأجر العظيم،
وأنذرتا من يخالف طريق أهل الحق بالعذاب الأليم، ﴿ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من
حى عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾
.
ثم حذر - سبحانه - من الشرك وتوعد المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله
بالعذاب المهين فقال - تعالى - :
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًاً
إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِإِلَّ إِنَثًا وَ إِن يَدْعُونَ
١١٦
إِلَّاّ شَيْطَنَا قَرِيدًا ) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَّأَتَّخِذَنَ
مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا () وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَّنِّيَنَّهُمْ
وَلَّ مُرَنَّهُمْ فَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ وَلَ مُمَّهُمْ
فَلَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٥.

٣١٢
المجلد الثالث
مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَا نَا مُبِينًا
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّغُرُورًا
أُوْ لَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا
١١٩
١٢٠
١٢١
ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿إن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. الآية: أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله وَليه
فقال: إنى شيخ منهمك فى الذنوب. إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به. ولم أتخذ
من دونه وليا، ولم أوقع المعاصى جراءة. وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا. وإنى لنادم
تائب. فما ترى حالى عند الله - تعالى -؟ فنزلت(١).
والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر سواء أكان هذا الكفر من أهل الكتاب أم من العرب أم
من غيرهم.
والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى
لمن يشاء أن يغفر له ممن اقترفها إذا مات من غير توبة. فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة
الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
وأما قوله ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر
الذنوب جميعا﴾. فمقيد بالمشيئة أى: يغفر الذنوب جميعا لمن شاء أن يغفر له. ومقيد أيضا
بما عدا الشرك. أى يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك فإنه لا يغفره لمن مات عليه.
ثم بين - سبحانه - سوء حال المشركين فقال : ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدًا﴾
والضلال هو السير فى غير الطريق الموصل إلى النجاة.
أى : ومن يشرك بالله - تعالى - بأن يعبد سواه، أو يجعل معه شريكا فى العبادة فقد سار فى
طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك، ويفضى به إلى العذاب المهين.
وهذه الآية قد مر الكلام مفصلا فى آية تشبهها من هذه السورة وهى قوله - تعالى - ﴿إن
الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد افترى إثما
عظيما﴾ (٢).
(١) تفسير الآلولسى جـ ٥ ص ١٤٧.
(٢) الآية رقم ٤٨.

٣١٣
سورة النساء
قالوا : وقد ختمت هذه الآية بقوله : ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ لأنها فى شأن
أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته وق9ّ وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع
ومع ذلك فقد حملهم الحسد على إنكار الحق، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم فى الكذب
والجرأة على الله.
وختمت الآية التى معنا بقوله - تعالى -: ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ لأنها
فى قوم مشركين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحيا، فأتاهم رسول الله ومطر بالهدى ودين الحق،
وميزلهم طريق الرشد من طريق الغى، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا واضحا عن
طريق الحق. وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم.
ثم فصل - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال : ﴿إِن يدعون من دونه إلا إناثا﴾ .
و﴿إن﴾ هنا هى النافية. ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى العبادة لأن من عبد شيئا فإنه
يدعوه عند احتياجه إليه.
والمراد بالإِناث : الأصنام التى كانوا يعبدونها من دون الله.
أى: أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما، أو ما ينادون من دون الله
لقضاء حوائجهم إلا أوثانًا لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.
وعبر عن الأصنام بالإِناث لأن المشركين سموا أكثر هذه الأصنام بأسماء الإِناث، كاللات
والعزى ومناة .
قال الحسن : كان لكل حى من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بنى فلان وكانوا
يزينونه بالحلى كالنساء.
وقيل : المراد بالإِناث هنا الملائكة، لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون عنها : بنات
الله. قال - تعالى - ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾.
وقيل : المراد بها هنا: الجمادات التى لا حياة فيها ومع ذلك يعبدونها.
قال أبو حيان : قال الراغب : أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير
.
فاعلة. فبكتهم الله أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلا من كل
وجه. وعلى هذا نبه إبراهيم - عليه السلام - أباه بقوله : ﴿يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر
ولا يغنى عنك شيئا﴾(١).
(١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٣ ص ٣٥٢.

٣١٤
المجلد الثالث
وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال : وأولى التأويلات التى ذكرت بتأويل ذلك تأويل من
قال : عنى بذلك الآلهة التى كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإِناث من
الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك.
1.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الأظهر من معانى الإِناث فى كلام العرب، ما عرف
بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه. فكأنه -
تعالى - يقول : فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه حجة عليهم فى
ضلالهم وكفرهم أنهم يعبدون إناثا. والإِناث من كل شىء أخسه. فهم يقرون للخسيس من
الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته ويمتنعون من إخلاص العبودية للذى ملك كل شىء
وبيده الخلق والأمر(١).
وقوله ﴿وإن يدعون إلا شيطانا مريدًا﴾ بيان لما دفعهم إلى الوقوع فى ذلك الضلال الذى
انغمسوا فيه.
ومريدًا. أى عاتيا متمردا بالغا الغاية فى الشرور والفساد.
قال الراغَب: والمارد والمريد من شياطين الجن والإِنس المتعرى من الخيرات. من قولهم
شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ومنه قيل رملة مرداء أى: لم تنبت شيئا. ومنه الأمرد لتجرده
عن الشعر(٢).
فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد. ومنه قوله - تعالى - ﴿صرح ممرد﴾ أى أملس. ووصف
الشيطان بالتمرد لتجرده للشر. وعدم علوق شىء من الخير به. أو لظهور شره ظهور عيدان
الشجرة المرداء.
والمعنى: إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما سموها بأسماء الإِناث،
وما يطيعون فى عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل خير، ومتعريا من كل فضيلة. فهذا
الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير الله فانقادوا له انقيادا تاما. وخضعوا له خضوعا لا مكان
معه لتعقل أو تدبر.
وقوله ﴿مريدًا﴾ صفة لشيطان. وقوله ﴿لعنه الله﴾ صفة ثانية. أى: طرده من رحمته طردا
مقترنا بسخط وغضب.
ثم حكى - سبحانه - أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم عن طريق الحق
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٣٨٠. بتصرف وتلخيص.
(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٤٦٦.

٣١٥
سورة النساء
فقال: ﴿وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا﴾ :
أى: أن الشيطان قال مؤكدا ومقسما لأتخذن من عبادك الذين هم من ذرية آدم، نصيبا
مفروضا. أى: لأجعلن لى منهم مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا، وهم الذين سأصرفهم عن
الطريق الحق، وسأجعلهم خاضعين لوسوستى ومنقادين لأمرى. وقوله ﴿لأتخذن﴾ من الاتخاذ
وهو أخذ الشىء على جهة الاختصاص. وقوله ﴿مفروضا﴾ من الفرض بمعنى القطع. وأطلق
هنا على العدد المعين من الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحى المؤمنين. فكل من أطاع
الشيطان من بنى آدم فهو نصيبه المقطوع منهم له.
وجملة ﴿وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا﴾ معطوفة على الجملة المتقدمة عليها. أى :
أن هؤلاء المشركين ما يطيعون فى عبادتهم لغير الله إلا شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله
- تعالى - له، وبين هذا القول الشنيع الصادر منه عند اللعن.
أما الأمر الثانى والثالث اللذان توعد الشيطان بهما بنى آدم فقد حكاهما - سبحانه - فى قوله
﴿ولأضلنهم ولأمنينهم﴾ أى: ولأضلنهم عن طريق الحق فأجعلهم يسيرون فى طريق الباطل إلى
نهايته، ولأمنينهم الأمانى الفارغة. بأن أجعلهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة، والأوهام
الفاسدة. والأطماع التى تسيطر على نفوسهم وعقولهم، وبذلك يكونون من جندى، ويخضعون
لأمری.
أما الأمر الرابع الذى توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه - سبحانه - فى قوله ﴿ولاً مرنهم
فليبتكن آذان الأنعام﴾.
قال الراغب : البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل فى قطع الاعضاء والشعر. يقال بتك
شعره وأذنه - أى قطعها أو شقها - ومنه سيف باتك أى قاطع للأعضاء. وأما البت فيقال فى
قطع الحبل(١).
وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا قطعوا أذنها أو شقوها شقا
واسعا علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها وجعلوها للطواغيت وسموها بحيرة أى
المشقوقة الأذن.
والمراد : أنه يأمرهم بعبادة غير الله وبالأمانى الباطلة. وبتقطيع آذان الأنعام تقربا للطواغيت
والأوثان فيسارعون إلى إجابته، وينقادون لوسوسته.
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٢٦ .

٣١٦
المجلد الثالث
أما الأمر الخامس الذى توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه - سبحانه - فى قوله ﴿ولآمرنهم
فليغيرن خلق الله﴾ .
قال ابن كثير: أى دين الله. وهذا كقوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر
الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ على قول من جعل ذلك أمرا أى: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا
الناس على فطرتهم. كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَ ل: ((كل
مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء. هل
تجدون بها من جدعاء؟))
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال: قال رسول الله وَله قال الله - تعالى -: ((إنى
خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت
لهم))(١).
وقال بعضهم : المراد بتغيير خلق الله تغيير الصور التى خلق الله عليها مخلوقاته، كفقأ عين
فحل الإِبل فى بعض الأحوال، وقطع الآذان، والوشم، وما يشبه ذلك مما كانوا يفعلونه فى
جاهليتهم اتباعا للشيطان.
وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق الله: تغيير دين الله فقال ما ملخصه: ((وأولى
الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول من قال : معناه : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، قال : دين
الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه وهى قوله : ﴿فطرة الله التى فطر الناس
عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم). وإذا كان ذلك معناه، دخل فى ذلك فعل كل
ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم مانهى عن وشمه، وغير ذلك من
المعاصى(٢).
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو مقاله حتى
يحذروه ويتخذوه عدوا لهم، لينالوا رضا الله ومثوبته.
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ﴿ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر
خسرانا مبينا﴾ .
أى: ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، بأن يتبع الشيطان ويواليه ويسير خلف
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٨٥.
(٢) تفسیر ابن کثیر جـ٥ ص ٢٨٥.

٣١٧
سورة النساء
وسوسته، ويترك طريق الحق والهدى، من يفعل ذلك يكن بفعله هذا قد خسر خسرانا واضحا
بينا، لأن الشيطان لا يسوق الإِنسان إلا إلى ما يهلكه ويخزيه فى الدنيا والآخرة، وسيقول لأتباعه
يوم ينزل بهم العقاب فى الآخرة ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى
عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومون ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم
وما أنتم بمصرخی﴾.
وقوله - تعالى - ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا﴾ تأكيد للتحذير السابق
من اتباع الشيطان.
أى: يعد الشيطان أولياءه بالوعود الباطلة، ويمنيهم بالأمانى الكاذبة، لكى يستمروا على
طاعته، والحال أن الشيطان ما يعدهم إلا بالأمور الخادعة التى ظاهرها يغرى وباطنها يردى.
قال القرطبى : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه والشيطان غرور، لأنه يحمل
على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء.
وقوله ﴿غرورا﴾ مفعول ثان للوعد، أو مفعول لأجله. أونعت لمصدر محذوف أى وعدا ذا
غرور.
وقوله ﴿أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا﴾ بيان لسوء مصير الذين انقادوا
للشيطان واتبعوا خطواته.
والمحيص : المهرب والملجأ. وهو اسم مکان أو مصدر میمی یقال حاص عنه يحیص حيصًا
وحيوصًا ومحيصا أى: عدل وحاد.
أى: أولئك الذين اتبعوا خطوات الشيطان وساروا فى ركابه، مستقرهم جميعا جهنم،
ولا يجدون ملجأ دونها يلتجئون إليه، أو مهربا يهربون منه لينجوا من عذابها، وإنما يبقون فيها
دون أن يتمكنوا من الخروج منها.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت أشد التحذير من الإِشراك بالله - تعالى - ومن
اتباع وساوس الشيطان وخداعه ووعوده الباطلة، وأمانيه الخادعة، وهددت كل من يهجر طريق
الرشد. ويسلك طريق الغى بالعذاب الشديد الذى لا مفر منه ولا مهرب.
* *
*
ثم عقب - سبحانه - ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين، الذين آمنوا بالله إيمانا حقا،
وابتعدوا عن كل مالا يرضيه فقال - سبحانه - :

٣١٨
المجلد الثالث
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا أَبَّا وَعْدَ
اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (٣) لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًايُجْزَبِهِ،
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١) وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١) وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (٢٠) وَلِلَّهِمَا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
◌ُحِيطَاً
وقوله - تعالى - ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. معطوف على قوله - تعالى - قبل
ذلك، ﴿أولئك مأواهم جهنم﴾ جريا على عادة القرآن فى تعقيب الإِنذار بالبشارة، والوعيد
بالوعد.
أى: والذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وقدموا فى حياتهم الأعمال الصالحات ((سندخلهم جنات
تجرى من تحتها الأنهار)) أى من تحت غرفها ومساكنها الأنهار ((خالدين فيها أبدا)) أى: مقيمين
فيها إقامة أبدية ((وعد الله حقا)) أى: واقعا لا محالة ما وعد الله به عباده الصالحين من نعم
بخلاف ما وعد الشيطان به أتباعه فإنه وعد كاذب باطل.
وقوله ﴿وعد الله﴾ منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة ﴿سندخلهم جنات تجرى من
تحتها الأنهار﴾ لأنها بمعناه فكأنه مؤكد لنفسه وقوله ﴿حقا﴾ منصوب بفعل محذوف أى : حق
ذلك حقا.

٣١٩
سورة النساء
والاستفهام فى قوله ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ للنفى. والقيل مصدر كالقول أى: هذا
ما وعد الله به عباده المؤمنين، وما وعد الله به عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة، لأنه لا أحد
أصدق من الله قولا. فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين
بالجنة .
وقوله ﴿قيلا﴾ منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله ﴿ومن أصدق من الله﴾ ثم بين -
سبحانه - أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإِيمان والعمل
الصالح فقال: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به. ولا يجد له من
دون الله وليا ولا نصيرا﴾.
والأمانى : جمع أمنية. وهى ما يتمناه الإِنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء متنوعة.
كحصوله على الخير الوفير فى الدنيا، وعلى الجنة فى الآخرة. وهى مأخوذة من التمنى.
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة : ذكر لنا أن المسلمين.
وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى
منكم. وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين. وكتابنا يقضى على الكتب
التى كانت قبله. فأنزل الله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب﴾. الآية.
وقال مجاهد: قالت العرب لن نبعث ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى ﴿لن يدخل
الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾. فأنزل الله - تعالى - ﴿ليس بأمانيكم). الآية(١).
والضمير فى قوله ﴿ليس﴾ يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ودخول
الجنة .
والخطاب لجميع الفرق التى حدث بينها تنازع فى شأن الدين الحق، وفى شأن ما يترتب على
ذلك من ثواب.
والمعنى : لیس ما وعد الله به من الثواب أو إدخال الجنة، أو لیس ما تحاورتم فيه حاصلا
بمجرد أمانيكم - أيها المسلمون - أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا
يحصل بالإِيمان الصادق، وبالعمل الصالح، وبالسعى والجد فى طاعة الله، فقد اقتضت سنة
الله - تعالى - أن من يعمل خيرا يجد خيرا، و﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ أى: من يرتكب
معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إلا إذا تاب، أو تفضل الله عليه بالمغفرة
إذا كان مؤمنا.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص٣٨٨.
•

٣٢٠
المجلد الثالث
وقد سار ابن كثير فى تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال: ((والمعنى فى هذه الآية
أن الدين ليس بالتحلى ولا بالتمنى، ولكن ما وقر فى القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من
ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى
يكون له من الله برهان؛ ولهذا قال: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب﴾.
أى ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمنى. بل العبرة بطاعة الله - سبحانه - واتباع
ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾. كقوله: ﴿فمن يعمل
مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾(١).
ومنهم من يرى أن الخطاب فى قوله ﴿ليس بأمانيكم﴾ للمسلمين.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله : فى ﴿ليس﴾ ضمير وعد الله أى: ليس ينال
ما وعد الله من الثواب ﴿بأمانيكم ولا﴾ بأمانى أهل الكتاب. والخطاب للمسلمين، لأنه
لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به. وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم فى الإِيمان
بوعد الله(٢).
ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : وأولى
الأقوال بالصواب فى ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله ﴿ليس بأمانيكم﴾. مشرکی قریش.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآى قبل قوله
﴿ليس بأمانيكم﴾ وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض فى قوله قبل ذلك.
﴿ولأمنينهم ولامرنهم﴾ وقوله ﴿يعدهم ويمنيهم﴾ فإلحاق معنى قوله - تعالى - ﴿ليس
بأمانيكم﴾ بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من
أثر الرسول ◌َلير(٢).
ومع وجاهة هذا الرأى الذى سار عليه ابن جرير، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من
أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن
الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهى أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى
والأحلام وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح.
وقوله ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ جملة مكونة من شرط وجزاء. والمراد بالسوء ما يشمل الكفر
والمعاصى. وقيل: المراد بالسوء هنا الكفر فقط.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٥٧.
(٢) تفسير ابن جرير جـ٥ ص ٢٩١ .