النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة النساء
كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل عليه ذلك. ودلت الآية على أنه
وُ ل لولم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد))(١).
وقوله: ﴿عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾ بشارة
للمؤمنين، ووعد منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة الكافرين. و﴿عسى﴾ حرف
ترج. وهو هنا يفيد التحقق واليقين، لأنه صادر عن الله - تعالى -، الذى لا يخلف وعده. وفى
التعبير بها تعليم للمؤمنين الأدب فى القول حتى لا يجزمون بأمر يتعلق بالمستقبل، بل يسددون
ويقاربون ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج لله - تعالى - والمعنى : قاتل يا محمد
فى سبيل الله وحرض المؤمنين على ذلك، عسى الله - تعالى - ﴿أن يكف بأس الذين كفروا﴾
أى يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم ﴿والله أشد بأسا﴾ أى أشد صولة وأعظم سلطانا، وأقدر
بأسا على ما يريده ﴿وأشد تنكيلا﴾ أى أشد عقوبة وتعذيبا.
والتنكيل : مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنكل به تنكيلا إذا أوجعته عقوبة،
وجعلته عبرة لغيره. وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد، ثم استعمل فى كل تعذيب بلغ الغاية
فى الشدة والألم.
وأفعل التفضيل ﴿أشد﴾ ليس على بابه، لأن بأس المشركين لا قيمة له بجانب بأس الله -
تعالى - وقوته ونفاذ أمره. وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا وزن له بجانب عذابه - سبحانه - .
للظالمین، لأن عذابهم لغیرهم يمكن التخلص منه أما عذابه - سبحانه - فلا يمكن التخلص منه
ولأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال، أما عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم
لا ینتھی ولا یزول.
والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على قتالهم،
وبشارتهم النصر عليهم:
قال القرطبى: قوله - تعالى - ﴿عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا﴾ إطماع، والإِطماع
من الله - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب ..
فإن قال قائل : نحن نرى الكفار فى بأس وشدة، وقلتم: إن عسی بمعنی الیقین فأين ذلك
الوعد؟ قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام. فمتی وجد ولو
لحظة مثلا فقد صدق الوعد؛ فقد كف الله بأس المشركين فى بدر الصغرى. وفى الحديبية وفى
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٢٠٤

٢٤٢
المجلد الثالث
غزوة الأحزاب حيث ألقى الله - تعالى - فى قلوب الأحزاب الرعب فانصرفوا دون أن ينالوا
خيرا ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾. فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين(١).
ثم رغب - سبحانه المؤمنين فى التوسط فى الخير، وحذرهم من التوسط فى الشر، فقال :
﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾
والشفاعة : هى التوسط بالقول فى وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو إلى إنقاذه
من مضرة. وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج فى العدد ضد الوتر. فكأن المشفوع له كان وترا
فجعله الشفيع شفعا.
والنصيب: الحظ من كل شىء. والكفل: الضعف والنصيب والحظ.
قال الجمل : واستعمال الكفل فى الشر أکثر من استعمال النصیب فيه وإن کان کل منهما قد
يستعمل فى الخير كما قال - تعالى - ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ ولقلة استعمال النصيب فى الشر
وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما فى الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع
الحسنة))(٢).
والمعنى : من يشفع شفاعة حسنة، أى يتوسط فى أمر يترتب عليه خير ﴿يكن له نصيب
منها﴾ أى: يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة. ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ وهى ما كانت فى
غير طريق الخير ﴿يكن له كفل منها﴾ أى: يكن له نصيب من وزرها وإثمها، لأنه سعى فى
الفساد ولم يسع فى الخير.
وإطلاق الشفاعة على السعى فى الشر من باب المشاكلة، لأن الشفاعة لا تطلق إلا على
الوساطة فى الخير.
والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم فى بيان جزاء كل شفاعة حسنة أو كل
شفاعة سيئة، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين فى أن يعاون بعضهم بعضا على
الجهاد فى سبيل الله، وفى انضمام بعضهم إلى بعض من أجل نصرة الحق، وتهديد المنافقين
الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكى يأذن لهم النبى و لر فى التخلف عن الجهاد. وقد رجح
هذا الاتجاه الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه :
يعنى - سبحانه - بقوله ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة
سيئة يكن له كفل منها﴾ من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك، فيشفعهم فى جهاد عدوهم
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٩٤ - بتصرف وتلخيص
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٠٧

٢٤٣
سورة النساء
وقتالهم فى سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة يكن له نصيب منها، أى يكن له من شفاعته تلك
نصيب، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته. ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين
به، فيقاتلهم وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها. يعنى بالكفل : النصيب والحظ من
الوزر والإِثم، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشىء يهيأ عليه شبيه
بالسرج على الدابة. يقال: جاء فلان مكتفلا: إذا جاء على مركب قد وطىء له ... وقد
قيل : إن الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيها
ذكر، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر.
وإنما اخترنا ما قلنا من القول فى ذلك؛ لأنه فى سياق الآية التى أمر الله نبيه فيها بحض
المؤمنين على القتال. فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله وَّر والوعيد لمن أبى إجابته أشبه
منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التى لم يجر لها ذكر قبل. ولا لها ذكر بعد(١).
وقوله ﴿وكان الله على كل شىء مقيتا﴾ تذييل قصد به تعريف الناس أنه - سبحانه -
سيجازى كل إنسان بعمله، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن فعل الشر.
ومقيتا : أى مقتدرا. من أقات على الشىء اقتدر عليه. ومنه قول الزبير ابن عبد المطلب :
وذى ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيًّا
أى: وكنت على رد إساءته مقتدرًا.
أو مقيتا : معناها حفيظا من القوت وهو ما يمسك الرمق من الرزق وتحفظ به الحياة :
والمعنى : وكان الله تعالى - ومازال على كل شىء مقتدرا لا يعجزه شيء، وحفيظا على أحوال
الناس لا يغيب عنه شىء من ذلك، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
هذا وقد وردت أحاديث متعددة فى الحض على الشفاعة الحسنة، ومن ذلك ما أخرجه
الشيخان عن أبى موسى الأشعرى قال: ((كان النبى وسلّ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه
فقال: ((اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب)).
قال صاحب الكشاف : والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر
أو جلب إليه خير، وابتغى بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت فى أمر جائز، لا فى حد
من حدود الله ولا فى حق من الحقوق - يعنى الواجبة عليه - والسيئة ما كانت بخلاف ذلك.
وعن مسروق: أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع له جارية. فغضب وردها. وقال :
لو علمت ما فى قلبك ما تكلمت فى حاجتك. ولا أتكلم فيما بقى منها))(٢).
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٨٦
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤٢.

٢٤٤
المجلد الثالث
وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بالشفاعة الحسنة ونهاهم عن الشفاعة السيئة، أتبح ذلك
بتعليمهم أدب اللقاء والمقابلة حتى تزيد المودة والمحبة بينهم فقال - تعالى -: ﴿وإذا حييتم
بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾.
والتحية : تفعلة من حييت؛ والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء فى الياء. قال
الراغب : أصل التحية من الحياة، بأن يقال حياك الله، أى: جعل لك حياة، وذلك إخبار ثم
جعل دعاء تحية. يقال: حيا فلان فلانا تحية إذا قال له ذلك(١).
وكان من عادة العرب إذا لقى بعضهم بعضا أن يقولوا على سبيل المودة : حياك الله فلما جاء
الإِسلام أبدل ذلك بالسلام والأمان بأن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم وأضيف
إليها الدعاء برحمة الله وبركاته.
قال ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ أى: إذا
سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم، أوردوا عليه بمثل ما سلم. فالزيادة مندوبة
والمماثلة مفروضة. فعن سلمان الفارسى قال: جاء رجل إلى النبي # فقال: السلام عليكم
يا رسول الله. فقال «وعليك السلام ورحمة الله)» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول
الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلجر: ((وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم جاء ثالث
فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له: (وعليك) فقال له الرجل :
یا رسول الله، بأبی أنت وأمی أتاك فلان وفلان فسلما علیك فرددت علیھما أکثر مما رددت على.
فقال (إنك لم تترك لنا شيئا) قال الله - تعالى -: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
ردوها﴾ فرددناها عليك. وفى الحديث دلالة على أنه لا زيادة فى السلام على هذه الصفة :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذ لوشرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله مَ ﴾(٢).
فأنت ترى أن الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن يردوا التحية على من يحيونهم وأن يفشوا هذه
التحية بينهم، لأن إفشاءها يؤدى إلى توثيق علاقات المحبة والمودة بين المسلمين.
وقد ورد فى الحض على إفشاء السلام أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى
هريرة قال: قال رسول الله وَله: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.
ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحابيتم؟ أفشوا السلام بينكم)).
وقوله ﴿إن الله كان على كل شىء حسيبا﴾ تذييل قصد به بعث الناس على امتثال أوامر الله
واجتناب نواهيه.
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٤٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣١.

٢٤٥
سورة النساء
أى: إن الله - تعالى - كان ومازال مهيمنا على عباده، بصيرًا بكل أقوالهم وأعمالهم،
لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أفعالهم،
وسيجازبهم عليها بما يستحقون ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا
يره﴾ .
وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذى يفعل ما أمره الله - تعالى - بفعله، ويجتنب ما أمره
الله - تعالى - باجتنابه.
هذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا فى كيفية السلام وفى فضله، وفى بعض أحكامه
المأثورة، فارجع إلى كلامهم إن شئت(١).
ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعًا إليه يوم القيامة فقال - تعالى - ﴿الله لا إله إلا هو
ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾.
أى: الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذى لا معبود بحق سواه، كتب على نفسه أنه
ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب فى يوم القيامة الذى لاشك فى حصوله ووقوعه.
فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هى لله رب العالمين، كما قررت أن يوم الحساب
آت لاشك فيه مهما أنكره الملحدون، ومارى فيه الممارون.
ولفظ الجلالة مبتدأ، وجملة ((لا إله إلا هو)) خبر. وقوله ﴿ليجمعنكم﴾ جواب قسم
محذوف. أى والله ليحشرنكم من قبوركم للحساب يوم القيامة. والجملة القسمية إما مستأنفة
لا محل لها من الإعراب، أو هى خبر ثان للمبتدأ أو هى الخبر وجملة لا إله إلا هو معترضة.
وقوله ﴿لاريب فيه﴾ فى محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير فى قوله (فيه) يعود إلى
اليوم. ويجوز أن يكون فى محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف دل عليه ليجمعنكم أى :
ليجمعنكم جمعا لاريب فيه.
والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ومن أصدق من الله حديثًا﴾ للإنكار والنفى أى: لا يوجد
فى هذا الوجود من هو أصدق من الله - تعالى فى حديثه وخبره ووعده ووعيده، وذلك لأن
الكذب قبيح، والله - تعالى - منزه عن كل قبيح. ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة، أو
لدفع مضرة، أو لجهله بقبح الكذب .. والله - تعالى - غنى عن كل شىء، وقدير على كل شىء
وخالق لكل شىء، ومن كان كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق
وعدل.
(١) راجع القرطبى جـ ٥ ص ٢٩٨. والألوسى جـ ٥ ص ٩٨. والفخر الرازى جـ١٠ ص ٢٠٨.

٢٤٦
المجلد الثالث
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن أحوال المنافقين، وبينت حكم الله - تعالى - فيهم،
ورسمت للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى :
فَمَا لَكُمْ فِى الْمُتَفِقِينَ
فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوَأْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُ واْ مَنْ
أَضَلَّ اَللَّهُ وَ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُسَبِيلًا (٥)، وَدُواْلَوَ
تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُ واْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ
حَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْفَُذُ وهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ
حَيْثُ وَجَدُ ثُمُوهُمٌ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيًّا
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍبَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُّ أَوْجَاءُ وَكُمْ
حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَائِلُوكُمْ أَوْيُقَائِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْشَآءَ
اللَّهُلَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوَكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ
٩٠
وَأَلْقَوْإِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
سَتَجِدُونَ ءَآخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ
مَارُدُوَاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُزْ كِسُواْ فِيهَا فَإِنِ لَّمْ يَعْتَزِ لُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمْ
السَّلَمَ وَيَكُفُواْأَيَدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ
تَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَمِّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا مُبِينًا (
٩١
أورد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿فما لكم فى المنافقين فئتين﴾ روايات أهمها
روايتان :

٢٤٧
سورة النساء
أولهما : أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة
أحد. وذلك أن رسول الله وَ لو خرج إلى أحد ومعه المسلمون. وفى الطريق رجع عبد الله بن
أبي بن سلول بثلث الناس وقالوا ﴿لو نعلم قتالا لا تبعناكم﴾ فاختلف أصحاب النبى وصالر فی
شأن هؤلاء المنافقين. فقال بعضهم: نقتلهم فقد كفروا.
وقال آخرون: لم يكفروا. فأنزل الله - تعالى - الآية. فقال رسول الله و ليه (إنها طيبة وإنها
تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد) :
أما الرواية الثانية : فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإِسلام بمكة إلا أنهم كانوا
يظاهرون المشركين. فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإِسلام
وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا : إن لقينا أصحاب
محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من
المؤمنين : اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى من
المؤمنين : سبحان الله : - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمن أجل
أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول اله
عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شىء، فنزلت: ﴿فما لكم فى المنافقين فئتين﴾.
وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ذكرها المفسرون(١).
ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع التاريخى، لأنه من
الثابت تاريخيا أن منافقى المدينة لم يرد أمر بقتالهم، وإنما استعمل معهم الرسول بهلل وسائل
أخرى أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿فلا تتخذوا منهم أولیاء
حتى يهاجروا﴾ يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة، وإنما المقصود بهم جماعة
أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من
غيرها إليها، لأنها دار الإِسلام، ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية.
وقد رجح الإِمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته الرواية الثانية فقال ما ملخصه : وأولى
الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية فى اختلاف أصحاب رسول اللّه فى
قوم كانوا قد ارتدوا عن الإِسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن
قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا﴾ أوضح دليل على أنهم كانوا
من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله إلى داره ومدينته من سائر أرض
(١) راجع الآلوسى جـ ٥ ص ١٠٧ وتفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٢٨١

٢٤٨
المجلد الثالث
الكفر. فأما من كان من المدينة فى دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه
فرض هجرة(١).
والفاء فى قوله ﴿فما لكم﴾ للتفريع على ما تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم أو هى للافصاح
و ((ما)) مبتدأ و((لكم)) خبره.
قال الجمل: وقوله ((فى المنافقين)) فيه ثلاثه أوجه :
أحدها : أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو ((لكم)) أى : أى شىء كائن لكم أو مستقر لكم فى
أمر المنافقين.
والثانى : أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه فى قوة : ما لكم تفترقون فى أمر المنافقين فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثالث : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره :
فئتين مفترقتين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا. وقوله ((فئتين)) حال
من ضمير ((لكم)) المجرور والعامل فيه الاستقرار أو الظرف لنيابته عنه ... (٢).
والاستفهام لإِنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع
أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.
والمعنى : لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم
ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو
حالهم فما الذى سوغ لكم أن تختلفوا فى شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم،
وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين
أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذى رضيه
الله - تعالى.
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن
تتركوا الخلاف فى شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإِيمان.
ومنغمسون فى الضلال والبطلان.
وقوله ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾ حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإِنكار السابق أى: لم
تختلفون - أيها المؤمنون - فى شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٩٤
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٠٨

٢٤٩
سورة النساء
إلى الكفر بعد الإِيمان بسبب أقوالهم الأثيمة، وأعمالهم القبيحة.
وقوله ﴿أركسهم﴾ من الركس وهو رد أول الشىء على آخره. يقال: ركس الشىء يركسه
ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد.
والاستفهام فى قوله ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾ للإنكار على من أحسن الظن بأولئك
المنافقين.
أى: أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة
المهتدين، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى،
وآثروا الغى على الرشد.
وقوله ﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾ أى: ومن يكتب الله عليه الضلالة، فلن تجد
أحدًا يهديه ويرشده، لأن قضاء الله لا يتبدل، وقدره لا يتخلف ..
وقوله - تعالى - ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان
غلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديهم لإِضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم فى أنفسهم.
أى: أن هؤلاء المنافقين الذين يحسن الظن بهم بعضكم - أيها المؤمنون - لا يكتفون
بكفرهم فى أنفسهم بل هم يتمنون ويودون كفركم مثلهم بحيث تكونون أنتم وهم متساوين فى
الكفر والنفاق، وإذا كان هذا هو حالهم فكيف تطمعون فى إيمانهم؟ وكيف تحسنون الظن بهم؟
و﴿لو﴾ فى قوله ﴿ودوا لو تكفرون﴾ مصدرية. أى تمنوا كفركم. وقوله ﴿كما كفروا﴾ نعت
المصدر محذوف: أى تمنوا أن تكفروا كفرًا مثل كفرهم.
وقوله ﴿فتكونون سواء﴾ معطوف على قوله ﴿لو تكفرون﴾ ومفرع عليه. أى: ودوا لو
تكفرون فتكونون مستوين معهم فى الضلال والكفر والنفاق.
وما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله ﴿أتريدون أن تهتدوا من أضل الله﴾
وفى جانب محاولة المنافقين بالود؛ لأن الإِرادة ينشأ عنها الفعل. فالمؤمنون يستقربون حصول
الإِيمان من المنافقين، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس وعقولهم. والمنافقون يعلمون أن
المؤمنين لا يرتدون عن دينهم، ويرونهم متمسكين به غاية التمسك، فلم يكن طلبهم تكفير
المؤمنين إلا كلون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه، فعبر عنه بالود المجرد، أى ودوا ذلك ولکنه
ود بعيد التحقق.
وقوله ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله﴾ نهى من الله - تعالى - للمؤمنين
عن موالاة المنافقين حتى يصدر منهم ما يدل على إقلاعهم عن النفاق والضلال.

٢٥٠
المجلد الثالث
والفاء فى قوله : ﴿فلا تتخذوا﴾ للإِفصاح عن شرط مقدر. والتقدير إذا كان هذا هو شأن
المنافقين فلا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا منهم أولياء أو نصراء أو أصدقاء حتى
تتحقوا من إسلامهم بأن يهاجروا من أجل إعلاء كلمة الله من دار الكفر التى يقيمون فيها
ويناصرون أهلها إلى دار الإِيمان التى تقيمون فيها، وينضمون إليكم لنصرة الحق، ودفع
الظلم .
قال الفخر الرازى ما ملخصه: (دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين
والمشتهرين بالزندقه لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأنه هو الأمر الذى
به يتقرب إلى الله، ويتوسل به إلى السعادة ... وإذا كان الأمر كذلك، امتنع طلب المحبة
والولاية فى الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة
بعد الإِسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن أسلموا لم يكن
بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة. ونظيره قوله - تعالى - ﴿ما لكم من ولايتهم من شىء حتى
يهاجروا﴾.
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى الحديث
الشريف: ((أنا برىء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين. وأنا برىء من كل مسلم مع
مشرك)). فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن عباس
عن رسول الله وَلير أنه قال يوم فتح مكة ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)). وروى عن
الحسن أن حكم الآية ثابت فى كل من أقام فى دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإِسلام
قائما)(١).
وقوله : ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا﴾
بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم.
والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله -تعالى- فلا تعتبروا
إسلامهم، بل خذوهم فى الأسر، وضيقوا عليهم (واقتلوهم حيث وجدتموهم) لأنهم أعداء
لكم ﴿ولا تتخذوا منهم﴾ فى هذه الحالة ﴿وليًّا﴾ توادونه وتصادقونه ﴿ولا نصيرًا﴾ تنتصرون به
على أعدائكم، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان
كما قال - تعالى - ﴿لوخرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾.
فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل أولئك المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتنهاهم عن
اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٢٢١.

٢٥١
سورة النساء
وقوله : ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ استثناء من الضمير المنصوب فى
قوله ﴿فخذوهم واقتلوهم﴾.
وقوله ﴿يصلون﴾ بمعنى يلتجئون ويتصلون. الميثاق العهد الموثق.
* والمعنى : أن الله - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا وتقتلوا أولئك المنافقين
الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم، وينهاكم عن
موالاتهم وعن الاستعانة بهم، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم
وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار
حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.
وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فقيل :
هم الأسلميون، كان رسول الله وَلاير، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى
على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذى
لهلال. وقيل هم بنو بكر بن زيد. وقيل هم خزاعة(١).
وقوله : ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ عطف على صلة
الذين وهو قوله ﴿يصلون﴾.
ومعنى حصرت : ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ضيق الكلام على المتكلم.
ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق.
أى: خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم، ولا تأخذوا ولا تقتلوا
الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم
وقد ضاقت نفوسهم، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت
نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم
أو ذوى أرحامهم.
فأنت ترى أن الاستثناء فى قوله ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم﴾ قد أخرج من الأخذ والقتل
فريقين من الناس :
الفريق الأول: هو الذى ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين
المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم فى الأمان.
والفريق الثانى: هو الذى جاء إلى المؤمنين، مسالما وترك قومه، إلا أنه فى الوقت نفسه يكره
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٠٨.

٠ ٢٥٢
المجلد الثالث
أن يقاتل المسلمين لحبه لهم. ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم
للحقه الضرر فى ماله أو ذريته.
وقوله : ﴿حصرت صدورهم﴾ فى موضع نصب على الحال بتقدیر قد كما يرى بعضهم.
وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها، لأنه قد جاء الفعل الماضى حالا بغيرها كثيرًا.
وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل ﴿جاءوا﴾ أى: جاءوكم حالة كونهم
حصرت صدورهم .
وقوله : ﴿أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ مجرور بحرف جر مقدر أى : حصرت صدورهم
عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم. أو هو فى محل نصب على أنه مفعول لألأجله. أى حصرت
صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم.
والمراد بالفريق الثانى بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم عن الحسن أن سراقة بن مالك
المدلجى حدثهم فقال: لما ظهر النبى وَّر على أهل بدر وأسلم من حولهم، قال: بلغنى أنه يريد
أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومى بنى مدلج. فأتيته فقلت : أنشدك النعمة. بلغنى أنك تريد
أن تبعث إلى قومى. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا فى الإِسلام. وإن
لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله وَّل بيد خالد فقال: اذهب معه
فافعل ما يريد. فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله وَّ وإن أسلمت قريش أسلموا
معهم، فأنزل الله الآية(١).
وقوله ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ بيان لمظهر من مظاهر فضل الله ورعايته
للمؤمنين .
أى: ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم، وجرأهم عليكم، وجعلهم
يبرزون لقتالكم صفا واحدا، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، بل ألقى الرعب فى صفوف
أعدائكم، وجعل منهم من يسالمكم ويأتى إليكم موادعا.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت :
ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم. ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم
يقذفه. فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط(٢).
وقال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم﴾ تسليط الله المشركين على.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٣
: (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤٨

:
٢٥٣
سورة النساء
المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصى.
وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى - ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين
ونبلو أخباركم﴾ وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾. ولله
أن يفعل ما يشاء وبسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء.
ووجه النظم والاتصال بما قبل. أى: اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا
وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين
جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم
فلا تقتلوهم))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم
فما جعل الله لكم عليهم سبيلا).
أى: أن هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - من الأخذ والقتل، اقبلوا مسالمتهم إن اعتزلوا
قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا إليكم السلم، أى: إذا انقادوا
للصلح والأمان ورضوا به. وهم متى فعلوا ذلك ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ أى:
فما أذن الله لكم فى أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم.
وعبر بقوله ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ بدل السلام، للاشارة إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن
والسلام، لأن السلم يفيد معنى التسليم، فهم ألقوا إليكم قیادهم واستسلموا لأمركم، ودخلوا
فى طاعتكم.
وفى نفى أن يكون هناك سبيل عليهم، مبالغه فى عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا انتفى
الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى.
هذا، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية
سورة التوبة وهى قوله - تعالى - ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموههم
وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾.
قال الجمل : معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية منسوخة بآية السيف - وهى قوله
((فإذا انسلخ الأشهر الحرم. الآية)) وذلك لأن الله - تعالى - لما أعز الإِسلام وأهله أمر أن
لا يقبل من مشركى العرب إلا الإسلام أو القتال))(٢).
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣١٠
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٤١٠.

٢٥٤
المجلد الثالث
ثم بين - سبحانه - صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم من المنافقين المخادعين، الذين
لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا، ولا يمدون أيديهم إلى أهل الحق إلا بالسوء فقال - تعالى - :
﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾.
أى: ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم لكم،
﴿يريدون﴾ بإظهارهم للإسلام ﴿أن يأمنوكم﴾ على أنفسهم، ویریدون بإظهارهم للكفر ﴿أن
يأمنوا قومهم﴾ من الأذى، ومن صفات هؤلاء المخادعين أنهم ﴿كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا
فيها﴾ أى: كلما دعوا إلى الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع، وزجعوا إليها
منكوسين على رءوسهم.
قال ابن جرير: عن مجاهد قال: هم ناس كانوا يأتون النبى صل﴿ فيسلمون رياء ثم يرجعون
إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا
ويصلحوا))(١).
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين فقال : ﴿فإن لم
يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. وأولئكم
جعلنا لكم عليها سلطانا مبينًا﴾.
أى: أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء، ويلقوا إليكم الأمان
والانقياد، ويمتنعوا عن العدوان عليكم، إن لم يفعلوا ذلك فخذوهم أسرى، واقتلوهم حيث
﴿ثقفتموهم﴾ أى: وجدتموهم وظفرتم بهم. يقال ثقفت الرجل فى الحرب اثقفه، إذا أدركته
وظفرت به وقوله ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾ أى أولئك الذين وصفتهم لكم
جعل الله لكم حجة واضحة فى أخذهم وقتلهم، بسبب ظهور عداوتهم، وانكشاف غدرهم،
وتذبذبهم بين الإِسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة.
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الأربعة الكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين كيف تكون
علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين.
فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا واحدا ورأيا
واحدا، فلا يدافعون عنهم ولا يحسنون الظن بهم، ولا يولونهم ولا يستعينون بهم، حتى
يهاجروا فى سبيل الله، فإن امتنعوا عن الهجرة حل أخذهم وقتلهم.
وتأمرهم - ثانيًا - بأن يسالموا - إلى حين - قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد
.(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٠١

٢٥٥
سورة النساء
وأمان، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو قتال قومهم،
وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين.
وتأمرهم - ثالثا - بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين والذين بلغ بهم
الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإِسلام، فإذا ما عادوا إلى مكة أو إلى قومهم
أظهروا الكفر، وكانوا مع قومهم ضد المسلمين.
وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس الذين
يخالفونهم فى عقيدتهم.
وبعد هذا الحديث الحكيم الذى بين الله - تعالى - فيه أحوال المنافقين، وصفاتهم الذميمة،
وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم فى العقيدة، بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان حكم
القتل الخطأ، وحكم القتل العمد فقال - تعالى - :
وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا وَ مَن قَثَلَ
مُؤْمِنَا خَطًَّا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى
أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُ وٌّلَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَخْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ
مِن قَوّمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَّةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ هُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا وَغَضِبَ
اُللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّ لَّهُ عَذَابًا عَظِيمًا

٢٥٦
المجلد الثالث
روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا
إلا خطأ﴾ .. الآية ومن أشهر هذه الروايات ما جاء عن مجاهد وغيره أنها نزلت فى عياش بن
أبى ربيعه، وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكى يترك الإِسلام، فأضمر عياش قتل ذلك
الرجل. ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم عياش بإسلامه. فلما لقيه فى يوم من الأيام ظن
عياش أن الرجل مازال مشركا فقتله. فلما علم بإسلامه أتى النبى ول# فقال: يا رسول الله،
قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل الله الآية (١).
والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول كل من قتل غيره
خطأ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والنفى فى قوله - تعالى - ﴿وما كان﴾ ليس لنفى الوقوع، لأنه لو كان كذلك ما وقع قتل
على سبيل الخطأ أبدًا، وإنما النفى بمعنى النهى وعدم الجواز.
وقد أشار القرطبى إلى ذلك بقوله: قوله - تعالى - ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا
إلا خطأ﴾ هذه آية من أمهات الأحكام. والمعنى ما ينبغى لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ،
فقوله: ﴿وما كان﴾ ليس على النفى وإنما هو على التحريم والنهى كقوله: ﴿وما كان لكم أن
تؤذوا رسول الله﴾ ولو كانت على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، لأن ما نفاه الله فلا يجوز
وجوده فهو كقوله - تعالى - ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ فلا يقدر العياد أن ينبتوا شجرها
أبدا. ثم استثنى استثناء منقطعًا ليس من الأول وهو الذى يكون فيه ((إلا)) بمعنى لكن.
والتقدير: ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا. والخطأ : اسم من أخطأ خطأ
وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإِخطاء. ويقال لمن أراد شيئًا ففعل
غيره: أخطأ. ولمن فعل غير الصواب: أخطأ))(٢).
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت. بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له. أى:
ما ينبغى له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا بمعنى : لا يقتله فى
حال من الأحوال إلا فى حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر أى: إلا قتلا خطأ. والمعنى، أن
من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البته، إلا إذا وجد منه خطأ من غير
قصد، بأن يرمى كافرا فيصيب مسلما. أو يرمى شخصًا على أنه كافر فإذا هو مسلم(٣).
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ فقال : ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية
مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٤ بتصرف يسير.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣١٢.
(٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤٨.

٢٥٧
سورة النساء
قوله ﴿فتحرير﴾، التحرير: الإِعتاق وهو تفعيل من الحرية. أى جعل الرقبة حرة. وهو
مبتدأ محذوف الخبر أى: فعليه تحرير رقبة مؤمنة.
وقوله : ﴿ودية﴾ الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه. وهى مأخوذة من الودى
كالعدة من الوعد. يقال: ودى القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه المال الذى هو بدل
النفس. وسمى المال دية تسمية بالمصدر.
والمعنى : أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن، لأن ذلك محرم تحريمًا
قاطعًا، لكن إن وقع منه القتل له على سبيل الخطأ فإن دم القتيل لا يذهب هدرا، بل على من
قتل أخاه المؤمن خطأ ((تحرير رقبة مؤمنة)) أى: إعتاق نفس مؤمنة، وعليه كذلك ﴿دية مسلمة
إلى أهله﴾ أى: مؤداة إلى ورثة القتيل عوضًا لهم عما فاتهم من قتيلهم. وقوله ﴿إلا أن
يصدقوا﴾ أى إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل، بأن يتنازلوا عنها له على سبيل
العفو والصفح .
وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير فى قوله ﴿فتحرير رقبة﴾ للاشعار بأن الحرية للعبيد
مقصد من مقاصد الإِسلام، وأن شريعته قد أوجبت على أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا
فى بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر عدد من الرقاب.
والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء. وكان التعبير بذلك للاشارة إلى
أن الرق غل معنوى فى الرقاب، وأن المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى يبذل قصارى جهده فى
فك الرقاب من قيدها.
وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة، إذ الإِسلام يحرص على تحرير الأرقاء
المؤمنين دون الكافرين.
قال ابن كثير: وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت صغيرة أم كبيرة فقد
أخرج الإِمام أحمد عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إن علىّ عتق
رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله ويلية: (( أتشهدين أن لا إله
إلا الله؟ قالت : نعم. قال: أتشهدين أنى رسول الله؟ قالت : نعم قال : أتؤمنين بالبعث بعد
الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها))(١).
ويرى بعضهم أنه لا تجزىء إلا الرقبة المؤمنة التى صلت وعقلت الإِيمان، أما الصغيرة فإنها
لا تجزىء.
-
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٤

٢٥٨
المجلد الثالث
وقوله ﴿ودية﴾ معطوف على ((فتحرير)) وقوله ﴿مسلمة﴾ صفة لدية. وقوله ﴿إلى أهله﴾
متعلقة بمسلمة .
قال القرطبى ما ملخصه : ولم يعين الله فى كتابه ما يعطى فى الدية، وإنما فى الآية إيجاب
الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة.
والعاقلة: قرابات الرجل من جهة أبيه وهم عصبته ..
وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله و لو بأن الدية مائة من الإِبل. ووداها ◌َّ فى عبد الله بن
سهل المقتول بخيبر فكان ذلك بيانا على لسان النبى وَ لو لمجمل الكتاب واختلفوا فيما يجب على
غير أهل الإِبل، فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف
درهم .
وقد ثبتت الأخبار عن النبى وَّر أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة. وأجمع أهل العلم على
القول به (١).
ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى
· بحجر فقتلتها، وما فى بطنها. فاختصموا إلى رسول الله وَلل فقضى أن دية جنينها غرة : عبد
وأمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها(٢).
قالوا: وإنما كانت دية القتل الخطأ على العاقلة، لأن القاتل لو دفعها لأوشكت أن تأتى على
جميع ماله، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة وتعاونها. وإذا كان القاتل فقيرا وأسرته
فقيرة، فإن دية المقتول تكون على بيت مال المسلمين، حتى لا يهدر دم القتيل.
قال القاسمى : تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول والفروع(٣).
لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه.
ولا وجه لإِهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهى العصبية، لأن
الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال (٤).
والتعبير عن أداء الدين بقوله ﴿مسلمة إلى أهله﴾ يومىء إلى وجوب حسن الأداء بأن تسلم
هذه الديه إلى أسرة القتيل بكل سماحة ولطف جبرا لخاطرها عما أصابها.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٣١٥
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٣٥
(٣) هذا رأى الشافعى ورواية عن أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد فى أظهر روايتيه بدخول الأصول والفروع فى
العاقلة .
(٤ ) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٤٤٦

٢٥٩
سورة النساء
والمراد بقوله ﴿إلا أن يصدقوا﴾ أى: إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو
والصفح .
وعبر عن ذلك بقوله ﴿يصدقوا﴾ للإشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه بمنزلة الصدقة
التى لهم ثوابها الجزيل عند الله - تعالى - لاسيما إذا كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم
أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة بأولياء القاتل وشفقة عليهم، وفى الحديث الشريف ﴿كل
معروف صدقة﴾ .
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال ﴿فإن كان من قوم عدو
لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾.
أى: فإن كان المقتول خطأ ﴿من قوم عدو لكم﴾ أى محاربين لكم، ﴿وهو مؤمن﴾ أى وكان
المقتول مؤمنا ولم يعلم به القاتل، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم، أو أتاهم بعد أن
فارقهم لأمرمن الأمور، فعلى القاتل فى هذه الحالة ﴿تحرير رقبة مؤمنة﴾ كفارة عن هذا القتل
الخطأ، وليس عليه دية، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار، ولأن دفع
الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن ندفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا.
روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: كان الرجل يأتى النبى وَلّ ثم يرجع إلى قومه وهم
مشركون. فيصيبه المسلمون فى سرية أو غزوة. فيعتق الذى يصيبه رقبة.
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد
وميثاق فقال - تعالى -: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير
رقبة مؤمنة﴾ .
أى : وإن كان المقتول خطأ ﴿من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أى: من قوم بينكم وبينهم -
أيها المؤمنون - عهد من هدنة أو أمان وهم على دينهم وأنتم على دينكم، فعلى القاتل فى هذه
الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل، لأن حكمهم كحكم المسلمين، وعليه كذلك ﴿تحریر
رقبة مؤمنة﴾ لتكون كفارة له عند الله، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء فى
صدر الآية، للإِشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل فى دفعها إلى غير
المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جعل الحكم فى قتل المعاهد كالحكم فى قتل المسلم من الدية
وتحرير الرقبة، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا المسلم الذى هو فى قوم معاهدين وأن
الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية: وإن كان أى المقتول المؤمن ﴿من قوم﴾ كفار

٢٦٠
المجلد الثالث
بينكم وبينهم ميثاق، فعلى قاتله دية ﴿مسلمة إلى أهله﴾ من أهل الإِسلام إن وجدوا، ولا تدفع
إلى ذوى قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين، اذ لا يرث الكافر المؤمن.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه لو كان المراد بالمقتول خطأ هنا القتيل
المسلم لكان مكررا ولما كان هناك معنى لإفراده اذ حكمه يكون داخلا فى قوله - تعالى - فى
صدر الآية ((ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)). فلما أفرده -
سبحانه - بالذكر علمنا أن المقصود بالقتيل هنا من قتل خطأ من قوم كفار بيننا وبينهم ميثاق
سواء أكان المقتول على ديننا أم على دينهم.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذا الوجه ولم يذكر سواه فقال : ﴿وإن كان من قوم﴾ - أى :
وإن كان المقتول من قوم - كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من
الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين))(١). ومن العلماء أيضا من يرى أن دية المسلم
والكافر سواء ومنهم من يرى غير ذلك.
وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الرأيين بقوله : قوله - تعالى - ﴿وإن كان من قوم بينكم
وبينهم ميثاق﴾. الآية، أى: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم. فإن
كان مؤمنا فدية كاملة وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل يجب فى الكافر
نصف دية المسلم وقيل ثلثها كما هو مفصل فى كتب الأحكام(٢).
ثم يبين - سبحانه - الحكم عند عدم استطاعة إعتاق الرقبة فقال : ﴿فمن لم يجد فصيام
شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليما حكيما﴾.
أى: فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها فعليه فى هذه الحالة صيام شهرين متواصلين فى أيامهما،
لا يفرق بينهم فطر، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين، إلا أن يكون
الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم.
وقوله - ﴿توبة من اللّه﴾ مفعول لأجله والتقدير: أى شرع الله لكم ذلك توبة منه أى قبولا
لها ورحمة بكم. من : تاب الله على فلان إذا قبل توبته.
وهذه التوبة ليست من إثم القتل الخطأ، لأن الإِثم مرفوع عن المخطىء كما فى الحديث
الشريف ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبت والتحقق، ولكى يكون المسلم يعد ذلك متذكرًا
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٥٠.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٣٥.