النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة النساء
أعدائكم؛ فقاتلوهم بدون خوف أو وجل منهم لأن الله معكم بنصره وتأييده أماهم فالشيطان
معهم بضعفه وفجوره.
والمراد بكيد الشيطان تدبيره ووسوسته لأتباعه بالاعتداء على المؤمنين وتأليب الناس عليهم.
قال الفخر الرازى: الكيد : السعى فى فساد الحال على جهة الاحتيال عليه، يقال : كاده
يكيده إذا سعى فى إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. وفائدة إدخال ﴿كان﴾ فى قوله ﴿كان
ضعيفا﴾ للتأكيد لضعف كيده، يعنى أنه منذ كان، كان موصوفا بالضعف والذلة(١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاث قد شجعت المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب، وأشرف
دافع، وأنبل غاية، فقد أمرتهم بالقتال إذا كانوا حقا من المؤمنين، الذين يشرون الحياة الدنيا
بالآخرة، وبشرتهم برضا الله وحسن ثوابه سواء أقتلوا أم غلبوا واستنكرت عليهم أن يتثاقلوا
عن القتال مع أن كل دواعى الدين والشرف والمروءة تدعوهم إليه، وبينت لهم أنه إذا كان
الكافرون الذين الغاية من قتالهم نصرة الشيطان يقدمون على القتال، فأولى بالمؤمنين الذين
الغاية من قتالهم نصرة الحق أن ينفروا خفافا وثقالا للجهاد فى سبيل الله، ثم بشرتهم فى النهاية
بأن العاقبة لهم، لأن الكافرين يستندون إلى كيد الشيطان الضعيف الباطل، أما المؤمنون
فيأوون إلى جناب الله الذى لا يخذل من اعتصم به، ولا يخيب من التجأ إليه.
وبعد هذا التحريض الشديد من الله - تعالى - للمؤمنين على القتال فى سبيله، حكى -
سبحانه - على سبيل التعجيب حال طائفة من ضعاف الإِيمان، كانوا قبل أن يفرض القتال
عليهم يظهرون التشوق إليه. وبعد أن فرض عليهم جبنوا عنه، وقد وبخهم الله - تعالى -
على هذا المسلك الذميم، فقال - سبحانه - :
أَمْتَّ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُواْأَيَدِيَّكُمْ
وَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ
. مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْبَةِ الَّهِ أَوْأَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُواْرَبَّنَا لِمَ
كَثَبَتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْ نَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا
قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمِنْ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا (٥) أَيْنَمَا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٨٤

٢٢٢
المجلد الثالث
تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ
هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ اَلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(٨) مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَمِنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن
سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ وَأَرْ سَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِلِّشَهِيدًا
٧٩١
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ مَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْتَكَ
٨٠
عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
والإستفهام فى قوله - تعالى - ﴿ألم تر﴾ للتعجيب من حال أولئك الذين كانوا يظهرون
التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه.
وقوله ﴿كفوا أيديكم﴾ من الكف بمعنى الامتناع أى: امتنعوا عن مباشرة القتال إلى أن
تؤمروا به.
والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابة إلى حال أولئك الذين كانوا
يظهرون شدة الحماسة للقتال، فقيل لهم ﴿كفوا أيديكم﴾ أى: عن القتال لأنكم لم تؤمروا به
بعد ﴿وأقيموا الصلاة﴾ فإن الصلاة تخلص النفس من أدران المآثم، وتجعلها تتجه إلى الله
وحده ﴿وآتوا الزكاة﴾ فإن الزكاة تطهر النفوس من الشح والبخل، وتربط بين الناس برباط
المحبة والتعاون.
ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال : ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا
فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾.
أى: فحين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت للمسلمين دولة بالمدينة،
حين حدث ذلك، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم، وضعف يقينهم، وارتابت قلوبهم -
﴿يخشون الناس﴾ أى يخافونهم خوفا شديدا ﴿كخشية الله أو أشد خشية﴾ أى: يخافون من
الكفار أن يقتلوهم كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه، أو أشد من ذلك.
فالمراد بالناس فى قوله ﴿يخشون الناس﴾ أولئك الأعداء الذين كتب الله على المؤمنين قتالهم.
1

سورة النساء
٢٢٣
....
وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله ﴿الناس﴾ زيادة فى توبيخ أولئك الذين خافوا منهم هذا
الخوف الشديد، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا، لاستقبلوا ما فرضه الله عليهم بالسمع والطاعة،
ولما خافوا هذا الخوف الشديد من أناس مثلهم.
وقوله ﴿كخشية الله﴾ مفعول مطلق، أى يخشونهم خشية كخشية الله.
وهو بيان لشدة خورهم وهلعهم، ولفساد تفكيرهم، حيث جعلوا خشيتهم للناس فى مقابل
خشيتهم لله، الذى يجب أن تكون خشيته - سبحانه - فوق كل خشية.
وقوله ﴿أو أشد خشية﴾ معطوف على ماقبله. وأشد حال من خشية لأن نعت النكرة إذا
تقدم عليها أعرب حالا .
وفى هذه الجملة الكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم؛ وترق فى توضيح حالتهم القبيحة، لأنه
إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل أن يجعل خشيته للناس كخشيته لله، فمن باب أولى
لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خشيته لله - تعالى -.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل : ظاهر ﴿أو أشد خشية﴾ يوهم الشك. وذلك على
علام الغيوب محال. أجيب بأن ﴿أو﴾ بمعنى بل. أو هى للتنويع. على معنى أن خشية بعضهم
كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها أو هى للإِبهام على السامع. على معنى أنهم على إحدى
الصفتين من المساواة والشدة. وهو قريب مما فى قوله - تعالى -: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو
يزيدون﴾ يعنى أن من يبصرهم يقول: أنهم مائة ألف أو يزيدون(١).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال فقال : ﴿وقالوا
ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾.
أى: أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب عليهم القتال وإنما
أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم : يا ربنا لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت
﴿لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾ أى: هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت موتة لا قتال معها عند
حضور آجالنا، دون أن نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف.
وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير. إنهم قبل أن يفرض القتال.
يظهرون التحمس له، والتشوق لخوض معا معه، فإذا ما فرض عليهم القتال فزعوا وارتعدوا
وقالوا ما قالوا من ضلال بضيق وهلع.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ١١٦
:١

٢٢٤
المجلد الثالث
ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين فى كل وقت، إنهم قبل أن يجد الجد أشد الناس حماسة ...
للقاء الأعداء، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول الفارين، وأول الناكصين على
أعقابهم .
وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء، ولا ينشئون القتال إنشاء، وإنما
يقدرون الأمور حق قدرها، ويضعون الأشياء فى مواضعها، فإذا ما اقتضت الضرورة خوض
معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال.
أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم، أو عقل يرشدهم، فإنهم لعدم تقديرهم للأمور يكونون
فى ساعة الشدة أول الناس جزءا ونكولا وانهيارا.
ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين كتب عليهم القتال
((إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا
أخرتنا إلى أجل قريب .. ))؟ !!
إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة فى شأن المؤمنين،
ويرى أن بعضهم يرجح أنها فى شأن المنافقين، وقد لخص الإِمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا
حسنا فقال :
((هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان :
الأول : أن الآية نزلت فى المؤمنين. قال الكلبى : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف، والمقداد،
وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبى وقاص. كانوا مع النبى وَّر قبل أن يهاجروا إلى المدينة،
ويلقون من المشركين أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبى وَّل﴿ ويقولون : ائذن لنا فى قتالهم ..
ويقول لهم الرسول وَ ر كفوا أيديكم فإنى لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة
والزكاة، فلما هاجر رسول الله هير إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية.
ثم قال : واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن
القتال هم الراغبون فى القتال؛ والراغبون فى القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية فى
حق المؤمنين .. وأن كراهتهم للقتال إنما هى بمقتضى الجبلة البشرية ... وقولهم ﴿لم كتبت علينا.
القتال﴾ محمول على التمنى فى التخفيف للتكليف لا على وجه الإنكار لإيجاب الله تعالى.
ثم قال : والقول الثانى : أن الآية نازلة فى حق المنافقين. واحتج الذاهبون إلى هذا القول ..
بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين، لأن الله وصفهم بأنهم ﴿يخشون
الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن
لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله - تعالى - ولأنه - سبحانه - حکی

٠
سورة النساء
٢٢٥
عنهم أنهم قالوا : ربنا لما كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار أو
المنافقين، ولأن الله قال للرسول: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ وهذا الكلام
يذكر مع من كانت رغبته فى الدنيا أكثر من رغبته فى الآخرة، وذلك من صفات المنافقين.
ثم قال. والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد هذه الآية قوله : ﴿وإن
تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾ ولا شك أن ..
هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التى نحن فى تفسيرها ثم
المعطوف فى المنافقين، وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا (١).
ونحن نوافق الإِمام الرازى فيما ذهب إليه من أن حمل الآية الكريمة على أنها فى المنافقين هو
الأولى للأسباب التى ذكرها.
ونضيف إلى ما ذكره الإِمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة واللاحقة يراها
واضحة فى شأن المنافقين، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف الإيمان، الذين أدى بهم ضعف
نفوسهم، وحبهم للدنيا إلى كراهة القتال، والخوف من تكاليفه ...
فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة تحاكمهم إلى الطاغوت
مع زعمهم الايمان بما أنزل إلى الرسول وَ له وبما أنزل على الرسل من قبله. وتراها تتحدث عن
تباطئهم عن القتال وفرحهم لنجاتهم من مخاطره.
ثم إذا قرأت الآيات التى ستأتى بعد هذه الآية تراها تتحدث عن نسبتهم الحسنة إلى الله،
ونسبتهم السيئة إلى رسوله وسلم وعن إذاعتهم لأسرار المؤمنين ... ألخ، فثبت أن الآية الكريمة
تتحدث عن صفات المنافقين، وعمن هم قريبو الشبه بهم من ضعاف الايمان الذين أخلدوا إلى
الراحة. وآثروا القعود فى بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن
المظلومين .
ونضيف أيضا أن القول الأول - الذى ذكره الإمام الرازى وهو أن الآية نزلت فى المؤمنين -
غير صحيح لأسباب من أهمها :
١ - أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن الكلبى وهى أن الآية نزلت فى عبد
الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون ... الخ هذه الرواية يبدو عليها الضعف، لأنها لم
ترد فى كتب الحديث الموثوق بها، ولأن الكلبى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل.
ولقد علق الإِمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله: ((إننى أجزم ببطلان هذه الرواية
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٨٥ - بتصرف وتلخيص

٢٢٦
المجلد الثالث
مهما كان سندها، لأننى أبرىء السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به. وهذه الآية
متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى - أمر بأخذ الحذر والإِستعداد للقتال، والنفر له، وذكر حال
المبطئين لضعف قلوبهم. وبعد هجرة النبى وله إلى المدينة أمر الاسلام أتباعه بالسلم وتهذيب
النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال .. إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه الله عليهم
فكرهه الضعفاء منهم))(١).
٢ - أن المؤمنين لم يعهد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال، ومن تمن لعدم حضوره،
وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون إليه كلما اقتضت الضرورة ذلك ويتسابقون لخوض ساحته
دفاعا عن دينهم، وانتصارا ممن بغى عليهم.
ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول و 18. فى غزوة بدر يا رسول الله، إمض لما أمرك الله
فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
قاعدون. ولكن نقول لك إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فو الذى بعثك بالحق
لوسرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ...
تهد
إلى غير ذلك من الأقوال والمواقف التى تدل على شجاعتهم وقوة إيمانهم.
ولقد رجح الإِمام القرطبى عند تفسيره للآية الكريمة أنها فى المنافقين فقال : قال مجاهد :
هى فى اليهود. وقال الحسن: هى فى المؤمنين لقوله ((يخشون الناس)) أى مشركى مكة ((كخشية
الله)) فهى على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة. وقال السدى: هم قوم أسلموا
قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه. وقيل : هو وصف للمنافقين. والمعنى : يخشون القتل من
المشركين كما يخشون الموت من الله ((أو أشد خشبة)) أى عندهم وفى اعتقادهم.
ثم قال : قلت وهذا أشبه بسياق الآية لقوله ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل
قريب ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابى كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق
مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من
المقام فى الدار العاجلة، على ما هو المعروف من سيرتهم - رضى الله عنهم - اللهم إلا أن يكون
قائله ممن لم يرسخ فى الإِيمان قدمه، ولا انشرح بالاسلام جنانه، فإن أهل الإِيمان متفاضلون
فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذى تنفر نفسه عما تؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه
الشدة))(٢).
(١) تفسير المنار جـ ٥ ص ٢٦٣
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٨١ .

٢٢٧
سورة النساء
والخلاصة : أن الذى تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان عليه المنافقون
وضعاف الإِيمان، من بعد عن طاعة الله، ومن جبن فى النفوس ومن حب للحياة الدنيا
وزينتها.
وأن المؤمنين بعيدون كل البعد عما اشتملت عليه الآية الكريمة من صفات وأحوال؛ لأن
ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم عن أن يكونوا ممن قال الله فيهم ﴿فلما كتب عليهم
القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ وعن أن يقولوا: ﴿ربنا لم كتبت
علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾.
هذا، وقوله - تعالى - ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ رد
على التصرفات الذميمة، والأقوال الفاسدة التى صدرت عن المنافقين وضعاف الإِيمان ! وإرشاد ..
من الله - تعالى - لعباده إلى أن متاع الحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت عليه الآخرة من نعيم
للمؤمنين الصادقين.
والمتاع : اسم لما يتمتع به الإِنسان فى هذه الحياة من مال وغيره.
والفتيل : هو الخيط الدقيق الذى يكون فى شق نواة التمرة. ويضرب به المثل فى القلة
والتفاهة .
والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء، ويفزعون من القتال طمعا فى
التمتع بزينة الحياة الدنيا، قل لهم : إن منافع الدنيا ولذاتها قليلة مهما كبرت فى أعينكم؛ لأنها
زائلة فانية، أما الآخرة بما فيها من نعيم دائم فهى خير ثوابا، وأعظم أجرًا لمن اتقى الله،
وجاهد فى سبيله. وإذا كان الأمر كذلك فاجعلوا خشيتكم من الله وحده، وبادروا إلى الجهاد فى
سبيل إعلاء كلمة الله، لكى تنالوا الثواب الجزيل من الله دون أن يذهب من ثوابكم شيئا مهما
كان هذا الشىء ضئيلا أو قليلا، ودون أن ينقص من أعماركم شيئا؛ لأن الجبن لا يؤخر الحياة
كما أن الإِقدام لا ينقص شيئا منها.
ثم بين - سبحانه - أنه لا مفر لهم من الموت، وأنهم مهما فروا منه فإنه سيلقاهم آجلا
أو عاجلا فقال - تعالى - : ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة﴾.
والبروج : جمع برج وهو الحصن المنيع الذى هو نهاية ما يصل إليه البشر فى التحصن
والمنعة. وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور. يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها.
والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة.
والمشيدة : أى المحكمة البناء، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا رفعه، والمعنى : إنكم

٢٢٨
المجلد الثالث
أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه أو القعود عنه سينجيكم من الموت، فأنتم
بهذا الظن مخطئون، لأن الموت حيثما كنتم سيدرككم، ولو كنتم فى أقوى الحصون، وأمنعها
وأحكمها بناء، وما دام الأمر كذلك فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وأنتم مدبرون.
والجملة الكريمة لا محل لها من الإعراب، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف لتبكيت هؤلاء
الكارهين للقتال، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإقدام عليه من أجل نصرة الحق.
ويحتمل أنها فى محل نصب، فتكون داخلة فى حيز القول المأمور به الرسول وَالر أى: قل لهم
يا محمد متاع الدنيا قليل. وقل لهم ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾.
وأين: اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين، و ((ما)) زائدة للتأكيد، وتكونوا فعل
الشرط ويدرككم جوابه.
والتعبير بقوله ﴿يدرككم﴾ للإشعار بأن الموت كأنه كائن حى يطلب الإِنسان ويتبعه حيثما
كان، وفى أى وقت كان، فهو طالب لابد أن يدرك ما يطلبه ولابد أن يصل إليه مهما تحصن
منه، أو هرب من لقائه.
وجواب (لو) محذوف اعتمادًا على دلالة ماقبله عليه أى : ولو كنتم فى بروج مشيدة لأدرككم
الموت.
وقريب فى المعنى من هذه الآية قوله - تعالى - ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت
أو القتل﴾ وقوله - تعالى -: ﴿قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾.
فالجملة الكريمة صريحه فى بيان أن الموت أمر لامفر منه، ولامهرب عنه سواء أقاتل الإِنسان
أم لم يقاتل. وما أحسن قول زهير بن أبى سلمى :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم
ثم حكى - سبحانه - ما كان يتفوه به المنافقون وإخوانهم فى الكفر من باطل وزور فقال -
تعالى: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك،
قل كل من عند الله﴾.
أى: إن هؤلاء المنافقين وأشباههم، من ضعاف الإِيمان وإخوانهم فى الكفر بلغ بهم الفجور
أنهم إذا أصابتهم حال حسنة من نعمة أو رخاء أو خصب أو غنيمة أو ظفر قالوا هذه الحال من
عند الله، وإذا أصابتهم حال سيئة من جدب أو مصيبة أو هزيمة قالوا هذه الحال من عندك
يا محمد بسبب شؤمك وسوء قيادتك - وحاشاه من ذلك وَله -.
وهذا القول منهم قريب من قول قوم فرعون لموسى - عليه السلام - كما حكاه القرآن عنهم

٢٢٩
سورة النساء
فى قوله : ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه﴾.
قال القرطبى: نزلت هذه الآية فى اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله وله
المدينة عليهم قالوا: مازلنا نعرف النقص فى ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل
وأصحابه. قال ابن عباس: ومعنى ﴿من عندك﴾ أى: بسوء تدبيرك. وقيل ﴿من عندك﴾ أى
بشؤمك الذى لحقنا، قالوه على جهة التطير)(١).
وقوله ﴿قل كل من عند الله﴾ أمر من الله لنبيه وسر بأن يرد على مزاعمهم الباطلة. أى قل
لهم يا محمد كل واحدة من النعمة والمصيبة هى من جهة الله - تعالى خلقا وإيجادًا من غير أن
يكون لى مدخل فى وقوع شىء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون :
وقوله ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا﴾ جملة معترضة مسوقة لتعييرهم بالجهل
والغباوة، والفاء فى قوله ﴿فمال﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك
وهو أن كل شىء من عند الله، فمال هؤلاء القوم من المنافقين وإخوانهم فى الكفر وضعف
الإِيمان لا يكادون + لانطماس بصيرتهم - يفقهون ما يلقى عليهم من مواعظ، ولا يفهمون
معنى ما يسمعون وما يقولون، إذ لو فقهوا شيئا مما يوعظون به لعلموا أن الله هو القابض
الباسط، وأنه المعطى المانع.
قال - تعالى - ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده
وهو العزيز الحكيم﴾.
وقوله - تعالى - ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾
الخطاب فيه للنبى ◌َ﴿ والمراد كل مكلف من أمته.
والمراد بالحسنة ما يسر له الإِنسان ويفرح به، والمراد بالسيئة ما يسوءه ويحزنه.
والمعنى: ﴿ما أصابك من حسنة﴾ أى من نعمة وأمور حسنة تفرح بها ﴿فمن الله﴾ أى
فبتوفيقه لك وتفضله عليك، وإرشادك إلى الوسائل التى أوصلتك إلى ما يسرك. ﴿وما أصابك
من سيئة﴾ أى من مصيبة أو غيرها مما يحزن ﴿فمن نفسك﴾ أى: فمن نفسك بسبب وقوعها
فيها نهى الله عنه، وتركها للأسباب الموصلة إلى النجاح، كما قال - تعالى: ﴿وما أصابكم من
مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
وروى الترمذى عن أبي موسى الأشعرى عن النبى وَّر قال: ((لا يصيب عبدًا نكتة فما فوقها
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٨٤ .

٢٣٠
المجلد الثالث
أو دونها إلا بذنب. وما يعفو الله عنه أكثر)). قال وقرأ: ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت
أیدیکم ويعفو عن کثیر﴾.
وروى ابن عساكر عن البراء - رضى الله عنه - عن النبى ◌َلتر قال: ((ما من عثرة
ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم. وما يعفو الله أكثر)).
وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ﴿ما أصابك من حسنة﴾ .. إلخ من كلام الله - تعالى -
والخطاب فيه للنبى وَله والمراد به كل مكلف - كما سبق أن أشرنا - وقد ساقه - سبحانه - على
سبيل الاستئناف ردا على مزاعم المنافقين ومن هم على شاكلتهم فى الكفر وضعف الإِيمان.
وقيل إن هذه الآية حكاية من الله - تعالى - لأقوال المنافقين السابقة، فكأنهم لم يكتفوا بأن
ينسبوا للرسول وَ ر أنه السبب فيما أصابهم من جدب وهزيمة. بل أضافوا إلى ذلك قولهم له :
إن ما أصابك من حسنة فمن الله ولا فضل لك فيما نلت من نصر أو غنيمة، وما أصابك من
سيئة أى هزيمة أو مصيبة فمن سوء صنعك وتصرفك.
ومقصدهم من ذلك - قبحهم الله - تجريد النبى ◌ّر من كل فضل، وإلقاء اللوم عليه فى
كل ما يصيبهم من مصائب.
وقد أشار القرطبى إلى هذين القولين بقوله : قوله - تعالى - ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله
وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ الخطاب للنبى وير والمراد أمته. أى ما أصابكم يا معشر
الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق
فمن أنفسكم أى من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم.
وقيل : فى الكلام حذف تقديره : يقولون. وعليه يكون الكلام متصلا، والمعنى : ﴿فمال
هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ حتى يقولوا ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك
من سيئة فمن نفسك﴾(١).
وقال الجمل : فإن قلت: كيف وجه الجمع بين قوله - تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ وبين
قوله ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ فأضاف السيئة إلى فعل العبد فى هذه الآية - بينما
أضاف الكل إلى الله فى الآية السابقة - ؟
قلت: أما إضافة الأشياء كلها إلى الله فى الآية السابقة فى قوله ﴿قل كل من عند الله﴾ فعلى
الحقيقة، لأن الله هو خالقها وموجدها. وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد فى قوله ﴿وما أصابك
من سيئة فمن نفسك﴾ فعلى سبيل المجاز. والتقدير: وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٨٥ بتلخيص.

٢٣١
سورة النساء
اقترافها الذنوب. وهذا لا ينافى أن خلقها من الله - كما سبق)(١).
وقال بعض العلماء : والتوفيق بين قوله - تعالى - ﴿ما أصابك من حسنة﴾ وبين قوله قبل
ذلك: ﴿قل كل من عند الله﴾ هو أن قوله ﴿قل كل من عند الله﴾ كان موضوعه الكلام فى
تقدير الله. فهم إن انتصر المؤمنون لا ينسبون للنبى وهلر أى فضل، بل يجردونه من الفضل
ويقولون هو من عند الله. وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر، بل قصدوا الغض من مقام
النبوة. فإن كان هناك خير نسبوه إلى الله وإن كان ما يسوء نسبوه إلى النبى والر إيذاء وتمردا.
فالله تعالى - قال لهم: ﴿قل كل من عند الله﴾، أى كل ذلك بتقدير الله وإرادته.
أما قوله ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ فموضوعه اتخاذ الأسباب. ومعناه: أن من
أخذ بالأسباب وتوكل على الله فالله - تعالى - يعطيه النتائج ومن لا يتخذ الأسباب، أو يخالف
المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسبب منه.
فالأول : لبيان القدر.
والثانى: لبيان العمل(٢).
هذا، وقوله - تعالى - ﴿وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدًا﴾ بيان لجلال منصبه
وعلو مكانته ﴿ عند ربه - عز وجل - بعد بيان بطلان زعمهم الباطل فى حقه عليه الصلاة
والسلام .
أى: وأرسلناك - يا محمد - بأمرنا وبشريعتنا لتيلغ الناس ما أمرناك بتبليغه، ولتخرجهم من
ظلمات الجهالة والكفر إلى نور التوحيد والإِيمان ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ على صحة رسالتك،
وعلى صدقك فيما تبلغه عنه، وإذا ثبت ذلك فالخير فى طاعتك والشر والشؤم فى مخالفتك.
والمراد بالناس جميعهم. أى: وأرسلناك لجميع الناس كما قال - تعالى - ﴿وما أرسلناك إلى
رحمة للعالمين﴾.
وقوله ﴿رسولا﴾ حال مؤكدة لعاملها وهو أرسلناك.
وقوله ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ تثبيت وتقوية لقلب النبى وَل
أى: امض فى طريقك ولا تلتفت إلى أقوالهم، وكفى بالله عليك وعليهم شهيدا، فإنه -
سبحانه - لا يخفى عليه أمرك وأمرهم.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٠٣.
(٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام العدد ١ السنة الخامسة عشرة.

٢٣٢
المجلد الثالث
ثم بين - سبحانه - أن طاعة رسوله ويليه إنما هى طاعة له فقال: ﴿من يطع الرسول فقد
أطاع الله﴾.
أى: من يستجب لما يدعوه إليه محمد وَّله ويذعن لتعاليمه، فإنه بذلك يكون مطيعا لله،
لأن الرسول 18 مبلغ لأمر الله ونهيه.
وقوله ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ بيان لوظيفة الرسول واله .
أى: من أطاعك يا محمد فقد أطاع الله، ومن أعرض عن طاعتك وعصى أمرك، فعلى نفسه
يكون جانيا، لأننا ما أرسلناك على الناس حافظا ورقيبا لأعمالهم، وإنما أرسلناك مبلغا ومنذرا.
وجواب الشرط فى قوله ﴿ومن تولى﴾ محذوف. أى ومن تولى فأعرض عنه فإنا ما أرسلناك
عليهم حفيظا.
قال الألوسى: وقوله - تعالى - ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ بيان لإحكام رسالته إثر
بيان تحققها. وإنما كان الأمر كذلك لأن الآمر والناهى فى الحقيقة هو الحق - سبحانه -
والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهى فليست الطاعة له بالذات إنما هى لمن بلغ عنه. وفى بعض
الآثار أن النبى وَلّ كان يقول: من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله. فقال
المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، وهو نهى أن يعبد غير
الله. ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى - عليه السلام - فنزلت(١))).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا آخر من صفات المنافقين ومن على شاكلتهم من
ضعاف الإِيمان حتى يحذرهم المؤمنون الصادقون فقال - تعالى - :
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ
عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ
مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
﴾ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرَّءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِاللَّهِلَوَجَدُواْ
٨١
فِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرًا ) وَإِذَاجَاءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ اْلْأَمْنِ
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٩١

٢٣٣
سورة النساء
أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بٍِّ، وَلَوْرَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُوْلِ
آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لَا فَضْلُ
اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا
٨٣١٩
والضمير فى قوله ﴿ويقولون﴾ للمنافقين ومن يلفون لفهم.
أى: أن هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمروهم عندك يقولون طاعة أى أمرنا وشأننا
طاعة. يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهى تخالف ألسنتهم.
وقوله ﴿طاعة﴾ خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى: أمرنا طاعة. ويجوز النصب على معنى :
أطعناك طاعة. كما يقول المأمور لمن أمره: سمعًا وطاعة، وسمع وطاعة.
قال صاحب الكشاف : ونحوه قول سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له :
كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمرى وشأنى حمد الله. ولو نصب
((حمد الله)) كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها(١).
ثم حكى - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند الرسول وَلآ
فقال: ﴿فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول﴾.
وقوله ﴿بيت﴾ من التبيت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازى - من البيتوتة، لأن أصلح
الأوقات للفكر أن يجلس الإِنسان فى بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل.
لاجرم سمى الفكر المستقصى مبيتا. أو من بيت الشعر، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر
بالغوا فى التفكر فيه ...
والمراد : زوَّر وموَّه ودّبر.
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - وأمرتهم بأمر قالوا : طاعة، فإذا
ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم وهم رؤساؤهم ((غير الذى تقول)» أى
خلاف ما قلت لتلك الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة. فهم أمامك يظهرون الطاعة
المطلقة، ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه الطاعة ويخالفها.
والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم، وتناقض مظهرهم مع
خبيئتهم .
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٢٩.

٢٣٤
المجلد الثالث
وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات، أما الباقون
فتابعون لهم فى ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة.
وقوله ﴿والله يكتب ما يبيتون﴾ أى يثبته فى صحائف أعمالهم. ويفضحهم بسبب سوء
أعمالهم فى الدنيا، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما يستحقون فى الآخرة، فالجملة الكريمة تهديد
لهم على سوء صنيعهم، لعلهم يكفون عن هذا النفاق، وتطمين للنبى وَّ بأنه - سبحانه -
سيطلعه على مكرهم السىء لكى يتقى شرهم، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم الالتفات
إليهم، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال :
﴿فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾. أى: إذا كان هذا هو شأنهم يا محمد.
فلا تكثرت بهم، ولا تلتفت إليهم، وسر فى طريقك متوكلا على الله، ومعتمدا على رعايته
وحفظه، وكفى بالله وكيلا وكفيلا لمن توكل عليه، واتبع أمره ونهيه. فانت ترى أن الآية الكريمة
قد كشفت عن جانب من صفات المنافقين وأحوالهم، ثم هددتهم على جرائمهم، ورسمت
للنبى وَّ الخطة الحكيمة لعلاجهم واتقاء شرهم.
ثم أنكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن وحضهم على تأمل
حكمه وأحكامه وهداياته فقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه
اختلافا كثيرًا﴾ .
وقوله ﴿يتدبرون﴾ من التدبر، وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشرى - تأمله والنظر فى أدباره
وما يئول اليه فى عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل فى كل تأمل فمعنى تدبر القرآن : تأمل معانيه
وتبصر ما فيه.
والاستفهام لإِنكار عدم تدبرهم، والتعجيب من استمرارهم فى جهلهم ونفاقهم مع توفر
الأسباب التى توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم معانيه.
والفاء للعطف على مقدر. أى: أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه.
والمعنى: إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف
خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى
الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام
حكيمة .. تشهد بأنه من عند الله - تعالى -، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من
إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره وفى نظمه وفى أسلوبه وفى معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن
الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل
اختلاف سواء أكان كثيرًا أم قليلا.

٢٣٥
سورة النساء
فالمراد بالاختلاف : تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى،
وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه.
وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله ﴿لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا﴾ أى: لكان الكثير منه
مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه
قاصرا عنه تمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا
للمخبر عنه، وبعضه دالا علی معنی صحیح عند علماء المعانى، وبعضه دالا على معنی فاسد غیر
ملتئم .
..---
فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار، دل على أنه
ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بمالا يعلمه أحد سواه))(١).
فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه،
والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.
ثم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا آخر من المسالك الذميمة التى عرفت عن المنافقين
وضعفاء النفوس فقال - تعالى - ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾.
والمراد بالأمر هنا : الخبر الذى يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.
وقوله ﴿أذاعوا به﴾ أى نشروه وأشاعوه. يقال: أذاع الخبر وأذاع به إذا أفشاه وأعلنه.
والمعنى : أن هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئا من الأخبار التى تتعلق بأمن
المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل أن يقفوا على حقيقتها.
قال الألوسى : والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية
الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها :
أصاب المسلمون من عدوهم كذا. وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون
النبى ◌َّرَ هو الذى يخبرهم به. وقيل: كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر
عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالا على
المؤمنين))(٢).
ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم فعله فقال -: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى
الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾.
والمراد بأولى الأمر : كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم : الولاة وأمراء السرايا.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤٠
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٩٤

٢٣٦
المجلد الثالث
ويستنبطونه أى يستخرجونه. والاستنباط - كما يقول القرطبى - مأخوذ من استنبطت الماء
إذا استخرجته. والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمى النبط
نبطا لأنهم يستخرجون ما فى الأرض))(١).
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإِيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم إذا سمعوا شيئا من
الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاعوه وأظهروه بدون تحقق أو تثبت، بقصد بلبلة
الأفكار، واضطراب حال المؤمنين، ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر
الذى جاءهم والذى أشاعوه بدون تثبت، لو أنهم ردوه إلى الرسول وَلاير وإلى كبار الصحابة
البصراء فى الأمور: ﴿لعلمه﴾ أى لعلم حقيقة ذلك الخبر ﴿الذين يستنبطونه﴾ أى: الذين
يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون للأخبار ﴿منهم﴾ أى: من الرسول
وأولى الأمر.
أى: لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار ويذيعونها بغير تثبت سكتوا
عن إذاعتها وردوا الأمر فى شأنها إلى الرسول وإلى كبار أصحابه، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من
جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو
إذاعة .
وعلى هذا يكون الضمير فى قوله ﴿منهم﴾ فى الموضعين يعود إلى الرسول وإلى أولى الأمر.
ويكون المراد بالذين يستنبطونه : المنافقون وضعاف الإِيمان الذين يذيعون الأخبار ويكون فى
الكلام إظهار فى مقام الإِضمار؛ حيث قال : سبحانه - ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ولم
يقل لعلموه منهم، وذلك لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، وللمبالغة فى ذمهم على
بجثهم وراء الأخبار الخفية الهامة واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإِضرار بمصلحة
المسلمين.
وقد ذكر الفخر الرازى فى المراد بالذين بستنبطونه وجها آخر فقال :
وفى قوله ﴿الذين يستنبطونه منهم﴾ قولان :
الأول: أنهم أولئك المنافقون المذيعون.
والتقدير: لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى
أولى الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم، لعلمه الذين يستنبطونه وهم هؤلاء المنافقون
المذيعون ﴿منهم﴾ أى من جانب الرسول ومن جانب أولى الأمر.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٩١

٢٣٧
سورة النساء
والقول الثانى : أنهم طائفة من أولى الأمر. والتقدير: ولو أن المنافقين ردوا إلى الرسول وإلى
أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولى الأمر، وذلك لأن أولى
الأمر فريقان : بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله ﴿منهم﴾
يعنى لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولى الأمر.
فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى الرسول وإلى المؤمنين هم المنافقون
فكيف جعل أولى الأمر منهم فى قوله ﴿وإلى أولى الأمر منهم﴾؟ قلنا: إنما جعل أولى الأمر منهم
على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله - تعالى - :
﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان فضله على عباده فقال ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمة
لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾.
أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - بتوفيقه إياكم إلى الخير والطاعة،
لوقعتم فى إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون وأشباههم، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين
أخلصوا دينهم لله واعتصموا به فصاروا لا سبيل للشيطان عليهم كما قال - تعالى - ﴿إن عبادى
ليس لك عليهم سلطان﴾.
هذا. ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب عدم إذاعة
الأخبار - خصوصا فى حالات الحرب - إلا بعد التأكد من صحتها ومن عدم إضرارها بمصلحة
المسلمين .
وفى ذلك يقول الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف
أذاعوا به﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون
لها صحة. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله وسلم أنه قال: ((كفى بالمرء كذبا أن
يحدث بكل ما سمع)).
وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله وَ ل نهى عن قيل وقال. أى: الذى يكثر
من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين.
وفى الصحيح ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
وفى سنن أبي داود أن رسول الله بَّر قال: ((بئس مطية الرجل زعموا))(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٩٩
(٢) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٥٢٩

٢٣٨
المجلد الثالث
وقد عدد الفخر الرازى المضار التى تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال :
وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه :
الأول: أن مثل هذه الإِرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.
الثانى : أنه إذا كان ذلك الخبر فى جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد فيه
تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء فى صدق الرسول ◌َ ر لأن المنافقين كانوا يروون
هذه الإِرجافات عن الرسول اله .
وإن كان ذلك فى جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده فى
الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإِرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.
الثالث : أن الإِرجاف سبب لتوفير الدواعى على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك
سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة.
الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمنا لأحد
الفريقين كان خوفا للفريق الثانى. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات
الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا فى التحصن من
المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا فى ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك
الإِرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله - تعالى - تلك
الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه)(١).
وقال الشيخ محمد المنير - الذى عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه الآية : (فى هذه
الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا؛ وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين
الأعداء العداوة، والمقيمين فى نحر العدو. وما أعظم المفسدة فى لهج العامة بكل ما يسمعون
من أخبارهم خيرا أو غيره. ولقد جربنا ذلك فى زماننا هذا منذ طرق العدو المخذول البلاد -
طهرها الله منه وصانها من رجسه ونجسه، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة
والنصر)(٢).
والخلاصة، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت - خصوصا فى أوقات الحروب تؤدى إلى أعظم
المفاسد والشرور، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من التراخى وعدم أخذ
الحذر، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة واضطرابا فى الصفوف.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٩٨
(٢) حاشية تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٤٠

٢٣٩
سورة النساء
م
والمجتمع الذى يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الذى تقل فيه إذاعة الأخبار إلا من مصادرها
الأصيلة، وهو الذى يرجع أفراده فى معرفة الحقائق إلى العلماء المتخصصين.
وهكذا نرى الآية الكريمة تغرس فى نفوس المؤمنين أسمى ألوان الإِخلاص لدينهم ودولتهم
وقيادتهم، فهى فى مطلعها تنكر عليهم إذاعة الاخبار بدون تحقق من صدقها ومن فائدتها، وفى
وسطها تأمرهم بأن يرجعوا إلى حقائق دينهم وإلى الحكام العادلين، والعلماء المخلصين الذين
يعرفون الأمور على وجهها ليسألوهم عما يريدون معرفته، وفى آخرها تذكرهم بفضل الله عليهم
ورحمته بهم حتى يداوموا على طاعته، ويشكروه على نعمه.
وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإِيمان، وعن تباطئهم عن
الجهاد وإشاعتهم للأخبار بدون تثبت، بعد كل ذلك أمر الله - تعالى - نبيه محمدا وَ ◌ّر أن
يستمر فى قتاله للمشركين، وأن يحرض أصحابه على ذلك، كما أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى
طائفة من مكارم الاخلاق التى تقوى رابطتهم فقال - تعالى - :
فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَأَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنَّ
عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاَللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا
وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨) مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ,
نَصِيبٌ مِنْهاً وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سِنَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهاً
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا ) وَإِذَا حُبِّيْتُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْرُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ حَسِيبًا()
اللهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ
٨٧
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اُللَّهِ حَدِيثًا
والفاء فى قوله ﴿فقاتل﴾ للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما حكى
-سبحانه- عن المنافقين وكيدهم ... فقاتل أنت يا محمد من أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت

٢٤٠
المجلد الثالث
إلى أفعالهم وأقوالهم.
وقوله ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ أى: قاتل - يا محمد - فى سبيل إعلاء كلمة الله، والله -
تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك، فتقدم للجهاد ولا تلتفت إلى تباطؤ المتباطئين، أو تخذيل
المخذلين، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف.
وجملة ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ فى محل نصب على الحال من فاعل فقاتل. أى: فقاتل حال
كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها.
قال صاحب الكشاف: قيل: دعا النبى وَلّر الناس فى بدر الصغرى إلى الخروج، وكان
أبو سفيان قد واعد رسول الله ور اللقاء فيها. فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول
الله ◌َ﴿ وما معه إلا سبعون لم يعولوا على أحد. ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وقرىء
﴿لا تكلف﴾ بالجزم على النهى. ولا نكلف: بالنون وكسر اللام.
أى: لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها))(١).
وقوله ﴿وحرض المؤمنين﴾ أى: حثهم على القتال ورغبهم فيه، حتى ينفروا معك خفاقا
وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين.
ولقد استجاب النبى وَّ لهذه الأوامر، وأعد نفسه لقتال أعدائه، ورغب أتباعه فى ذلك،
ولذا قال ◌َل﴿ عندما أذن الله له فى القتال ((والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى))(٢) أى: حتى
أموت .
ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق فى حروب الردة فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة
والزكاة، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله وبالر لقاتلتهم على منعها. ولو خالفتنى
يمينى لجاهدتهم بشمالى(٣).
ولقد استفاضت أحاديث النبى ل# فى ترغيب أمته فى الجهاد، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم
... بدر وهو يسوى الصفوف: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
قال الفخر الرازى: دلت الآية الكريمة على أنه ومر كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية
القتال، لأنه - تعالى - ما كان يأمره بذلك إلا وهو ◌َ ◌ّ ر موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به
أبو بكر - رضى الله عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى الزكاة، ومن علم أن الأمر
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٢
(٢) السالفة: صفحة العنق، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا به.
(٣) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٩٣