النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة النساء وكان أيضا إساءة إلى الرسول وَل# ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثانى: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول وَله ويطلبوا منه الاستغفار. الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. ثم قال: وإنما قال - سبحانه - ﴿واستغفر لهم الرسول﴾. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول وه. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة(١). فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول وصله عند ربه سموا عظيما. ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول * فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: ﴿لوجدوا الله توابا رحيما﴾. وقد جاء عن الإِمام العتبى أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبي ◌َّ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله !! سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول : فطاب من طيبهن القاع والأكم ياخير من دفنت بالقاع أعظمه فيه العفاف وفيه الجود والكرم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه قال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى سلم فى النوم فقال ((يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له))(٢). ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥١٩. . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٦٢. ٢٠٢ المجلد الثالث رسول الله وي عن إذعان واقتناع فقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. والفاء فى قوله ﴿فلا﴾ للإفصاح عن شرط مقدر. و ﴿لا﴾ يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون﴾(١). ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال : ((يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى : لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم)»(٢). وقوله ﴿فيما شجر بينهم﴾ أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس. يقال : شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. وأصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذا دخل بعضه فى بعض واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه . وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض . V وقوله ﴿حرجا﴾ أى ضيقاً وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشىء، ويقال الشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشىء معين. والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك ((لا يؤمنون)) إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - ﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. ﴿ثم لا يجدوا فى أنفسهم﴾ بعد ذلك ﴿حرجا مما قضيت﴾ أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم ﴿ويسلموا تسليما) أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تاما لا إباء معه ولا ارتياب. وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى وَله فى قوله - سبحانه - ﴿وربك﴾ تكريم للنبى رَالّ وتشريف له، وتنويه بمكانته. (١) سورة الحجر آية ٩٢، ٩٣. (٢) تفسير ابن جرير جـ٥ ص١٥٨. ٢٠٣ سورة النساء وقوله ﴿لا يؤمنون﴾ هو جواب القسم. وقوله ﴿ثم لا يجدوا﴾ معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. أى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا. وقوله ﴿تسليما﴾ تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ◌َالقر قال: ((والذی نفسی بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)). هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه - . فقال النبى ◌َله: اسق يازبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله !! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى وَ ر ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك. قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾(١). وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله ﴿ي* فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء. ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله وَعليه وما جاء فى · البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعه الله دون سواها. والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث : أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله وَ ل18 فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته. وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإسلامية التى جاء بها النبى وَليّة برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: ﴿ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت﴾ (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٠. نـ ٢٠٤ المجلد الثالث وثالثها : أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - ﴿ويسلموا تسليما﴾. أى يخضعوا خضوعا تاما. فقوله - تعالى - ﴿ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت﴾ يمثل الانقياد الباطنى والنفسى. وقوله - تعالى - ﴿ويسلموا تسليما﴾ يمثل الانقياد الظاهرى والحسى. وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى - : ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، ما فعلوه إلا قليل منهم، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتًا﴾. والمراد بقوله ﴿كتبنا﴾: فرضنا وأوجبنا. والمراد (بقتل النفس) تعريضها للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل : المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد. والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله. قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال. الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ماذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين. وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. ١ : ٢٠٥ سورة النساء وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين))(١). وعلى كلا التقديرين : فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا. والمراد : أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول وتقليل والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابه لتوجيهاته فى السر والعلن. فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى - والضمير فى قوله ﴿ما فعلوه﴾ للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله ﴿كتبنا﴾ عليه. وقوله ((قليل)) مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله ﴿فعلوه﴾ والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع. قال ابن كثير: لما نزلت ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ .. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى وَ له فقال: ((إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسي)) وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله وسلم: ((لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم)) - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه. وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله والفر هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: ((لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل))(٢). وقوله: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾ بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله. أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ﴿فعلوا ما يوعظون به﴾ أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا وَ﴿ وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى .... (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٦٧ - بتصرف يسير. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٢. ٠٢٠٦ المجلد الثالث لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه ﴿خيرا لهم﴾ فى دنياهم وآخرتهم. ولكان ﴿أشد تثبيتًا﴾ لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال. ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: ﴿وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما. ولهديناهم صراطًا مستقيًا﴾. أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقبلناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه یسعدون فى دنياهم وآخرتهم. قال صاحب الكشاف: وقوله ((وإذا)) جواب السؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لوثبتوا ﴿لآتيناهم﴾ لأن إذا جواب وجزاء(١). وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها : أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة ﴿لآتيناهم من لدنا﴾ ﴿ولهديناهم﴾ والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية . ومنها : أن قوله ﴿من لدنا﴾ يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى - ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾. ومنها : أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾. هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها -سبحانه- على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٣٠ ٢٠٧ سورة النساء وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير ... شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصالح بهدى رسول الله وَله . ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى : يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد رَّفي كفر ويدل عليه وجوه : الأول : أنه - تعالى - قال ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله . الثانى: قوله تعالى -: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ .. إلى قوله : ﴿ويسلموا تسليما). وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول وَّر. الثالث: قوله - تعالى - ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله وَ طير فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم(١). وقال الشيخ جمال الدين القاسمى : قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول وَله: لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لنمنعهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله ﴿ *. وتقول أنت: لنمنعهن؟ وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال : أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لنمنعهن)). وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات. فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله پے قد غضب للها ورسوله، وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة. وقال الإِمام الشافعى : أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال : حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى وَّر قال عام الفتح: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود)). قال أبوحنيفة : فقلت لابن (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٥٥ ٢٠٨ المجلد الثالث أبی ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدری وصاح علی صیاحا کثیرا ونال منى وقال : أحدثك عن رسول الله وَ ﴿ وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا ◌َّر من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن یسکت. وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول .۔۔ الله ◌َليّ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا راويه ولا غيره. إذ من الممكن أن ينسى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. بأولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ... فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته ◌َ ا * وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته(١). وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - و ليزر - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها. * * ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْهَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ : ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى أُوْلَئِكَ رَفِيقًا @) بِاللَّهِ عَلِيمًا: ٧٠ (١) تفسير القاسمى جـ ٥ من ص ١٣٦١ إلى ص ١٣٨٢ وراجعه ففيه نقول كثيرة جيدة فى هذا المعنى. ٢٠٩ سورة النساء روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله وَله وهو محزون. فقال له النبى وَّر: يا فلان مالى أراك محزونا؟ فقال الرجل : يا نبى الله شىء فكرت فيه. فقال ما هو؟ قال : نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك. وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبى ◌َير شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية. ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ .. الخ. قال: فبعث إليه النبى وَّ فبشره))(١). والمعنى: ﴿ومن يطع الله﴾ بالانقياد لأمره ونهيه، ويطع ﴿الرسول﴾ فى كل ما جاء به من ربه ((فأولئك)) المطيعون ﴿مع الذين أنعم الله عليهم﴾ بالنعم التى تقصر العبارات عن تفصيلها وبیانها . وقوله : ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ بيان للمنعم عليهم الذين سيكون المطيع فى صحبتهم ورفقتهم. أى: فأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله - تعالى - ولرسوله ول#ول، يكونون يوم القيامة فى صحبة الأنبياء الذين أرسلهم الله مبشرين ومنذرين؛ فبلغوا رسالته ونالوا منه - سبحانه - أشرف المنازل. وبدأ - سبحانه - بالنبيين لعلو درجاتهم، وسمو منزلتهم على من عداهم من البشر. وقوله ﴿والصديقين﴾ جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به الرسول و الخل تصديقا لا يخالجه شك، ولا تحوم حوله ريبة، وصدقوا فى دفاعهم عن عقيدتهم وتمسكهم بها، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون تردد أو تباطؤ. وقوله ﴿والشهداء﴾ جمع شهيد. وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله، ومن أجل إعلاء دينه وشريعته . وقوله ﴿والصالحين﴾ جمع صالح. وهم الذين صلحت نفوسهم، واستقامت قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم. هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون المطيعون لله ولرسوله فى رفقتهم وصحبتهم. قال الفخر الرازى: ((وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين ... كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٣٣ ٢١٠ المجلد الثالث .... والمفضول. وأنه لا يجوز. بل المراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا: وإذا أرادوا الزيارة والتلاقى قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية. ثم قال : وقد دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة فى الفضل والعلم إلا هذا الوصف. وهو كون الإِنسان صديقا ولذا أينما ذكر فى القرآن الصديق والنبى لم يجعل بينهما واسطة كما قال - تعالى - فى صفة إدريس ﴿إنه كان صديقا نبيا﴾(١). وقوله - تعالى ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب فى العمل الصالح الذى يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاء الكرام. وقوله ﴿حسن﴾ فعل مراد به المدح ملحق بنعم. ومضمن معنى التعجب من حسنهم. واسم الإِشارة ﴿أولئك﴾ يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة وهم النبيون ومن بعدهم . والرفيق : هو المصاحب الذى يلازمك فى عمل أو سفر أو غيرهما. وسمى رفيقا لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما بصاحبه فى قضاء شئونه. وهو مشتق من الرفق بمعنى لين الجانب، ولطف المعاشرة. ولم يجمع، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره. والمعنى وحسن كل واحد من أولئك الأخيار - وهم الأنبياء ومن بعدهم - رفيقا ومصاحبا فى الجنة لأن رفقة كل واحد منهم تشرح الصدور، وتبهج النفوس. والمخصوص بالمدح محذوف أى: وحسن كل واحد من المذكورين رفيقا أو وحسن المذكورون أو الممدوحون رفيقا، لأن حسن لها حكم نعم. وقوله ﴿أولئك﴾ فاعل حسن. ورفيقا تمييز. قال صاحب الكشاف وقوله ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقا. ولاستقلاله بمعنى التعجب قرىء وحسن بسكون السين)(٢). واسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ فى قوله ﴿ذلك الفضل من الله﴾ يعود إلى ما ثبت للمطيعين من أجر جزيل، ومزيد هداية، وحسن رفقة. وهو مبتدأ. وقوله ﴿الفضل﴾ صفته، والجار والمجرور (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٧١ . (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٣١ ٢١١ سورة النساء متعلق بمحذوف خبره. أى: ذلك الفضل العظيم كائن من الله - تعالى - لامن غيره. وقوله ﴿وكفى بالله عليًا﴾ تذييل قصد به الإِشارة إلى أن أولئك الأخيار. الذين قدموا أحسن الأعمال، واستحقوا أفضل الجزاء، وإن لم یعلمهم الناس فإن الله - تعالى - یعلمهم، وقد كافأهم بما يستحقون. أى : كفى به - سبحانه - عليها بمن يستحق فضله وعطاءه وبمن لا يستحق، فهو - سبحانه - الذى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه. وفى هذه الجملة الكريمة حض للمسلم على التزود من العمل الصالح، لأنه - سبحانه - ما دام يعلم أحوال عباده وسيحاسبهم على أعمالهم، فجدير بالعاقل أن يرغب فى الطاعة وأن ينفر من المعصية. هذا، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن المؤمنين الصادقين سيكونون يوم القيامة مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإِمام مسلم فى صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمى أنه قال. كنت أبيت مع رسول الله وَالتّر فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لى. (سل): فقلت أسألك مرافقتك فى الجنة. فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعنى على نفسك بكثرة · السجود. ومنها ما رواه الإِمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله وَلقر قال: ((من قرأ ألف آية فى سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)). ومنها ما رواه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله رَله ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت فى الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة ان رسول الله وقد سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال ((المرء مع من أحب)). قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث(١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٣. - ٢١٢ المجلد الثالث وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين لله ولرسوله بأحسن البشارات، وأرفع الدرجات. ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالاستعداد للجهاد فى سبيل الله من أجل إعلاء كلمته، بعد أن أمرتهم قبل ذلك بطاعته وبطاعة رسوله وَعليه فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُ وأُحِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُ واأَثْبَاتٍ أَوِ اَنِفِرُ واْ جَمِيعًا (®، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَُّبَطَتَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُمُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اللَّهُ عَلَ إِذْلَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ ﴿ وَلَيِنْ أَصَبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ شَهِيدًا لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَفُوزَ ٧٣ فَوْزاًعَظِيمًا قال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد بَله، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج فى سبيل الله، وحماية الشرع. ووجه النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته. وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال ((خذوا حذركم)) فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا التوكل بل هو عين التوكل .. (١). والحِذْر والحذَر بمعنى واحد كالإِثر والأثر. يقال: أخذ فلان حذره، إذا تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه. فكأنه جعل الحذر آلته التى يقى بها نفسه ويعصم بها روحه. فالكلام على سبيل الكناية والتخيل. بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية. (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٧٣. ٢١٣ سورة النساء والمعنى : استعدوا - أيها المؤمنون - لأعدائكم، وكونوا على يقظة منهم، وكونوا متأهبين للقائهم دائما بالإِيمان القوى، وبالسلاح الذى يفل سلاحهم. هذا، وللأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى هذا المعنى، فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه: ((الحذر: الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفى أمثال العرب (قتلت أرض جاهلها). ويدخل فى الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية استعمالها فكل ذلك وغيره يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر. وقد كان النبى وَ﴿ وأصحابه عارفين بأرض عدوهم، وكان للنبى ◌َّر جواسيس يأتونه بأخبار مكة، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد استعد لفتحها، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة (حاربهم بمثل ما يحاربونك به: السيف بالسيف، والرمح بالرمح). وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل النبى وسلم وأصحابه، كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته))(١). فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة (خذوا حذركم﴾ دعوة للمؤمنين فى كل زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف الوسائل التى تجعل الأمة الإِسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا فى داخلها أم فى خارجها. وقوله ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ تفريع على أخذ الحذر؛ لأنهم إذا أخذوا حذرهم، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم وقوله ﴿فانفروا﴾ من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال بسرعة. ومنه قوله - تعالى - ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾(٢). والمراد بقوله ﴿فانفروا﴾ هنا: أى اخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة ونشاط. ويقال : نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم. واستنفر الإِمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله وسط (وإذا استنفرتم فانفروا). والنفير. اسم للقوم الذين ينفرون. وقوله ﴿ثبات﴾ جمع ثبة, وهى الجماعة والعصبة من الفرسان. مأخوذة من ثبا يثبو أى اجتمع . (١) تفسير المنار جـ ٥ ص ٢٥٠ (٢) سورة التوبة آية ١٢٢ ٢١٤ المجلد الثالث والمعنى. عليكم - أيها المؤمنون - أن تكونوا دائما على استعداد للقاء أعدائكم، ولا تغفلوا عن كيدهم. فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا إليهم مسرعين جماعة فى إثر جماعة؛ أو فاخرجوا إليهم مجتمعين فى جيش واحد، فإن قتالكم لأعدائكم أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة، وأحيانا يتطلب خروجكم مجتمعين، فاسلكوا فى قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة لدحرهم والتغلب عليهم. وقوله ﴿ثبات﴾ منصوب على الحال من الضمير فى قوله ﴿انفروا﴾ وكذلك قوله ﴿جميعا﴾ أى انفروا متفرقين أو انفروا مجتمعين أى، ليكن نفوركم على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة. قال الألوسى: قوله ﴿أو انفروا جميعا﴾ أى مجتمعين جماعة واحدة. ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة. وللقطعه المنتخبة المقتطعة منه سرية وهى من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فمنسر - كمجلس ومنبر - إلى الثمانمائة. فإن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف. فإن زاد يسمى جحفلا. فإن زاد يسمى خميسا وهو الجيش العظيم. وما افترق من السرية يسمى بعثا. والآية وإن نزلت فى الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على المبادرة إلى الخيرات (كلها كيفما أمكن قبل الفوات))(١). ثم كشف - سبحانه - عن فساد نفوس المنافقين وضعاف الإِيمان فقال: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ أى: ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد. من ((بطأ)) - بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو فعل لازم. وقد يستعمل أبطأ وبطأ - بالتشديد - متعديين، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى : ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد فى سبيل الله. وقد جمع المنافقون وضعاف الإِيمان بين الأمرين : فقد كانوا يتخلفون عن الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم، ولا يكتفون بذلك بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد . والتعبير بقوله ﴿ليبطئن﴾ تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة، لأنه يصور الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإِيمان وهم یشدون أنفسهم شدا، ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج من أجل إعلاء كلمة الله. وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات، للاشعار بأن هؤلاء المنافقين لا يتركون (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٧٩ ٢١٥ سورة النساء فرصة تمرد دون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار، وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن المنافقين. والمراد بقوله ﴿منكم﴾ أى من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم، ويرتبطون معكم برباط القرابة، ويتظاهرون بالإِسلام، فلقد كان المنافقون فى المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين، كما هو معروف فى التاريخ الإِسلامى. فمثلا عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - كان أحد أبنائه من المؤمنين الصادقين . وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن المنافقين المندسين فى صفوفهم لكى يحذروهم، قال صاحب الكشاف: واللام فى قوله ﴿لمن﴾ للابتداء بمنزلتها فى قوله ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ وفى ﴿ليبطئن﴾ جواب قسم محذوف تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن فى ﴿ليبطئن﴾. والخطاب لعسكر . رسول الله ◌َ القيم))(١) وقوله ﴿فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا﴾ بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد، وما نطقت به ألسنتهم من سوء. أى: وإن من المتظاهرين بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن القتال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم، ﴿فإن أصابتكم﴾ يا معشر المؤمنين ﴿مصيبة﴾ كهزيمة وقتية، أو استشهاد جماعة منكم ﴿قال﴾ هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفى ﴿قد أنعم الله على﴾ أى: قد أكرمنى الله بالقعود ﴿إِذ لم اكن معهم شهيدا﴾ أى حاضرا فى المعركة، لأنى لوكنت". حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام. فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة، إذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم. أما إذا كانت الدولة للمؤمنين، وظفروا بالغنائم، فهنا يتمنى المنافقون أن لو كانوا معهم لينالوا بعض هذه الغنائم. واستمع إلى القرآن وهو يحكى عنهم ذلك فيقول : ﴿ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾. أى: ﴿ولئن أصابكم﴾ يامعشر المؤمنين ﴿فضل من الله﴾ كفتح وغنيمة ونصر وظفر ﴿ليقولن﴾ هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة والتهالك على حطام الدنيا، حالة كونه ﴿كأن (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٣٢ ٢١٦ المجلد الثالث لم تكن بينكم وبينه مودة﴾ ليقولن: ﴿يا ليتني كنت معهم) عندما خرجوا للجهاد ﴿فأفوز فوزا عظيما﴾ بأن أحصل كما حصلوا على الغنائم الكثيرة. وهذا - كما يقول ابن جرير - خبر من الله - تعالى - ذكره عن هؤلاء المنافقين، أن شهودهم الحرب مع المسلمين - إن شهدوها - إنما هو لطلب الغنيمة وإن تخلفوا عنها فللشك الذى فى قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا، ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا(١). وفى نسبة الفضل إلى الله فى قوله ﴿ولئن أصابكم فضل من الله﴾ دون إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله -تعالى- وإن كان سبحانه - هو الخالق لكل شىء، فهو الذى يمنح الفضل لمن يشاء وهو الذى يمنعه عمن يشاء. وقوله ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾ جملة معترضة بين فعل القول الذى هو ﴿ليقولن﴾ وبين المقول الذى هو ﴿يا ليتني كنت معهم﴾. وقد جىء بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين، لأنهم كان فى إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال، وأن ينالوا نصيبهم من الغنائم التى حصل عليها المؤمنون، ولكنهم لم يخرجوا لسوء نواياهم، فلما أظهروا التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم فى أيدى المؤمنين كان تحسرهم فى غير موضعه؛ لأن الذى يتحسر على فوات شىء عادة هو من لا علم له به أو بأسبابه، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على علم بقتال المؤمنين لأعدائهم، وكان فى إمكانهم أن يخرجوا معهم. فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين : انظروا وتعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين إنهم عندما أصابتكم مصيبه فرحوا، وعندما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا وتمنوا أن لو كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذى دار بينكم وبين أعدائكم، وحتى لكأنهم لامخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم بالقتال حاصل، ومخالطتهم لكم حاصلة فلم يتحسرون؟ إن قولهم : ﴿يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾ ليدعو إلى التعجب من أحوالهم، والتحقير لسلوكهم، والدعوة عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء أعدائهم فى كل وقت، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا أصابت المؤمنين مصيبة فرحوا لها، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحزنوا، وفى هذا الكشف فضيحة للمنافقين، وتحذير للمؤمنين من شرورهم. (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٦٦ ٢١٧ سورة النساء وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد، أخذ القرآن الكريم فى استنهاض الهمم والعزائم للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى - : فَلْيُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِآلْآَخِرَةَ وَمَن يُقَتِلْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبٌ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَخْرًا عَظِيمًا (٦) وَمَا لَكُمْلَأَنْقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِالْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ نَصِيرًا (٥) الَّذِينَ ءَامَنُواْيُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦ والفاء فى قوله ﴿فليقاتل﴾ للإفصاح عن جواب شرط مقدر. أى إن أبطأ هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال، فليقاتل المؤمنون الصادقون الذين ﴿يشرون﴾ أى يبيعون الحياة الدنيا بكل متعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله - تعالى - فى الآخرة. وقوله ﴿فى سبيل الله﴾ تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو المعتد به عند الله - تعالى -، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل فخر أو مغنم أو اغتصاب حق غيره، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى. وقوله ﴿ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمجاهدين. أى: ومن يقاتل فى سبيل الله ومن أجل إعلاء دينه، فيستشهد، أو يكون له النصر على . ٢١٨ المجلد الثالث عدوه، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى .. وإنما اقتصر - سبحانه على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهى حالة الاستشهاد وحالة الغلبة على العدو، للإِشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين الحالتين، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الانتصار على أعداء الله، ومتى وطن نفسه على ذلك ثبت فى قتاله، وأخلص فى جهاده. وقدم - سبحانه - القتل على الغلب، للإيذان بأن حرص المجاهد المخلص على الاستشهاد فى سبيل الله، أشد من حرصه على الغلب والنصر. والتعبير بسوف فى قوله ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ لتأكيد الحصول على الأجر العظيم فى المستقبل . والجملة جواب الشرط وهو قوله ﴿ومن يقاتل﴾ وقوله ﴿فيقتل﴾ تفريع على فعل الشرط. ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم، للإشعار بأنه أجر لا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، ولا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -. ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال : ﴿وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾. فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات، مبالغة فى التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه، و﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، والجار والمجرور وهو ﴿لكم﴾ خبره. وجملة ﴿لا تقاتلون فى سبيل الله﴾ فى محل نصب على الحال، والعامل فى هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لتضمنه معنى الفعل. والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد، والإِنكار عليهم فى تركه مع توفر دواعيه، والمعنى : أى شىء جعلكم غير مقاتلين؟ إن عدم قتالكم لأعدائكم يتنافى مع إيمانكم، أما الذى يتناسب مع إيمانكم وطاعتكم الله فهو أن تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه، ونفى للاعتذار عنه. والمراد بالمستضعفين : الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا فى مكة بعد هجرة الرسول وهل إلى المدينة، لعدم قدرتهم على الهجرة أو لمنع المشركين إياهم من الخروج. وقد كان النبى ◌ّلل يدعو لهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. وقوله ﴿والمستضعفين﴾ معطوف على قوله ﴿فى سبيل الله﴾ أى: قاتلوا فى سبيل الله وفى ٢١٩ سورة النساء سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم. وخصهم بالذكر مع أن القتال فى سبيل الله يشملهم، لمزيد العناية بشأنهم، وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين والتقرب إلى الله - تعالى -، لأن مروءة الإِنسان الكريم تحمله على نصرة الضعيف، ومنع الاعتداء عليه. وقوله ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾، بيان لهؤلاء المستضعفين. أى: قاتلوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه، ومن أجل نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة، ومن النساء اللائى لا يملكن حولا ولا قوة. ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وفى النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان، أقوى تحريض على الجهاد، وأعظم وسيلة لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال، لأنهم إذا تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء فى أيدى للشركين، فانهم سيعيرون بهم، وهذا ما يأباه كل شريف كريم. ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفون فقال : ﴿الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القريه الظالم أهلها. واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا﴾. أى: قاتلوا - أيها المؤمنون - فى سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يضرعون إلى الله قائلين: ياربنا أخرجنا من هذه القرية التى ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم ﴿واجعل لنا من لدنك وليا﴾. أى وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾. أى : وسخر لنا من عندك کذلك ناصرا یدفع عنا أذى أعدائنا، فأنت الذی لا یذل من استجار به، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه. والمراد بالقرية الظالم أهلها : مكة. وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هى بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما فى قوله - تعالى - ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾ وذلك من باب التكريم لمكة، إذ هى حرم الله الآمن؛ ولا يوصف حرم الله الآمن بالظلم ولو على سبيل المجاز. وقوله ﴿الظالم أهلها﴾ صفة للقرية، وأهلها مرفوع به على الفاعلية، وأل فى الظالم موصولة بمعنى التى أى التى ظلم أهلها. فقوله ﴿الظالم﴾ جار على القرية لفظا، وهو لما بعدها معنى نحو: مررت برجل حسن غلامه. وفى هذا النداء الذى تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان الأدب ٢٢٠ المجلد الثالث والإِخلاص فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش الظالمين وحكمهم، وأن ... يجعلهم تابعين للقوم الذين يحبهم ويحبونه، وهم المؤمنون، وأن يهىء لهم النصر على أعدئهم وأعدائه . ولقد استجاب الله - تعالى - لهم دعاءهم، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، ورزق .. المؤمنين فتحا قريبا، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله: ((والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين ... وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقى بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولى وناصر وهو محمد بالر فتولاهم أحسن التولى، ونصرهم أقوى النصر. فإن قلت : لم يذكر الولدان : قلت : تسجيلا بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم إستنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة بإخراجهم فى الإستسقاء(١). ثم ساق - سبحانه - لونا آخر من تحريضهم على الجهاد وهو تحديد الهدف الذى يقاتل من أجله كل فريق فقال: ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ أى أنتم - أيها المؤمنون - إذا قاتلتم فإنما تقاتلون وغايتكم إعلاء كلمة الله، ونصرة الحق الذى جاء به رسولكم محمد رَثقة . أما أعداؤكم الكافرون فإنهم يقاتلون من أجل طاعة الشيطان الذى يأمرهم بكل بغى وطغيان، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم - أيها المؤمنون - أن تقاتلوا أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ أى. إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا، لأن الشيطان ينصر أولياءه، والله - تعالى - ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الله - تعالى - لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه. : فقوله - تعالى - ﴿الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله﴾ كلام مستأنف سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم فى الجهاد ببيان الغاية والهدف الذى يعمل من أجله كل فريق، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والظفر لأن الله وليهم وناصرهم. والفاء فى قوله ﴿فقاتلوا﴾ للتفريع، أى إذا كانت تلك غايتكم أيها المؤمنون وتلك هى غاية (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٣٤