النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة النساء
والتيمم لغة : القصد. يقال تيممت الشىء أى قصدته.
ويطلق فى الشرغ على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به.
وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز، ترابا كان أو غيره. وقيل
يطلق غلى التراب خاصة.
والطيب : الطاهر الذى لم تلوثه نجاسة ولا قذر.
أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله فاقصدوا ترابا
طاهرًا بارزًا على وجه الأرض لكى تستعملوه فى طهارتكم عوضا عن الماء.
وقوله ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ بيان لكيفية التيمم.
أى: اقصدوا ترابًا على ظاهر الأرض طاهرًا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم.
وقوله ﴿إن الله كان عفوًّا غفورا﴾ تذييل قصد به بيان أنه - سبحانه - متصف بالعفو
فلا يختار لعباده إلا السهل اليسير الذى يسهل عليهم أداؤه من غير مشقة مرهقة، وأنه هو الغفار
الذى يغفر للمقصرين والمخطئين ذنوبهم متى تابوا إليه واستغفروه مما صدر عنهم من ذنوب.
هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
٠
١ - أن من الواجب على المسلم عندما يتهيأ للصلاة أن يتجنب كل ما يتعارض مع الخشوع
فيها، لأن الصلاة مناجاة ووقوف بين يدى الله - تعالى -، ومن شأن المناجى لله - تعالى - أن
يتفرغ لذلك، وأن يكون على درجة من العلم والفهم تمكنه من الوقوف الخاشع بين يدى الله
رب العالمين.
٢ - أن الصلاة محرمة على السكران حال سكره حتى يصحو. فإذا أداها حال سكره تكون
باطلة، وكذلك الحكم بالنسبة للمحدث أو الجنب حتى يتطهر.
٣ - استدل بهذه الآية - من قال بأن المراد بالصلاة مواضعها - على أنه يحرم على السكران
دخول المسجد، لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول، ويقاس عليه كل ذى نجاسة يخشى
معها التلويث والسياب ونحوه.
٤ - استدلوا بقوله - تعالى -: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ على أن المسلم منهى عن الصلاة
حال النعاس أو ما يشبهه، لأنه فى هذه الحالة لا يعلم ما يقول ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن
عائشة أن رسول الله وَلقر قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فان
أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه).

١٦٢
المجلد الثالث
وروى البخارى عن أنس عن النبى ◌ّ قال: (إذا نعس أحدكم فى الصلاة فلينم حتى يعلم
ما يقرأ).
قال الفخر الرازى ما ملخصه : ويرى الضحاك أنه ليس المراد من لفظ ﴿سكارى﴾ السكر
من الخمر، وإنما المراد منه سكر النوم. لأن لفظ السكر يستعمل فى النوم فكان هذا اللفظ
محتملا له ....
ثم قال الرازى: واعلم أن القول الصحيح هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو أن
المراد من لفظ ﴿سكارى﴾ السكر من الخمر، لأن لفظ السكر حقيقة فى السكر من شرب
الخمر، والأصل فى الكلام الحقيقة ... ، ولأن جميع المفسرين قد اتفقوا على أن هذه الآية إنما
نزلت فى شرب الخمر ... )(١)
٥ - استدلوا بقوله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا﴾ على أنه يحرم على
الجنب المكث فى المسجد، إلا أنه يجوز له المرور فيه.
قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس فى قوله ﴿ولا جنبا إلا عابرى سبيل﴾: لا تدخلوا
المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سبيل. أى: تمر به مرًّا ولا تجلس.
وروى ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب فى قوله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابری سبیل﴾ أن
رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء
ولا يجدون مرورًا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابرى سبيل﴾ ويشهد
لصحة ذلك ما ثبت فى صحيح البخارى أن رسول الله وسلّر قال: (سدوا كل خوخة فى المسجد
إلا خوخة أبى بكر ... )
وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد، ويجوز له
المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا متى أمنت كل واحدة منهما التلويث فى حال المرور ...
ثم قال ابن كثير: وقوله ﴿حتى تغتسلوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة
ومالك والشافعى من أنه يحرم على الجنب المكث فى المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء
أو لم يقدر على استعماله. وذهب الإِمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث فى
المسجد، لما روى من أن صحابة كانوا يفعلون ذلك. وعن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا
من أصحاب رسول الله والقر يجلسون فى المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهذا
إسناد صحيح على شرط مسلم)(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ١٠٩ - بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٠٣

١٦٣
سورة النساء
٦ - ظاهر قوله - تعالى - ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ يفيد أن التيمم لا يصح مع وجود
الماء، لأن الآية الكريمة قد رتبت الأمر بالتيمم على نفى وجود الماء.
ولكن هذا الظاهر غير مراد، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجدنا ماء، وكنا فى حاجة شديدة إليه، ،
أو لا نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن نتيمم، وهذا بتعارض مع سماحه الشريعة
الإِسلامية ويسرها، قال - تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقال -
تعالى -: ﴿ ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾.
ويتعارض كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس، والتيسير على الناس
لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء فى الطهارة ليقعوا فى العنت بسبب العطش أو
الجوع. أو بإلزامهم استعمال الماء فى طهارتهم مع أن فى استعماله مضرة بهم.
لذا قال العلماء: إن التيمم مشروع للمسلم عند فقده للماء، أو عند وجود الماء ولكن هناك
عارض يمنعه من استعماله كمرض أو نحوه .
ولقد ورد فى السنة النبوية الشريفة ما يشهد بأنه يجوز للمسلم أن يتيمم مع وجود الماء متى
كان هناك ما يمنع من استعماله.
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطنى عن جابر قال : خرجنا فى سفر. فأصاب رجلا منا
حجر فشجه فى رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟ فقالوا :
ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبى صل# أخبر بدلك
فقال: قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن
يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده)).
وروى أبو داود والدارقطنى عن عمرو بن العاص قال: احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات
السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. فتيممت. ثم صليت بأصحابى الصبح. فذكروا
ذلك للنبى ﴿ ﴿ فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابى وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذى منعنى من
الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)
فضحك رسول الله وَ لهر ولم يقل شيئا)).
قال القرطبى - بعد أن ساق هذا الحديث والذى قبله - : فدل هذا الحديث على إباحة
التيمم مع الخوف من المرض - عند استعمال الماء - : وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيمم،
وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين. وهذا أحد القولين عندنا. وهو الصحيح الذى أقره مالك فى
موطئه وقرىء عليه إلى أن مات(١).
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢١٧
٠٠

١٦٤
المجلد الثالث
وقال ابن كثير: وقد استنبط كثير من الفقهاء من الآية أنه لا يجوز التيمم لعدم الماء إلا بعد
طلب الماء. فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب فى كتب
الفروع ... ))(١).
٧ - أخذ الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى - ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾: أن التيمم
لا يجوز إلا بالتراب الطاهر لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب)) ولأنه ثبت فى صحيح مسلم عن
حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله وسلم فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف
الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء)) قالوا :
فخصص الطهور بالتراب فى مقام الامتنان. فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.
ويرى الإِمام أبو حنيفة أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس
الأرض متى كان طاهرا. قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض وهذه الصفة
لا تختص بالتراب.
وتوسع الإِمام مالك فذهب إلى أن التيمم يجوز بكل ما سبق وبغيره كالشجر والحجر والنبات
لأن الصعيد عنده كل ما صعد على وجه الأرض.
...
قال القرطبى عند حديثه عن اختلاف الفقهاء فى ذلك : وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان
الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير منقول ولا منصوب. ومكان
الإجماع فى المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز
واللحم وغيرهما، أو على النجاسات. واختلف فى غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك
وغيره. ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره .... ))(٢).
٨ - أفاد قوله - تعالى - ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ أن الواجب فى التيمم هو مسح
الوجه واليدين فقط سواء أكان التيمم بدلا عن الوضوء أو عن الغسل.
قال القرطبى: وروى التيمم إلى المرفقين عن النبى وَ هر جابر بن عبد الله، وابن عمر وبه
كان يقول : قال الدارقطنى: سئل قتادة عن التيمم فى السفر فقال: كان ابن عمر يقول: إلى
المرفقين. وكان الحسن وإبراهيم النخعى يقولان: إلى المرفقين.
ثم قال : وقالت طائفة يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان. روى ذلك عن على بن أبى طالب
والأوزاعى وعطاء والشعبى فى رواية. وبه قال أحمد ابن حنبل، والطبرى.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٠٤
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص٢٣٧ .

١٦٥
سورة النساء
وقال مكحول : اجتمعت أنا والزهرى فتذاكرنا التيمم فقال الزهرى: المسح إلى الآباط.
وقال ابن أبى الجهم: التيمم بضربة واحدة، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود
والطبرى(١).
٩ - ذكر المفسرون فى سبب مشروعية التيمم روايات منها ما أخرجه البخارى عن عائشة -
رضى الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله * فى بعض أسفاره : حتى إذا كنا بالبيداء أو
بذات الجيش انقطع عقدلى. فأقام رسول الله ولاخير على التماسه وأقام الناس معه. وليسوا على
ماء. وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة؟
أقامت برسول الله وَ لجر وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبوبكر ورسول الله وَله
واضع رأسه على فخذى قد نام. فقال: حبست رسول الله وب لر والناس وليسوا على ماء وليس
معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول. فجعل يطعننى بيده فى
خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله وفر على فخذى. فقام رسول الله وَالل حتى
أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هى بأول
بركتكم يا آل أبى بكر.
قالت: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته)).
قال الحافظ ابن كثير عند ذكره هنا لسبب مشروعية التيمم، وإنما ذكرنا ذلك ههنا، لأن هذه
الآية التى فى النساء متقدمة فى النزول على آية سورة المائدة وبيانه : أن هذه نزلت قبل تحريم
الخمر. والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير، فى محاصرة النبى وَلّ لبنى النضير. وأما المائدة فإنها من
آخر ما نزل ولاسيما صدرها. فناسب أن يذكر السبب هنا(٢) ..
١٠ - تكلم بعض العلماء عن حكمة مشروعية التيمم عوضا عن الطهارة بالماء فقال :
والتيمم من خصائص شريعة الإِسلام كما فى حديث جابر أن النبى وهيفير قال: ((أعطيت خمسا لم
يعطهن أحد قبلى - فذكر منها - وجعلت لى الأرض مسجداً وطهورا)).
والتيمم بدل جعله الشرع عن الطهارة. ولم أر لأحد من العلماء بيانا فى حكمة جعل التيمم
عوضا عن الطهارة بالماء، وكان ذلك من همى زمنا طويلا وقت الطلب. ثم انفتح لى حكمة
ذلك.
وأحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة فى نفوس المؤمنين. وتقرير حرمة الصلاة
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٤٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص٥٠٦.

١٦٦
المجلد الثالث
وترفيع شأنها فى نفوسهم. فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما
لمناجاة الله - تعالى - فلذلك شرع لهم عملا يشبه الإِيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم
متطهرين، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التى هى منبع الماء. ولأن التراب
مستعمل فى تطهير الآنية ونحوها، ينظقون به ما علق لهم من الأقذار فى ثيابهم وأبدانهم
وما عونهم. وما الاستجمار إلا من ضرب ذلك، مع ما فى ذلك من تجديد طلب الماء الفاقده
وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه. وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اكتفت الشريعة فيه
بالوجه والكفين فى الطهارتين الصغرى والكبرى كما دل عليه حديث عمار بن ياسر فقد ثبت فى
الصحيح عن عمار بن ياسر قال: كنت فى سفر فأجنبت فتمعكت فى التراب ((أى تمرغت))
وصليت. فأتيت النبي ◌َّ ر فذكرت ذلك له فقال: ((يكفيك الوجه والكفان)). ويؤيد هذا
المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء فى غزوة المريسيع صلوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم.
هذا منتهى ما عرض لى من حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل فى حكمة
مقنعة فى النظر (١).
وبعد، فهذه بعض الأحكام والآداب التى اشتملت عليها تلك الآية، ومنها نرى كيف
وجهت المؤمنين إلى ما يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم، ويبعدهم عن الأسباب التى تحول بينهم
وبين إخلاص المناجاة لله رب العالمين، وإلى ما يجعلهم يتحرزون عن كل ما يدنسهم أو يلهيهم
عن طاعة الله.
كما ترى كيف استعملت فى خطابها للمؤمنين ألطف الكنايات؛ وأسمى التعبيرات، وأبلغ
الإِشارات، وفى ذلك ما فيه من تربية سليمة للمؤمنين تجعلهم يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.
هذا، وأنت إذا تدبرت السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا، تراها قد نظمت العلاقات بين
أفراد المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما، وساقت لهم من التوجيهات السامية، والآداب العالية،
والتشريعات الجليلة ... ما يجعلهم يعيشون فى أمان واطمئنان.
ثم أخذت السورة بعد ذلك تسوق لنا فى أكثر من عشر آيات، ألوانا من رذائل أهل
الكتاب، ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإِسلامية، ومن حسدهم للنبى وَّ على ما آتاه
الله من فضله، وتوعدتهم بسوء المصير على ما اقترفوه من منكرات وآثام ...
وكأن السورة الكريمة بعد أن نظمت المجتمع الإسلامى هذا التنظيم الداخلى السليم،
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ص٦٨. طبع الدار التونسية للنشر. تأليف الأستاذ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور.

١٦٧
سورة النساء
أخذت فى تحذير المؤمنين من عدوهم الخارجى، وأطلعتهم على ما يضمره لهم أهل الكتاب من
كراهية وبغضاء.
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول :
أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
اُلْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِدُونَ أَنْ تَضِلُّواْالسَّبِيلَ
٤٤
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآَبِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِلّهِ نَصِيرًا(
(٤٥
مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَّتِهِمْ
وَطَعْنَا فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا
لَكَانَ خَيْرًالَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْبِمَا نَزَّلْنَا
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا
عَلَ أَدْبَارِهَا أَوْنَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولًا (٦) إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا
﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُونَ أَنْفُسَهُمّ بَلِ اللَّهُ يُزَكِ مَن يَشَآءُ
وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٥ )، أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبِّ
وَكَفَى بِهِ بِثْمَا تُبِينًا (٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا

١٦٨
المجلد الثالث
مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاُلَّغُوتِ وَيَقُولُونَ
٥١
◌ِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ الَهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيًّا (٣)
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥)، أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَ اتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ
ءَالَ إِبْرَهِيمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكًّا عَظِيمًا ®
فَمِنْهُمْ مَّنْءَامَنَبِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَتَّمَ سَعِيًّا®
قال الألوسى : قوله - تعالى - ﴿ألم تر﴾ هذه الكلمة قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون
للتعجب والتقدير والتذكير لمن علم بما يأتى كالأحبار وأهل التواريخ، وقد تذكر لمن لا يكون
كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وقد اشتهرت فى ذلك حتى أجريت مجرى المثل فى هذا الياب.
بأن شبه حال من لم ير الشىء بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه وأنه ينبغى أن يتعجب
منه ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى
التعجب - والرؤية إما بمعنى الإبصار - أى ألم تنظر إليهم، وإما بمعنى الإِدراك القلبى متضمنا
معنى الوصول والانتهاء - أى ألم ينته علمك إليهم))(١).
والمراد ب﴿الذين﴾ أحبار اليهود. والمراد بالذى أوتوه ما بين لهم فى الكتاب من العلوم
والأحكام التى من جملتها ما علموه من نعوت النبى وَّ ومن حقية دين الإِسلام بالاتباع.
والمراد بالكتاب : التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على موسى عليه السلام - ليكون هداية
لبنى إسرائيل، فحرفوها وتركوا العمل بها.
والمراد بالسبيل : الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام فأل فيه للعهد.
والمعنى : ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا حظا ومقدارا من
علم التوراة؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم وتلك هى حقيقتهم، إنهم
(١) تفسير الآلوسي جـ٥ ص ٤٥ - بتصرف يسير.
٠

١٦٩
سورة النساء
يشترون الضلالة وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم الدالة على صحة دين
الإِسلام، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذى أشربته نفوسهم، بل يريدون لكم يا معشر
المسلمين أن تتركوا دين الإِسلام الذى هو السبيل الحق، وأن تتبعوهم فى ضلالهم وكفرهم.
فالمقصود من الآية الكريمة تعجيب المؤمنين من سوء أحوال أولئك الأحبار، وتحذير لهم من
موالاتهم أو من الاستماع إلى أكاذيبهم وشبهاتهم.
والخطاب لكل من يصلح له من المؤمنين. وتوجيهه إلى النبى - رضي - هنا مع توجيهه بعد
ذلك إلى الكل - فى قوله ﴿أن تضلوا﴾ - للإيذان بكمال شهرة شناعة حال أولئك اليهود،
وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها أو يعلمها.
وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، ولم يؤتوا الكتاب كله، لأنهم نسوا
حظا كبيرًا مما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به
بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم.
وقوله ﴿يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل﴾ هو موطن التعجب من شأنهم لأنهم
لا يطلبون الضلالة بفتور أو تريث وإنما يطلبونها بشراهة ونهم ويدفعون فيها أغلى الأثمان وهو
الهدى، ولا يكتفون بذلك بل يبتغون من المؤمنين أن يكونوا مثلهم فى الضلال.
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى - ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾.
وذكر سبحانه - الشىء الذى اشتروه وهو الضلالة، وطوى ذكر المتروك وهو الهدى، للإيذان
بغاية ظهوره. وللاشعار بأنهم قوم يطلبون الضلالة فى ذاتها. وأن البعد عن الحق والهدى
مطلب من مطالبهم يدفعون فيه الثمن عن رغبة، وذلك لأنهم قوم مردوا على الضلالة فغدوا
لا یستمرئون سواها، ولا یرکنون إلا إليها. وإن قوما هذا شأنهم جدیرون بالابتعاد عنهم،
والتحقير من أمرهم. لأنك - كما يقول الفخر الرازى - لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع
بين هذين الأمرين : أعنى الضلال والإِضلال.
قال الآلوسي: وقوله: ﴿يشترون الضلالة﴾ .. الخ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار
التعجب المفهومين من صدر الكلام، مبنى على سؤال نشأ منه كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى
ينظر إليهم؟ فقيل يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها بعد تمكنهم منه ... وذهب
أبو البقاء إلى أن جملة ﴿يشترون﴾ حالة مقدرة من ضمير ﴿أوتوا﴾ أو حال من ﴿الذين﴾(١).
وقوله ﴿والله أعلم بأعدائكم) جملة معترضة للتأكيد والتحذير.
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٤٥.

١٧٠
المجلد الثالث
أى: والله - تعالى - أعلم بأعدائكم منكم - أيها المؤمنون - وقد أخبركم بأحوالهم
وبما يبيتون لكم من شرور فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى أقوالهم وأعدوا العدة لتأديبهم دفاعا عن
دينكم وعقيدتكم.
وقوله ﴿وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾ تذييل قصد به غرس الطمأنينة فى نفوس المؤمنين
بأن العاقبة لهم.
أى: ﴿وكفى بالله وليا﴾ يتولى أموركم، ويصلح بالكم، ﴿وكفى بالله نصيرا﴾ يدفع عنكم
مكرهم وشرورهم؛ وما دام الأمر كذلك فاكتفوا بولايته ونصرته. واعتصموا بحبله، وأطيعوا
أمره، ولا تكونوا فى ضيق من مكر أعدائكم فإن الله ناصركم عليهم بفضله وإحسانه.
وقوله ﴿وكفى﴾ فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعل والباء مزيدة فيه لتأكيد الكفاية. ووليا
ونصيرا منصوبان على التمييز. وقيل على الحال.
وكرر - سبحانه - الفعل كفى لإلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، لأن التكرار فى مثل هذا
المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب، وأشد مبالغة فيما سيق الكلام من أجله.
فكأنه - سبحانه - يقول لهم : اكتفوا بولاية الله ونصرته، وكفاكم الله الولاية والنصرة
والمعونة. ومن كان الله كافيه نصره على عدوه فاطمئنوا ولا تخافوا.
ثم ذكر - سبحانه - ألوانا من الأقوال والأعمال القبيحة التى كان اليهود يقولونها ويفعلونها
للإساءة إلى النبى وصّل﴿ وإلى المسلمين فقال: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾.
وتحريف الشىء إمالته وتغييره. ومنه قولهم : طاعون يحرف القلوب، أى يميلها ويجعلها على
حرف، أى جانب وطرف. وأصله من الحرف يقال : حرف الشىء عن وجهه، صرفه عنه.
والجملة الكريمة بيان للموصول وهو قوله - تعالى - ﴿الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾.
ويجوز أن يكون قوله ﴿من الذين هادوا﴾ خبر لمبتدأ محذوف. وقوله ﴿يحرفون الكلم عن
مواضعه﴾ صفة له.
أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه أى يميلونه عن
مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق والصواب.
قال الفخر الرازى: فى كيفية التحريف وجوه :
أحدها: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. مثل تحريفهم اسم ((ربعة)) عن موضعه فى
التوراة بوضعهم ((آدم طويل))، وكنحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله.
الثانى : أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من

١٧١
سورة النساء
معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة فى زماننا هذا
بالآيات المخالفة لمذاهبهم. وهذا هو الأصح.
الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبى بَّ ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا
خرجوا من عنده حرفوا كلامه)) (١).
والذى نراه أولى أن تحريف هؤلاء اليهود للكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك، لأنهم لم
يتركوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إلا فعلوها، أملا منهم فى صرف الناس عن الدعوة
الإِسلامية، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم.
قال الزمخشرى: فإن قلت: كيف قيل ههنا ﴿عن مواضعه﴾ وفى المائدة ﴿من بعد
مواضعه﴾؟ قلت: ((أما عن مواضعه)) فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التى أوجبت
حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه.
وأما ﴿من بعد مواضعه﴾ فالمعنى أنه كانت له مواضع قمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه
تركوه كالغريب الذى لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. والمعنيان متقاربان))(٢).
ثم حكى - سبحانه - لونا ثانيًا من ضلالتهم فقال: ﴿ويقولون سمعنا وعصينا﴾ أى.
ويقولون للنبى ﴿ إذا ما أمرهم بشىء: سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول
لا نطيعك لأننا متمسكون باليهودية .
ثم حكى - سبحانه - لونا ثالثا من مكرهم فقال: ﴿واسمع غير مسمع﴾ وهذه الجملة
معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق.
أى: ويقولون ذلك فى أثناء مخاطبتهم للنبى وَس8 وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر. بأن
يحمل على معنى ((اسمع)) حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه. ووجه محتمل للخير. بأن يحمل
على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه.
فأنت تراهم - لعنهم الله - أنهم كانوا يخاطبون النبى وَّه بهذا الكلام المحتمل للشر والخير
موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير، مع أنهم لا يريدون إلا الشر، بسبب ما طفحت به نفوسهم
من حسد للنبى ◌ّ وللمسلمين.
ثم حكى - سبحانه - لونا رابعا من خبثهم فقال : ﴿وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين﴾
وهو كلام معطوف على ما قبله وداخل تحت القول السابق.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١١٨ طبعة عبد الرحمن محمد
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥١٧

١٧٢
المجلد الثالث
وكلمة ﴿راعنا﴾ كلمة ذات وجهين - أيضًا - فهی محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا
وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك. ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو
على السب بالرعونة أى الحمق.
قال الراغب: قوله : - تعالى - ﴿وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين﴾ كان ذلك قولا
يقولونه للنبى ولو على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون : راعنا
أى: أحفظنا. من قولهم: رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن))(١) أى أحمق.
وأصل كلمة ﴿ليا﴾ لويًا لأنه من لويت، فأدغمت الواو فى الياء لسبقها بالسكون. واللى:
الانحراف والالتفات والانعطاف.
والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ فى السمع مشبها لفظا
آخر هم يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم.
أى أنهم كانوا يقولون للنبى وَلّ على سبيل التهكم والاستهزاء ﴿راعنا﴾ ويقصدون بهذا
القول الإِساءة إليه ونَ﴿ وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقًا ملتويا منحرفا ليصرفوها عن
جانب احتمالها للخير إلى جانب إحتمالها للشر. ولذا فقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن
مخاطبة الرسول وَير بمثل هذه الألفاظ.
قال ابن كثير: عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا
انطرنا﴾: نهى الله عباده المؤمنين عن أن يتشبهوا بالكافرين فى مقالهم وفعالهم. وذلك أن اليهود
كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - : فإذا
أرادوا أن يقولوا اسمع لنا: يقولون راعنا، ويورون بالرعونه : وكذلك جاءت الأحاديث
بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون. السام عليكم. والسام هو الموت. ولهذا أمرنا
أن نرد عليهم بوعليكم. وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن الله -
تعالى - نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا))(٢).
وقوله ﴿وطعنا فى الدين﴾ أى يقولون ذلك من أجل القدح فى الدين؛ والاستهزاء بتعاليمه،
وبنبيه اَلل .
ثم بين - سبحانه - ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال : تعالى -
﴿ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم﴾
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفانى ص ١٩٨
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤٨.

١٧٣
سورة النساء
أى: ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول وَلل من حق وخير، ﴿سمعنا﴾
قولك سماع قبول وإستجابة، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا.
ولو أنهم قالوا عند محاطبتهم له وَل﴿ ﴿واسمع﴾ إجابتنا لدعوة الحق ﴿وانظرنا﴾ حتى نفهم
عنك ما تريده منا بدل قولهم ﴿واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم﴾ لو أنهم فعلوا ذلك
للكان قولهم هذا خيرًا لهم وأعدل من أقوالهم السابقة الباطلة التى حكاها القرآن عنهم.
ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والآخرة وقد صرح
القرآن بذلك فقال: ﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. أى: ولكنهم لم يقولوا
ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء
أفعالهم :
ولفظ ﴿قليلا﴾ فى قوله ﴿فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ منصوب على الاستثناء من قوله ﴿لعنهم﴾
أى: ولكن لعنهم الله إلا فريقا منهم آمنوا فلم يلعنوا: أو منصوب على الوصفية لمصدر
· محذوف أى: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به،
ولا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا؛ لأنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل الله فى
التصديق والطاعة.
قال - تعالى - ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله،
ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم
الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾.
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق، وأنذرهم بسوء المصير
إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى -: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا
مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب
السبت وكان أمر الله مفعولا﴾.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كلم رسول الله ولو رؤساء من أحبار يهود. منهم عبد
الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود: اتقوا الله وأسلموا. فوالله انكم
لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق. فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد، وجحدوا ما عرفوا وأصروا
على الكفر. فأنزل الله فيهم: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم)
الآية(١).
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص١٢٤.

١٧٤
المجلد الثالث
وفى ندائهم بقولهم ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنو﴾ تحريض لهم على الإِيمان، لأن
اعطاءهم علم الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى يمر وألا تأخذهم
العصبية الدينية كما أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية، ولأن هذا الإِيمان الذى يدعون إليه هو
التصديق بما أنزله الله على نبيه وَ ﴿ من قرآن، إذ هو يطابق - فى جوهره - ما أنزله - سبحانه -
على الأنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم. إذًا فوحدة المنزل توجب
عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله .
ووصفهم هنا بأنهم أوتوا الكتاب، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب،
لأن وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم غلى الإِيمان وترغيبهم فيه؛ واثارة هممهم للانقياد
لتعاليم كتابهم الذى بشرهم بمبعث النبى وَّ ر وأمرهم بالإِيمان به. أما وصفهم فيما سبق بأنهم
أوتوا نصيبا من الكتاب فالمقصود منه التعجيب من أحوالهم، والتهوين من شأنهم.
والمعنى: يا معشر اليهود الذين آتاهم الله التوراة لتكون هداية لهم، آمنوا ايمانا حقا
﴿بما نزلنا﴾ من قرآن على محمد ◌َل فإن هذا القرآن قد نزل ﴿مصدقا لما معكم﴾ وموافقا للتوراة
التى بين أيديكم فى الدعوة إلى وحداتية الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق، وفى النهى عن
الفواحش والمعاصى، ومؤيدا لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد والر ومن آيات تدعو إلى
تصديقه والإِيمان به.
وعبر عن القرآن بقوله : ﴿بما نزلنا﴾؛ لأن فى هذا التعبير تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل
بأمر الله وحفظه.
وعبر عن التوراة بقوله ﴿لما معكم﴾ لأن فى هذا التعبير تسجيلا عليهم بأن التوراة كتاب
مستصحب عندهم وقريب من أيديهم، وشهادته بصدق النبى وَل ظاهرة جلية، فإذا ما تركوا
شهادته مع وضوحها ومع استصحابهم له كان مثلهم ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾.
ثم أنذرهم - سبحانه - بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإِيمان بدعوة الإِسلام
فقال - تعالى - ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب
السبت وكان أمر الله مفعولا﴾.
والطمس إزالة الأثر بالمحو. قال الله - تعالى - ﴿فإذا النجوم طمست﴾ أى: زالت
ومحيت. ويقال: طمست الريح الأثر إذا محته وأزالته. وللمفسرين فى المراد من معنى الطمس
هنا اتجاهان :
أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما فى الوجه من أعضاء
ومحو أثرها.

١٧٥
سورة النساء
فيكون المعنى : ﴿يأيها الذين أوتو الكتاب آمنوا بما تزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس
وجوها﴾ أى نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وفم وحاجب ﴿فنردها على أدبارها﴾ أى
فنجعلها على هيئة أدبارها وهى الأقفاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء. وإلى هذا
المعنى ذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما.
قال الإِمام الرازى: وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه فى الخلقة والمثلة
والفضيحة؛ لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة .... ))(١).
ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإِمام ابن جرير لقد قال: ((وأولى
الأقوال فى ذلك بالصواب)) قول من قال : معنى قوله ﴿من قبل أن نطمس وجوها﴾ من قبل أن
نطمس أبصارها، ونمحو آثارها، فنسويها كالأقفاء. فنردها على أدبارها، فنجعل أبصارها فى
أدبارها، يعنى بذلك : فنجعل الوجوه فى أدبار الوجوه. فيكون معناه : فنحول الوجوه أقفاء،
والأقفاء وجوها، فيمشوا القهقرى، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك))(٢).
وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون فى آخر الزمان ومنهم من يرى .
هذه العقوبة تكون فى الآخرة. ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم،
وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره
وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس
المعنوى.
فيكون المعنى: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسو قلوبكم، ونطبع عليها
بسبب تمسكها بالضلال، وتماديها فى العناد.
قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه : هذا مثل ضربه الله لهم فى صرفهم عن الحق وردهم، إلى
الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال يهرعون ويمشون القهقرى على
أدبارهم. وهذا كما قال بعضهم فى قوله - تعالى- ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم
سدا﴾ أى هذا مثل سوء ضربه الله لهم فى ضلالهم ومنعهم عن الهدى.
قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق : فنردها على أدبارها أى فى
(٣)
٩
الضلال. وقال السدى: معناه: فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا ..
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٢١ طبعة عبد الرحمن محمد.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٢٣ طبعة الحلبى.
(٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص٥٠٨.

١٧٦
المجلد الثالث
وقال الفخرى الرازى - بعد أن بين معنى الآية على القول الأول - : أما القول الثاني : فهو
أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها.
الأول : قال الحسن : نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أى على ضلالتها والمقصود بيان
إلقائها فى أنواع الخذلان وظلمات الضلالات.
الثانى : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير. وبالوجوه : رؤساؤهم ووجهاؤهم.
والمعنى : من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإقبال والوجاهه ونكسوهم الصغار
والإِدبار والمذلة.
الثالث : قال عبد الرحمن بن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ذلك فى إجلاء
قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من
أرض الشام .. فيكون المراد بطمس الوجوه على هذا الرأى: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو
أحوالهم عنها)).
وقد مال الفخرى الرازى إلى القول الثانى ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة ... ))(١).
وقال بعض العلماء: إن الذى يبدو لنا من ظاهر النص وهو قوله - تعالى - ﴿من قبل أن
نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾: أنه يراد به سحقهم فى القتال، وحملهم على أن يولوا
الأدبار، فتكون وجوههم غير بادية بصورها، بعد أن كانوا مقبلين بها، فأزالها السيف والخوف،
وجعل صورتها مختفية، وأقفيتهم هى البادية الواضحة، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت
محلها صورة الأدبار.
وعلى ذلك يكون المعنى : إنكم استرسلتم فى غيكم وضلالكم. ومع ذلك نطالبكم بالهداية
والإِيمان قبل أن ينزل بكم غضب الله - تعالى - فى الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم،
فيذيقونكم بأس القتال فتفرون، وتختفى وجوهكم ... ))(٢).
هذه بعض الوجوه التى قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى وأن اللفظ محمول
.. على المجاز، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من الاعتراضات والإِشكالات التى
أوردها بعض المفسرين - كالرازى والآلوسى - عند تفسيرهما للآية الكريمة.
وقوله ﴿أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت﴾ بيان لعقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة.
واللعن : هو الطرد من رحمة الله - تعالى -.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص١٢١. بتصرف يسير -.
(٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بمجلة لواء الإسلام السنة الخامسة عشرة. العدد الأول.
!

١٧٧
سورة النساء
فالآية الكريمة دعوة لليهود إلى الإِيمان بما جاء به محمد - وَلّ - من قبل أن يطبع الله -
تعالى - على قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا تميل إليه. أو من قبل أن يلعنهم
ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين.
وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت، فتحايلوا على
استحلال ما حرمه الله بحيل قبيحة، فأنزل الله عليهم عذابه، ومسخهم قردة ...
وقد ذكر الله قصتهم بشىء من التفصيل فى سورة الأعراف(١).
وكلمة ((أو)) فى الآية الكريمة لمنع الخلو. فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم بعقوبة من هاتين
العقوبتين، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثانية إن هم استمروا فى ضلالهم وطغيانهم.
والضمير المنصوب فى قوله ((نلعنهم)) يعود لأصحاب الوجوه. أو للذين أوتوا الكتاب على
طريقة الالتفات.
وقوله ﴿وكان أمر الله مفعولا﴾ أى كان ومازال جميع ما أمر الله به وقضاه نافذا لا محالة؛ لأنه
- سبحانه - لا يعجزه شىء فى الأرض ولا في السماء :
والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم،
ويدخلوا فى صفوف المؤمنين.
وقوله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. استئناف مسوق لتقرير
ما قبله من الوعيد، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإِيمان، لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإِيمان.
والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر؛ فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا.
والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى
لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير توبة. فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التى
اقترفها فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة .
وقوله ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك،
وزيادة فى تشنيع حال المشرك.
أى. ومن يشرك بالله فى عبادته غيره من خلقه، فقد ارتكب من الآثام ما لا تتعلق به
· المغفرة، لأنه بهذا الإِشراك قد افترى الكذب العظيم على الله، واقترف الإِفك المبين، وفعل
أعظم ذنب فى الوجود :
(١) راجع كتابنا ((بنوا إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ٢ من ص ٥٢ - ٦٠.
١

١٧٨
المجلد الثالث
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ روى أن النبي وقال- تلا
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾
فقال له رجل: يا رسول الله والشرك !! فنزل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. الآية. وهذا
من المحكم المتفق عليه الذى لا اختلاف فيه بين الأمة.
وقوله ﴿ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾ من المتشابه الذى قد تكلم العلماء فيه.
فقال ابن جرير الطبرى : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو فى مشيئة الله إن شاء
عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله - تعالى -))(١).
وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو يعلى فى مسنده عن جابر أن النبى وَ ◌ّ قال: لا تزال
المغفرة على العبد مالم يقع فى الحجاب)) قيل يا نبى الله وما الحجاب؟ قال: الإِشراك بالله. ثم
قرأ : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. الآية.
وروى ابن أبى حانم وابن جرير عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبى وَّه لا نشك فى
قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِن
الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وفى رواية لابن أبى حاتم: فلما سمعناها
كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - تعالى -))(٢).
وقال الآلوسي: ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة - الذين يسوون بين الإِشراك بالله
وبين إرتكاب الكبيرة بدون توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك
وأن صاحبه مخلد فى النار. وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئه القائلين : إن أصحاب
الكبائر من المسلمين لا يعذبون.
وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار
لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا وَ ل قوله - تعالى - ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وقال:
((إنى ادخرت دعوتى وشفاعتى لأهل الكبائر من أمتى فأمسكنا عن كثير مما كان فى أنفسنا ثم
نطقنا ورجونا)). وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال على بن أبى طالب: أحب آية إلى فى
القرآن ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٣).
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من قبائح اليهود فقال: ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم،
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٤٥.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥١٠.
(٣) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ٥٣.

١٧٩
سورة النساء
بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا. انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثمًا
مبينًا﴾.
روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين أن رجالا من اليهود أتوا النبى رَّ بأطفالهم
فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال: لا. فقالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم.
ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار))(١).
ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم قالوا ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾.
وحكى عنهم أنهم كانوا ﴿يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا﴾.
وحكى عنهم وعن النصارى أنهم قالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾.
والاستفهام فى قوله - تعالى - (ألم تر﴾ للتعجب من أحوالهم، والتھوین من شأنهم حیث .
بالغوا فى مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون فى ذلك.
وقوله ﴿يزكون أنفسهم﴾ من التزكية بمعنى التطهير والتنزيه عن القبيح. والمراد بهذا التعبير
هنا: أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة، ويمدحوتها مدحا كثيرا، مع أنهم لا يستحقون
إلا الذم بسبب سوء أقوالهم وأفعالهم.
والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء اليهود الذين يمدحون أنفسهم ويثنون عليها
مختالين متفاخرين مع ما هم عليه من الكفر وسوء الأخلاق؟ إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر
إليهم فها نحن نكشف لك عن خباياهم لتتعجب من سوء أعمالهم وليتعجب منهم كل عاقل.
وقوله ﴿بل الله يزكى من يشاء﴾ إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده، وهو أن التزكية شهادة من
الله ولا ينفع أحدا أن يزكى نفسه، وإعلام منه - سبحانه - بأن تزكيته هى التى يعتد بها
لا تزكية غيره، فإنه هو العالم بما ينطوى عليه الإنسان من حسن وقبح، وخير وشر.
وقوله ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ بيان لكمال عدله - سبحانه - وأنه لا يظلم أحدا من خلقه
لا قليلا ولا كثيرا.
والفتيل : هو الخيط الذى يكون فى شق النواة. وكثيرا ما يضرب به المثل فى القلة والحقارة.
أى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم بغير حق يعاقبون على هذا الكذب بما يستحقون من
عقاب عادل لا ظلم معه؛ لأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا من عباده شيئا بل يجازى كل إنسان
بما هو أهل له من خير أو شر.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٢٠.

١٨٠
المجلد الثالث
ثم أكد - سبحانه - التعجيب من أحوالهم فقال : ﴿انظر كيف يفترون على الله
الكذب ... ﴾.
أى : انظر أيها العاقل كيف يفترى هؤلاء اليهود على الله الكذب فى تزكيتهم لأنفسهم مع
كفرهم وعنادهم وارتكابهم الأفعال القبيحة التى تجعلهم أهلا لكل مذمة وسوء عاقبة.
وقد جعل - سبحانه - افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه، كأنه أمر مرئى يراه الناس
بأعينهم، ويشاهدونه بأبصارهم.
وقوله ﴿وكفى به إثما مبينا﴾ أى: وكفى بافترائهم الكذب على الله إثما ظاهرا بينا يستحقون
يسيبه أشد العقوبات، وأغلظ الإِهانات.
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ يقتضى الغض
من المزكى لنفسه بلسانه، والإعلان بأن الزاكى المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله -
تعالى -، فلا عبرة بتزكية الإِنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له.
وأما تزكية الغير ومدحه له ففى البخارى من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند النبى وَله
فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى وَّر: (( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارًا - إن كان
أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا يزكى
على الله أحدًا)). فنهى ◌َّر أن يفرط فى مدح الرجل بما ليس فيه .. فيحمله ذلك على تضييع
العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال وَالر: ((ويحك قطعت عنق صاحبك)).
ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له فى أمثاله،
وتحريضا للناس على الاقتداء به فى أشباهه ليس مدحا مذمومًا.
وقد مدح النبى و ير فى الشعر والخطب والمخاطبة. ومدح ◌َير أصحابه فقال: ((إنكم لتقلون
عند الطمع وتكثرون عند الفزع))(١).
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من رذائلهم وقبائحهم التى تدعو إلى مزيد من
التعجيب من أحوالهم. والتحقير من شأنهم فقال - تعالى -: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من
الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا
سبيلا﴾ .
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما جاء عن ابن عباس أن
حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا إلى مكة فى جمع من اليهود ليحالفوا قريشا على حرب
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٤٦.