النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة النساء تؤذوهن بألسنتكم أو بأيديكم أو بغير ذلك، بل اجعلوا ما كان منهن كأنه لم يكن، وحاولوا التقرب إليهن بألوان المودة والرحمة. ﴿إن الله كان عليا كبيرًا﴾ فاحذروا مخالفة أمره، فإن قدرته - سبحانه - عليكم أعظم من قدرتكم على نسائكم. فالجملة الكريمة تذييل قصد به حث الأزواج على قبول توبة النساء، وتحذيرهم من ظلمهن إذا ما تركن النشوز، وعدن إلى طريق الطاعة والإِنابة. قال بعضهم : وذكر هاتين الصفتين فى هذا الموضع فى غاية الحسن، وبيانه من وجوه : الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء. والمعنى : أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله - سبحانه - ينتصف لهن منكم لأنه علىٌّ قاهر کبیر. الثانى : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم، فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شىء. الثالث : أنه - سبحانه - مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ماتطيقون، كذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك. الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصى إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تتركوا عقوبتها وتقبلوا توبتها. الخامس : أنه - تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ولم يهتك السرائر فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا فى التفتيش عما فى قلبها وضميرها من الحب والبغض))(١). ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال - تعالى - : ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا﴾. والمراد بالخوف هنا العلم. والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة. وقيل لأهل الزوجين. والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة. وسمى الخلاف شقاقًا لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين صار فى شق وجانب غير الذى فيه صاحبه. (١) تفسير الفخر الرازى جـ١ ص ٩١. ١ ١٤٢ المجلد الثالث وقوله ﴿شقاق بينهما﴾ أصله شقاقا بينهما. فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى لمفعول فيه إتساعا. كقوله - تعالى - ﴿بل مكر الليل والنهار﴾. وأصله بل مكر فى الليل والنهار. وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما فى قولك : نهارك صائم. والمعنى: وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففى هذه الحالة عليكم أن تبعثوا ﴿حكما﴾ أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإصلاح ومنع الظالم من الظلم ﴿من أهله﴾ أى من أهل الزوج وأقاربه ﴿وحكما من أهلها﴾ أى من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول: لأن الأقارب فى الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم. وعلى الحكمين فى هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف، وان يعرفا هل الإصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟. وظاهر الأمر فى قوله ﴿فابعثوا﴾ أنه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام. وظاهر وصف الحكمين بان يكون أحدهما من أهل الزوج والثانى من أهل الزوجة، ان ذلك شرط على سبيل الوجوب، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب، وقالوا: إذا بعث القاضى بحكمين من الأجانب جاز ذلك، لأن فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين، وأشد طلبًا للإصلاح، وأبعد عن الظنة والريبة، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس. والضمير فى قوله - تعالى - ﴿إن يريدا إصلاحًا﴾ يجوز أن يعود للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين. وكذلك الضمير فى قوله ﴿يوفق الله بينهما﴾ يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين. والأولى جعل الضمير الأول للحكمين والثانى للزوجين فيكون المعنى: إن يريدا أى الحكمان إصلاحا بنية صحيحة وعزيمة صادقة، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة فى نفسيهما، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما. هذا، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين بدون . إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استئذانهما؟ . ١٤٣ سورة النساء . يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما، لأن الله - تعالى - سماهما حكمين، والحكم هو الذى بحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض؛ ولأن القاضى هو الذى كلفهما بهذه المهمة فلهما أن يتصرفا بما يريانه خيرًا بدون إذن الزوجين؛ ولأن عليا - رضى الله عنه - عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذى نشب بين أخيه عقيل وبين زوجته قال لهما: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتها وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ... وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس والشعبى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا برضاهما لأنهما وكيلان للزوجين، ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملهما هو الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق من الزوج وحده، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن الله كان عليها خبيرا﴾ أى: إنه - سبحانه - عليم بظواهر الأمور وبواطنها. خبير بأحوال النفوس وطرق علاجها، ولا يخفى عليه شيء من تصرفات الناس وأعمالهم، وسيحاسبهم عليها. فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ما سلكوا طريقا يخالف الحق والعدل. وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا هاما مما يجب للرجال على النساء، ومما يجب للنساء على الرجال، فقد مدحت أولاهما النساء الصالحات المطيعات الحافظات لحق أزواجهن، ورسمت العلاج الناجع الذى يجب على الرجال أن يستعملوه إذا ما حدث نشوز من زوجاتهم، وحذرت الرجال من البغى على النساء إذا ما تركن النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾. ثم طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين الزوجين إذا ما نشب خلاف بينهما، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين عدلين عاقلين يتوليان الإصلاح بينهما، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين، وقد وعد - سبحانه - بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات، وصفت النفوس، ومالت القلوب نحو التسامح والتعاطف قال - تعالى - ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا﴾. وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر، وتنال ما تصبو إليه من رقى واستقرار. وبعد هذا البيان الحكيم الذى ساقته السورة الكريمة فيما يتعلق بأحكام الأسرة ووسائل ١٤٤ المجلد الثالث استقرارها، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع ... بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى التحلى بمكارم الأخلاق، ونهتهم عن الإِشراك بالله - تعالى -، وعن الغرور والبخل والرياء، وغير ذلك من الأعمال التى ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال - تعالى - : وَاعْبُدُ واْاللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَ بِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالَا فَخُورًا ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ٣٧ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَ مَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِيْنًا () وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٦) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن ◌َّدُنَّهُ ج) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ أَجْرًا عَظِيمًا ( يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ (٤١ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤَّلَاءِ شَهِيدًا ١٤٥ سورة النساء كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْنُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْثُمُونَ اُللَّهَ حَدِيثًا ٤٢ قال القرطبى ما ملخصه : أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهى قوله - تعالى - ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾ - من المحكم المتفق عليه - ليس منها شىء منسوخ. وكذلك هى فى جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب. والعبودية هى التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار. فالآية أصل فى خلوص الأعمال لله وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلقال: قال الله - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معی غیری تركته وشركه))(١). والمعنى: عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والخضوع، وأن تتجهوا إليه وحده فى كل شئونكم بدون أن تتخذوا معه أى شريك لا فى عقيدتكم ولا فى عبادتكم ولا فى أقوالكم ولا فى أعمالكم، كما قال - تعالى - ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ . وهذه العبادة الخالصة لله - تعالى - هى حقه - سبحانه - علينا، فهو الذى خلقنا وهو الذى رزقنا وهو المتفضل علينا فى جميع الحالات. روى البخارى عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبى - وَل زر - على حمار يقال له عفيرة. فقال: يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فان حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال : لا تبشرهم فیتکلوا). وقد صدر - سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التى اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا، لأن إخلاص العبادة له أساس الدين، ومداره الأعظم الذى بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما، ولأن فى ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التى سيقت بعد ذلك، إذ قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا . وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله - تعالى - من باب عطف الخاص على (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٨٠. ١٤٦ المجلد الثالث العام، لأن الإِشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإِشراك الأمر بالتوحيد. ثم أوصى - سبحانه - بالإحسان إلى الوالدين فقال: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾. أى: عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا، وعليكم كذلك أن تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التى يرضاها الله، والتى فى استطاعتكم أداؤها . وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله - عز وجل - هما الوالدان؛ لأنهما هما السبب المباشر فى وجود الإِنسان. ومن الآيات التى قرنت الأمر بالإِحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله قوله - تعالى - : ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. وقوله - تعالى - : ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا﴾. وقوله - تعالى -: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا﴾ . ومن الأحاديث التى أمرت بالإحسان إلى الوالدين ونهت عن الإِساءة إليهما ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو عن النبى وَيّر أنه قال: ((رضا الله فى رضا الوالدين وسخط الله فى سخط الوالدين)). وروى أبو داود والبيهقى عن رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبى وَالقر فقال: ((يا رسول الله هل بقى على من بر أبوى شىء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم. الصلاة عليهما. والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما)(١). وقد جاءت هذه الجملة وهى قوله تعالى ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ فى صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإِحسان إليهما، ففى الكلام محذوف والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل المقدر. ثم أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال : وبذى القربى واليتامى والمساكين. أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى بأن تعطفوا عليهم، وترحموا ضعفهم، وتحسنوا تربيتهم (١) التاج الجامع للأصول جـ٥ ص ٦ للشيخ منصور على ناصف. ١٤٧ سورة النساء ورعايتهم. وإلى المساكين الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم. وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين﴾. وقوله - تعالى - ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا﴾. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وعليه قال: ((من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه))، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبى وسلم أنه قال: أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى - أى أشار وفرج بين أصبعيه السبابة والوسطى)). وروى البخارى وغيره عن صفوان بن سليم عن النبى ولو أنه قال: ((الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله، أو كالذى يصوم النهار ويقوم الليل))(١). ثم أمر - سبحانه - بالإحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال - تعالى - : ﴿والجار ذى القربى والجار االجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾. والجار ذو القربى : هو الجار الذى قرب جواره. أو هو الذى له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، فإن له مع حق الجوار حق القرابة. والجار الجنب: هو الجار الذى بعد جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة. يقال :. اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه. وقيل هو الجار الذى لا قرابة فى النسب بينه وبين جاره، ويقابله الجار ذو القربى. ٠ وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاديث تتعلق بالإِحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله وسلم قال: ((ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)). وروى الترمذى عن عبد الله بن عمر عن النبى ◌َّ أنه قال: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره))(٢). والصاحب بالجنب : هو الرفيق فى كل أمر حسن : كتعليم أو تجارة أو سفر أو غير ذلك. (١) التاج الجامع للأصول فى أحاديث الرسول جـ ٥ ص ٩ وما بعدها. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٩٤ : ١٤٨ المجلد الثالث قال صاحب الكشاف: ((والصاحب بالجنب : هو الذى صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا فى سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا فى تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك فی مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإِحسان. وقيل: الصاحب بالجنب المرأة)) (١) وابن السبيل : هو المسافر الذى انقطع عن بلده، ونفد ما فى يده من مال يوصله إلى مبتغاه . والسبيل : الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له. ومن الإِحسان إليه. إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه. والمراد بقوله ﴿وما ملكت أيمانكم) العبيد الأرقاء الذين ملكت رقابهم، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم. وقد أوصى النبى وَّر بالإِحسان إليهم فى كثير من الأحاديث ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن على بن أبى طالب أن رسول الله وَل قول: ((جعل يوصى أمته فى مرض موته فيقول: الصلاة الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)). وروى الإمام أحمد والنسائى عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ولين: (ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة). وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبى وَ لّ قال: ((هم إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم))(٢) وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله - تعالى -، كما أمرتهم بالإِحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ممن هم فى حاجة إلى مدّ ید العون والمساعدة. وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإِنسانية، وتنال ما تصبو إليه من رقى واستقرار. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا﴾. والمختال : هو المتكبر المعجب بنفسه : سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٠٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٩٥. ١٤٩ سورة النساء والأفعال ما ليس فيه فيستعلى على الناس ولا يلتفت إليهم. والفخور: هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه، والمحب لأن يحمد بما لم يفعل. ب٧ أى : إن الله لا يحب من كان متكبرًا معجبا بنفسه، ومن كان كثير الفخر بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته لا يقوم برعاية حقوق الناس بل إن غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم. والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير: لا تفتخروا ولا تختالوا فإن الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة. وقوله ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ يدل من قوله ﴿مختالا فخورا﴾ أى: أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل . أ ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر والتقدير : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله مبغضون من الله أو أحقاء لكل ما ينزل بهم من عذاب. وحذف لتذهب نفس السامع فيه كل مذهب. ودل على هذا الخبر المحذوف قوله : ﴿وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾. ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا على الذم. إلى غير ذلك مما ذكروه فى وجوه إعراب هذه الآية الكريمة. والمعنى : أن الله - تعالى - لا يحب هؤلاء المختالين والفخورين، ولا يحب كذلك الذين لا يكتفون بالبخل بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى وجوه الخير مع أن بخلهم هذا مفسدة عظيمة. بل يأمرون غيرهم بأن يكونوا بخلاء مثلهم، وأن يسلكوا مسلكهم الذميم. قال صاحب الكشاف : أى يبخلون بذات أيديهم وبما فى أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد منه السخاء. وفى أمثال العرب أبخل من الضنين بنائل غيره. ثم قال: ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدًا جاد على أحد، شخص به، أى قلق وضجر، وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه فى رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزائنه ضجرًا من ذلك وحسرة على وجوده))(١). وقوله : ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ بيان الرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة أى: أنهم يببخلون بما فى أيديهم ويأمرون غيرهم بذلك، ويكتمون ويخفون نعم الله التى أعطاها لهم (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥١٠. ١٥٠ المجلد الثالث فلا يظهرونها سواء أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير ذلك من نعم الله عليهم. وقوله - تعالى - ﴿وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾ بيان للمصير السىء الذى سيصيرون إليه بسبب أفعالهم القبيحة. أى: وهيأنا لهؤلاء الجاحدين لنعم الله الكافرين بوحيه عذابًا يهينهم ويذلهم وينسيهم ما كانوا فيه من فخر وخيلاء وغرور. قال الألوسى ما ملخصه : ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر؛ للإِشعار بأن من هذا .. شأنه فهو كافر لنعم الله، ومن كان كافرًا لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإِخفاء. وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها، ولا تسارعوا فى النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله قوله - تعالى - ﴿الذين يبخلون﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله بهم عليها﴾. وقيل نزلت فى الذين كتموا صفة النبى ◌َّيه وبخلوا بحق الله عليهم وهم أعداء الله - تعالى - أهل الكتاب(١). وقوله - تعالى ﴿والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ معطوف على ﴿الذين يبخلون﴾. وإنما شاركوهم فى الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله فى مواضع الخير وكتمانها، يستوى مع الإِنفاق الذى لا يقصد به وجه الله فى القبح واستجلاب العقاب، إذ أن الذى ينفق ماله على سبيل الرياء والسمعة لا يتوخى به مواقع الحاجة، فقد يعطى الغنى ويمنع الفقير، وقد يبذل الكثير من المال ولكن فى المفاسد والشرور والمظاهر الكاذبة. والمعنى : والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أى قاصدين بإنفاقهم الرياء والسمعة لا وجه الله - تعالى - ولا يؤمنون بالله الذى له الخلق والأمر، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ... هؤلاء الذين يفعلون ذلك ببغضهم الله - تعالى -، ويجازيهم بما يستحقون من عذاب أليم. روى مسلم عن أبى هريرة قال: سمعت النبى وَّ يقول: قال الله - تبارك وتعالى - : أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معى فيه غيرى تركته وشركه. وقوله ﴿ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا﴾ جملة معترضة لبيان أن صحبتهم للشيطان (١) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ٣٠. ١٥١ سورة النساء ومطاوعتهم له هى التى دفعتهم إلى البخل وإلى الرياء وإلى عدم الإِيمان بالحق الذى آمن به العقلاء من الناس. والمراد بالشيطان هنا : كل ما يغرى الإِنسان بالشر ويدفعه إليه من الانس أو الجن. والقرين: هو المصاحب الملازم للإِنسان. فهو فعيل بمعنى مفاعل، كخليط بمعنى المخالط. وساء هنا : بمعنى بئس. وقرينا تمييز مفسر للضمير المستكن فى ساء. والمخصوص بالذم محذوف وهو الشيطان الذى يدفع الإِنسان إلى الشرور والآثام. والمعنى ومن يكن الشيطان مقارنا ومصاحبا له فبئس المصاحب وبئس المقارن الشيطان لأنه يدعوه إلى المعاصى التى تفضى به إلى النار. وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق : لأن عدوى الأخلاق تسرى بالمجاورة، كما تسرى عدوى الأمراض البدنية. والمقصود من الجملة الكريمة نهى الناس عن طاعة شياطين الإنس والجن الذين يحرضون على ارتكاب الفواحش والقبائح، ويزينون لأتباعهم الشرور والآثام. ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال -: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾. والمعنى : وأى ضرر على هؤلاء الكافرين البخلاء المرائين لو أنهم آمنوا بالله - تعالى - حق الإِيمان، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه ؟ . إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق، بل إن الخير كل الخير فى اتباع ذلك، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء. فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق المستقيم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله ﴿وماذا عليهم﴾. وأى تبعة عليهم فى الإِيمان والإِنفاق فى سبيل الله. والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة فى ذلك: وهذا كما يقال للمنتقم : ما ضرك لو عفوت وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم أنه - لا مضرة ولا مرزأة فى العفو والبر. ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة)) (١). وقوله ﴿وكان الله بهم عليها) تذييل قصد به تهديدهم على إيثارهم طريق الغى على طريق الرشد . (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥١١. ١٥٢ المجلد الثالث أى: وكان اللّه بهم عليما علمًا يشمل بواطنهم وظواهرهم، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذى يستحقونه. ثم بين - سبحانه - أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير، فقال ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيما﴾ . والمثقال: مفعال من الثقل. ويطلق على الشيء القليل الذى يحتمل الوزن. والذرة : تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ. وهذا أحقر ما يقدر به الشىء، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى. والمراد : أن الله - تعالى - لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما ضؤل هذا الشىء وحقر، فخرج الكلام على أصغر شىء يعرفه الناس. كما قال - تعالى - ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. وكما فى قوله - تعالى - ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾. ومفعول يظلم محذوف والتقدير: لا يظلم أحدا مثقال ذرة. وقوله ﴿مثقال﴾ منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحدا ظلما وزن ذرة. كما تقول : لا أظلم قليلا ولا كثيرا. وقوله ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيما﴾ بيان لسعة جوده - سبحانه - وعظيم رحمته وعفوه. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر ﴿حسنة﴾ - بالضم - على أن ﴿تك﴾ مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها. وقرأ الباقون ﴿حسنة﴾ - بالنصب - على أنها خبر لقوله ﴿تك﴾ المشتقة من كان الناقصة. وأصل ﴿تك﴾ تكن فحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة، وتخفيفا لكثرة الاستعمال. والضمير المستتر فى الفعل ((تك)) يعود إلى المثقال. وجىء به مؤنثا مراعاة للفظ ذرة الذى أضيف إليه لفظ مثقال؛ لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه. وقيل : إنما جىء به مؤنثا حملا على المعنى، لأنه بمعنى : وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها . وقيل : إنما جىء به كذلك لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه ١٥٣ سورة النساء كما فى نحو قولهم: كما شرقت صدر القناة من الدم .. والمعنى : إن الله - تعالى - بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا، ولا ينقصهم أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة فى القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافا كثيرة. وفوق ذلك فإنه - سبحانه - يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو - سبحانه . وفى إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته - تعالى - فى قوله ﴿من لدنه﴾ تشریف له، وتهویل من شأنه. وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذى عمله عباده المؤمنون الصادقون. هذا، وقد أورد الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى معنى هذه الآية ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله وَله فى حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول الله - تعالى - لملائكته! ارجعوا. فمن وجدتم فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرؤا إن شئتم قوله - تعالى - ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾. وروى أبو داود الطيالسى فى مسنده عن أنس أن رسول الله - وَلر - قال: إن الله لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق فى الدنيا. ويجزى بها فى الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها فى الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة))(١). ثم نبه - سبحانه - هؤلاء الكافرين إلى ما سيكونون عليه من حال سيئة يوم القيامة إذا استمروا فى كفرهم فقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لوتسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾. قال الفخر الرازى: وجه النظم هو أنه - تعالى - بين أن فى الآخرة لا يجرى على أحد ظلم، وأنه - تعالى - بجازى المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبين فى هذه الآية - وهو قوله - تعالى - ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ أن ذلك يجرى بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسىء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ ووعدًا للمطيعين الذين قال فيهم ((وإن تك حسنة يضاعفها))(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٩٧. . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٠٥. ١٥٤ المجلد الثالث والفاء فى قوله ((فكيف)) للإِفصاح عن شرط مقدر نشأ من الكلام السابق وكيف فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير : إذا أيقنت بما أخبرناك به أيها الرسول الكريم أو أيها السامع من أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيما فكيف سيكون حال هؤلاء الكفرة إذا ماجئنا من كل أمة من الأمم السابقة بشهيد يشهد عليهم بما ارتكبوه من سوء الصنيع وقبح الأعمال، وهذا الشهيد هو نبيهم الذى أرسله الله لهدايتهم، وجئنابك يا محمد شهيدًا على هؤلاء الذين بعثك الله لإخراجهم من الظلمات إلى النور فكذبوك واستحبوا العمى على الهدى. لاشك أن حالهم سيكون أسوأ حال، ومصيرهم سيكون أقبح مصير، بسبب كفرهم وبخلهم وريائهم واتباعهم للهوى والشيطان. ·ومن العلماء من يرى أن المراد بقوله - تعالى - ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ أى جئنا بك يا محمد شهيدًا على هؤلاء الأنبياء بأنهم قد بلغوا رسالة الله ولم يقصروا فى نصيحة أقوامهم. والذى نراه أولى هو أن شهادة النبى لل تشمل كل ذلك أی تشمل شهادته على قومه بأنه قد بلغهم رسالة الله، وشهادته للأنبياء السابقين بأنهم نصحوا لأقوامهم وبلغوا رسالة ربهم، لأن النبى وَّر قد أعطاه الله تعالى - من المنزلة العالية مالم يعط أحدا سواه. روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال لى رسول الله رَله: اقرأ على شيئا من القرآن. فقلت يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل قال : نعم. إنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء: حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ .. الآية)) فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان)). وقوله تعالى - ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول﴾ استئناف مبين لحالهم التى أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ . والتنوين فى قوله ﴿يومئذ﴾ عوض عن الجملتين السابقتين أى مجىء الشهيد على كل أمة، ومجىء الرسول شهيدا على قومه. أى: يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذى جاء لهدايتهم ﴿لو تسوى بهم الأرض﴾ أى يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما سيحل بهم من الخزى والفضيحة والعذاب. أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على ١٥٥ سورة النساء ٤ هذه الحال فى باطنها بدون بعث أو نشور، حتى لا يصيبهم ما أعد لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم . والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعھم یتمنون أن لو أخفتھم الأرض فى باطنها بحيث لا يظهر شىء منهم عليها فى أى وقت من الأوقات. وجملة ﴿الوتسوى بهم الأرض﴾ مفعول ﴿يود﴾ على أن لو مصدرية. أى: يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها. وقوله ﴿ولا يكتمون الله حدیثا﴾ معطوف على ﴿یود﴾ أی أنهم يومئذ یودون لوتسوی بهم الأرض، ويعترفون لله تعالى بجميع ما فعلوه، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم. ويصح أن تكون الواو فى قوله ﴿ولا یکتمون﴾ للحال. أی: أنهم یومئذ یودون لوتسوی بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله - تعالى - حديثا من أحوالهم فى الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان. والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم. أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق - وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن - أنى إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس: قال الله- تعالى- ﴿ولا يكتمون الله حديثا) وقوله ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ - کیف الجمع بينهما -؟ فقال له ابن عباس. إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : ألقى على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله - تعالى - يجمع الناس يوم القيامة فى بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون : تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين. قال : فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فنشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لوأن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا))(١). وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده كما أمرت بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين؛ وإلى الجار القريب والبعيد، . وإلى الصاحب والمسافر والمملوك، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان. وبينت أن الله - تعالى - لا يظلم أحدًا مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات، (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٩٤. ١٥٦ المجلد الثالث ويعطى المحسن من ألوان الخير مالا يعلمه إلا هو - سبحانه - ونبهت الكافرين إلى سوء مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا فى الطريق القويم من قبل أن يأتى يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم الندم أو التمنى. ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض الأحكام التى تتعلق بالصلاة وأرشدهم إلى ما يجب علیھم عند أدائها من تطهير بدنی وروحی حتی یکونوا أهلا لرضا الله وحسن قبوله، فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَاُجُنُبًا إِلََّ عَابِى سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُواْ وَ إِن كُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْئُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْمَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَ مْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِ يَكُمْ إِنَّ (٤٣ اُللَّهَ كَانَ عَفُوَّا غَفُورًا، روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه أبو داود والنسائى عن على بن أبى طالب أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر، قد شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: قل يا أيها الكافرون. فخلط فيها. فنزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. وروى الترمذى وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال : فقرأ: ﴿قل يأيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله الآية. قال ابن كثير: وقد كان هذا النهى قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذى ذكرناه فى سورة البقرة عند قوله - تعالى - ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾. الآية)) فإن رسول الله وله تلاها على عمر. فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة - وفى رواية لأبى داود: فكان منادى رسول الله وسلم إذا قامت الصلاة ينادى: لا يقربن الصلاة ... . ١٥٧ سورة النساء سكران - حتى نزل قوله - تعالى - فى سورة المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾. إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فقال عمر: انتهينا. انتھینا)(١). والمراد بالصلاة عند كثير من العلماء : الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام وركوع وسجود. والمراد بقربها : القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة فى النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها. وقوله ﴿سكارى﴾ جمع سكران. وأصل السكر فى اللغة السد. ومنه قولهم سكرت الطريق أى سددته. ومنه قوله - تعالى - حكاية عن الكافرين ﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ أى: انسدت فصارت لا ينفذ إليها النور، ولا ندرك الأشياء على حقيقتها. والمراد بالسكر هنا الحالة التى تحصل لشارب الخمر والتى يفقد معها وعيه، ويسد ما بين المرء وعقله . والجنب : من أصابته الجناية بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما. وهذا اللفظ يستوى فيه - على الصحيح - الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث لجريانه مجرى المصدر، واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة. وعابر السبيل : مجتاز الطريق وهو المسافر. أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب. يقال: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومنه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه. والمعنى : يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن تؤدوا الصلاة وأنتم فى حالة السكر. حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقولونه قبل أدائها، ولا فى حال الجنابة حتى تغتسلوا؛ إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمموا لكى تؤدوها. ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا: مواضعها وهى المساجد. فالكلام مجاز مرسل بتقدير مضاف فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل. والمعنى عليه : لا تقربوا مواضع الصلاة وهى المساجد وأنتم سكارى، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا تريدون اجتيازها من باب إلى آخر من غير مكث فيها فإنه يجوز لكم ذلك. (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٠٠. ١٥٨ المجلد الثالث روى ابن جرير عن الليث قال: حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن قول الله - تعالى - : ﴿ولا جنبا إلا عابرى سبيل﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا فى المسجد. فأنزل الله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابرى سبيل﴾(١). وقال بعض العلماء: وبالجملة فالحال الأولى أعنى قوله ﴿وأنتم سكارى﴾ تقوى بقاء الصلاة على معناها الحقيقى، من دون تقدير مضاف: وقوله: ﴿إلا عابرى سبيل﴾ يقوى تقدير المضاف. أى: لا تقربوا موضع الصلاة. ويمكن أن يقال : إن بعض قيود النهى - وهو قوله : ﴿وأنتم سكارى﴾ يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقى. وبعض قيود النهى - وهو قوله : إلا عابرى سبيل - يدل على أن المراد مواضع الصلاة. ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما : لا تقربوا الصلاة التى هى ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال فى هذا إنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز))(٢). وفى ندائهم بصفة الإِيمان، تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم، وتوجيه لنفوسهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة واستجابة لله رب العالمين. وقوله ﴿وأنتم سكارى﴾ جملة حالية. أى لا تقربوها فى حال السكر، لأن ذلك يتنافى مع الإِيمان السليم، ومع ما تستحقه الصلاة من خشوع واستحضار للقلب. وإنما الذى يقتضيه إيمانكم وحياؤكم من الله أن تدخلوا فى الصلاة وأنتم بكامل وعيكم، واستحضاركم لما يستلزمها من خشوع وأدب. ولاشك أن هذا كان قبل أن ينزل التحريم القاطع لشرب الخمر فى جميع الأوقات كما سبق أن أشرنا. وقوله ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ غاية للنهى وإيماء إلى علته. وحتى هنا حرف جر بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة. وما فى قوله ﴿ما تقولون﴾ موصولة بمعنى الذى أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى تقولونه. (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٩٩. .... (٢) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٢٤٧ نقلا عن: فتح البيان. ١٥٩ سورة النساء أى: حتى تعلموا ما تقولونه علما يقينيا لا غلط معه ولا تخليط، بأن تعقلوا ما اشتملت عليه الصلاة من تكبير وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك مما تقتضيه الصلاة. قال الألوسى : وقد روى أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر فى أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون))(١). وقوله ﴿ولا جنبا﴾ معطوف على قوله ﴿وأنتم سكارى﴾ إذ الجملة فى موضع النصب على الحال. والاستثناء فى قوله ﴿إلا عابرى سبيل﴾ مفرغ من أعم الأحوال. وقوله ﴿حتى تغتسلوا﴾ بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب. والاغتسال : تعميم الجسد كله بالماء. وهو بعد الجنابة طهارة حسية وتنشيط للبدن بعد أن أصابه بعض التعب بسبب الأفعال التى أدت إلى الجنابة. وهو كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث فى الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ولأداء الصلاة بعد أن استحكمت الشهوة وسيطرت على صاحبها لفترة من الوقت. فبالاغتسال بعد قضاء الشهوة يتجدد للبدن نشاطه، وللروح صفاؤها وحسن استعدادها لطاعة الله. ثم شرع - سبحانه - فى بيان الأعذار التى تبيح التيمم عند العجز عن الماء فقال: ﴿وإن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا﴾ والمراد بالمرض فى قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى﴾: المرض الذى يمنع من استعمال الماء مطلقا، كأن يكون إستعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطىء البرء، فإن الله - تعالى - قد أباح للمريض فى هذه الأحوال وأمثالها أن يتيمم بدل الوضوء أو الغسل. كما أباح له - أيضا - أن يتيمم عند فقد الماء أو ما فی حکم ذلك. وقوله: ﴿أو على سفر﴾ فى محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله: ﴿مرضى﴾. أى: وكذلك أباح الله لكم التيمم عند السفر إذا لم تجدوا ماء، أو كان معكم من الماء ما أنتم فى حاجة شديدة إليه، أو كان هناك ما يمنع من استعمال الماء. وقوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ معطوف على قوله: ﴿كنتم﴾. والغائط من الغيط. وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت على أن من بريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس. (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٣٩ ٠ ١٦٠ المجلد الثالث وفى إسناد المجىء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو فى الخطاب، حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو ما بستهجن التصريح به. أى وكذلك أباح الله لكم التيمم إن كنتم محدثين ولم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث. أو تجدونه ولكن هناك ما يمنعكم من استعماله. والمراد بالملامسة فى قوله ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع عند بعض الفقهاء قال الألوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿أو لامستم النساء﴾ يريد - سبحانه -: أو جامعتم النساء. إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع، لأنه مما يستهجن التصريح به أو يستحيى منه. وإليه ذهب ابن عباس والحسن وغيرهما. وعن ابن مسعود أن المراد بالملامسة ما دون الجماع. أى ما ستم بشرتهن ببشرتكم. وبه استدل الشافعى على أن اللمس ينقض الوضوء. وقال مالك: إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا .... وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة .... ))(١) والفاء فى قوله ﴿فلم تجدوا ماء﴾ عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ﴿وإن كنتم مرضى). والضمير فى قوله ﴿تجدوا﴾ يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس. وفيه تغليب للخطاب على الغيبة. وذلك أنه تقدم ضمير الغيبة فى قوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بينما تقدم ضمير المخاطب فى قوله ﴿كنتم﴾ ﴿ولامستم﴾. والمراد بعدم الوجدان هنا ما هو أعم من الوجود الحسى. أى أن قوله ﴿فلم تجدوا ماء﴾ كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشىء المتعذر استعماله كالمعدوم. وقوله ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ جواب الشرط وهو قوله: ﴿وإن كنتم﴾. والمعنى : وإن كنتم أيها المؤمنون فى حالة مرض أو على سفر أو كنتم محدثين أو لامستم النساء فلم تجدوا فى تلك الأحوال ما تستعملونه لطهارتكم، أو وجدتم ماء ولكن منعكم مانع من استعماله، فعليكم أن تتيمموا صعيدا طيبا، بدلا من الماء، فان الله - تعالى - ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾. ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله : ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يعود إلى الجمع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان. عدم الوجدان الحسى. (١) تفسير الآلوسی جـ ٥ ص ٤٢