النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة النساء والعزة من صفات المؤمنين(١). وبذلك نرى أن الآية الكريمة وإن كانت قد رخصت فى زواج الإِماء عند الضرورة الشديدة إلا أنها حضت المؤمنين على الصبر عن نكاحهن لما فى نكاحهن من أضرار يأباها الشخص العزيز النفس، الكريم الخلق. والسبيل الأمثل للزواج بهن يكون بعد شرائهن وإعتاقهن، وبذلك يقل الرقيق ويكثر الأحرار ولذا لو جامعها مولاها كان ابنه حرًا وكان طريقا لحريتها ومنع بيعها . وبعد أن بين - سبحانه - فيما سبق من آيات كثيرًا من الأوامر والنواهى والمحرمات والمباحات .. عقب ذلك ببيان جانب من مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ ٢٦ وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا (٢٨ وقوله - تعالى - : ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام. قال الألوسى: ومثل هذا التركيب - قوله ﴿يريد الله ليبين لكم﴾. وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب : فقيل مفعول ﴿يريد﴾ محذوف أى: يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه. واللام للتعليل .... ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين. فتعلق الإِرادة غير التبيين، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك، كما قيل به فى قولهم : ((تسمع بالمعيدى خير من أن تراه)) أى إرادت كائنة للتبيين. وفيه تكلف. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٠٠ ١٢٢ المجلد الثالث وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبه للفعل من غير إضمار أن، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى: يريد الله البيان لكم(١). والمعنى : يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح . وقوله : ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ معطوف على ما قبله. والسنن : جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون الطريقة المثلى الهادية إلى الحق. أى: ويهديكم مناهج وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبیلھم . وليس المراد أن جميع ما شرعه الله من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة . بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ماهم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح. وقوله : ﴿ويتوب عليكم﴾ معطوف على ما قبله. والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا: المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها. أو المراد بها قبول التوبة. أى: ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله : ﴿ويتوب عليكم﴾ إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس : فالآية الكريمة تحريض على التوبة، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس. بطرق بابها وبالإِكثار منها .. وقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ أى والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ﴿حكيم﴾ يضع الأمور فى مواضعها. فيبين لمن يشاء، ويهدى من يشاء، ويتوب على من يشاء. (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٣ ١٢٣ سورة النساء فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة . ثم أخبر - سبحانه - عما يريده لعباده من خير وصلاح وما يريده لهم الفاسقون من شر وفساد فقال - تعالى -: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا میلا عظيما﴾. أى: والله - تعالى - يريد منكم أن تفعلوا ما يجعلكم أهلا لمغفرته ورضوانه وما يفضى بكم إلى قبول توبتكم، وارتفاع منزلتكم عنده، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات من أهل الكفر والفسوق والعصيان أن تبتعدوا عن الحق والخير ابتعادا عظيما. والميل : أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب : ولما كان الاعتدال عبارة عن العدل والتوسط، أطلق الميل على الجور والابتعاد عن الحق. ووصف الميل بالعظم للإشعار بأن الذين يتبعون الشهوات لا يكتفون من غيرهم بالميل اليسير عن الحق، وإنما يريدون منهم انحرافا مطلقا عن الطريق المستقيم الذى أمر الله بسلوكه والسیر فیه. وهؤلاء الذين وصفهم الله بما وصف موجودون فى كل زمان، وتراهم دائما يحملون لواء الرذيلة والفجور نارة باسم الحرية وتارة باسم المدنية. وقد حذر الله - تعالى - عباده منهم حتى لا يتأثروا بهم، وحتى يقاوموهم ويكشفوا عن زيفهم وضلالهم ((ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)). ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان رحمته ورأفته بعباده فقال : ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإِنسان ضعيفا﴾. أى : يريد الله بما شرعه لكم من أحكام، وبما كلفكم به من تكاليف هى فى قدرتكم واستطاعتكم أن يخفف عنكم فى شرائعه وأوامره ونواهيه، لكى تزدادوا له فى الطاعة والاستجابة والشكر. ﴿وخلق الإِنسان ضعيفا﴾ أى لا يصبر على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله - تعالى - به أن خفف عنه فى التكاليف. وهذا اليسر والتخفيف فى التكاليف من أبرز مميزات الشريعة الإسلامية، وقد بين القرآن ٠ ٠ : ١٢٤ المجلد الثالث الكريم ذلك فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. وقوله - تعالى - ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج). وقوله - تعالى - ﴿ورحمتی وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ . ولقد كان من هدى النبى وَيقر التخفيف والتيسير، ففى الحديث الشريف: ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)). وكان من وصاياه لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى عندما أرسلها إلى اليمن ((يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا)). وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا ألوانا من مظاهر فضل الله على عباده ورحمته بهم، لکی يزدادوا له شكرا وطاعة وخضوعا. ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين بين لهم فيه بعض المحرمات المتعلقة بالأنفس والأموال، بعد أن بين لهم قبل ذلك المحرمات من النساء والمحللات منهن ومظاهر فضله - سبحانه - بعباده ورحمته بهم فقال - تعالى - : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنِ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَضِ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ ج (١) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكَمْ رَحِيمًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اُللَّهِ يَسِيرًّا ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ٣١١ ١٢٥ سورة النساء والمراد بالأكل فى قوله ﴿لا تأكلوا أموالكم﴾ مطلق الأخذ الذى يشمل سائر التصرفات التى نهى الله عنها. وخص الأكل بالذكر؛ لأن المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف فيها بالأكل. والباطل : اسم لكل تصرف لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة والغصب والسرقة والخيانة والظلم إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة. والمعنى. يأيها المؤمنون لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال غيره بطريقة باطلة لا يقرها الشرع، ولا يرتضيها الدين، كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا فى الأموال التى تملكونها تصرفا منهيا عنه بأن تنفقوها فى وجوه المعاصى التى نهى الله عنها؛ فإن ذلك يتنافى مع طبيعة هذا الدين الذى آمنتم به . وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وإغرائهم بالاستجابة لما أمروا به أو نهوا عنه. وفى قوله ﴿أموالكم﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال هى نعمة من الله لنا، وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأموال عن التصرفات الباطلة التى لا تبيحها شريعة الله. وفى قوله ﴿بينكم﴾ إشارة إلى أن تبادل الأموال بين الأفراد والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا يكون بالباطل أو بالظلم. والاستثناء فى قوله ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ استثناء منقطع لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل. والمعنى : لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن تتصرفوا فى أموالكم بالطرق المحرمة، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها بالتجارة الناشئة عن تراض فيما بينكم؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه. والتجارة : اسم يقع على عقود المعارضات التى يقصد بها طلب الربح. وخصت بالذكر من بين سائر أسباب الملك؛ لكونها أغلب وقوعا ولأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. أخرج الأصبهانى عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ير أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا). وكلمة ﴿تجارة﴾ قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالنصب على أنها خبر لكان الناقصة، واسم كان ضمير يعود على الأموال أى إلا أن تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض ١٢٦ المجلد الثالث منكم. وقرأها الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أى: إلا أن تقع تجارة بينكم عن تراض منكم. وقوله ﴿عن تراض منكم﴾ صفة لقوله ﴿تجارة﴾ ولفظ ﴿عن﴾ للمجاوزة أى: إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم. والتراضى : هو الرضا من الجانبين بما بدل عليه من لفظ أو عرف، وهو أساس العقود بصفة عامة، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة مالم يتحقق الرضا. قال بعضهم : وحقيقة التراضى لا يعلمها إلا الله - تعالى - والمراد ها هنا أمارته. كالإيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به. وقد قال - تعالى - ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فدل ذلك على أن مجرد التراضى هو المناط. ولابد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، بأى لفظ وقع وعلى أى صفة كان، وبأى إشارة مفيدة حصل))(١). وقال الألوسى: والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه فى حال المبايعة وقت الإِيجاب والقبول عندنا. وعند المالكية والشافعية حالة الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضى: التخيير بعد البيع ... ))(٢). هذا، وظاهر قوله - تعالى - ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ يفيد إباحة جميع أنواع التجارات ما دام قد حصل التراضى بين المتعاقدين، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الشارع قد حرم المتاجرة فى أشياء معينة حتى ولو تم التراضى بين المتعاقدين فيها، وذلك مثل المتاجرة فى الخمر والميتة ولحم الخنزير، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع من العقود والمعاملات. وقوله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ معطوف على ما قبله. وللعلماء فى تأويله اتجاهات : فمنهم من يرى أن معناه : ولا يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم. والتعبير عن قتل بعضهم لبعض بقتل أنفسهم للمبالغة فى الزجر عن هذا الفعل، وبتصويره بصورة مالا يكاد يفعله عاقل. وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازى فقد قال : اتفقوا على أن هذا نهى عن أن يقتل بعضهم بعضا. وإنما قال: ﴿أنفسكم﴾ لقوله ◌َلجر ((المؤمنون كنفس واحدة)). ولأن العرب يقولون: (١) تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٢٠٣. (٢) تفسير الألوسى جـ ٥ ص ١٦. ١٢٧ سورة النساء قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم يحرى مجرى قتلهم))(١). ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإِنسان لنفسه. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَلي قال : من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يجأ - أى يطعن - بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا))(٢). وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: أتى النبى وَل﴿ برجل قتل نفسه بمشاقص - أى سهام عراض واحدها مشقص - فلم يصل عليه(٣). ومنهم من يرى أن معناه: لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكابكم للمعاصى التى نهى الله عنها، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم، وذهاب ريحكم، وتمزق وحدتكم، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد أمرها، وذهاب ريحها. وقد ذهب إلى هذا المعنى الإِمام ابن كثير فقد قال: وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أى بارتكاب محارم الله - وتعاطى معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل)) (٤). والذى نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات، فهى تنهى المسلم عن أن يقتل نفسه، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره، وهى أيضا تنهاه عن ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى هلاکه. وقدم - سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل الأنفس مع أن الثانى أخطر، للإشعار بالتدرج فى النهى من الشديد إلى الأشد ولأن وقوعهم فى أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من وقوعهم فى القتل. وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ لبيان أن مانهى الله عنه من محرمات، وما أباحه من مباحات، إنما هو من باب الرحمة بالناس، وعدم المشقة عليهم. فالله - تعالى - رءوف بعباده ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو فى قدرتهم واستطاعتهم. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٧٢. . (٢) أخرجه البخارى فى باب شرب السم من كتاب الطب جـ ١ ص ١٨١، وأخرجه مسلم فى كتاب الإِيمان جـ ١ ص ١٨١ . (٣) أخرجه مسلم فى كتاب الجنائز جـ ٣ ص ٦٦ (٤) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٨٠ ١٢٨ المجلد الثالث وهذه الآية الكريمة أصل عظيم فى حرمة الأموال والأنفس. ولقد أكد النبى ◌َّ هذا المعنى فى خطبته فى حجة الوداع حیث قال: «إن دماءكم وأموالکم علیکم حرام کحرمة یومکم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا)). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل مانهى الله عنه فقال: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا، وكان ذلك على الله يسيرًا﴾. واسم الإِشارة فى قوله ((ومن يفعل ذلك)) يعود إلى المذكور من أكل الأموال بالباطل ومن القتل. وقيل الإِشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور. والعدوان : مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمدٍ. والظلم : وضع الشىء فى غير موضعه. والمعنى : أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك عقابا شديدا فى الآخرة، بإدخاله نارا هائلة محرقة، وكان عقابه بهذا العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء. وجمع - سبحانه - بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم الله، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم، كمن يتلف مال غيره بدون قصد، وكمن يقتل غيره بدون تعمد، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق لذلك، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم. وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم، فتح القرآن الكريم باب الرحمة للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلکم مدخلا کریمًا﴾. واجتناب الشىء معناه : المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت فى جانب وهو فى جانب آخر ولا تلاقى بينكما. وكبائر الذنوب : ما عظم منها، وعظمت العقوبة عليه. كالشرك، وقتل النفس بغير حق ﴾ وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات. والسيئات : جمع سيئة وهى الفعلة القبيحة، وسميت بذلك؛ لأنها تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا . والمراد بالسيئات هنا : صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر. والمعنى : إن تتركوا - يامعشر المؤمنين - كبائر الذنوب التى نهاكم الشرع عن اقترافها، ها ١٢٩ سورة النساء ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾ أى نسترها عليكم، ونمحها عنكم حتى تصير بمنزلة مالم يعمل فضلا من الله عليكم، ورحمة بكم. ﴿وندخلکم مدخلا کريما﴾ أی وندخلکم فى الآخرة مدخلا حسنا وهو الجنة التی وعد الله بها عباده الصالحين. فهى مكان طيب يجد من يحل فيه الكثير من كرم الله ورضاه. والمدخل - بضم الميم - كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإِدخال، ومفعول ندخلكم محذوف أی نكفر عنكم سيئاتكم وندخلکم إدخالا کریما. ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعولية عند الأخفش. وقرأ نافع ﴿مدخلا﴾ - بفتح الميم - على أنه اسم مكان للدخول، ويجوز أن یکون مصدرا" ميميا. أى ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما. هذا، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها الله - تعالى - لعباده رحمة منه وكرما متى اجتنبوا كبائر الذنوب، وصدقوا فى توبتهم إليه. كما استدلوا بها على أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر؛ لأن هذه الآية قد فصلت بين كبائر الذنوب وبين ما يكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب المعبر عنها بقوله - تعالى - : ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾. ولأن الله - تعالى - يقول فى موضع آخر ﴿ولله ما في السموات وما فى الأرض ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾(١). قال الألوسى ما ملخصه : واختلفوا فى حد الكبيرة على أقوال منها : أنها كل معصية أوجبت الحد. ومنها : أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته. وقال الواحدى : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها. ولكن الله - تعالى - أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجتنب الكبائر. ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر. وساعة الإِجابة . وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبط بحد. فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله - تعالى - من أول هذه السورة إلى هنا. وقيل هى سبع بدليل ما جاء فى الصحيحين عن رسول اللّه ◌َل أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله - تعالى - والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولى (١) سورة النجم: الآيتان ٣١، ٣٢. ١٣٠ المجلد الثالث يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)). فإن قيل: جاء فى روايات أخرى أن من الكبائر ((اليمين الغموس)) و((قول الزور)) و ((عقوق الوالدين))؟ قلنا فى الجواب: إن ذلك محمول على أنه - وَ له - ذكر ما ذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر وليس لحصره الكبائر فيه - فإن النص على هذه السيع بأنهن كبائر لا ينفى ما عداهن))(١). والذى نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر، وأن الصغائر يغفرها الله لعباده متى اجتنبوا الکبائر وأخلصوا دینهم لله، وأن الكبائر هی ما حذر الشرع من ارتكابها تحذيرا شديدا، وتوعد مرتكبها بسوء المصير، كالإِشراك بالله، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش التى يؤدى ارتكابها إلى إفساد شأن الأفراد والجماعات والتى ورد النهى عنها فى كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وأن الصغائر، هى الذنوب اليسيرة التى يرتكبها الشخص من غير إصرار عليها ولا استهانة بها أو مداومة عليها، بل يعقبها بالتوبة الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾، ولقد فتح الله - تعالى - لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى لا ييأسوا من رحمته فقال - سبحانه -: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما﴾(٢) ثم نهى - سبحانه - عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس، وبين - سبحانه - أنه قد جعل لكل إنسان حقا معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال - تعالى - : وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ لِّلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اُكْنَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ (١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ١٧ . (٢) سورة الفرقان: الآيات ٦٨، ٦٩، ٧٠. ١٣١ سورة النساء عَلِيمًا ﴾ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَّلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا، ٣٣ روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما رواه الإمام أحمد والترمذى عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث فأنزل الله - تعالى - ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾. وقال قتادة : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا فى الآخرة كما فضلنا عليهن فى الميراث فنزلت ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾. والتمنى المنهى عنه هنا: هو الذى يتضمن معنى الطمع فيما فى يد الغير، والحسد له على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو غير ذلك مما يجرى فيه التنافس بين الناس وذلك لأن التمنى بهذه الصورة يؤدى إلى شقاء النفس، وفساد الخلق والدين، ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض على قسمة الخالق العليم الخبير بأحوال خلقه وبشئون عباده. ولا يدخل فى التمنى المنهى عنه ما يسميه العلماء بالغبطة، وهى أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شىء مما عند ذلك الغير. قال صاحب الکشاف : قوله ﴿ولا تتمنوا﴾ نهوا عن التحاسد وعن تمنى مافضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط فى الرزق أو قبض ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض﴾. فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله له، علمًا بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه))(١). وقوله - تعالى - ﴿للرجال نصيب مما أكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ تعليل للنهى السابق. أى لكل من فريقى الرجال والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه من أعمال، ونصيب معين (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥٠٤. ١٣٢ المجلد الثالث فيما ورثوه أو أصابوه من أموال، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ما قسم الله له من رزق، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له. فالله - تعالى - هو الذى قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه، وهو الذى كلف كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه. وقوله ﴿واسألوا الله من فضله﴾ عطف على النهى. فكأنه قيل: لا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما فى أيدى غيركم، ولا تحسدوه على ما رزقه الله، بل اجعلوا اتجاهكم إلى الله وحده، والتمسوا منه ما تشاءون من نعمه الجليلة، ومن حظوظ الدنيا والآخرة، فهو القائل ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾. وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإِفادة العموم. أى: واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم، ويبتعد عنها الطمع والقلق والألم. قال ابن كثير: قوله ﴿واسألوا الله من فضله﴾ أى لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض؛ فإن التمنى لا يجدى شيئًا، ولكن سلونى من فضلى أعطكم فإنى كريم وهاب. روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل﴿(( سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباد الله إلى الله للذى يجب الفرج))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن الله كان بكل شيء عليما﴾ أى إن الله - تعالى - كان ومازال عليها بكل شىء من شئون هذا الكون، وقد وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى علمه وحكمته، فجعل فيهم الغنى والفقير، فيحتاج بعضهم إلى بعض، وليتبادلوا المنافع التى لا غنى لهم عنها، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكوينه واستعداده ﴿صنع الله الذى أتقن كل شىء إنه خبير بما تفعلون﴾. ثم قال - تعالى ﴿ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون﴾. والمضاف إلى كل هنا محذوف عوض عنه التنوين. والتقدير ولكل إنسان أو لكل قوم أو لكل من مات، أو لكل من الرجال والنساء. والموالى: جمع مولى. والمولى لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق لعبده مولى، لأنه ولى نعمته فى عتقه له. ويقال للعبد العتيق مولى لاتصال ولاية مولاه فى إنعامه عليه كما يقال لكل من الحليف والنصير والقريب مولى. ويقال لعصبة الشخص موالى. قال الفخر الرازى: والمراد بالموالى هنا العصبة. ويؤكد ذلك ما رواه أبو صالح عن (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٨٨. ١٣٣ سورة النساء أبى هريرة قال: قال رسول الله و الله((أنا أولى بالمؤمنين. من مات وترك مالا فماله للموالى العصبة. ومن ترك كلا فأنا وليه)) وقال - عليه الصلاة والسلام - ((اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر))(١). هذا، وللمفسرين فى تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى : ١ - ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة، يرثون مما تركه الوالدان والأقربون من المال. ٢ - أو المعنى : ولكل من مات من الرجال والنساء جعلنا موالى أی ورثة يقتسمون ترکته عن طريق الإِرث، ولا حق للحليف فيها لأنه ليس من عصبة هذا الميت. ٣ - أو المعنى: ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويحوزونه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم. وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من مواليهم أى عصبتهم . ٤ - قال الفخر الرازى : ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الورثة، فيكون المعنى : ولكل واحد جعلنا ورثة فى تركته. ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل. هم الوالدان والأقربون. وعلى هذا الوجه لابد من الوقف عند قوله ﴿مما ترك﴾(٢): هذا وتفسير الآية الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين يرثهم غيرهم من عصبتهم هو الأولى، لأنه هو الظاهر فى معنى الآية، وعليه سار جمهور المفسرين، فقد قال ابن جرير: ((فالموالى ها هنا: الورثة. ويعنى بقوله ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ مما تركه والداه وأقرباؤه من الميراث. فتأويل الكلام، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون مما ترك والداه وأقرباؤه من ميراثهم))(٣). وقال صاحب الكشاف: قوله ﴿مما ترك﴾ تبيين لكل. أى: ولكل شىء مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالى أى ورثة يلونه ويحرزونه، أو ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. على أن ﴿جعلنا موالى﴾ صفة لكل، والضمير الراجع إلى كل (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٨٤. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٨٤ - بتصرف وتلخيص -. (٣) تفسير ابن جزير جـ ٥ ص ٥١. ١٣٤ المجلد الثالث .. محذوف، والكلام مبتدأ أو خبر. كما تقول: لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله. أى حظ من رزق الله(١). وقال القرطبى : بين الله - تعالى - أن لكل إنسان ورثة وموالى، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره(٢). وقوله ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ جملة من مبتدأ وخبر. وجىء بالفاء فى الخبر وهو قوله ﴿فآتوهم﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقوله ﴿عقدت﴾ من العقد وهو الشد والربط والتوكيد والتغليظ، ومنه قولهم: عقد العهد يعقده، أى: شده وأكده. والأيمان : جمع يمين والمراد به هنا أيديهم اليمنى، وإسناد العقد إليها على سبيل المجاز، لأنهم كانوا عندما يوثقون عقدا يضع كل واحد منهم يده فى يد الآخر، ليكون ذلك علامة على انبرام العقد وتأكيده. ومن هنا قيل للعقود الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يمين الآخر. ويصح أن يكون المراد بالأيمان هنا الأقسام التى كانوا يقسمونها ويحلفونها عند التعاقد على شىء يهمهم أمره. وقد قرأ عاصم وحمزة والكسائى ((عقدت أيمانكم، وقرأ الياقون)) عاقدت أيمانكم)) وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين عقدت حلفهم أيمانكم أو عاقدتهم أيمانكم. وللعلماه فى المراد بقوله ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ أقوال منها : ١ - أن المراد بهم الحلفاء وهم موالى الموالاة وكان لهم نصيب من الميراث ثم نسخ، وقد ورد فى ذلك آثار منها ما أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة قال : قوله تعالى -: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ كان الرجل يعاقد الرجل فى الجاهلية فيقول: دمى دمك، وهدمی هدمك .. أى مهدومى مهدومك وترثنى وأرثك، وتطلب بى وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال فى الإِسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد فى سورة الأنفال فقال الله تعالى - ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾(٣). ٢ - ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبنى، وكانوا يتوارثون بسبب ذلك، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة. (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥٠٤. (٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٥١. (٣) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٥٢. ١٣٥ سورة النساء ٣ - ويرى فريق ثالث أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، فقد كان النبى روميلو يؤاخى بين الرجلين من أصحابه وكانت تلك المؤاخاة سببا فى التوارث ثم نسخ ذلك بآية الأنفال السابقة. ٤ - وقال أبو مسلم الأصفهانى: المراد بهم الأزواج، إذ النكاح يسمى عقدا. والذى نراه أولى هو القول الأول لكثرة الآثار التى تؤيده، ولأنه هو الذی رجحه جمهور المفسرين، وعليه يكون المعنى : والذين عقدت حلفهم أيمانكم وهم الذين تحالفتم معهم على التناصر وغيره ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ أى فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود. قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة. وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل قوله - تعالى - ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ قول من قال: والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها : أن عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق على نحو ما قد ذكرنا من الروايات فى ذلك(١). وقال ابن كثير: وقوله ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ أى والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم فى الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم فى تلك العقود والمعاهدات. وقد كان هذا فى ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا من عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿إن الله كان على كل شىء شهيدا﴾ أى إن الله - تعالى - كان وما زال عالما بجميع الأشياء، ومطلعا على جليها وخفيها، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب. وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب . فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه. ثم بين - سبحانه - حقوق الرجال وحقوق النساء، وما يجب لكل فريق نحو الآخر، ودعا أهل الخير إلى محاولة الإصلاح بين الزوجين إذا مادب الخلاف بينهما فقال - تعالى - : . الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَتُ (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٥٥. (٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٨٩. ١٣٦ المجلد الثالث قَنِشَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَلَّتِى تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلِيَّا كَبِيرًا ﴿﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآ إِصْلَا حَا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ٣٥ روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ الآية. ومن هذه الروايات ما ذكره القرطبى من أنها نزلت فى سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير فلطمها؛ فقال أبوها : يا رسول الله، أفرشته كريمتى فلطمها. فقال ◌َ﴾ (لتقتص من زوجها). فانصرفت مع أبيها لتقتص منه. فقال - عليه الصلاة والسلام - ((ارجعوا هذا جبريل أتانى)) فأنزل الله هذه الآية(١). وقوله ﴿قوامون﴾ جمع قوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشىء وحفظه. يقال : قام فلان على الشىء وهو قائم عليه وقوام عليه، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه. ويقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها ورعاية شئونها. أى: الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن. ثم ذكر - سبحانه - سببين لهذه القوامة. أولهما: وهبى وقد بينه بقوله: ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾. أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من قوة فى الجسم، وزيادة فى العلم، وقدرة على تحمل أعباء الحياة وتكاليفها وما يستتبع ذلك من دفاع عنهن إذا ما تعرضن لسوء. (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٦٨. ؛ ١٣٧ سورة النساء قال الفخر الرازى: واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة : بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية. أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين. إلى العلم وإلى القدرة. ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر. ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء فى العقل والحزم والقوة. وإن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإِمامة الكبرى والصغرى والجهاد، والأذان، والخطبة، والولاية فى النكاح. فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء))(١). والمراد بالتفضيل فى قوله ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الآحاد على الآحاد. فقد يوجد من النساء من هى أقوى عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال. والباء للسببية، وما مصدرية، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض الثانى المقصود به النساء، والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على مجموع الفريقين على سبيل التغليب. وقال - سبحانه - ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ ولم يقل - مثلا - : بما فضلهم الله عليهن، للإِشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال كما قال فى آية أخرى ﴿بعضكم من بعض﴾ وللإشارة إلى أن هذا التفضيل هو لصالح الفريقين، فعلى كل فريق منهم أن يتفرغ لأداء المهمة التى كلفه الله بها بإخلاص وطاعة حتى يسعد الفريقان. وأما السبب الثاني: فهو كسبى وقد بينه - سبحانه - بقوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾. أى أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من علم وقدرة. وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على النساء ومن تقديم المهور لهن عند الزواج بهن، ومن القيام برعايتهن وصيانتهن. قال الألوسى : واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج. وأن عليها طاعته إلا فى معصية الله - تعالى -. وفى الخبر ((لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)). واستدل بها أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإِعسار عن النفقة والكسوة. وهو مذهب مالك والشافعى، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح. وعندنا لا فسخ لقوله - تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. واستدل بها أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته فى نفسها وما لها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٨٨. ١٣٨ المجلد الثالث لأنه - سبحانه - جعل الرجل قواما بصيغة المبالغة. وهو الناظر على الشىء الحافظ له))(١). ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل أحوال النساء. وفى بيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، فقسمهن إلى قسمين : فقال فى شأن القسم الأول: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾. أى: فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن ﴿قاتنات﴾ أى مطيعات الله - تعالى ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب، ومن صفاتهن كذلك أنهن (حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ . قال صاحب الكشاف: الغيب خلاف الشهادة. أى حافظات لمواجب الغيب. إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه فى حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت. وعن النبى وَلل أنه قال. ((خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك، ون أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها))، ثم تلا الآية الكريمة(٢). و ((ما)) فى قوله ﴿بما حفظ الله﴾ يحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى: أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من صفاتهن أيضا أنهن يحفظن فى غيبة أزواجهن ما يجب حفظه بسبب حفظ الله لهن ورعايته إياهن بالتوفيق للعمل الذى يحبه ويرضاه. ويحتمل أن تكون موصولة فيكون المعنى : أنهن حافظات لغيبة أزواجهن فى النفس والعرض والمال وكل ما يجب حفظه بسبب الأمر الذى حفظه الله لهن على أزواجهن حيث كلف الأزواج بالانفاق عليهن وبالإِحسان إليهن، فعليهن أن يحفظن حقوق أزواجهن فى مقابلة الذى حفظه الله لهن من حقوق على أزواجهن. فالجملة الكريمة تمدح النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ولكل ما يجب حفظه من عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية. هذا هو القسم الأول من النساء، أما القسم الثانى فقد قال - سبحانه - فى شأنه: ﴿واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن﴾ والمراد بقوله ﴿نشوزهن﴾ عصيانهن وخروجهن عما توجيه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها. يقال : نشزت الزوجة نشوزا أى: عصت زوجها وامتنعت عليه. وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع فى وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها. فشبهت المرأة المتعالية على طاعة . زوجها بالمرتفع من الأرض. (١) تفسير الآلوسى جـ ٥ ص ٢٤. (٢) تفسير الكشاف جـ١ ص ٥٠٠. ١٣٩ سورة النساء والمعنى : هذا شأن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ الله لهن، أما النساء اللاتى تخافون ﴿نشوزهن﴾ أى عصيانهن لكم، وترفعهن عن مطاوعتكم، وسوء عشرتهن ﴿فعظوهن﴾ بالقول الذى يؤثر فى النفس، ويوجههن نحو الخير والفضيلة، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج. وسوء عاقبة النشوز والمعصية، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإِسلام وآدابه وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور، ويهدى النفوس إلى الخير. قال ابن كثير: وقوله - تعالى -: ﴿واللاتى تخافون نشوزهن﴾ أى النساء اللاتى تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن. والنشوز هو الارتفاع فالمرأة الناشز هى المرتفعة على زوجها التاركة لأمره، المعرضة عنه المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لماله عليها من الفضل، وقد قال رسول الله وَ له: ((لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها))(١). وقوله ﴿واهجروهن فى المضاجع﴾ أى وعليكم إذا لم تنفع الموعظة والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات فى أماكن نومهن. فالمضاجع جمع مضجع - وهو مكان النوم والاضطجاع. قال القرطبى : والهجر فى المضجع هو أن يضاجعها - أى ينام معها فى فراش واحد - ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقال مجاهد: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ أى تجنبوا مضاجعهن أى - اهجروا أماكن نومهن بأن تناموا بعيدا عنهن -))(٢). روى أبو داود بسنده عن معاوية بن حيدة القشيرى أنه قال : يا رسول الله : ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه. ولا تقبح. ولا تهجر إلا فى البيت)). وقوله ﴿واضربوهن﴾ معطوف على ما قبله. أى إن لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح - أى غير شديد ولا مشين - فقد ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبى ◌َليّ - أنه قال فى حجة الوداع)): واتقوا الله فى النساء فانهن عوان عندكم - أى أسيرات عندكم - ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح)). (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٩٢. (٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٧١ - بتصرف وتلخيص. ١٤٠ المجلد الثالث وقد فسر العلماء الضرب غير المبرح بأنه الذى لا يكسر عظما، ولا يشين جارحة، وأن يتقى الوجه فإنه مجمع المحاسن ولا يلجأ إليه إلا عند فشل العلاجين السابقين. وقد قال - سبحانه - ﴿واللاتى تخافون نشوزهن﴾ ولم يقل: واللائى ينشزن، للإشعار بأن يبدأ الزوج بعلاج عيوب زوجته عندما تظهر أمارات هذه العيوب وعلاماتها وأن لا يتركها حتى تستشرى وتشتد، بل عليه عندما يخشى النشوز أن يعالجه قبل أن يقع، وأن يكون علاجه بطريقة حكيمة من شأنها أن تقنع وتفيد. وبعضهم فسر الخوف، بالعلم أى واللاتى تعلمون نشوزهن فعظوهن ... إلخ. وبعضهم قدر مضافا فى الكلام أى : واللاتى تخافون دوام نشوزهن، فعظوهن واهجروهن فى المضاجع ... الخ. وبعضهم قدر معطوفا محذوفا أى : واللاتى تخافون نشوزهن ونشزن، فعظوهن واهجروهن فى المضاجع ... الخ. وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك فى معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب بأن يبدأ بالوعظ ثم بالهجر ثم بالضرب، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التى تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة. قال الفخر الرازى: وبالجملة فالتخفيف مراعى فى هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذى يدل عليه اللفظ أنه - تعالى - ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجرى مجرى التصريح فى أنه متى حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإِقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. وقال بعض أصحابنا: ((تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها؟ فيه احتمال. وله عند إيداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها))(١). ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء إذا ما أطعنهم وتركن النشوز والعصيان فقال - تعالى -: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾. أى فإن رجعن عن النشوز إلى الطاعة وانقدن لما أوجب الله عليهن نحوكم أيها الرجال، فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدى عليهن، أو فلا تظلموهن بأى طريق من طرق الظلم كأن (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٩٠ بتصرف وتلخيص.