النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة النساء
يعنى : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فإنه لا يحل لكم غيره، وذلك غير
ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال فى التأييد نحو
قولهم: حتى يبيض الفأر. وحتى يلج الجمل فى سم الخياط(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح فى نهاية السوء والقبح
فقال: ﴿إنه كان فاحشة ومقتًّا وساء سبيلا﴾.
أى: إن هذا النوع من النكاح كان أمرًا زائدا فى القبح شرعا وخلقًا، لأنه يشبه نكاح
الأمهات، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام، وما يجب من حسن الصحبة وكان ((مقتا))
والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية.
أى: إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد فى القبح والفحش، وكان ممقوتا
مبغوضا عند الله، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس.
قال صاحب الكشاف : كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى امرأة
الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه - لفظاعته وبشاعته - ويسمونه نكاح
المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ومن ثم قيل ﴿ومقتا﴾ كأنه قيل: هو
فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح. قبيح ممقوت فى المروءة. ولا مزيد على ما يجمع القبحين(٢).
وقوله ﴿وساء سبيلا﴾ أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح، إذ فيه هتك حرمة الأب. وتقطيع
للرحم التى أمر الله بوصلها.
وقوله ((وساء)) هنا بمعنى بئس، وفيه ضمير يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم محذوف
تقديره ذلك؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح.
قال الفخر الرازى: أعلم أنه - سبحانه - قد وصف هذا النكاح بأمور ثلاثة :
أولها : أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من أفحش الفواحش.
وثانيها : المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
وثالثها : قوله ﴿وساء سبيلا﴾.
واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح فى العقول وفى الشرائع وفى العادات.
فقوله - تعالى - ﴿إنه كان فاحشة﴾ إشارة إلى القبح العقلى. وقوله ﴿ومقتا﴾ إشارة إلى
(١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٢٤٤.
(٢) الكشاف جـ١ ص ٤٩٣.

١٠٢
المجلد الثالث
القبح الشرعى. وقوله ﴿وساء سبيلا) إشارة إلى القبح فى العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه
هذه الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح))(١).
وقال الإِمام ابن كثير، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد ارتد
عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال. لما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من طرق عن
البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله ولو - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمره أن يقتله
ويأخذ ماله.
وفى رواية عن البراء قال، مرّ بى عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى وصله
فقلت له، أى عم، أين بعثك النبى وه فقال، بعثنى إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن
أضرب عنقه))(٢).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال تعالى : ﴿حرمت عليكم
أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ وليس المراد بقوله
﴿حرمت﴾ تحريم ذاتهن، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين. فالكلام
على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم .. الخ وإلى هذا المعنى أشار
صاحب الكشاف بقوله، معنى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ تحريم نكاحهن لقوله.
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ ولأن تحريم نكاحهن هو الذى يفهم من تحريمهن، كما
يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله))(٣).
وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الجملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم نكاحهن.
أما الطائفة الأولى: طائفة الأمهات من النسب. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم من
النسب، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم من جهة الأم، لأنه إذا
كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما، إذ الأم هى طريق
الوصول فى القرابة إلى هؤلاء. وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات.
والطائفة الثانية: هى طائفة الفروع من النساء، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله
﴿وبناتكم﴾ بالعطف على أمهاتكم.
أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ٢٤.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٦٨.
(٣) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٩٤.

١٠٣
سورة النساء
والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة فتشمل حرمة
النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن.
وقد انعقد الإِجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن.
والطائفة الثالثة : هى طائفة فروع الأبوين. وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ﴿وأخواتكم﴾
. ثم بقوله، ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ بالعطف على ﴿أمهاتكم﴾.
أى وحرم الله عليكم نكاح أخواتكم سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا
نكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن.
والطائفة الرابعة : هى طائفة العمات والخالات. وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى -
﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ بالعطف على ﴿أمهاتكم﴾.
أى حرم الله عليكم نكاح عماتكم وخالاتكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.
والعمة : هى كل امرأة شاركت أباك مهما علا فى أصليه أو فى أحدهما.
والخالة : هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما.
وإذن فالعمات والخالات يشملن عمات الأب والأم، وخالات الأب والأم، وعمات الجد
والجدة، وخالات الجد والجدة. لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة.
تلك هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب، وإن هذا التحريم يتناسب مع
الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة التى تحب مكارم الأخلاق، وذلك
لأن شريعة الإِسلام قد نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإِنسان، وأضفت عليها الكثير من ألوان
الوقار والاحترام؛ والزواج وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا واختلاف يتنافى مع
ما أسبغه الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه.
ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ما ينتج نسلا
قويا، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا.
ثم بين - سبحانه - النساء اللائى يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال -
تعالى - ﴿وأمهاتكم اللاق أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
أى: وحرم الله - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم، وحرم عليكم - أيضا - نكاح
أخواتكم من الرضاعة.
والأم من الرضاع : هى كل امرأة أرضعتك؛ وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة
بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع.

١٠٤
المجلد الثالث
والأخت من الرضاع : هى التى التقيت انت وهى على ثدى واحد.
قال القرطبى : وهى الأخت لأب وأم. وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء
أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم، وهى التى أرضعتها
زوجة أبيك. والأخت من الأم دون الأب وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر))(١).
هذا، وظاهر قوله - تعالى - ﴿وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ يقتضى
أن مطلق الرضاع محرم للنكاح. وبذلك قال المالكية والأحناف :
ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذى يبلغ خمس رضعات. واستدلوا بما رواه
مسلم وغيره عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله وَلير قال: ((لا تحرم المصة
ولا المصتان)) وفى رواية عنها أنه قال: ((لا تحرم الرضعه والرضعتان، والمصة والمصتان))(٢).
كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن الكبر، إلا أن
جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين
فلا يحرم ولا يكون الرضيع ابنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - ﴿والوالدات يرضعن
أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾.
وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت: قال رسول الله وَلّر((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق
الأمعاء، وكان قبل الفطام)).
قال ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿وأمهاتكم اللاتى أرضعتكم وأخواتكم من
الرضاعة﴾ .
أى: كما يحرم عليك نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك.
ولهذا ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله وَ ير قال: ((إن الرضاعة تحرم ما تحرم
الولادة)) وفى لفظ لمسلم: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب))(٢).
ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة : أن المولود يتكون
جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيكون جزءًا منها، كما أنه جزء من أمه التى حملته. وإذا
كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها، فكان من
التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية، وأن يعامل كل من التقيا على
ثدى امرأة واحدة معاملة الإِخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١١١
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٦٩.

١٠٥
سورة النساء
هذا، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع إلى كتب الفقه
ثم ذكر - سبحانه - نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال: ﴿وأمهات
نسائكم﴾ .
أى: وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم
جدات، لأن كلمة الأم تشمل الجدات، ولإِجماع الفقهاء على ذلك.
قال الألوسى: والمراد بالنساء المعقود عليهن على الإطلاق، سواء أكن مدخولا بهن أم لا .
وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما إذا كان فاسدا
فلا تحرم الأم إلا إذا وطىء ابنتها. فقد أخرج البيهقى فى سننه وغيره من طريق عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عن النبى - ◌َ ر - قال: ((إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج
أمها دخل بالابنة أو لم يدخل. وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج
الإبنة(١)).
ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى - ﴿وربائبكم
اللاتی فی حجورکم من نسائکم اللات دخلتم بهن، فإن لم تکونوا دخلتم بهن فلا جناح -.
علیکم﴾ .
وقوله ﴿وربائبكم﴾ جمع ربيبة. وهى بنت أمرأة الرجل من غيره. وسميت بذلك لأن الزوج
فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره ويعطف عليها.
والحجور: جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه مجتمع الرجلين
للجالس المتربع. والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة والعطف. يقال : فلان فى
حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته.
ومقتضى ظاهر الجمله الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا بشرطين :
أولهما : كونها فى حجره.
وثانيهما : أن يكون الزوج قد دخل بأمها.
أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء، وقالوا : إن هذا الشرط خرج مخرج ..
الغالب والعادة، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج، لا أنه شرط فى التحريم فهم يرون
أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره أم لم تكن قالوا : وفائدة هذا القيد
(١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢٥٧

١٠٦
المجلد الثالث
تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر للتشنيع عليهم، إذ أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه
يكون أشد قبحا فى حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء.
ولكن هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال : الربيبة لا يحرم نكاحها
على زوج الأم إلا إذا كانت فى حجره أخذا بظاهر الآية الكريمة. وقد أخذ بذلك داود الظاهرى
وأشياعه .
وأصحاب الرأى الأول لم يعتدوا بهذه الرواية المروية عن على - رضى الله عنه - وأما عن
الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربيبة - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم اختلفوا
فى معنى الدخول فقال بعضهم : معناه الرطء والجماع. وقال بعضهم : معناه التمتع كاللمس
والقبلة، فلو حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم عليه نكاح ابنتها من غيره.
قال القرطبى ما ملخصه : اتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم،
وإن لم تكن الربيبة فى حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة
إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها. ثم قال وقوله - تعالى - ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾ يعنى
الأمهات ﴿فلا جناح عليكم﴾ يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم.
وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له
نكاح ابنتها. وإختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به التحريم للربائب. فروى عن
ابن عباس أنه قال : الدخول : الجماع. واتفق مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها
بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والإبن، وهو أحد قولى الشافعى ... )(١).
والحكمة فى تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة
لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة، ولأنه لو أبيح للرجل أن
يتزوج ببنت امرأته التى دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأم وابنتها. ولأدى ذلك
أيضا إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى الزواج بواحدة منهن.
ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال. تعالى -: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من
أصلابکم﴾.
والحلائل : جمع حليلة وهى الزوجة. وسميت بذلك لحلها للزوج وحل الزوج لها، فكلاهما
حلال لصاحبه. ويقال للزوج حليل.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١١٢
س-

١٠٧
سورة النساء
أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم. أى: من
ظهور كم .
وقال - سبحانه - ﴿وحلائل أبنائكم﴾ بدون تقييد بالدخول. للاشارة إلى أن حليلة الابن
تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها.
قال القرطبى : أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء. وما عقد عليه الأبناء
على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أو لم يكن : لقوله - تعالى - : ﴿ولا تنكحوا ما نكح
آباؤكم من النساء﴾ وقوله - تعالى -: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾. وقيد الله
الأبناء بالذين هم من الأصلاب، ليخرج الابن المتبنى. فهذا تحل زوجته للرجل الذى تبناه.
وقد كان العرب يعتبرون الابن بالتبنى كأولادهم من ظهورهم، ويحرمون زوجة الابن بالتبنى
على من تبناه. وقد سمى القرآن الأبناء بالتبنى أدعياء فقال - تعالى - :
﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم﴾.
ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية فى شأن الابن المتبنى، فأباح للرجل أن يتزوج من
زوجة الابن الذى تبناه بعد فراقه عنها.
وقد أمر الله - تعالى - نبيه - رَليزر - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن طلقها زوجها
زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبناه النبى وسط ﴿ فقال المشركون : تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل
الله - تعالى - ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج
أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولا﴾.
فإن قيل: إن قيد ((من أصلابكم)). يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن بالتبنى؟
فالجواب على ذلك: أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبي ◌َّ:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)).
ثم بين - سبحانه - نوعا سادسا من المحرمات فقال - تعالى - : ﴿وأن تجمعوا بين الأختين
إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما﴾.
قال ابن كثير والمعنى : وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا فى التزويج إلا ما كان منكم فى
جاهلیتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنویة فیما یستقبل لأنه استثنى مما سلف وقد
أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين فى
النكاح. ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، فقد روى

١٠٨
المجلد الثالث
الإِمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال : أسلمت وعندى امرأتان أختان فأمرنى النبى
وَ ل ﴿ أن أطلق إحداهما))(١).
وكما أنه يحرم الجمع بين الأختين فى عصمة رجل واحد، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة
وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبى - ◌َار - عن ذلك فقد جاء فى صحيح
مسلم وفى سنن أبي داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((لا تنكح
المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها)).
وفى رواية الطبرانى أنه قال: ((فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم))(٢)
والسر فى تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام - كما جاء فى الحديث
الشريف - إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية وتبادل الأذى ما هو مشاهد
ومعلوم. فكان من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم هذه الأنواع من الأنكحة السابقة صيانة
للأسرة من التمزق والتشتت، وحماية لها من الضعف والوهن، وسموًّا بها عن مواطن الريبة
والغيرة والفساد وقد عفا - سبحانه - عما حدث من هذه الأنكحة الفاسدة فى الجاهلية أو قبل
نزول هذه الآية الكريمة بتحريمها، لأنه - سبحانه - كان وما زال غفارا للذنوب، ستارا
للعيوب، رحيما بعباده، ومن رحمته بهم أنه لا يعذبهم من غير نذير، ولا يؤاخذهم على
ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح.
ثم بين - سبحانه - نوعا سابعا من المحرمات فقال: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم كتاب الله علیکم﴾.
وقوله ﴿والمحصنات﴾ من الإحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينة، أى
مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصين، أى مانع من يريده بسوء. ويقال
امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها.
قال الراغب : ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال - تعالى - : ﴿ومريم ابنة
عمران التى أحصنت فرجها﴾ وقال - تعالى - ﴿فإذا أحصن﴾ أى تزوجن. وأحصن زوجن.
والحصان فى الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها))(٣)
والمراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج من النساء.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٧٢.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٤٦١.
(٣) المفردات فى غريب القرآن ص ١٢١ للراغب الأصفهانى.

١٠٩
سورة النساء
وقوله ﴿والمحصنات من النساء﴾ معطوف على قوله ﴿وأمهاتكم﴾ فى قوله - تعالى - : فى آية
المحرمات السابقة (حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلخ.
والمعنى: وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح
ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب.
وقوله ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج
والمراد به: النساء المسبيات اللاتى أصابهن السبى ولهن أزواج فى دار الحرب، فإنه يحل
لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبى. أو بسبيهن
وحدهن دون أزواجهن.
أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبی
فسباؤكم هن هادم لنکاحهن السابق فى دار الكفر، ومبیح لکم نکاحهن بعد استبرائهن.
قال القرطبى ما ملخصه: فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج. أى هن محرمات
إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذى تقع فى سهمه وإن كان لها
زوج، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة. وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم
وروياه عن مالك، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى
أن رسول الله وَير بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم
وأصابوا لهم سبايا. فكان ناس من أصحاب النبى لل قد تحرجوا من غشيانهن من أجل
أزواجهن من المشركين. فأنزل الله - عز وجل - فى ذلك ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم﴾ أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت
بسبب تحرج أصحاب النبى وَ لا ير عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله فى جوابهم ﴿إلا ما
ملكت أيمانكم﴾. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور، وهو
الصحيح - إن شاء الله تعالى -))(١).
وقيل إن المراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج - كما تقدم -، وبما ملكت أيمانكم : مطلق
ملك اليمين. فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان
ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه.
وهذا القول ضعيف، لأن عائشة - رضى الله عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات
زوج، ثم خيرها النبى وَّ﴿ بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح، فدل
ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة، لأنه لوكان هادما لها ما خير النبى وَله بريرة.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٢١

١١٠
المجلد الثالث
أخرج البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : اشتريت بريرة. فاشترط أهلها
ولاءها. فذكرت ذلك للنبي وَّله فقال: (أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق).
قالت: فأعتقتها. قالت: فدعاها رسول الله ﴿ ﴿ فخيرها فى زوجها، فقالت: لو أعطانى
كذا وكذا مابت عنده. فاختارت نفسها) ...
وقوله - تعالى - ﴿كتاب الله عليكم﴾ ساقه - سبحانه - لتأكيده تحريم نكاح الأنواع التى
سبق ذكرها.
وقوله ﴿كتاب﴾ مصدر كتب، وهو مصدر مؤكد لعامله أى: كتب الله عليكم تحريم هذه
الأنواع التى سبق ذكرها كتابا وفرضه فرضا، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله علیکم،
وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه.
وقيل: إن قوله ﴿كتاب﴾ منصوب على الإغراء. أى: الزموا كتاب الله الذى هو حجة
عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو نواهيه.
وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ما شرع من الأحكام.
وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة.
أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى -: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ الخ فقد بينت نوعا
واحدا .
وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الخ فقد بينت ثلاثة
عشر نوعا.
وأما الآية الثالثة وهى قوله - تعالى -: ﴿والمحصنات من النساء﴾. الخ فقد بينت نوعا
واحدا .
قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ... الآية :
اعلم أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء : سبعة منهن من جهه النسب
وهن: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة،
وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء
إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا، وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمه، - وهى قوله
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ والجمع بين الاختين(١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٢٤.

١١١
سورة النساء
هذا، وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها
ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى -: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.
و ﴿ما﴾ هنا المراد بها عموم النساء.
وكلمة ﴿وراء﴾ هنا بمعنى غير أو دون كما فى قول بعضهم: (وليس وراء الله للمرء مذهب).
١٠٠٠
واسم الإِشارة ﴿ذلكم﴾ يعود إلى ما تقدم من المحرمات.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله ((حرمت عليكم أمهاتكم)) الخ.
ومن قرأ ﴿أحل لكم ... ) ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر فى قوله
﴿كتاب الله عليكم ... ﴾.
والمعنى: حرمت عليكم هؤلاء المذكورات، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء.
قال القرطبى : قوله - تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى
رواية حفص ﴿وأحل لكم﴾ ردا على ﴿حرمت عليكم﴾ وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله -
تعالى - ﴿كتاب الله عليكم﴾. وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك؛
فإن الله - تعالى - قد حرم على لسان نبيه وَله من لم يذكر فى الآية فيضم إليها. قال -
تعالى - : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عند فانتهوا﴾.
روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله وَلثم قال: ((لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة
وخاللتها)). وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها؛ لأن
الله - تعالى - حرم الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى الجمع
بين الأختين؛ أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوالد والصحيح الأول : لأن
الكتاب والسنة كالشىء الواحد فكأنه قال: ((أحللت لكم ما وراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء
ما أكملت به البيان على لسان محمد ◌َةٍ))(١).
ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها
إعزازا لها فقال - تعالى - ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾.
وقوله : ﴿تبتغوا﴾ من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد.
وقوله : ﴿محصنين﴾ من الإحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع
فيما يغضب الله - تعالى -.
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٢٤.

١١٢
المجلد الثالث
وقوله: ﴿مسافحين﴾ من السفاح بمعنى الزنا والمسافح: هو الزانى. ولفظ السفاح مأخوذ من
السفح وهو صب الماء وسيلانه. وسمى به الزنا؛ لأن الزانى لا غرض له إلا صب النطفة فقط
دون نظر إلى الأهداف الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح.
وقوله ﴿أن تبتغوا﴾ فى محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام
و﴿محصنين﴾ و﴿غير مسافحين﴾ حالان من فاعل ﴿تبتغوا﴾.
والمعنى : بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من
أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائى أحلهن الله لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه
لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور
والزنا.
قال بعضهم: وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم المرأة قال : انكحينى. فإذا أراد
الزنا قال: سافحينى. والمسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
قال الآلوسي: وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لابد وأن يكون مالا وبه قال
الأحناف. وقال بعض الشافعية: لا حجة فى ذلك، لأن تخصيص المال لكونه الأغلب
المتعارف، فيجوز النكاح على ما ليس بمال. ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن
سعد ((أن رسول الله و لل سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى وَ لّ ماذا معك من القرآن؟
قال: معى سورة كذا وكذا وعددهن. قال: تقرؤهن على ظهر قلبك؟ قال : نعم قال : اذهب
فقد ملكتكها بما معك من القرآن)).
ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله وَله وأجيب بأن كون القرآن معه
لا يوجب كونه بدلا، والتعليم ليس له ذكر فى الخبر، فيجوز أن يكون مراده وماله: زوجتك
تعظيما للقرآن ولأجل ما معك منه))(١).
ثم قال - تعالى -: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾.
والاستمتاع : طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة.
والمراد بقوله ﴿أجورهن﴾ أى مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجرًا.
و﴿ما﴾ فى قوله ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ واقعة على الاستمتاع. والعائد فى الخبر محذوف
أى فآتوهن أجورهن عليه.
(١) تفسير الآلوسی جـ ٥ ص ٥.

١١٣
سورة النساء
والمعنى : فما انتفعتم وتلذذتم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن
عليه .
ويصح أن تكون ﴿ما﴾ واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف. وأعاد الضمير عليها
مفردًا فى قوله ﴿به﴾ باعتبار لفظها، وأعاده عليها جمعا فى قوله ﴿منهن) باعتبار معناها.
ومن فى قوله ﴿منهن﴾ للتبعيض أو للبيان. والجار والمجرور فى موضع النصب على الحال من
ضمير ﴿به﴾ :
والمعنى : فأى فرد أو الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن
أجورهن على ذلك. والمراد من الأجور: المهور. وسمى المهر أجرًا؛ لأنه بدل عن المنفعة لا عن
العین.
وقوله ﴿فريضة﴾ مصدر مؤكد لفعل محذوف أى: فرض الله عليكم ذلك فريضة. أو حال
من الأجور بمعنى مفروضة. أى: فآتوهن أجورهن حالة كونها مفروضة عليكم.
ثم بين - سبحانه - أنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء
منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - تعالى -: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد
الفريضة إن الله كان عليما حكيما﴾.
أى: لا إثم ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهن من إسقاط شىء من المهر أو الإِبراء
منه أو الزيادة عليه ما دام ذلك بالتراضى بينكم ومن بعد اتفاقكم على مقدار المهر الذى
سميتموه وفرضتموه على أنفسكم.
:
وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾ لبيان أن ما شرعه هو
بمقتضى علمه الذى أحاط بكل شىء، وبمقتضى حكمته التى تضع كل شىء فى موضعه.
فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان بعض الأنواع من النساء اللاتى حرم الله نكاحهن،
ولبيان ما أحله الله منهن بعبارة جامعة، ثم لبيان أن الله - تعالى - قد فرض على الأزواج الذين
يبتغون الزوجات عن طريق النكاح الصحيح الشريف أن يعطوهن مهورهن عوضا عن
انتفاعهم بهن، وأنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شىء منه
ما دام ذلك بسماحة نفس، ومن بعد تسمية المهر المقدر.
هذا، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة فى نكاح المتعة وهو عبارة عن أن
يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكى يستمتع بها.
قالوا: لأن معنى قوله - تعالى -: ﴿فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن﴾: فمن

١١٤
المجلد الثالث
جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة فآتوهن أجوهن.
ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب، لأنه من المعلوم أن النكاح الذى يحقق الإِحصان
والذى لا يكون الزوج به مسافحا. هو النكاح الصحيح الدائم المستوفى شرائطه، والذى وصفه
الله بقوله ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به
منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾.
وإذًّا فقد بطل حمل الآية على أنها فى نكاح المتعة؛ لأنها تتحدث عن النكاح الصحيح الذى
يتحقق معه الإِحصان، وليس النكاح الذى لا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة.
قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعا فى
ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول
بإباحتها للضرورة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن أمير
المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول الله وَّله عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم
خيبر، وفى صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أنه كان مع رسول الله وَلقر فقال:
((يا أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم
القيامة. فمن كانت عنده منهن شىء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا))(١).
وقال الألوسى: وقيل الآية فى المتعة، وهى النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر.
والمراد، ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به﴾ من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل
المضروب فى عقد المتعة، بأن يزيد الرجل فى الأجر وتزيد المرأة فى المدة، وإلى ذلك ذهبت
الإِمامية - من طائفة الشيعة -
ثم قال : ولا نزاع عندنا فى أنها أحلت ثم حرمت، والصواب المختار أن التحريم والإِباحة
کانا مرتین. فقد كانت حلالا قبل یوم خیبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبیحت يوم فتح مكة وهو
يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث تجريما مؤبدًا إلى يوم القيامة ... ))(٢).
وقال بعض العلماء: وهذا النص وهو قوله - تعالى - ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن
أجورهن فريضة﴾ قد تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين
الرجل والمرأة، فادعوا أنه يبيح المتعة ... والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد من قالوه عن
الهداية؛ لأن الكلام كله فى عقد الزواج فسابقه ولاحقه فى عقد الزواج، والمتعة حتى على
کلامهم لا يسمى عقد نكاح أبدا.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٧٤
(٢) تفسیر الآلوسی ج ٥ ص ٧ - بتصرف وتلخيص -. ،

١١٥
سورة النساء
وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رووها عن النبى وَي أنه أباح المتعة فى غزوات ثم نسخها،
وبأن ابن عباس كان يبيحها فى الغزوات وهذا الاستدلال باطل، لأن النبى وَ ل﴿ نسخها، فكان
عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى
البقاء.
وإذا قالوا إننا نتفق معكم على الإِباحة ونخالفكم فى النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره
قلنا لهم : إن النصوص التى أثبتت الإِباحة هى التى أثبتت النسخ، وما اتفقنا معكم على
الإِباحة؛ لأننا نقرر نسخ الإِباحة.
على أننا نقول: إن ترك النبى وَّلر المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع، ليس من قبيل الإباحة،
بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإِيمان وتترك عادات الجاهلية، وقد كان شائعا
بينهم اتخاذ الأخدان وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل. وهذه هى متعتهم، فنهى القرآن الكريم
والنبى ◌َّه عنها. وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى تخرج النفوس من
جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى.
وابن عباس - رضى الله عنه - قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن أبى
طالب: إنك امرؤ تائه، لقد نسخها النبى (وَلّر والله لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما))(١).
وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة فى شأن النكاح الصحيح الذى يحقق الإِحصان ولا يكون
الزوج به مسافحا. وأن القول بأنها تدل على نكاح المتعة قول بعيد عن الحق والصواب
للأسباب التى سبق ذكرها.
وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء، وبين من يحل نكاحه منهن، عقب ذلك
ببيان ما ينبغى أن يفعله من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات فقال - تعالى - :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ مِّن
فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّنْ
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام العدد الرابع من السنة الرابعة عشرة.

١١٦
المجلد الثالث
بَعْضِ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُن ◌َ أُجُورَهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ
أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِْنَّ نِصْفُ
مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ
اَلْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وقوله ﴿طولا﴾ أى سعة وقدرة وغنى فى المال.
٢٥
قال صاحب الكشاف: الطول: الفضل. يقال: لفلان على فلان طول أى: زيادة
وفضل.
وقد طاله طولا فهو طائل. قال الشاعر :
لقد زادنى حبا لنفسى أننى بغيض إلى كل امرىء غير طائل
ومنه قولهم: ما خلا منه بطائل. أى بشىء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه الطول فى
الجسم لأنه زيادة فيه))(١).
والمراد بالمحصنات هنا الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك، لأن حريتهن
أحصنتهن عن النقص الذى فى الإِماء.
والمراد بقوله ﴿من فتياتكم﴾ أى من إمائكم وأرقائكم.
والمعنى : ومن لم يستطع منكم يا معشر المؤمنين الأحرار أن يحصل زيادة فى المال تمكنه من أن
ينكح الحرائر المؤمنات، فله فى هذه الحالة أن ينكح بعض الإِماء المؤمنات اللائى هن مملوكات
لغیرکم.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿ومن لم يستطع﴾ شرطية، وجوابها قوله، فمما ملكت أيمانكم، ويصح أن
تكون موصولة ويكون قوله ((فمما ملكت أيماثكم)) هو الخبر.
وقوله ﴿منكم﴾ حال من الضمير فى ﴿يستطع﴾ وقوله ﴿طولا﴾ مفعول به ليستطع.
هذا، والأية الكريمة تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج من الإِماء إلا إذا كان المسلم الحر ليس
فى قدرته أن يتزوج امرأة حرة.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٩٩.
.

١١٧
سورة النساء
ولذا قال بعضهم: إن الله - تعالى - شرط فى نكاح الإِماء شرائط ثلاثة : اثنان منها فى
الناكح، والثالث فى المنكوحة.
أما اللذان فى الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق.
والثانى هو المذكور فى آخر الآية وهو قوله: ﴿ذلك لمن خشى العنت, منكم﴾.
وأما الشرط الثالث المعتبر فى المنكوحة فهو أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة ... ))(١).
وقد خالف الإِمام أبو حنيفة هذا الشرط الثالث فأباح للمسلم الزواج من الأمة الكتابية إن لم
يكن عنده زوجة حرة فإن كان متزوجا بحرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقا لا مسلمة
ولا كتابية، وإن عقد عليها كان عقده باطلا وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطول بأنه
الزواج بحرة.
أما المالكية والشافعية فقد قالوا : الطول: السعة والقدرة على المهر والنفقة فمن عجز عن
مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها ولو كانت عنده زوجة
حرة.
وفى التعبير عن الإِماء بقوله ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ تكريم لهؤلاء
الأرقاء، وإعزاز لإِنسانيتهن، وتعليم للمسلمين أن يلتزموا الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم ولذا
ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله وَلقر قال: ((لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى، ولكن ليقل
فتای وفتاتى)).
وقوله - تعالى - ﴿والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض﴾ جملة معترضة سيقت بين إباحة
النكاح من الاماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسا للقلوب، وإزالة للنفرة عن نكاح
الاماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو الايمان لا التباهى بالأحساب والأنساب.
والمعنى : أنه - تعالى - أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذى هو مناط التفضيل وأنتم وفتياتكم
من أصل واحد فلا ينبغى أن يستعلى حر على عبد، ولا حرة على أمة، فرب إنسان غير حر
أفضل عند الله بسبب إيمانه وعمله الصالح من إنسان حر.
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إزالة ما كانت تستهجنه العرب من الزواج بالاماء، ونهيهم
عما كان متداولا بينهم من احتقارهم لولد الأمة وتسميتهم إياه بالهجین - أی الذی أبوه عربی
وأمه أمة .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: فما معنى قوله ﴿والله أعلم
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٥٦ بتصرف وتلخيص.

١١٨
المجلد الثالث
بإيمانكم﴾؟ قلت: معناه: أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الايمان ورجحانه
ونقصانه فيهم وفيكم. وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة والمرأة أرجح فى الايمان من
الرجل. وحق المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل الايمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا
تأنيس بنكاح الاماء وترك الاستنكاف منه. وقوله ﴿بعضكم من بعض﴾ أى: أنتم وأرقاؤكم
متناسبون متواصلون لاشتراككم فى الايمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه(١).
ثم بين - سبحانه - كيفية الزواج بهن فقال: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن
بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ والمراد بأهلهن: مواليهن الذين
يملكونهن : وعبر عن المالكين لهن بالأهل، حملا للناس على الأدب فى التعبير، ولأنه يجب أن
تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لا علاقة استعلاء.
والمراد بالأجور هنا : المهور التي تدفع لهن فى مقابل نكاحهن.
والمراد بالمحصنات هنا: العفائف البعيدات عن الفاحشة والريبة. والمرأة المسافحة هى التى
تؤاجر نفسها لكل رجل أرادها. والتى تتخذ الخدن هى التى تتخذ لها صاحبا معينا. وكان أهل
الجاهلية يفصلون بين القسمين فيستقبحون الزنا العلنى ويستحلون السرى، فجاءت شريعة
الإِسلام بتحريم القسمين. قال - تعالى ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾. وقال
- تعالى ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾.
وقوله ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن) مترتب ومتفرع على ما قبله من أحكام.
والمعنى : إذا عرفتم حكم الله فى شأن فتياتكم المؤمنات فانكحوهن بعد أن يأذن لكم فى ذلك
مواليهن ويرضون عن هذا النكاح، وأدوا إليهن مهورهن بالقدر المتعارف عليه شرعا وعادة عن
طيب نفس منكم، وبدون مطل أو بخس. فإنه لا يصح أن تتخذوا من كون المنكوحة أمة .
سبيلا لغمط حقها، وتصغير شأنها.
وقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز، عملا بظاهر هذه الآية .
الكريمة، فان قوله - تعالى -: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ يقتضى كون الإذن شرطا فى جواز
النكاح، ولأن منافع الأمَّة لسيدها وهى ملك له فلا يجوز نكاحها إلا بإذنه.
قال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿فانكحوهن﴾ أى بولاية أربابهن المالكين وإذنهم. وكذلك
العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق
بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز، هذا مذهب مالك وأصحاب
الرأى، والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ولو بإجازة السيد(٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٠٠
(٢). تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٤١

١١٩
سورة النساء
وقوله ﴿وآتوهن أجورهن﴾ صريح فى وجوب دفع مهر فى مقابل نكاح الأمة ولكن من الذى
يتسلم هذا المهر؟
يرى كثير من العلماء أن الذى يتسلم المهر هو السيد المالك للأمة. لأن المهر قد وجب عوضا
عن منافع بضع المملوكة للسيد، وهو الذى أباحها للزوج فوجب أن يكون هو المستحق لتسلم
المهر؛ ولأن العبد وما ملكت يداه لسيده أى آتوا أهلهن أجورهن فالكلام على حذف مضاف.
ويرى الإِمام مالك أن الآية على ظاهرها، وأن المهر إنما يدفع للأمة لأنها أحق به من
سيدها، وأنه ليس للسيد أن يأخذ من أمته ويدعها بلا جهاز فالعقد يتولاه السيد أما المهر
فيعطى للأمة لتتولى إعداد نفسها للزواج منه.
وقوله ﴿محصنات﴾ حال من المفعول فى قوله ﴿فانكحوهن﴾ أى: فانكوحهن حال كونهن
عفائف عن الفاحشة.
وقوله ﴿غير مسافحات﴾ تأكيد له أى غير مجاهرات بالزنا.
وقوله ﴿ولا متخذات أخذان﴾ تأكيد آخر لبعدهن عن الريبة. والأخدان جمع خدن وهو
الصاحب والصديق.
والمراد به هنا: من تتخذه المرأة صاحبا لها لارتكاب الفاحشة معه سرًّا
وقد وصف الله - تعالى - الزوجات الإِماء بذلك، لتحريضهن على التمسك بأهداب
الفضيلة والشرف، إذ الرق مظنة الانزلاق والوقوع فى الفاحشة لما يصاحبه من هوان وضعف،
ولا شىء كالهوان يفتح الباب أمام الرذيلة والفاحشة ومن هنا قالت هند بنت عتبة - باستغراب
واستنكار - لرسول الله ور عندما أخذ العهد عليها وعلى المؤمنات بقوله ﴿ولا يزنين﴾ قالت
يا رسول الله : أو تزنى الحرة؟ !!
ثم بين - سبحانه - عقوبة الإِماء إذا ما ارتكبن الفاحشة فقال - تعالى - فإذا أحصن فإن
أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾
ومعنى الإِحصان هنا: الزواج. والمراد بالفاحشة : الزنا. والمراد بالعذاب : الحد الشرعى
أى: فإذا أحصن أى بالتزويج، فإن أتين بفاحشة الزنا وثبت ذلك عليهن، ففى هذه الحالة
حدهن نصف حد الحرائر من النساء
أی أن الأمة إذا زنت فحدها أن تجلد خمسین جلدة ولا رجم عليها لأنه لا یتنصف فلا یکون
مرادا هنا.
وظاهر الجملة الكريمة يفيد أن الأمة لا تحد إذا زنت متى كانت غير متزوجة وقد أخذ بهذا

١٢٠
المجلد الثالث
الظاهر بعض العلماء. ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمه يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت
متزوجة أم غير متزوجه.
فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة،
لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها،، ويقوى أثرها بقوة مرتكبها، فكان من العدل أن
يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار الأقوياء.
فأين هذا السمو والرحمة والعدالة فى التشريع من مظالم القوانين الوضعية ففى القانون
الرومانى كان العبد إذا زنى بحرة قتل، وإذا زنى الشريف حكم عليه بغرامة. ولقد حذر النبى
ول* من ذلك بقوله: ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه،
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ... )).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله
غفور رحيم﴾ :
واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى نكاح الإِماء.
والعنت : المشقة الشديدة التى يخشى معها التلف أو الوقوع فى الفاحشة التى نهى الله -
تعالى - عنها. ولذا قال بعضهم المراد به هنا: الزنا.
أى: ذلك الذى شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإِماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشى
على نفسه العزبة التى قد تفضى به إلى الوقوع فى الفاحشة والآثام. ﴿وأن تصبروا﴾ على تحمل
المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم الله الزواج بالحرة، فصبركم هذا خير لكم من نكاح
الإِماء وإن رخص لكم فيه.
وقوله ﴿والله غفور رحيم﴾ أى واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحن - وفى
ذلك تنفير عنه حتى لكأنه ذنب -، وهو - سبحانه - واسع الرحمة بعباده حيث شرع لهم ما فيه
تيسير عليهم ورأفة بهم.
قالوا : وإنما كان الصبر عن نكاح الإِماء خيرًا من نكاحهن، لأن الولد الذى يأتى عن
طريقهن يكون معرضا للرق، ولأن الأمة فى الغالب لا تستطيع أن تهىء البيت الصالح
للزوجية من كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم كان نكاح الأمة منحطا عن
نكاح الحرة؟ قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم فى الرق. ولثبوت حق المولى فيها وفى
استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة.