النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة النساء
إن كانت على سبيل الظلم فهى من أعظم أبواب الإِثم كما فى هذه الآية. وإن كانت على سبيل
التربية والإِحسان فهى من أعظم أبواب البر كما فى قوله .. تعالى - ﴿وإن تخالطوهم
فإخوانکم﴾(٢).
وبعد : فهذه عشر آيات من سورة النساء، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة برعاية اليتيم
وبالمحافظة على ماله فى خمس آيات منها.
فأنت تراها فى الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة على أموال اليتامى،
وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة، وتحذرهم من الاحتيال على أكل هذه
الأموال عن طريق الخلط فتقول :
﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، إنه كان
حوبًا كبيرا﴾.
وتراها فى الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن إذا لم يأمنوا على
أنفسهم العدل فى أموال اليتيمات، وحسن معاشرتهن، وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا
تزوجوهن فتقول :
﴿وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾
الآية. وتراها فى الآية السادسة تأمر الأولياء بأن يختبروا تصرفات اليتامى وأن يسلموا إليهم
أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد منهم فتقول :
﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم
ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا﴾ الآية.
وتراها فى الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا منها للمحتاجين من الأقارب
واليتامى والمساكين فتقول :
﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ الآية.
ثم تراها فى الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بأشد ألوان الوعيد
فتقول: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارًا، وسيصلون
سعیرًا﴾.
وقد أمر القرآن أتباعه فى كثير من آياته بالعطف على اليتيم، وبحسن معاملته، وبالمحافظة
على حقوقه، ومن ذلك قوله - تعالى - :
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ٢٠٢.

٦٢
المجلد الثالث
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا بالعهد إن العهد كان
مسئولا﴾(١).
وقوله - تعالى - ممتنا على نبيه محمد وَلي ﴿ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى.
ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر﴾.
وقوله - تعالى - ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم
فإخوانكم﴾(٢).
وعندما نقرأ أحاديث النبى وَليّ نراه فى كثير منها يأمرنا برعاية اليتيم، وبالعطف عليه،
وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله، ويبشر الذين يكرمون اليتيم بأفضل البشارات، فقد روى
البخارى وغيره عن سهل بن سعد عن النبى # أنه قال: أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا.
"وقال باصيعيه السبابة والوسطى)) - أى: وأشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى -.
وإنما اعتنى الإِسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه، ولأن عدم رعايته
سيؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره،
فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه، شب محبا لمن حوله وللمجتمع
الذى يعيش فيه. وإذا نشأ فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة
العدو إلى عدوه، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون؛ لأنه سيقول لنفسه : إذا
كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟ وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى،
فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟
لهذه الأسباب وغيرها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء
أو ظلم.
وبعد أن يبين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن، وما يجب
على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم .... بعد أن بين - سبحانه -
ذلك، شرع فى بيان حقوق أكثر الوارثين، بعد أن أجملها فى قوله - تعالى - ﴿للرجال نصيب
مما ترك الوالدان والأقربون﴾ فقال - تعالى:
(١) سورة الإِسراء الآية ٣٤.
(٢) سورة البقرة الآية: ٢٢.

٦٣
سورة النساء
يُوصِيكُللَّهُ
فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِنَ كُنَّ نِسَآءَ
فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ تُلُثَا مَاتَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا
النِّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن
كَانَ لَهُوَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِنَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثّلُثُ
فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى
بِهَآ أَوْدَيْنٍّ ءَآبَا ؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَّدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ
نَفْعَا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِنْ لَوْيَكُنْ
لَّهُربَ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا
تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْدَيْن،
وَلَهُنَّ اُلرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ
فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّاتَرَكْتُمْ
مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْدَيْنٍّ وَإِن كَانَ
رَجُلٌ يُورَتُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُوَأَخُّ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ
وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ فَإِن كَانُوَأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى ◌ِبِهَآ
٩

٦٤
المجلد الثالث
أَوْدَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
١٠ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِيعِ اللَّهَوَرَسُولَهُ،
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٣)
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ
١٤
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - (يوصيكم الله فى أولادكم) الآية:
((هذه الآية الكريمة والتى بعدها والآية التى هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض.
وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك.
وقد ورد الترغيب فى تعلم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وله
قال : العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة - أى غير منسوخة - أو سنة قائمة -
أى ثابتة - أو فريضة عادلة - أى عادلة فى قسمتها بين أصحابها -)).
وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَ لقوله: ((تعلموا الفرائض وعلموه الناس؛ فإنه نصف
العلم. وهو أول شىء ينسى .. وهو أول شىء ينزع من أمتى)).
ثم قال ابن كثير: وقال البخارى عند تفسير هذه الآية: عن جابر بن عبدالله قال: عادنى
رسول الله - 18 - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين فوجدنى النبى مميز لا أعقل شيئا. فدعا بماء
فتوضأ منه ثم رش على فأفقت. فقلت: يا رسول الله ما تأمرنى أن أصنع فى مالى؟ فنزلت
﴿يوصيكم الله فى أولادكم) الآية.
وفى حديث آخر رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال : جاءت امرأة سعد بن
الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله وسلم فقالت: يا رسول الله !! هاتان ابنتا سعد بن
الربيع. قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا. وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان ..
إلا ولهما قال. فقال ◌َله: ((يقضى الله فى ذلك)) فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله وَسافر إلى
عمهما فقال ◌َله: أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك)).
ثم قال ابن كثير: والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه

١
٦٥
سورة النساء
السورة كما سيأتى، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث کلالة.
والحديث الثانى عن جابر أشبه بنزول هذه الآية (١). هذا، وقوله - تعالى - ﴿يوصيكم الله فى
أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ بيان لما إذا مات الميت وترك أولادا من الذكور والإناث.
وقوله ﴿يوصيكم﴾ من الوصية، وهى - كما يقول الراغب -: التقدم إلى الغير بما يعمل به
مقترنا بوعظ من قولهم : أرض واصية أى متصلة النبات ويقال : أوصاه ووصاه ... ويقال :
تواصى القوم إذا أوصى بعضهم بعضا ... ))(٢) والمراد بقوله ﴿يوصيكم﴾: أى يأمركم أمرا
مؤكدا .
والأولاد: جمع ولد - بوزن فعل مثل أسد - والولد : اسم للمولود ذكرا كان أو أنثى
والحظ : النصيب المقدر.
والمعنى : يعهد الله إليكم ويأمركم أمرا مؤكدا فى شأن ميراث أولادكم من بعد موتكم أن
يكون نصيب الذكر منهم فى الميراث نصيب الأنثيين.
وصدر - سبحانه - هذه الأحكام بقوله ﴿يوصيكم﴾ اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة
الامتثال لمضمونها، إذ الوصيية من الله - تعالى - إيجاب مؤكد، بدليل قوله - تعالى -
﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به﴾ أى أوجب عليكم الانقياد لهذا
الحكم إيجابا مؤكدًا.
وحرف ﴿فى﴾ هنا للظرفية المجازية، ومجرورها محذوف قام المضاف إليه مقامه، لأن ذوات
الأولاد لا تصلح ظرفا للوصية، والتقدير: يوصيكم الله فى توريث أولادكم أو فى شأنهم.
وبدأ - سبحانه - ببيان ميراث الأولاد، لأنهم أقرب الناس إلى الإِنسان، ولأن تعلق
الإِنسان بأولاده أشد من تعلقه بأى إنسان آخر.
وقوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب لأنها فى موضع
التفصيل والبيان لجملة ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾.
وقد جعل - سبحانه - نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن التكليفات المالية على
الأنثى تقل كثيرًا عن التكليفات المالية على الذكر، إذ الرجل مكلف بالنفقة على نفسه وعلى
أولاده وعلى زوجته وعلى كل من يعولهم بينما المرأة نصيبها من الميراث لها خاصة لا يشاركها فيه
مشارك.
.(١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٤٥٧
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٥٢٥ للراغب الأصفهانى.
-----
....
... --
:

٦٦
المجلد الثالث
وبهذا يتبين أن الإِسلام قد أكرم المرأة غاية الإكرام حيث أعطاها هذا النصیب الخاص بها
من الميراث بعد أن كانت فى الجاهلية لا ترث شيئًا.
ولم يقل - سبحانه - للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف قد يصدق على المثلين
فصاعدا، فلا يكون نصا.
ولم يقل الأنثيين مثل حظ الذكر ولا للأنثى نصف حظ الذكر، لأن المقصود تقديم الذكر
لبيان فضله ومزيته على الأنثى.
وعبر بالذكر والأنثى دون الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من
الفريقين فى الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر فى ذلك أصلا، كما هو زعم أهل الجاهلية
حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء.
وبعد أن بين - سبحانه - كيفية قسمة التركة إذا كان الورثة أولادا ذكورا وإناثا، عقب ذلك
ببيان كيفية تقسيم التركة إذا كان الورثة من الأولاد الإناث فقط فقال - تعالى - : فإن كن نساء
فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك.
قال الألوسى: الضمير للأولاد مطلقا، ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا يضر، لأن ذلك
مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له. ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات اللاتي فى
ضمن مطلق الأولاد .. والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية(١).
والمعنى : فإن كانت المولودات أو البنات نساء خلصا زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن
فلهن ثلثا ما ترك المتوفى.
وهذه الجملة الكريمة قد بينت بالقول الصريح نصيب الأكثر من البنتين وهو الثلثان إلا أنها لم
تبين نصيب البنتين بالقول الصريح.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا وأما فرض
البنتين فهو النصف. ودليله صريح منطوق الآية، فقد اشترطت أن أخذ ثلثى التركة للنساء
يكون إذا كن فوق اثنتين أى ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفى حصول الثلثين للبنتين.
وقال جمهور العلماء: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان إذا انفردتا عن البنين كما أن
البنات لهن الثلثان كذلك.
وقد بسط الفخر الرازى أدلة الجمهور على أن للبنتين الثلثين كالبنات فقال ما ملخصه :
وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان. قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه :
(١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢١١ - بتصرف وتلخيص.

٦٧
سورة النساء
أولها: من قوله - تعالى - ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وذلك لأن من مات وترك إبنا وبنتا
فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله - تعالى - ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، فإذا
كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين. ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن
يكون نصيب الابنتين الثلثين.
الثانى: إذا مات وترك إبنا وبنتا فههنا يكون نصيب البنت الثلث بدليل ﴿للذكر مثل حظ
الأنثيين) فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث فبأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى
هو الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى وإذا كان للبنت الثلث مع أختها وللأخرى كذلك
فقد صار لهما الثلثان.
الثالث: أن قوله - تعالى - ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ
الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك خلاف النص.
وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فتقول : وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه
لا قائل بالفرق
والرابع: أنا ذكرنا فى سبب نزول الآية أنه غير أعطى بنتى سعد بن الربيع الثلثين، وذلك
يدل على ما قلناه.
الخامس : أنه - سبحانه - ذكر فى هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما
فوقهن ولم يذكر حكم الثنتين وذكر فى شرح ميراث الأخوات - فى آخر السورة ﴿إِن امرؤ هلك
ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ فهنا ذكر
ميراث الأخت الواحدة والأختين دون الأخوات، فصارت كل واحدة من هاتين الآيتين مجملة
من وجه ومبينة من وجه فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما
أقرب إلى الميت من الأختين.
والوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية. والرابع مأخوذ من السنة. والخامس من القياس
الجلی))(١).
هذا وقد صح عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور فانعقد الإجماع على أن للبنتين
الثلثين .
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا ترك الشخص بنتا واحدة فقال : ﴿وإن كانت واحدة فلها
النصف﴾ .
أى وإن كانت المولودة أنثى واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف أى نصف ما تركه
المتوفى .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢٠٦.
*

٦٨
المجلد الثالث
وإلى هنا تكرن الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد فى الميراث :
الأولى: أن يترك الميت ذكورًا وإناثًا. وفى هذه الحالة يكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ
الأنثيين.
الثانية : أن يترك الميت بنتين فأكثر وليس معهما أخ ذكر: وفى هذه الحالة يكون لهما أولهن
الثلثان خلافا لابن عباس فى البنتين - كما سبق أن بينا.
الثالثة : أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخ ذكر. وفى هذه الحالة يكون لها النصف.
قال بعض العلماء : هذا توريث الأولاد. ويلاحظ ما يأتى :
أولا : أن نصيب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا إنما يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد
والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. فإذا كان للمتوفى أب وزوجة وأبناء وبنات، فان القسمة.
للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب والزوجة نصيببهما.
ثانيا : أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه : أى أبناؤه وأبناء أبنائه وبناته
وبنات أبنائه. أما أولاد بناته فليسوا من أولاده. وقد خالف فى ذلك الشيعة فلم يفرقوا فى نسبة
الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون. أى: لا يفرقون بين من
تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط.
ثالثا : أن أبناء المتوفى وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنه. أى: أن الطبقة الأولى تمنع
من يليها :
رابعا : أن بنات الابن يأخذن حكم البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط لا ذكور .
ولا إناث))(١).
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد أعقبه ببيان ميراث الأبوين فقال : ﴿ولأبويه لكل .
واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد؛ فان لم يكن له ولد وورثة أبواه فلأمه الثلث. فان .
كان له أخوه فلأمه السدس﴾.
وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات للأبوين.
أما الحالة الأولى: فيشترك فيها الأب والأم بأن يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للميت
ولد. وقد عبر - سبحانه - عن هذه الحالة بقوله : ﴿ولأبويه﴾ أى لأبوی الميت ذكرا كان أو
أنثى: والضمير فى ﴿أبويه) كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه.
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة عشرة ص ٧١٥

٦٩
سورة النساء
والمراد بالأبوين : الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
وقوله ﴿لكل واحد منهما﴾ بدل من قوله ﴿ولأبويه﴾ بتكرير العامل وهو اللام فى قوله
﴿لكل﴾. وفائدة هذا البدل أنه لوقيل: ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه.
وقوله ﴿السدس﴾ بيان للنصيب الذى يستحقه كل واحد من الأبوين.
أى: أن لكل وأحد من أبوى الميت السدس مما ترك من المال ﴿إن كان له ولد﴾ أى: إن
كان لهذا الميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر
قال القرطبى : فرض الله - تعالى - لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد
فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فان مات رجل وترك أبنا وأبوين فلأبويه لكل واحد منهما
· السدس وما بقى فللابن. فان نرك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان وما بقى
فالأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول الله وَ له: ((ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر،
فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين التعصيب والفرض))(١).
والحالة الثانية: وهى ما إذا مات وورثه أبواه، وقد بين - سبحانه - حكمها بقوله: ﴿فان لم
يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾.
أى فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن وورثه أبواه فقط، ففى هذه الحالة يكون لأم الميت
ثلث التركة، ولأبيه الباقى من التركة وهو الثلثان، إذ لا وارث له سواهما. فاذا كان معهما أحد
الزوجين كان للأم ثلث الباقى بعد نصيب الزوج أو الزوجة وثلثاه للأب وهذا رأى جمهور
الصحابة وهو الذى اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الأمصار.
أما الحالة الثالثة : وهى ما إذا مات الميت وترك الأبوين ومعهما إخوة أو أخوات فقد بين -
سبحانه - حكمها بقوله: ((فان كان له إخوة فلأمه السدس أى: فان كان للميت إخوة من
الأب والأم. أو من الأب فقط، أو من الأم فقط ذكورا كانوا أو أناثا أو مختلطين ففى هذه الحالة
يكون لأم الميت سدس التركة والباقى. للأب ولا ميراث للإِخوة لحجبهم بالأب وبهذا نرى أن
إخوة الميت ينقصون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب.
وإذ شرط الله فى انقاص نصيبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الإِخوة علم أن الأخ
الواحد لا يحجبها عن الثلث بل يبقى لها الثلث.
أما الأخوان فيرى جمهور الصحابه والعلماء المجتهدين أنهما ينقصانها من الثلث إلى السدس.
لأنه قد ورد فى اللغة اطلاق الجمع على الأثنين كما فى قوله - تعالى - ﴿إن تتوبا إلى الله فقد
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٧١

٧٠
المجلد الثالث
صغت قلوبكما﴾. ولأن الشارع قد جعل الأختين كالثلاث فى الميراث. وكذلك جعل البنتين
كالثلاث. ولا فرق بين الذكور والاناث.
ويروى عن ابن عباس أن الاخوين لا ينقصان الأم من الثلث إلى السدس فشأنهما شأن الأخ
الواحد لأن الله - تعالى - قال ﴿فان كان له إخوة﴾ بصيغة الجمع، والجمع أقله ثلاثة بخلاف
التثنية. والعمل على ما ذهب إليه الجمهور.
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد بينت ميراث الأولاد والأبوين. ثم عقبت ذلك ببيان الوقت
الذى تدفع فيه هذه الأموال إلى مستحقيها من الورثة فقالت : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو
دین﴾ .
أى هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصى بها الميت إلى الثلث.
ومن بعد قضاء دين على الميت.
فالجملة الكريمة متعلقة بما تقدم قبلها من قسمة المورايث؛ فكأنه قال : قسمة هذه الأنصبة
من بعد وصية يوصى بها الميت ومن بعد قضاء دين عليه.
ثم بين - سبحانه - حكمة هذا التقسيم، وأكد وجوب تنفيذه فقال : ﴿آباؤكم وأبناؤكم
لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾.
قال الآلوسي: الخطاب للورثة. وقوله ﴿آباؤكم﴾ مبتدأ، وقوله ﴿وأبناؤكم﴾ معطوف عليه.
وقوله ﴿لا تدرون﴾ مع ما فى حيزه خبر له. وأىّ إما استفهامية مبتدأ. وقوله ﴿أقرب﴾ خبره
والفعل معلق عنها فهى سادة مسد المفعولين. واما موصولة، وقوله (أقرب﴾ خبر مبتدأ محذوف
والجملة صلة الموصول. وأيهم مفعول أول مبنى على الضم لإِضافته وحذف صدر صلته.
والمفعول الثانى محذوف. وقوله ﴿نفعا﴾ نصب على التمييز وهو منقول من الفاعلية. وجملة
﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ أعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية(١).
والمعنى أن الله - تعالى - قد فرض لكم هذه الفرائض؛ وقسم بينكم الميراث هذا التقسيم ...
العادل فعليكم أن تلتزموا بتنفيذ قسمة الله التى قسمها لكم، ولا يصح لكم أن تحكموا
أهواءكم فى أموالكم، فإنكم لا تعلمون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم فى دنياكم
وآخرتكم.
وقد صدر - سبحانه - الجملة الكريمة بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد اتصالهم،
(١) تفسير الآلوسی جـ ٤ ص ٢٢٧

٧١
سورة النساء
ومع ذلك لا يدرون النافع منهم، لأن الله - تعالى - وحده هو العليم بأحوال عباده، وبما تسره
وتعلنه نفوسهم.
ثم أكد الله - تعالى - وجوب الانقياد لما شرعه لهم فى شأن المواريث بتأكيدين :
أولهما : قوله - تعالى - ﴿فريضة من الله﴾.
أى: فرض الله ذلك التقسيم للميراث فريضة، وقدره تقديرا فلا يجوز لكم أن تخالفوه،
لأنه تقدير الله وقسمته، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله وشرعه.
وقوله ﴿فريضة﴾ منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه، على حد قولهم؛ هذا ابنى حقا، لأنه
واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره، فيكون فعله الناصب له محذوفا وجوبا. أى فرض ذلك
فريضة من الله.
وأما التأكيد الثانى: فهو قوله - تعالى -: ﴿إن الله كان عليها حكيما﴾ أى إن الله - تعالى -
كان عليما بما يصلح أمر العباد فى دنياهم وآخرتهم، حكيما فيما قضى وقدر من شئون
وتشريعات، فعليكم أن تقفوا عندما قضى وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : ومناسبة هذا الكلام هنا أنه - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد
والأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة .. والإِنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على
غير هذا الوجه لكانت أنفع له وأصلح، لاسيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاء
به الإِسلام. لما كان الأمر كذلك أزال الله هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم
لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم فى شىء أنه صالح لكم وهو عين المضرة، وربما اعتقدتم فيه
أنه عين المضرة وهو عين المصلحة، وأما الإِله الحكيم الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها،
فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التى تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله فى هذه
التقديرات التى قدرها لكم، فقوله ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ إشارة
إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة. وقوله : ﴿فريضة من الله﴾ إشارة إلى
وجوب الانقياد لهذه القسمة التى قدرها الشرع وقضى بها))(١).
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث الأزواج فقال
- تعالى -: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد. فإن كان لهن ولد فلكم الربع
مما ترکن﴾ .
أى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات
(١) تفسیر الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢١٨

٧٢
المجلد الثالث
الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو متعددا، منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن
ولد فلكم أيها الازواج الربع مما تركن من المال.
وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين : حالة يأخذ فيها نصف ما تركته زوجته المتوفاة من
مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب بنيها أو بنى بنيها ... إلخ، فإن تركت ولدا
على التفصيل السابق كان لزوجها ربع ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج،
ويكون الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
وقوله ﴿من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ متعلق بكلتا الصورتين.
أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون.
ثم بين - سبحانه - نصيب الزوجة فقال ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن
· كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾.
أى أن للزوجات ربع المال الذى تركه أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء الأزواج الأموات ولد من
ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى بنيهم .. إلخ فإن ترك الأزواج من خلفهم ولدا فللزوجات
ثمن المال الذى تركه أزواجهن ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة.
ونرى من هذا أن الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة فى قسمة
الميراث بالنسبة للذكر والأنثى، ولم يستثن إلا الإِخوة لأم، والأبوين فى بعض الأحوال.
وقوله ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ متعلق بما قبله.
أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ديون.
ثم بين - سبحانه، ميراث الإخوة والأخوات لأم فقال - تعالى - : ﴿وإن كان رجل يورث
كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء
فى الثلث﴾ .
والكلالة؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الكلالة؟ قلت: ينطلق على واحد من ثلاثة : على من :
لم يخلف ولدا ولا والدا «وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة
الولد والوالد، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة. كما تقول: ما صمت عن عى، وما كف
عن جبن.
والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، قال الأعشى :
فآليت لا أرثى لها من كلالة

٧٣
سورة النساء
فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كالّة ضعيفة. وعن
أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة فقال: الكلالة : من لا ولد له "
ولا والد))(١).
والظاهر أن كلمة ((كلالة هنا وصف للميت الموروث، لأنها حال من نائب فاعل قوله :
﴿يورث) وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير: وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أى؛
لم يترك ولدا ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة كلالة هنا: وصف للوارث الذى ليس بولد
ولا والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليسوا فى عمودَ نسبه،
كالإِكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشىء إذا أحاط به. فسمى هؤلاء
الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من
عمود نسبه. وعلى هذا الرأى یکون المعنی وإن کان رجل یورث حال كونه ذا وارث هو كلالة.
أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له.
والمراد بالإِخوة والأخوات هنا: الإِخوة والاخوات لأم، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص :
((وله أخ أو أخت من أم)). ويدل عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإخوة مرتين :
هنا مرة، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى
الكلالة﴾ .
وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة، وجعل فى
الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللأثنتين الثلثين، فوجب أن يكون الإِخوة
هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض. ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من
الإِخوة لأم، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر، فقد
وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب. كما وجب حمل الإِخوة
والأخوات هنا على الإِخوة لأم.
والمعنى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ أى: يورث من غير أصوله أو فروعه ﴿أو امرأة﴾
أى: تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها.
والضمير فى قوله ﴿وله﴾ يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام. أو لواحد منهما - أى
الرجل والمرأة - والتذكير للتغليب. أو يعود للرجل واكتفى يحكمه عن حكم المرأة لدلالة
العطف على تشاركهما فى هذا الحكم.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٨٦ - بتصرف وتلخيص -

٧٤
المجلد الثالث
وقوله: ﴿أخ أو أخت﴾ أى: من الأم فقط ﴿فلكل واحد منهما﴾ أى: الأخ والأخت
﴿السدس﴾ مما ترك ذلك المتوفى من غير تفضيل للذكر على الأنثى، لأنهما يتساويان فى الإدلاء
إلى الميت بمحض الانوثة. ﴿فإن كانوا﴾ أى: الإخوة والأخوات لأم، أكثر من واحد فهم
شركاء فى الثلث، يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم، والباقى من المال الموروث
يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة.
وبذلك نرى أن الإخوة والأخوات من الأم لهم حالتان :
إحداهما : أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا انفردا.
والثانية : أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفى هذه الحالة يكون نصيبهم الثلث يشتركون
فيه بالسوية بلا فرق بين الذكر والأنثى.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار
وصية من الله، والله عليم حليم﴾.
أى: هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة للإِخوة للأم إنما تتم بعد تنفيذ
وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون، من غير ضرار الورثة بوصيته أو دينه. وفى قوله
﴿يوصى﴾ قراءتان سبعيتان :
٠
إحداهما بالبناء للمفعول أى ﴿يوصى﴾ - بفتح الصاد - فيكون قوله ﴿غير مضار﴾ حال من
فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور. أى من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به
أو الدين غير مضار، أى غير متسبب فى ضرر الورثة.
والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى ﴿يوصى﴾ - بكسر الصاد - فيكون قوله ﴿غير مضار﴾
حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير ﴿يوصى﴾.
أى: يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه ((غير مضار)) أى غير مدخل الضرر على
الورثة. وبهذا نرى أن مرتبة الورثة فى التقسيم تأتى بعد سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا
ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع مرات فى هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة
لذمة المتوفى فقد قال بعد ببان ميراث الأولاد والأبوين ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وقال
بعد بيان ميراث الزوج ﴿من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ وقال بعد ميراث الزوجة: ﴿من
بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وقال بعد بيان ميراث الإخوة والأخوات لأم : ﴿من بعد وصية
يوصى بها أو دين غير مضار﴾.
وقد قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين فى السداد،

٧٥
سورة النساء
وذلك للتشديد فى تنفيذها، إذ هى مظنه الإهمال، أومظنة الإِخفاء، ولأنها مال يعطى بغير
عوض فكان إخراجها شاقا على النفس، فكان من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها،
وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها فى الذكر.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: لم قدمت الوصية على الدين
والدين مقدم عليها فى الشريعة؟ قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث فى كونها مأخوذة من
غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها
مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا
على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين.
فإن قلت : ما معنى ﴿أو﴾؟ قلت معناها الإِباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما، قدم على
قسمة الميراث كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين. فأو هنا جىء بها للتسوية بينهما فى
الوجوب))(١).
وقوله - تعالى - ﴿غير مضار﴾ يفيد النهى للمورث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق
الوصية أو بسبب الديون.
والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من الثلث، أو به فأقل مع
قصده الإضرار بالورثة فقد روى النسائى فى سننه عن ابن عباس أنه قال : الضرار فى الوصية
من الكبائر)). وقال قتادة: كره الله الضرار فى الحياة وعند الممات ونهى عنه.
والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث
عن الورثة، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل
شىء من ذلك.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهى قوله ﴿غير مضار﴾ بعد حديثه عن ميراث الإِخوة
والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم، وتحريضا على أدائها، لأن حقوقهم مظنة الضياع
والإِهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإِخوة لأم.
وقوله ﴿وصية من الله﴾ نصبت كلمة ﴿وصية﴾ فيه على أنها مصدر مؤكد أى: يوصيكم الله
بذلك وصية. والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم. والجار والمجرور وهو ﴿من الله﴾ متعلق
بمحذوف وقع صفة لوصية : أى وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه.
وقوله ﴿والله عليم حليم) تذييل قصد به تربية المهابة فى القلوب من خالقها العليم
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٨.

٧٦
المجلد الثالث
٠٠
بأحوالها. أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون، وبما يصلح أحوالكم وبمن يستحق الميراث ومن
لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فهو -
سبحانه - يمهل ولا يهمل. فعليكم أن تستجيبوا لأحكامه، حتى تكونوا أهلا لمثوبتة ورضاه .
ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه، وبشر المطيعين بحسن الثواب. وأنذر
العصاة بسوء العقاب فقال: ﴿تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من
تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم﴾.
واسم الإِشارة ﴿تلك﴾ يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث وغيرها. والمعنى: تلك
الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث وغيرها ﴿حدود الله﴾ أى شرائعه وتكاليفه التى
شرعها لعباده.
والحدود جمع حد. وحد الشىء طرفه الذى يمتاز به عن غيره. ومنه حدود البيت أى أطرافه
التى تميزه عن بقية البيوت.
والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - لعباده بحيث لا يجوز لهم تجاوزها
ومخالفتها .
وقد أطلق - سبحانه - على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبههابها من حيث
إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.
ثم قال - تعالى - ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ أى فيما أمر به من الأحكام، وفيما شرعه من
شرائع تتعلق بالمواريث وغيرها.
﴿يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ أى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار
﴿خالدين فيها﴾ أى باقين فيها لا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها وقوله ﴿وذلك الفوز
العظيم﴾ أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم، والفلاح
الذى ليس بعده فلاح.
ثم قال - تعالى - ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ أی فیما أمر به من أوامر وفیما نهى عنه من
منهيات ﴿ويتعد حدوده﴾ التى تتعلق بالمواريث وغيرها بأن يتجاوزها ويخالف حكم الله فيها.
﴿يدخله نارا خالدا فيها﴾ أى. يدخله نارا هائلة عظيمة خالدا فيها خلودا أبديا إن كان من
أهل الكفر والضلال. وخالدا فيها لمدة لا يعلمها إلا الله إن كان من عصاة المؤمنين.
وقال هنا ﴿خالدا فيها﴾ بالإِفراد، وقال فى شأن المؤمنين ﴿خالدين فيها﴾ بالجمع، للإيذان
ء

٧٧
سورة النساء
بأن أهل الطاعة جديرون بالشفاعة. فإذا شفع أحدهم لغيره وقبل الله شفاعته. دخل ذلك
الغير معه فى رضوان الله.
أما أهل الكفر والمعاصى فليسوا أهلا للشفاعة، بل يبقون فرادى، تحيط بهم الذلة والمهانة ...
· من كل جانب.
أو للاشعار بأن الخلود فى دار الثواب يكون على هيئة الاجتماع الذى هو أجلب للأنس
والبهجة .
وبأن الخلود فى دار العقاب يكون على هيئة الانفراد الذى هو أشد فى استجلاب الوحشة
والهم.
وقوله ﴿وله عذاب مهين﴾ أى لهذا العاصى لله ولرسوله، والمتعدى للحدود التى رسمها الله،
عذاب عظيم من شأنه أن يخزى من ينزل به ويذله ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد وضحت أحكام المواريث بأبلغ بيان، وأحكم تشريع،
وبشرت المستجيبين لشرع الله يجزيل الثواب، وأنذرت المعرضين عن ذلك بسوء المصير.
هذا، ومن الأحكام والفوائد التى يمكن أن نستخلصها من هذه الآيات ما يأتى :
أولا : أن ترتيب الورثة قد جاء فى الآيتين الكريمتين على أحسن وجه، وأتم بیان، وأبلغ
أسلوب وذلك لأن الوارث - كما يقول الإِمام الرازى - إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة
أو بواسطة. فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون هو النسب أو الزوجية،
فحصل هنا أقسام ثلاثة :
أولها : أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد
ويدخل فيها الأولاد والوالدان، فالله - تعالى - قدم حكم هذا القسم.
وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية. وهذا القسم متأخر فى الشرف عن
القسم الأول! لأن الأول ذاتى وهذا الثانى عرض، والذاتى أشرف من العرض.
وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة. وهو متأخر فى الشرف عن
القسمين الأولين، لأنهما لا يعرض لهم السقوط بالكلية وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط
بالكلية، ولأنهما يتصلان بالميت بغير واسطة بخلاف الكلالة.
فما أحسن هذا الترتيب، وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات))(١)
١
-
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢٢٠.

٧٨
المجلد الثالث
ثانيا : أن الآيتين الكريمتين قد بينتا الوراثين والوارثات ونصيب كل وارث بالأوصاف التى
جعلها الله - تعالى - سببا فى استحقاق الإِرث كالبنوة والأبوة والزوجية والأخوة. وقد ألغتا
بالنسبة إلى أصل الاستحقاق الذكورة والأنوثة والصغر والكبر وجعلتا للكل حقا معينا فى
الميراث. وبهذا أبطلتا ما كان عليه الجاهليون من جعل الإِرث بالنسب مقصورا على الرجال
دون النساء والأطفال، وكانوا يقولون: ((لا يرث إلا من طلعن بالرماح، وذاد عن الحوزة،
وحاز الغنيمة)).
ثالثا : أن قوله - تعالى -: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾ إلخ يعم أولاد المسلمين والكافرين
والأحرار والأرقاء والقاتلين عمدا وغير القاتلين إلا أن السنة النبوية الشريفة قد خصصت بعض
هذا العموم، حيث أخرجت الكافر من هذا العموم لحديث :
((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» وعلى هذا سار جمهور العلماء فلم يورثوا مسلما من
كافر ولا كافرا من مسلم.
وذهب بعضهم إلى أن الكافر لا يرث المسلم ولكن المسلم يرث الكافر.
كذلك نص العلماء على أن الحر والعبد لا يتوارثان؛ لأن العبد لا يملك، وعلى أن القاتل
عمدا لا يرث من قتله معاملة بنفيص مقصوده.
رابعا : أن نصيب الأولاد إذا كافوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد
والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم.
وأن الأولاد يطلقون على فروع الشخص من صلبه. أى أبنائه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه.
وأن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات أبنائه. أى أن الطبقة الأولى تستوفى
حقها فى الميراث قبل من يليها.
وأن الأبناء والأبوين والزوجين لا يسقطون من أصل الاستحقاق للميراث بحال، إلا أنهم
قد يؤثر عليهم وجود غيرهم فى المقدار المستحق.
وأنه متى اجتمع فى المستحقين للميراث ذكور وإناث من درجة واحدة، أخذ الذكر مثل حظ
الانثيين إلا ما سبق لنا استثناؤه.
خامسا: لا يجوز للمورث أن يسىء إلى ورثته لا عن طريق الوصية ولا عن طريق الدين
ولا عن أى طريق آخر، لأن الله - تعالى - قد نهى عن المضارة فقال : ﴿من بعد وصية يوصى
بها أو دين غير مضار وصية من الله﴾.
وإن بدء الآيتين الكريمتين بقوله : ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾.

٫٠٠٩
٧٩
سورة النساء
وختم أولاهما بقوله: ﴿فريضه من الله﴾ وختم ثانيتهما بقوله ﴿وصية من الله﴾ هذا البدء
والختام لجديران بأن يغرسا الخشية من الله فى قلوب المؤمنين الذين يخافون مقام ربهم، وينهون
أنفسهم عن السير فى طريق الهوى والشيطان.
سادسًا : أنه يجب تقديم حقوق الميت على تقسيم التركة، فقد كرر الله - تعالى - قوله :
﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ كما سبق أن بينا.
قال القرطبى : ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته
الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث
الوصايا، وما كان فى معناها على مراتبها أيضا. ويكون الباقى ميراثا بين الورثة.
وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال وهم: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب
الأب وهو الجد وإن علا. والأخ وابن الأخ. والعم وابن العم. والزوج ومولى النعمة.
ويرث من النساء سبع وهن: البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت.
والأخت والزوجة. ومولاة النعمة وهى المعتقة ... ))(١).
*
وبعد أن أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى النساء. وبمعاشرتهن معاشرة كريمة، وبين حقوقهن
فى الميراث، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا
فقال - تعالى - :
.
وَالَّتِى يَأْتِيْنَ اُلْفَاحِشَةَ مِن نّسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّفِى
اَلْبُيُوتِ حَقِّ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا
١٥
وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
وقوله: ﴿واللاقى﴾ جمع التى. وهى تستعمل فى جمع من يعقل. أما إذا أريد جمع ما لا يعقل
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٦١.

٨٠
المجلد الثالث
من المؤنث فإنه يقال: التى. تقول: أكرمت النسوة اللاتى حضرن. وتقول : نزعت الأثواب
التى كنت ألبسها. وهذا هو الرأى المختار.
وبعضهم يسوى بينهما فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل : اللاتى.
وقوله ﴿يأتين﴾ من الإتيان ويطلق فى الأصل على المجىء إلى شىء. والمراد به هنا الفعل.
أى واللاتى يفعلن ﴿الفاحشة من نسائكم﴾.
والفاحشة : هى الفعلة القبيحة. وهى مصدر كالعافية. يقال فحش الرجل يفحش فحشا.
وأفحش : إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل.
والمراد بها هنا : الزنا.
وقوله : ﴿من نسائكم﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ﴿يأتين﴾ أى: يأتين الفاحشة
حال كونهن من نسائكم.
والمراد بالنساء فى قوله ﴿من نسائكم﴾: النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أكن مازلن
فى عصمة أزواجهن أم لا. وهذا رأى جمهور الفقهاء.
وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكارًا.
والمعنى: أن الله - تعالى - يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول :
أخبركم - أيها المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم، بأن فعلن هذه الفاحشة
المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج.
﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ أى: فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين هذه الفاحشة
المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار.
وقوله : ﴿فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت﴾ أى فإن شهد هؤلاء
الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة
فى البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى هذه الفاحشة
المنكرة، وليستمر الأمر على ذلك ((حتى يتوفاهن الموت)) أى حتى يقبض أرواحهن الموت. أو
حتى يتوفاهن ملك الموت.
وقوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ أى: أو يجعل الله لهن مخرجا من هذا الإمساك فى
البيوت، بأن يشرع لهن حكما آخر.
وقوله: ﴿واللاتى﴾ فى محل رفع مبتدأ. وجملة ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ خبره.