النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة آل عمران
ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من
القبور.
فإن قلت: فهذا يوهم نفى ما يروى من أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر
النار؟ قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون فى
ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور))(١).
وقال الفخر الرازى: ((بين - سبحانه - أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم
القيامة، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف فى الدنيا فهى مكدرة بالغموم والهموم وبخوف
الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة، لأن هناك
يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف الانقطاع.
وكذا القول فى العقاب، فإنه لا يحصل فى الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به
راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقى هو الذى يكون يوم القيامة))(٢).
ثم قال - تعالى - ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾.
الزحزحة عن النار: هى التنحية عنها، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح مضاعف الفعل
زحه عن المكان إذا جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة.
والمعنى أن كل نفس سيدركها الموت لا محالة. وأن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم
القيامة، فمن كانت نتيجة حسابه الإِبعاد عن النار، والنجاة من سعيرها، فقد فاز فوزًا عظيما،
وأدرك البغية التى ليس بعدها بغية.
والفاء فى قوله ﴿فمن زحزح﴾ للتفريع على قوله ﴿توفون أجوركم﴾
وجمع - سبحانه - بين ﴿زحزح عن النار وأدخل الجنة﴾ مع أن فى الثانى غنية عن الأول،
للإشعار بأن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما : النجاة من النار، والتلذذ بنعيم
الجنة .
١
وفى الحديث الشريف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((موضع سوط فى الجنة خير
من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾(٣).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلّ: من أحب أن يزحزح عن
(١) تفسير الكشاف جـ ص ٣٤٥. بتصرف يسير.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٣٧ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص٤٣٥.

٣٦٢
المجلد الثانى
النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن
يؤتى إليه))(١).
ثم ختم - الآية بقوله: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾.
والمتاع: هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى.
والغرور - بضم الغين - مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل.
أى: ليست هذه الحياة الدنيا التى نعيش فيها. ونستمتع بلذاتها ومنافعها، إلا متاعا يستمتع
به المغتر بها، الذى لا يفكر فى أى شىء سواها، ثم يحاسب على ذلك حسابا عسيرًا يوم القيامة،
أما الذى يأخذ من متاعها بالطريقة التى أمر الله - تعالى - بها، فإنه يكون من السعداء فى
دنياهم وآخرتهم.
قال صاحب الكشاف : شبه - سبحانه - الدنيا بالمتاع الذى يدلس به على المستام ويغر حتى
يشتريه، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير: إنما
هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ))(٢).
فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الطاعة، وتحذير للعصاة من المعصية، وتذكير للجميع بأن
مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا، وسيلقى كل إنسان جزاءه على عمله، وأن السعادة الحقة
لمن نال رضا الله يوم يلقاه.
ثم بين - سبحانه - للمؤمنين أنهم سيتعرضون فى المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا
لذلك فى أيامهم الماضية، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة، وصبر جميل
فقال - تعالى -: ﴿لتبلون فى أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾.
وقوله ﴿لتبلون﴾ جواب قسم محذوف أى: والله لتبلون أى لتختبرن. والمراد لتعاملن معاملة
المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق، ومن التمسك بمكارم الأخلاق، فإن
المصائب محك الرجال.
وإنما أخبرهم - سبحانه - بما سیقع لهم من بلاء، لیوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه،
وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، أما الشدة التى تقع
من غير توقع فإنها يصعب احتمالها.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص٤٣٥.
(٢) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٤٥.

٣٦٣
سورة آل عمران
والمعنى: لتبلون - أيها المؤمنون - ولتختبرن ﴿فى أموالكم﴾ بما يصيبها من الآفات، وبما
تطالبون به من إنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله، ولتختبرن أيضًا فى ﴿أنفسكم﴾ بسبب
ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب
وشدائد، وفضلا عن ذلك فإنكم ﴿لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهم اليهود
والنصارى ﴿ومن الذين أشركوا﴾ وهم كفار العرب، لتسمعن من هؤلاء جميعا ﴿أذى كثيرًا﴾
كالطعن فى دينكم، والاستهزاء بعقيدتكم، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم
التى أتاكم بها نبيكم، والتفنن فيما يضركم.
وقد رتب - سبحانه - ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا، فابتدأ بأدق ألوان البلاء وهو
الإصابة فى المال، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإِنسان إلا أنها أهون من الإِصابة فى النفس لأنها
أغلى من المال، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهى التى تختص بالإصابة فى
الدين، وقد عبر عنها بقوله: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى
کثیرًا﴾ .
وإنما كانت الإصابة فى الدين أعلى أنواع البلاء، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله، وتهون
علیه نفسه، ولكنه لا يهون عليه دينه، ويسهل عليه أن يتحمل الأنی فی ماله ونفسه ولکن لیس
من السهل عليه أن يؤذى فى دينه ...
ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه. ولكنه مع ذلك - لقوة إيمانه - لم يحتمل من
((فنحاص)) اليهودى أن يصف الخالق - عز وجل - بأنه فقير، فما كان من الصديق إلا أن شجّ
وجه فنحاص عندما قال ذلك القول الباطل.
وقد جمع - سبحانه - بين أهل الكتاب وبين المشركين فى عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين،
للإشعار بأن الكفر ملة واحدة، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان فى معاداتهم للحق،
لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا، وزاد العالمين حقدًا وحسدًا.
ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى العلاج الذى يعين على التغلب على هذا البلاء فقال :
﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾.
أى: وإن تصبروا على تلك الشدائد، وتقابلوها يضبط النفس، وقوة الاحتمال. ﴿وتتقوا﴾
الله فى كل ما أمركم به ونهاكم عنه، تنالوا رضاه - سبحانه - وتنجوا من كيد أعدائكم.
والإِشارة فى قوله ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾ تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى،
أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التى يجب أن يسير عليها كل عاقل. لأنها تؤدى إلى النجاح
والظفر.

٣٦٤
المجلد الثانى
وقوله ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾ دليل على جواب الشرط. والتقدير: وإن تصبروا وتتقوا
تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور.
فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين، وتنبيههم إلى سنة من سنن الحياة، وهى أن
أهل الحق لابد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل
ذلك، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر.
ولقد بين النبى ر أن قوة الإِيمان وشدة البلاء متلازمان، فقد روى الترمذى عن
مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أى الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء ثم
الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على حسب دينه. فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان فى
دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه
خطيئة )) .
ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق
الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾.
الميثاق. هو العهد الموثق المؤكد. وقد أخذ - سبحانه - العهد على الذين أوتو الكتاب
بأمرین :
أولهما : بيان ما فى الكتاب من أحكام وأخبار.
وثانيهما : عدم كتمان كل شىء مما فى هذا الكتاب.
والمعنى : واذكر أيها المخاطب وقت أن أخذ الله العهد المؤكد على أهل الكتاب من اليهود
والنصارى بأن يبينوا جميع ما فى الكتاب من أحكام وأخبار وبشارات بالنبى وَ لجر وألا يكتموا
شيئا من ذلك، لأن كتمانهم للحق سيؤدى إلى سوء عاقبتهم فى الدنيا والآخرة.
والضمير فى قوله ((لتبيننه)) يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع والأحكام
والبشارات الخاصة بمبعث النبى وَسعد.
أى لتبينن ما فى هذا الكتاب الذى بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار وبشارات. وقيل
الضمير يعود إلى الميثاق، ويكون المراد من العهد الذى وثقه الله عليهم هو تعاليمه وشرعه
ونوره .
وقوله ﴿ولا تكتمونه﴾ عطف على ((لتبيننه)) وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا. وجمع
-سبحانه- بين أمرهم المؤكد بالبيان وبين نهيهم عن الكتمان مبالغة فى إيجاب ما أمروا به حتى
لا يقصروا فى إظهار ما فى الكتاب من حقائق وحتى لا يلجأوا إلى كتمان هذه الحقائق أو
تحريفها .

٣٦٥
سورة آل عمران
ولكن أهل الكتاب - ولا سيما العلماء منهم - نقضوا عهودهم مع الله - تعالى -، وقد
حكى - سبحانه - ذلك فى قوله ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس
ما يشترون﴾.
النبذ : الطرح والترك والإِهمال.
أى أن أهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما فى الكتاب ولا يكتموا
شيئا منه، لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل إنهم نبذوا ما عاهدهم الله عليه، وطرحوه وراء
ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد. وأخذوا فى مقابل هذا النبذ والطرح والإِهمال شيئا حقيرا من
متاع الدنيا وحطامها، فبئس الفعل فعلهم.
والتعبير عنهم بقوله ﴿فنبذوه وراء ظهورهم﴾ كناية عن استهانتهم بالمنبوذ، وإعراضهم عنه.
بالكلية، وإهمالهم له إهمالا تاما، لأن من شأن الشىء المنبوذ أن يهمل ويترك، كما أن من شأن
الشىء الذى هو محل اهتمام أن يحرس ويجعل نصب العين.
والضمير فى قوله ﴿فنبذوه﴾ يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع الحديث ابتداء.
ويصح أن يعود إلى الكتاب، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام، والكتاب وعاؤها، فنبذ
الكتاب نبذ للعهد.
والمراد ((بالثمن القليل) ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوى من غيرهم فى مقابل عدم بيانهم لما
فى الكتاب من حقائق، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة
للثمن المحصل فى مقابل نبذهم لكتاب الله وعهوده، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل إلا قليلا
وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - تعالى -.
قوله ﴿فبئس ما يشترون﴾ أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن.
فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف.
وقيل ((ما)) مصدرية فاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس شراؤهم هذا الشراء
لاستحقاقهم به العذاب الأليم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وكفى به دليلا على أنه مأخوذ
على العلماء أن يبينوا الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة،

٣٦٦
المجلد الثانى
وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم
وغيرة من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبى ◌ّلي أنه قال: ((من كتم علما عن أهله الجم بلجام
من نار)) وعن على رضى الله عنه، قال: ((ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على
أهل العلم أن يعلموا))(١).
وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة : هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين
أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد طاهر، وأن ينوهوا بذكره فى الناس
فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من
الخير فى الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوى السخيف، فبئس الصفقة صفقتهم،
وبئست البيعة بيعتهم، وفى هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم
ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، ولا يكتموا منه
شيئا))(٢).
ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة، وهى أنهم يحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال :
﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من
العذاب ولهم عذاب أليم﴾.
والخطاب فى قوله ﴿لا تحسبن﴾ موجه إلى النبى # أو لكل من يصلح له الخطاب.
والنهى موجه إلى حسبان أن يكون فى هؤلاء الأشرار خير.
أى أن الله تعالى، ينهى نبيه ◌َ له، نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا فى هؤلاء الذين يفرحون بما
أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
و((المفازة)) مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هى اسم مكان أى محل فوز ونجاة.
والمعنى: لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار ﴿الذين يفرحون بما أتوا﴾ أى يفرحون بما فعلوا
من بیعهم الدین بالدنیا واستبدالهم الذی هو أدنى بالذى هو خیر، والذین ﴿يحبون أن يحمدوا بما
لم يفعلوا﴾ أى يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود، ومن إظهار الحق
وعدم كتمانه، فإنهم فعلوا الشرور والآثام. ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آثام، بل
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٣٤٦. بتصرف يسير.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٣٦.

٣٦٧
سورة آل عمران
يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات، فهم ممن قال الله فيهم ﴿أفمن
زين له سوء عمله فرآه حسنا﴾.
لا تحسبن هؤلاء الأشرار ﴿بمفازة من العذاب﴾ أى بمنجاة منه، بل لهم عذاب مؤلم أشد
الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات.
وقوله ﴿الذين يفرحون﴾ هو المفعول الأول لتحسب، والمفعول الثانى محذوف والتقدير:
لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين. أو مهتدين، أو
صالحين.
وحذف هذا المفعول الثانى لدلالة ما بعده عليه وهو قوله ﴿فلا تحسبنهم بمفازة﴾ ولتذهب
النفس كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذى وصفهم به - سبحانه -، وهو أنهم يفعلون
القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه.
وقوله ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة وهو تأكيد
لقوله ﴿لا تحسبن﴾.
قال الزجاج: جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب
وما أشبهه، للإعلام بأن الذى جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به. فتقول. لا تظن
زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد ((لا تظنن)) توكيدا وتوضيحا(١).
والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله - تعالى - ﴿بمفازة﴾ للإشعار بأن أقصى
ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا، ولذا أكد -
سبحانه - عدم نجاتهم بقوله ﴿ولهم عذاب أليم).
فذكر - سبحانه - عذابهم الألیم بالسلب والإيجاب، فنفی أولا أنهم بمنجاة منه، وأخبر ثانیا
أنهم واقعون فيه.
هذا، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريم نزلت فى شأن أحبار اليهود فقد روى
الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف أن مروان قال لبوابه
رافع : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتى وأحب أن
يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا.
فقال ابن عباس : مالكم وهذه، وإنما نزلت هذه فى أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس : ﴿وإذ
(١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ١٥١.

٣٦٨
المجلد الثانى
أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ إلى قوله ﴿ولهم عذاب أليم) وقال ابن عباس: ((سألهم
النبى وَلّر عن شىء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم
عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه)).
وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين، فقد روى البخارى عن أبى سعيد
الخدرى أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله وَلته إلى الغزو وتخلفوا عنه، وفرحوا
بمقعدهم خلاف رسول اللّه ◌َار. فإذا قدم رسول الله وَ لتر من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا
وأحبو أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت، ﴿لا تحسبن الذين يفرحون﴾(١).
قال العلماء : ولا منافاة بين الروايتين، لأن الآية عامة فى جميع ما ذكر. وبذلك نرى أن
الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب، فقد حكت قولهم ﴿إن الله فقير
ونحن أغنياء﴾ وحكت قولهم ﴿لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾ ووصفتهم
بكتمان الحق ونبذه وراء ظهورهم، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم
يفعلوا، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها وأنذرتهم بسوء مصيرهم، وساقت للمؤمنين من ألوان
التسلية ما يخفف عنهم مصابهم، ويجعلهم يسيرون فى هذه الحياة بعزم ثابت، وهمة عالية،
ونفس مطمئنة .
ثم ختم - سبحانه - سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته، وأدلة وحدانيته، وبشر
أصحاب العقول السليمة - الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره- برضوانه
وجنته، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاه فإنه - سبحانه - قد جعل
العاقبة للمتقين، كما أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال -تعالى - :
وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِبُ ◌ّ) إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ
لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ®) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ
(١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير جـ ٦ ص ٥١ باب ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾.

٣٦٩
سورة آل عمران
١٩١
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
صى
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلِّمِينَ مِنْ
أَنْصَارِ ﴿®) رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَكِنِ أَنْ
ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَشَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِرْعَنَا
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا
١٩٣
سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفْنَا مَعَ الْأَبْرَا
عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةْ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْمِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَّى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْ خِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
١٩٥
اُلْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الثَّوَابِ
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ (٦) مَتَعٌ قَلِيلٌ
ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الِهَادُ (١) لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ
رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللّهِ وَ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ () وَإِنَّ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ
أُنْزِلَ إِلَتْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا
قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ

٣٧٠
المجلد الثانى
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
١٩٩
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قوله - تعالى - ﴿ولله ملك السموات والأرض والله على كل شىء قدير﴾ أى له وحده
- سبحانه- ملك السموات والأرض بما فيهما، فهو وحده صاحب السلطان القاهر فى هذا العالم
يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار: إيجادا وإعداما، وإحياء وإمانة، وتعذيبا وإثابة، وهو
- سبحانه- على كل شىء قدير، لا يعجزه أمر، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع عقابه مانع،
فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته.
وبعد أن بين - سبحانه - أن ملك السموات والأرض بقبضته، أشار - سبحانه - إلى
ما فيهما من عبر وعظات فقال: ﴿إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار
لأيات لأولى الألباب﴾.
أى: إن فى إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من الآيات المشاهدة
العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار ... وفى إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة
المتعاقبة، وفى اختلافهما طولا وقصرا .. فى كل ذلك لأمارات واضحة، وأدلة ساطعة،
لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وباهر حكمته.
وصدرت الجملة الكريمة بحرف ((إن)) للاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة.
أى إن فى إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب، وما اشتملتا
عليه من البدائع، وفى اختلاف الليل والنهار ... إن فى كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل
كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله، وكمال قدرته وحكمته.
والمراد بأولى الألباب: أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب الشىء هو
خلاصته وصفوته .
ولقد قال الزمخشرى فى صفة أولى الألباب: ((هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر
والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفى
الحكم : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما فى جملة هذه العجائب متفكرا فى قدرة
مقدرها، متدبرا فى حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر))(١).
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٣٤٨.

٣٧١
سورة آل عمران
هذا، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار فى فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت بها سورة
آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير - رحمه الله - :
وقد ثبت أن رسول الله وسي﴿ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل
لتهجده فقد روى البخارى - رحمه الله - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: بت عند
خالتى ميمونة، فتحدث رسول الله وغير مع أهله ساعة ثم رقد: فلما كان ثلث الليل الآخر قعد
فنظر إلى السماء فقال: ﴿إن فى خلق السموات والأرض﴾ ... الآيات. ثم قام فتوضأ
واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة. ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس
الصبح .
وروى مسلم وأبو داود والنسائى عن ابن عباس أن رسول الله وَقد خرج ذات ليلة بعد
ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ﴿إن فى خلق السموات والأرض﴾ إلى
آخر السورة.
ثم قال: ((اللهم اجعل فى قلبى نورًا، وفى سمعی نورًا، وفى بصرى نورا، وعن يمينى
نورا، وعن شمالى نورا، ومن بین یدی نورا، ومن خلفی نورا، ومن فوقی نورا، ومن تحتی ش
نورا. وأعظم لى نورا يوم القيامة)).
وروى ابن مردويه عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى
الله عنها - فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر : أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من
رسول الله پڼ؟ فبکت وقالت: کل أمره کان عجبا !! أتانی فی لیلتی حتی مسَّ جلده جلدی ثم
قال : يا عائشة: ذرينى أتعبد لربى - عز وجل - قالت: فقلت والله إني لأحب قربك وإنى
أحب أن تعبد ربك.
فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد
فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى. حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح
قالت : فقال : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال :
ويحك يا بلال !! وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة: ﴿إن فى خلق السموات
والأرض﴾ إلخ الآيات.
ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها))(١).
ثم وصف - سبحانه - أولى الألباب بصفات كريمة فقال: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا
وعلى جنوبهم﴾.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٣٩.
:

٣٧٢
المجلد الثانى
فقوله ﴿الذين يذكرون﴾ إلخ. فى موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب. ويجوز أن يكون
فى موضع رفع أو نصب على المدح.
أى: ﴿إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ لآيات واضحات على
وحدانية الله وقدرته، لأصحاب العقول السليمة، الذين من صفاتهم أنهم ﴿يذكرون الله﴾ أى
يستحضرون عظمته فى قلوبهم، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك
فى جميع أحوالهم. فهم يذكرونه قائمين، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد
بقوله ﴿قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ أن ذكرهم الله - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة
أحوالهم)).
وقوله ﴿قياما وقعودا﴾ منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل فى قوله: ﴿يذكرون﴾.
وقوله ﴿وعلى جنوبهم﴾ متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى: وكائنين على جنوبهم أى
مضطجعین.
ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال : ﴿ويتفكرون فى خلق السموات والأرض﴾
أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى -،
ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر التدبر والتفكر فى هذا الكون وما فيه من جمال
الصنعة، وبديع المخلوقات، ليصلوا من وراء ذلك إلى الإيمان العميق، والإِذعان التام،
والاعتراف الكامل بوحدانية الله. وعظيم قدرته ...
فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات الله وما فيها من عجائب
المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع - سبحانه -، فيعلموا
أن لهذا الكون قادرًا مدبرًا حكيمًا، لأن عظم آثاره وأفعاله، تدل على عظم خالقها.
ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التى تحض على التفكير السليم، وعلى التدبر فى عجائب
صنع الله، ومن ذلك قول سليمان الداراني: ((إنى أخرج من بيتى فما يقع بصرى على شىء
إلا رأيت الله على فيه نعمة، ولى فيه عبرة))، وقال الحسن البصرى: ((تفكر ساعة خير من قيام
ليلة)).
وقال الفخر الرازى : دلائل التوحيد محصورة فى قسمين : دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس.
ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال - تعالى -: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر
من خلق الناس﴾.
ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه أمر فى هذه الآية بالفكر فى خلق السموات والأرض، لأن

٣٧٣
سورة آل عمران
دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم))(١).
وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون
ولا يتفكرون فقال - تعالى -: ﴿وكأى من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها
معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.
ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم الله وتفكرهم فى خلقه فقال: ﴿ربنا ما خلقت هذا
باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾
أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم
فى بدائع صنع الله تفكيرا سليما، استشعروا عظمة الله استشعارًا ملك عليهم جوارحهم،
فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم :
يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثًا، أو عاريا عن الحكمة. أو خاليًا
من المصلحة، ﴿سبحانك﴾ أى ننزهك تنزيها تاما عن كل مالا يليق بك ﴿فقنا عذاب النار﴾
أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب النار.
وقوله ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾ إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون
قائلين ربنا. لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.
وقوله : باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقًا باطلا، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا
ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة، خاليًا من المصلحة، بل خلقته
مشتملا على حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة.
وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ ﴿ربنا﴾ اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم
فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع.
وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل
معه أى، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق، وجىء بفاء التعقيب فى حكاية قولهم
﴿فقنا عذاب النار﴾ لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثًا- أن هناك ثوابًا
وعقابًا، فسألوا الله - تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ فى مقام التعليل
لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار.
أى: أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته
وفضحته على رءوس الأشهاد.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١١٠.

٣٧٤
المجلد الثانى
والخزى : مصدر خزى يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفى هذا التعليل مبالغة فى
تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح فى طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح
عظمها وقوتها، كان رجاؤه فى القبول أشد، وإخلاصه أتم، وشعوره بالعطاء أقوى.
وقوله ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - تعالى - أو
يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء.
و ((من)) للدلالة على استغراق النفى، أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر، وفى ذلك إشارة
إلى انفراد الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإِرادة.
ثم حكى -سبحانه- لونًا آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى -
﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾ ..
أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين: يا ربنا إننا سمعنا مناديا
ينادى أى داعيًا يدعو إلى الإِيمان وهو محمد ◌َّلقر، فاستجبنا لدعوته، وآمنا مما دعانا إليه بدون
تردد أو تسويف.
وفى وصفه * بالمنادى، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته التى يدعو إليها، وأنه حريص
على تبليغها للناس تبليغا تاما.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: فأى فائدة فى الجمع بين ((المنادى)) و ﴿ینادی﴾ ؟ قلت :
ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدًا بالإِيمان، تقخيما لشأن المنادى؛ لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى
للإِيمان. ونحوه قولك : مررت بهاد يهدى للإسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى
مناج للحرب، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادى ..
قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك.
فإذا قلت: ينادى للإِيمان. ويهدى للإسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادى
وفخمته(١).
و ((أن)) فى قوله ﴿أن آمنوا﴾ تفسيرية لما فى فعل ﴿ينادى﴾ من معنى القول دون حروفه،
وجىء بفاء التعقيب فى قوله - تعالى - حكاية عنهم ﴿فآمنا﴾؛ للدلالة على المبادرة والسبق، إلى
الإِيمان، وأنهم قد أقبلوا على الداعى إلى الله بسرعة وامتثال، وفى ذلك دلالة على سلامة
فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد.
(١) تفسیر الکشاف جـ١ ص ٣٥٠.

٣٧٥
سورة آل عمران
ثم حكى - سبحانه - مطلبهم فقال: ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع
الأبرار﴾ .
أى نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك، واستجبنا للحق الذى جاء به، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن
تسترها وتعفو عنها، وأن تکفر عنا سيئاتنا بأن تزیلها وتمحوها وتحوها إلى حسنات أو بأن تحشرنا
مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير
الطاعة لخالقه - تعالى -.
فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والوفاة
مع الأبرار الأخيار، وهى مطالب تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وزهدهم فى متع
الحياة الدنيا.
وقد جمعوا فى طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة عصيان فيه إساءة،
والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفران والتكفير كلاهما فيه معنى الستر
والتغطية، إلا أن الغفران يتضمن معنى عدم العقاب، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة.
ومعنى وفاتهم مع الأبرار: أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى
الممات، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما.
وبذلك يكونون فى صحبة الأبرار وفى جملتهم.
ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء
الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة،
إنك لا تخلف الميعاد﴾.
أى نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة،
ما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا لهم، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم
﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾ أى ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد ﴿إنك
لا تخلف الميعاد﴾ أى إنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك الصالحين.
فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة، ختاما لدعواتهم،
لشعورهم بهفواتهم ويتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه.
والمراد بقولهم ﴿ما وعدتنا﴾ الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه - و((ما)) موصولة أى آتنا
الذى وعدتنا به أو وعدتنا إياه.
وقوله ﴿على رسلك﴾ فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب.

٣٧٦
المجلد الثانى
أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإِيمان بهم من جزاء حسن.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟.
قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو هو من باب الملجأ إلى
الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلاة، ((يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور
لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم، والتضرع إليه، والملجأ الذى هو سيما العبودية))(١).
تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول السليمة،
وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها؟
لقد كانت نتيجة دعواتهم، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال - تعالى -
﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ !!.
قال الحسن البصرى: ((مازالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم)).
وقال جعفر الصادق: ((من حزبه أمر فقال خمس مرات ﴿ربنا﴾ أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه
ما أراد، قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرءوا إن شئتم قوله - تعالى - ﴿الذين يذكرون الله
قيامًا﴾ ... إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم.
ودلت الفاء فى قوله ﴿فاستجاب﴾ على سرعة الإجابة، لأن الفاء للتعقيب، فهم لأنهم دعوا
الله بقلب سليم، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء.
واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء، إذ السين والتاء للتأكيد، مثل استوقد
واستخلص.
وقال بعضهم : إن استجاب أخص من أجاب، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه،
وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد.
والمعنى : أن الله - تعالى - قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب
لهم دعاءهم، وأنه - سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى،
وسيمنحهم من الثواب. فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب، ولن يفرق فى عطائه بين ذكر
وأنثى، لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة.
وفى التعبير باللفظ السامى ﴿ربهم﴾ إشارة إلى أن الذى سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم
والمنعم عليهم، والرحيم بهم.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٥٥.

٣٧٧
سورة آل عمران
ومعنى ﴿لا أضيع عمل عامل منكم﴾ لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم، بل أكافئه عليه
بما يستحقه، وأعطيه من ثوابى ورحمتى ما يشرح صدره، ويدخل البهجة والسرور على نفسه.
وقوله ﴿من ذكر أو أنثى﴾ بيان لعامل، وتأكيد عمومه، أى لا أضيع عمل أى شخص عامل
سواء أكان هذا العامل ذكرا أم أثنى.
ومعنى ﴿بعضكم من بعض﴾ أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، كلكم بنو آدم وهذه
جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم
الصالحة.
روى الترمذى عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله - تعالى - ذكر النساء فى
الهجرة، فأنزل الله - تعالى - ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو
أنثى بعضكم من بعض﴾.
ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التى استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه -
سبحانه - فقال: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا فى سبيلى، وقاتلوا وقتلوا،
لأکفرن عنهم سيئاتهم﴾.
أى: فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التى أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة
الله، وأخرجوا من ديارهم، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، ﴿وأوذوا فى
سبيلى﴾ أى تحملوا الأذى والاضطهاد فى سبيل الحق الذى آمنوا به ﴿وقاتلوا﴾ أعداء الله
﴿وقتلوا﴾ وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك، وعدهم الله - تعالى - بالأجر العظيم فقال: ﴿لأكفرن عنهم
سيئاتهم﴾ أى لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا
﴿ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التى فيها العسل
المصفى، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
وقوله ﴿ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ أى لأثيينهم ثوابا عظيما من عندى،
والله - تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من
الأرض التى أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين
قرارا بدينهم، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول و لتر عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها
وقال: ((يا مكة والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت)).

٣٧٨
المجلد الثانى
ولأنهم قد تحملوا ما تحملوا من الأذى فى سبيل الله، ولأنهم قد جاهدوا أعداء الله وأعداءهم
حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله.
وقوله ﴿فالذين هاجروا﴾ مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له،
والتفخيم لشأنه. وخبره قوله ﴿لأكفرن عنهم سيئاتهم﴾.
وقوله ﴿وأخرجوا من ديارهم﴾ معطوف على ﴿هاجروا﴾. وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد
تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم، وانتشار الحق الذى
اعتنقوه، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى
الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء.
وقوله ﴿وأوذوا فى سبيلى﴾ معطوف على ما قبله. والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون
بالإِخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من جهة المشركين.
وجمع - سبحانه - بين قوله ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾ للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن
يصيبهم إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وقوله: ﴿لأكفرن عنهم سيئاتهم﴾ جواب
قسم محذوف، أى والله لأكفرن عنهم سيئاتهم.
وقدّم - سبحانه - تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة، لأن التخلية - كما يقولون - مقدمة
على التحلية، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته
وأعطاهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقوله ﴿ثوابا﴾ مصدر مؤكد لما قبله، لأن المعنى لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما.
وقوله ﴿من عند الله﴾ صفة لقوله ﴿ثوابا﴾ وهو وصف مؤكد؛ لأن الثواب لا يكون إلا من
عنده - تعالى -، لكنه صرح به - سبحانه - تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه.
وقوله ﴿والله عنده حسن الثواب﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
وقد ختم - سبحانه - الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن كأن كل
جزاء للأعمال فى الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده - سبحانه - فى الآخرة لعباده المتقين.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإكثار من ذكر الله وإلى التفكر
السليم فى عجائب صنعه، وساقت لنا ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التى تضرع بها
الأخيار إلى خالقهم، وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذى منحه الله لهم فى مقابل
إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يضيع أجر من أحسن
عملا، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده.

٣٧٩
سورة آل عمران
وبعد أن بشر - سبحانه - عباده المؤمنين الصادقين بهذا الثواب الحسن، نهاهم عن الاغترار
بما عليه الكافرون من قوة وسطوة ومتاع دنيوى فقال - تعالى - ﴿لايغرنك تقلب الذين كفروا
فى البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾.
يغرنك : من الغرور وهو الاطماع فى أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضر
فى صورة الأمر النافع، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين - وهى الغفلة - ويقال: رجل غر إذا
كان ينخدع لمن خادعه.
والتقلب فى البلاد: التصرف فيها على جهة السيطرة والغلبة ونفوذ الإِرادة.
والمتاع : الشىء الذى يتمتع الإِنسان به لمدة معينة، والمعنى : لا يصح أن يخدع أحد بما عليه
الكافرون من تقلب فى البلاد ومن تصرفهم فيها تصرف الحاكم المسيطر عليها، المستغل لثرواتها
وخيراتها، فإن تصرفهم هذا لن يستمر طويلا، بل سيبقى مدة قليلة يتمتعون فيها بما بين أيديهم
ثم يزول عنهم كل شىء وسوف يعودون إلى خالقهم فيعذبهم العذاب الأكبر على ظلمهم
وبغيهم وكفرهم.
والخطاب فى قوله ﴿لا يغرنك﴾ للرسول وي أو لكل من يتأتى له الخطاب، وهو نهى
للمؤمنين عن أن يغتروا بما عليه الكافرون من جاه ونفوذ وسلطان وغنى.
وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع المنهى عنه فإن الإنسان قد ينهى عن شىء لم يقع
منه لتحذيره من الوقوع فيه فى الحال أو المآل.
ولذا روى عن قتادة أنه قال: ((والله ما غروا نبى الله حتى قبضه الله إليه))
ولقد قال صاحب الكشاف فى الجواب على أن النهى موجه إلى النبى وَ ل# فإن قلت: كيف
جاز أن يغتر رسول الله ( بذلك حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان :
أحدهما : أن عظيم القوم ومتقدمهم يخاطب بشىء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا فكأنه
قيل : لا يغرنكم.
والثاني: أن رسول الله وَّ ر كان غير مغرور بحالهم فأكد ما كان عليه وثبت ما كان على
التزامه كقوله ﴿ولا تكونن من المشركين﴾(١).
وقوله ﴿متاع﴾ خبر لمبتدأ محذوف أى هو متاع وقوله ﴿قليل﴾ صفة لمتاع. ووصف بأنه قليل
لقصر مدته، ولكونه متعة فانية زائلة بخلاف ما أعده الله للمتقين من نعيم فى الآخرة فإنه دائم
لا یزول.
(١) تفسیر الکشف جـ١ ص٤٥٨.

٣٨٠
المجلد الثانى
وجاء العطف ﴿بثم﴾ فى قوله ﴿ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ للإشعار بالتفاوت الكبير
بين حالهم فى الدنيا وماهم فيه من متاع زائل وبين ما سينالهم فى الآخرة من عذاب دائم
لا ينقطع.
أى أنهم يتمتعون بهذه المتع العاجلة لفترة قليلة ﴿ثم مأواهم﴾ أى مكانهم الذى يأوون إليه
ويستقرون فيه ﴿جهنم﴾ التى لا يحيط الوصف بشدة عذابها ﴿وبئس المهاد﴾ أى بئس ما مهدوا
لأنفسهم وفرشوا جهنم.
وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى جهنم هم الذين كانوا سببا فيه بكفرهم واستحبابهم العمى
على الهدى.
وفى هذا تعزية للمؤمنين وتسلية لهم عما يرونه من غنى وجاه وسلطان للمشركين وتحريض
للأخيار على أن يجعلوا همهم الأكبر فى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى رضوان الله الباقى،
ففى الحديث الشريف أن رسول الله وسلم قال: ((والله ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل
أحدكم إصبعه فى اليم. فلينظر بم يرجع)).
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين فقال : ﴿لكن الذين
اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾
وافتتحت الآية الكريمة بحرف ((لكن)) الذى معناه الاستدراك، لأن مضمونها ضد الكلام
الذى قبلها. ولكى تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين عاقبة المؤمنين الأخيار.
والمعنى : هذا هو شأن الكافرين يتقلبون فى البلاد لفترة قصيرة من الزمان هى مدة حياتهم فى
هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شىء عند موتهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم
الذى لا ينقطع .. لكن الذين اتقوا ربهم وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك
فقد أعد الله لهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة
اللذيذة، وهم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال .. فأين مصير أولئك.
الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟
فالآية الكريمة بيان لكمال حسن حال المؤمنين، إثر بيان سوء عاقبة الكافرين.
ثم قال - تعالى - ﴿نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾
والنزل: مايعد للنزيل والضيف لإكرامه والحفاوة به من طعام وشراب وغيرهما. وهو
منصوب على أنه حال من ((جنات)) لتخصيصها بالوصف، والعامل فيه ما فى الظرف من معنى
الاستقرار.