النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة آل عمران غزوة أحد، فهى تصور حالهم وهم مصعدون فى الوادى بدون تمهل أو تثبت، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحیث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبى ◌ّ﴿ وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله: ((إلى عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله، من يكر فله الجنة)). وقوله - تعالى - ﴿فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على مافاتكم ولا ما أصابكم﴾. بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله ﴿صرفكم﴾ أو على قوله ﴿تصعدون ولا تلوون﴾ ولا يضركونهما مضارعين فى اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين فى المعنى. وأصل الإِثابة إعطاء الثواب، وهو شىء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل فى الأعم الأغلب إلا فى الخير، والمراد به هنا العقوبة التى نزلت بهم. وسميت العقوبة التى نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما فى قوله ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾. ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا فى حقيقته، لأن لفظ الثواب فى أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أكان خيرًا أو شرًا. قال القرطبى: قوله - تعالى - ﴿فأثابكم غما بغم﴾ الغم فى اللغة التغطية. يقال: غممت الشىء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. قال مجاهد وقتادة وغيرهما، والغم الأول القتل والجراح والغم الثانى الإِرجاف بمقتل النبى * وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثانى: استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبى ﴾ ((اللهم لا يعان علينا)). والباء فى ﴿بغم﴾ على هذا بمعنى على. وقيل هى على بابها والمعنى أنهم غموا النبى وال بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم))(١). ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل .. وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم ويلاقي وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا لله الجهاد فأصابكم ما أصابكم. (١) تفسير القرطبى - بتصرف وتلخيص - جـ ٤ ص ٢٤٠. ٣٠٢ المجلد الثانى وقوله ﴿لكى لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾ تعليل لقوله ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أى: ولقد عفا الله - تعالى - عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام، فإن عفو الله - تعالى - يذهب كل حزن ويمسح كل ألم. ويرى صاحب الكشاف أن معنى ((لكى لا تحزنوا)) لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار. ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير فى ﴿فأثابكم﴾ للرسول. أى: فآساكم فى الاغتمام - أى فصار أسوتكم - لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على مافاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ﴿والله خبير بما تعملون﴾ أى: والله - تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو - سبحانه - لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة. ثم ذكرهم - سبحانه - ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذى أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال -تعالى- ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم﴾ والجملة الكريمة معطوفة على قوله فأثابكم﴾ . والأمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن. يقال: أمن أمنا وأمانًا وأمنة. والنعاس : الفتور فى أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإِنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم: لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم المشركون. أى: ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منکم أخلصت جهادها لله، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى. قال ابن كثير: يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذى غشيهم وهم مشتملون السلاح فى حال همهم وغمهم والنعاس فى مثل تلك الحال (١) تفسیر الکشاف جـ ١ ص ٤٢٨. ٣٠٣ سورة آل عمران دليل على الأمان، كما قال فى سورة الأنفال: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ فعن ابن مسعود قال: النعاس فى القتال من الله وفى الصلاة من الشيطان)). وروى البخارى عن أبي طلحة قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفى من يدى مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه))(١). وقوله ﴿نعاسا﴾ بدل من ﴿أمنة﴾ أو عطف بيان. قال الفخر الرازى: واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة للنبى وَلّ ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانًا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم فى محاربة العدو. ووثوقهم بأن الله منجز وعده. وثانيهما : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة. وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقى منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم. ورابعها : أن الأعداء كانوا فى غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم فى النوم مع السلامة فى مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله))(٢). هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعابة، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم، وأمانا لنفوسهم. أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا فى قلقهم وحسرتهم وقد عبر الله - تعالى- عنهم بقوله: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية). وقوله ﴿أهمتهم أنفسهم﴾ حملتهم على الهم، والهم ما يهتم له الإنسان أو ما يحزنه يقال: أهمنى الأمر أى أقلقنى وأزعجنى، كما يقال: أهمنى الشىء، أى جعلنى مهتما به اهتماما شديدًا. والمعنى : أن الله - تعالى - أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين الصادقين بعد أن أصابتهم الغموم، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا فى غزوة أحد لم تكن صادقة فى إيمانها لأنها (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٣. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٤. ٣٠٤ المجلد الثانى كانت لا يهمها شأن الإِسلام انتصر أو انهزم ولا شأن النبى وَالتر وأصحابه. وإنما الذى كان يهمها هو شىء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا. أو المعنى : أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها فى الهم والحزن بسبب عدم اطمئنانها وعدم صبرها، وجزعها المستمر. وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ أى: ما يهم إلا هم أنفسهم، لا هم الدين ولا هم الرسول وَل﴿ والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم فى الهموم والأشجان فهم فى التشاكى والتباكى))(١). والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإِيمان بعد أن بين - سبحانه - ما امتن به على أقوياء الإِيمان. وقوله: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾ وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التى ضعف إيمانها، وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق بمنافعها الخاصة. أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن بالله بأن توهمت بأن الله - تعالى - لن ينصر رسوله وَليل وأن الإِسلام ليس دينًا حقًّا وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد معركة أحد .. إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التى تتولد عند المرء الذى ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه. وقوله ﴿يظنون بالله﴾ حال من الضمير المنصوب فى ﴿أهمتهم) أو استئناف على وجه البيان لما قبله. وقوله ﴿غير الحق﴾ مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى يظنون بالله ظنا غير الحق الذى يجب أن يتحلى به المؤمنون إذ من شأن المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التى شرعها لهم: وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير الله وبحكمته وبإرادته ﴿وكل شىء عنده بمقدار﴾. وقوله ﴿ظنِ الجاهلية﴾ بدل أو عطف بيان مما قبله. أی یظنون بالله شيئًا هو من شأن أهل الجاهلية الذین یتوهمون أن الله لا ینصر رسله ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه. ثم بين - سبحانه - ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال - تعالى - (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٢٨. ٣٠٥ سورة آل عمران ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شىءٍ﴾. والاستفهام للإنكار بمعنى النفى، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد، وأن الذين تسببوا فى ذلك هم غيرهم. أى: يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شيء أى شىء فلسنا مسؤولين عن الهزيمة التى حدثت للمسلمين فى أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله - تعالى - لو أراد نصر محمد دولية. لنصره . وهذا القول قاله عبد الله بن أبي بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج فى غزوة أحد. وذلك أن عبد الله بن أبى لما استشاره النبى وَله فى شأن الخروج لقتال المشركين فى أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، إلا أن الرسول وي ليه خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة . فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعنى أن النبى وَلَو لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة. وقد أمر الله - تعالى - نبيه وي طير أن يرد على هؤلاء الظانين بالله ظن السوء بقوله: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾. أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها لله - تعالى - وحده وإن العاقبة ستكون للمتقين، إلا أنه - سبحانه - قد جعل لكل شىء سببا، فمن أخلص لله فى جهاده وباشر الأسباب التى شرعها للنصر نصره الله - تعالى - ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه وّل ال أدبه الله - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفىء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه، ويتخذ الوسائل التى شرعها الله - تعالى - للوصول إلى الفوز والظفر. فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل. ثم كشف - سبحانه - عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال: ﴿يخفون فى أنفسهم مالا يبدون لك. يقولون لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا﴾. أى: أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم : والذين يظنون بالله غير الحق. يخفون فى أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مالا يستطيعون إظهاره أمامك . وهذه الجملة حال من الضمير فى قوله ﴿يقولون هل لنا﴾ السابقة. ٣٠٦ المجلد الثانى وقوله ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا﴾ بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم. أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شىء ما خرجنا من المدينة إلى هذا المكان الذى قتل فيه أقاربنا وعشائرنا. فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين بأحد، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا فى المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين، وأن التبعة فى كل ما جرى فى غزوة أحد يتحملها النبى وَسير وأصحابه الذين ألحوا عليه فى الخروج لقتال المشركين خارج المدينة، وأن النبى وَالر وأصحابه لو كانوا على الحق لا نتصروا. قال ابن جرير: وذكر أن ممن قال هذا القول - ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناها هنا﴾ - معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف. فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال، والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمعه إلا كالحلم حين قال : ﴿لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا﴾(١). وقد أمر الله - تعالى - رسوله و # أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم الباطلة فقال: ﴿قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. وقوله ﴿لبرز﴾ من البروز وهو الخروج من المكان الذى يستتر فيه الإِنسان و ﴿المضاجع﴾ جمع مضجع وهو مكان النوم. والمراد به هنا المكان الذى استشهد فيه من استشهد من المسلمين . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتل أقاربنا فى هذا المكان من جبل أحد. قل لهم لو كنتم فى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى الخروج الذين كتب عليهم القتل فى اللوح المحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التى قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم وقضائه النافذ، فإن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير ﴿وما تدرى نفس بأي أرض تموت﴾ (٢). وفى هذا الرد مبالغة فى إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون السيئة حيث لم يقتصر - سبحانه - على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين مكانه - أيضًا -. (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١٤٣. (٢) سورة لقمان آية ٣٤. ٣٠٧ سورة آل عمران ثم بين - سبحانه - بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين فى أحد فقال : ﴿وليبتلى الله ما فى صدوركم، وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾. والابتلاء : الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه . والتمحيص تخليص الشىء مما يخالطه مما فيه عيب له. والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير : نزل بكم مانزل من الشدائد فى أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن، وليعاملكم - سبحانه - معاملة المختبر لنفوسكم، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر، حتى يتبين الخبيث من الطيب وليخلص ما فى قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران، ويطهرها مما يخالطها من ظنون سيئة - فإن القلوب يخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة وحب الشهوات. ما يضاد ماأودع الله فيها من إيمان وإسلام وبر وتقوى. فلو تركت فى عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريه لمن عرض له داء. وقوله ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ أى عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التى لا تفارقها فهو القائل ﴿إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء﴾(١) وهو القائل ﴿وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى﴾(٢). ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبى ◌ّله يوم أحد، وبين السبب فى ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾. وقوله ﴿تولوا﴾ من التولى ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال وبمعنى الإِدبار فإن كان متعدیا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما فى قوله - تعالى - ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾ وإذا کان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإِعراض كما فى الآية التى معنا. والتولى الذى وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - فى الآية التى معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التى أمرهم الرسول وَله بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا (١) سورة آل عمران الآية ٥ (٢) سورة طه الآية ٧ ٣٠٨ المجلد الثانى بجانب النبى ◌ّ بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف. ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبى وَ ل# بدون وهن أوضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين، وكلهم يفتدى النبى بَّه بنفسه ويقول: وجهى لوجهك الفداء ونفسى لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع(١). ومعنى ﴿استزلهم الشيطان﴾ طلب لهم الزلل والخطيئة، أو حملهم عليها بوسوسته لهم: أن يخالفوا أمر رسول الله وَله لهم بالثبات فى مواقفهم التى عينها لهم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان. فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم. قال الراغب: استزله إذا تحرى زلته، وقوله - تعالى - ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ أى استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإِنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة فى الأصل: استرسال الرجل من غير قصد))(٢). والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول وَله وقد ترتب عليها هزيمتهم. والمعنى : إن الذين تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أوتركوا أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين فى معركة أحد؛ ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ أى طلب منهم الزلل والمعصية، ودعاهم إليها مکر منه وكان ذلك ﴿ببعض ما كسبوا﴾ أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات. قال ابن القيم: ((كانت أعمالهم جندًا عليهم ازداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد فى كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. فأعمال العبد تسوقه قسرًا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى. ففرار الإِنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به))(٣). ثم أخبر - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٥١. (٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٢١٤ (٣) تفسير القاسمى : تفسير سورة آل عمران ص ١٠١٣ ٣٠٩ سورة آل عمران نفوسهم. وبعثها على التوبة الصادقة والإِخلاص لله رب العالمين، فقال - تعالى - ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾. أى : ولقد عفا - سبحانه - عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق، بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم فى قتال أعدائهم. ولقد أكد الله - تعالى - هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالحلم، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو - سبحانه - عن كثير. وصدق الله إذ يقول: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾(١). وقد أكد - سبحانه - شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ولتنخلع عن الماضى، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإِيمان، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها. وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم فى أحد، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم، وأخبرتهم بعفو الله عنهم، وفى ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد، وعما تم للمسلمين فى أولها من نصر، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا نبيهم أكثر . بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد فى سبيل الله، حتى تكون كلمة الله هى العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد الله، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة. استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ فيقول : (١) سورة فاطر آية ٤٥ ٣١٠ المجلد الثانى يَّأَيُّهَا اُلَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَذِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُرَّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَامَا تُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِمُ وَاللّهُ يُحِى وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾ وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْمُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمَعُونَ ١٥٧٠ ١١٥٨ وَلَيِنْ مُتُّمْ أَوْقُتِلْتُمْ لَإِ لَى اللَّهِ تُشَرُونَ فقوله ﴿يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإِخوانهم﴾ الخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة. والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾. وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن مماثلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار. والمراد بإخوانهم : إخوانهم فى الكفر والنفاق والمذهب أو فى النسب وقوله ﴿إذا ضربوا فى الأرض﴾ أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. وأصل الضرب: إيقاع شىء على شىء ثم استعمل فى السير، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل، ثم صار حقيقة فيه. وقوله : ﴿غزى﴾ جمع غاز كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ونوم. والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم فى سبيل الله. قالوا على سبيل التفجع : لو كان هؤلاء الذين ماتوا فى السفر أو الغزو مقيمين معنا، أوملازمين بيوتهم، ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أوقتلوا. وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء الله ٣١١ سورة آل عمران وقدره، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شىء عنده بمقدار، وأن العاقل هو الذى يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج الله يسيرها كيف يشاء. وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى فى الأرض من أجل طلب الرزق الذى أحله الله . والنهى فى قوله - تعالى ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾ يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين: مقام الإِيمان ومقام الكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإِيمان إلى أعلى عليين، وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير. واللام فى قوله ﴿الإِخوانهم﴾ يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال: قوله: ﴿وقالوا الإِخوانهم﴾ أى لأجل إخوانهم، كقوله - تعالى - ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾(١). ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى : لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإِخوانهم الأحياء : لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل. قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل إن قوله ﴿قالوا لإِخوانهم﴾ يدل على الماضى، وقوله ﴿إذا ضربوا فى الأرض﴾ يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب من وجوه : أولها : أن قوله ﴿قالوا﴾ تقديره: يقولون، فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإِخوانهم كذا وكذا .. وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضى للتأكيد وللإشعار بأن جدهم فى تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل كالكائن الواقع. وثانيها : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا فى الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلابد أن يقول : قالوا. وثالثها: قال ((قطرب)) كلمة ((إذ)) و((وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى))(٢). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣٠. (٢) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص - جـ٩ ص٥٤. ٣١٢ المجلد الثانى وقوله ﴿أو كانوا غزى﴾ معطوف على ﴿ضربوا فى الأرض﴾ من عطف الخاص بعد العام؛ اعتناء به لأن الغزو هو المقصود فى هذا المقام وما قبله توطئة له. قالوا : على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب فى الأرض بناء على أن المراد بالضرب فى الأرض السفر البعيد، فيكون على هذا بين الضرب فى الأرض وبين الغزو خصوص وعموم من وجه . وإنما لم يقل أو غزوا: للإِيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة، أو لا نقضاء ذلك، أى كانوا غزاة فيما مضى. وقوله ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ فى محل نصب مقول القول. ثم بين - سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال : ﴿ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم﴾. والحسرة - كما يقول الراغب - هى غم الإِنسان على مافاته، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت قواه - أى انسلخت - من فرط الغم، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط))(١). فالحسرة هى الهم المضنى الذى يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد، واللام فى قوله ﴿ليجعل﴾ هى التى تسمى بلام العاقبة، وهى متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوه لغرض من أغراضهم التى يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول. بل سيمضون فى طريق الجهاد الذى كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذى وعدهم الله إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى: ان الله - تعالى - طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة فى قلوبهم والغم فى نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال فى عقولهم. قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت: قالوا. أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة فى قلوبهم على أن اللام مثلها فى ﴿لیکون لهم عدوا وحزنا﴾ أو لا تكونوا بمعنى : لاتكونوا مثلهم فى النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله حسرة فى قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت: ما معنى إسناد الفعل إلى الله؟ قلت: معناه أن الله -تعالى- عند (١) مفردات القرآن ص ١٨ للراغب الأصفهانى. بتصرف يسير. ٣١٣ سورة آل عمران اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة فى قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم .. كما قال - تعالى - ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجا كأنما يصعد فى السماء﴾. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مادل عليه النهى، أى لاتكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة فى قلوبهم؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ویغیظهم))(١). والجعل هنا بمعنى التصيير، وقوله ﴿حسرة﴾ مفعول ثان له، وقوله، ﴿فى قلوبهم) متعلق بیجعل . وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها، الإِرادة التمكن، والإِيذان بعدم الزوال. وقوله ﴿والله يحيى ويميت والله بما تعلمون بصير﴾ رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد فى سبيل الله وترغيب لهم فى العمل الصالح، أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء فالقعود فى البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد فى سبيل الله أو للسعى فى طلب الرزق لا ينقصها ومادام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وأن يسعى فى الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق الله وأن يباشر الأسباب التى شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر. ثم رد الله - تعالى - على أولئك الكافرين برد آخر، فيه تثبيت للمؤمنين، وترغيب لهم فى الجهاد فقال: ﴿ولئن قتلتم﴾ أيها المؤمنون وأنتم تجاهدون ﴿فى سبيل الله أو متم﴾ على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم فى الحياة على أكمل وجه، وأطعتم ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه لنلتم مغفرة من الله - تعالى - لذنوبكم ولظفرتم برحمته الواسعة التى تسعدكم. وقوله ﴿خير مما يجمعون﴾ أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ولا تعب ولا قلق. واللام فى قوله ﴿ولئن قتلتم﴾ موطئة للقسم، أى: والله لئن قتلتم فى سبيل الله أو متم. وقوله ﴿لمغفرة من الله ورحمة﴾ جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه. ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال. ﴿ولئن متم أو قتلتم لإِلى الله تحشرون﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣١. ٣١٤ المجلد الثانى أى ولئن متم - أيها المؤمنون - وأنتم فى بيوتكم أو فى أى مكان، أو قتلتم بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون فى سبيل الله، فعلى أى وجه من الوجوه كان انقضاء حياتكم فإنكم إلى اللّه وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازى مع اقتحامهما لموارد الحتوف، وقد يميت المقيم والقاعد فى بيته مع حيازته لأسباب السلامة . وأن الذين يموتون على الإِيمان الحق، أو يقتلون وهم يجاهدون فى سبيل الله فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ماهو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا. وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين. قال الفخر الرازى: واعلم أن فى قوله: ﴿لإِلى الله تحشرون﴾ دقائق: أحداها : أنه لم يقل: تحشرون إلى الله، بل قال: لإِلى الله تحشرون، وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أنه لا حاكم فى ذلك اليوم ولا نافع ولاضار إلا هو. وثانيهما : أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة. وكمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. وثالثها : أن قوله ﴿تحشرون﴾ فعل لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله وإنما لم يقع التصريح به لأنه - تعالى - هو العظيم الكبير الذى شهدت العقول بأنه هو الذى يبدىء ويعيد، ومنه الإِنشاء والإِعادة فترك التصريح فى مثل هذا الموضع أدل على العظمة. ورابعها : أن قوله ﴿تحشرون﴾ خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل، والله - تعالى - هو الذى يتولى الحكم بينهم(١). وقبل أن تتمم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك. أخذت فى بيان حال النبى ◌َّير وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة، وأنه - رَله - لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة. فقال - تعالى - : (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٦٠ - بتصرف وتلخيص. ٣١٥ سورة آل عمران فَبِمَارَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِلِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَ نَفَضُّوا مِنْ حَولِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأُسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمِِّفَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ (٥٦) إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنْصُرُ كُمْ مِّنْ بَعْدِهِ، وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ () وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلُّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّتُوَلَى كُلُّ نَفْسٍ مَّاكَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦) أَفَمَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَنُ جَهَنٌَّ وَبِئْسَأَمْصِيرُ هَمْ دَرَجَتُ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٢ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ ١٦٤ وَاُلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِيٍ فالخطاب فى قوله - تعالى - ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك﴾ .. ألخ للنبى ﴾. والفاء لترتيب مضمون الكلام على ماينبىء عنه السياق من استحقاق الفارين والمخالفين للملامة والتعنيف منه. 18 بمقتضى الجبلة البشرية. ٣١٦ المجلد الثانى والباء هنا للسببية، و((ما)) مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة ((لنت)) من لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق وسعة الخلق و((الفظ)) الغليظ الجافى فى المعاشرة قولا وفعلا. وأصل الفظ - كما يقول الراغب - ماء الكرش وهو مكروه شربه بمقتضى الطبع ولا يشرب إلا فى أشد حالات الضرورة. وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة، وتنشأ عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء. والمعنى : فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إياها يا محمد كنت لينا مع أتباعك فى كل أحوالك، ولكن بدون إفراط أو تفريط، فقد وقفت من أخطائهم التى وقعوا فيها فى غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ماوقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم .. بل كنت لينا رفيقا معهم. وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية،، لأن كثرة اللوم والتعنيف قدتولد اليأس، وإنما يلتفت إلى الماضى ليأخذ منه العبرة والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس فى نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ويشحذ عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة واطمئنان وبصيرة مستنيرة. وإن الشدة فى غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى، ولذا قال - تعالى - ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. أى ولو كنت - يا محمد - كريه الخلق، خشن الجانب، جافيا فى أقوالك وأفعالك، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك .. ولو كنت كذلك ﴿لانفضوا من حولك﴾ أى لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك. فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول وس# أن يكون فظا أو غليظا، لأن ((لو)) تدل على نفى الجواب لنفى الشرط. أى أنك لست - يا محمد - فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل مرتخص وغال، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم. وقال - سبحانه - ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب﴾ لينفى عنه وَالر القسوة والغلظة فى الظاهر والباطن : إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو فى الفظاظة التى هى خشونة الجانب، وجفاء الطبع، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب، وغلظ النفس وعدم تأثرها بما يصيب غيرها. والرسول ﴿ كان مبرأ من كل ذلك، ويكفى أن الله - تعالى - قد قال فى وصفه : ٣١٧ سورة آل عمران ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾(١). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنى أرى صفة رسول الله وَليه فى الكتب المتقدمة. إنه ليس بفظ، ولا غليظ ولاصخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، (٢). ولقد كان من أخلاقه وَيّ مداراة الناس إلا أن يكون فى المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى الله عنها، قالت: ((قال رسول الله وَله: إن الله أمرنى بمداراة الناس كما أمرنى بإقامة الفرائض)»(٣). ثم أمر الله تعالى، نبيه وَله، بما يترتب على الرفق والبشاشة فقال: ﴿فأعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم فى الأمر﴾. فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أى أنه يترتب على لين جانبك مع أصحابك، ورحمتك بهم، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم فى أحد، فقد كانت زلة منهم وقد أدبهم الله عليها. وأن تلتمس من الله تعالى، أن يغفر لهم ما فرط منهم، إذ فى إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم. وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك. وأن تشاورهم فى الأمر أى فى أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة فى العادة من الأمور التى تهم الأمة. وقد جاءت هذه الأوامر للنبى وَطير، على أحسن نسق، وأحكم ترتيب، لأن الله تعالى أمره أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا ما انتهوا إلى هذا المقام، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم التبعات، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة، أمره بأن يشاورهم فى الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشاورة. ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها، وعن فوائدها، فقد قال .. القرطبى ما ملخصه : والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شُرْتُ الدابة وشَوَّرتها، إذا علمت خبرها وحالها يجرى أو غيره .. وقد يكون من قولهم : شُرْتُ العسل واشْتَرتُه، إذا أخذته من موضعه . (١) سورة التوبة الآية ١٢٨. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٢٠. (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٢٠. ٣١٨ المجلد الثانى ثم قال: واختلف أهل التأويل فى المعنى الذى أمر الله نبيه وسل # أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة : ذلك فى مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، تطييبا لنفوسهم ورفعًا لأقدارهم وإن كان الله - تعالى - قد أغناه عن رأيهم بوحيه. وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحى. فقد قال الحسن: ما أمر الله - تعالى - نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما فى المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده. ثم قال: والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، والذى لا يستشير اهل العلم والدين - والخبرة - فعزله واجب وهذا لاخلاف فيه. وقد استشار النبى ( أصحابه فى كثير من الأمور، وقال ((المستشار مؤتمن)) وقال ((ما ندم من استشار ولا خاب من استخار)) وقال: ((ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى)). وقال البخارى: ((وكانت الأمة بعد النبى و لا يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها))(١). وقال الفخر الرازى ما ملخصه: ((اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز للرسول وس أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأى والقياس، فأما مالا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه فى جميع الأشياء أولا؟ قال بعضهم: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة فى الحروب، لأن الألف واللام فى لفظ ((الأمر)) تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب - إذ الكلام فى غزوة أحد -. وقال آخرون : اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحى فتبقى حجته فى الباقى وظاهر الأمر فى قوله ﴿وشاورهم﴾ للوجوب وحمله الشافعى على الندب .. (٢). والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم فى الإِسلام، وقد استشار النبى ◌َر أصحابه فى غزوات بدر وأحد والأحزاب وفى غير ذلك من الأمور التى تتعلق بمصالح المسلمين، وسار على هذا المنهج السلف الصالح من هذه الأمة. ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور وبتمثل لهم فى كتبه بقول الشاعر : أشيرا على بالذى تريان خليلى ليس الرأى فى صدر واحد (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٤٩ بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٦٧ . ... سورة آل عمران ٣١٩ وقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يترتب عليها من خير ومنفعة ومن ذلك قول بشار بن برد : برأى نصيح أو نصيحة حازم إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن فإن الخوافى قوة للقوادم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة والحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذين يقيمون حكمهم على مبدأ الشورى ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين : إما رجل قد أصيب بداء الغرور والتعالى، فهو يتوهم أن قوله هو الحق الذى لا يخالطه باطل، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد مجانب للحق، فهو ينفذ مايريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار غيره أن يطلع الناس على ظلمه وجوره وفجوره. هذا ومتى تمت المشورة على أحسن الوجوه وأصلحها واستقرت الأمور على وجه معين، فعلى العاقل أن يمضى على ما استقر عليه الرأى بدون تردد أو تخاذل، ولذا قال - سبحانه - ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾. أى فإذا عقدت نيتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد أن تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على تنفيذه، و﴿توكل على الله﴾ أى اعتمد عليه فى الوصول إلى غايتك، فإن الله - تعالى - يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه مع مباشرة الأسباب التى شرعها لهم لكى يصلوا إلى مطلوبهم. فالجملة الكريمة تأمر النبى و 18 وتأمر كل من يتأتى له الخطاب بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ما هو صواب بأن يستشير أهل الخبرة كل فى مجال تخصصه فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة - بعد أن درسها دراسة فاحصة واستشار العقلاء الأمناء فيها - فعليه أن يبادر إلى تنفيذها بدون تردد فإن التردد يضيع الأوقات والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى سيئات وعليه مع حسن الاستعداد أن يكون معتمدا على الله، مظهرا العجز أمام قدرته - سبحانه - لأنه هو الخالق للأسباب والمسببات وهو القادر على تغييرها. وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها، أو على مباشرتهم للأسباب وحدها دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا فى نفوسهم، فكانت نتيجتهم الفشل والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة التى اكتسبوها بسبب غرورهم وفجورهم وفسوقهم عن أمر الله. ورحم الله القائل إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده ولقد أكد الله - تعالى - وجوب التوكل عليه بعد ذلك فى قوله : ﴿إن ينصركم الله فلا ٣٢٠ المجلد الثانى غالب لكم. وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده﴾؟ والمراد بالنصر هنا العون الذى يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم. والمراد بالخذلان ترك العون. والمخذول، هو المتروك الذى لا يعبأ به. يقال: خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها فى المرعى وتركت صواحباتها. والمعنى: إن يرد الله - تعالى - نصركم كما نصركم يوم بدر - ﴿فلا غالب لكم﴾ أى فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم، لأن الله معكم، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد من الخلق. وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد، فلن يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة الله -تعالى- ومشيئته. والاستفهام هنا إنكارى يمعنى النفى، أى لا أحد يستطيع نصركم إن أراد الله خذلانكم، وهو جواب الشرط الثانى. وفيه لطف بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة فى الأول، ولم يصرح لهم بأنهم لا ناصر لهم فى الثانى، بل أتى به فى صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ، إذ فى مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله - تعالى - ولا شك أنهم لن يجدوه، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله وحده هو الكبير المتعال، وأنه لا ناصر لهم سواه. وقوله ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أى وعلى الله وحده لا على احد سواه. فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه، لأن الذين يعتمدون على أى قوة سوى الله - تعالى - لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين. فالآية الكريمة كلام مستأنف، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب، تشريفا للمؤمنين لايجاب التوكل عليه والترغيب فى طاعته التى تؤدى إلى النصر، وتحذيرا لهم من معصيته التى تفضى إلى الخسران والخذلان. ثم نهى - سبحانه - عن الغلول ونزه النبى # عن ذلك فقال - تعالى - ﴿وما كان لنبى أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وقوله ﴿يغل﴾ من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها. يقال : غل فلان شيئًا من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية. ويقال : أغل الجازر أو السالخ إذا أبقى فى الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية. وأصله من الغلل وهو دخول الماء فى خلل الشجر خفية. والغل : الحقد الكامن فى الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا، لأنها تجرى فى المال على خفاء من وجه لا يحل.