النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة آل عمران
المسلم فى حياته فقال فى حديثه الصحيح: ((أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله
العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))(١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم، وأن
يتجنبوا ماكان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام
فإن العاقبة لهم، وأن يعلموا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة، وسراء وضراء حتى يتميز
الخبيث من الطيب، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق، وصبر طويل،
وجهاد شديد، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه. ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن
غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما أشيع بأن رسول الله وَالر قد قتل، وترشدهم إلى
أن الآجال بيد الله، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون
ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك، وأن الله - تعالى - قد تكفل بأن يمنح المؤمنين
الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا والآخرة.
· استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول :
وَمَا مُحَمَّدُّ
إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْقُتِلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَكَنْ يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْرِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا كَانَ
لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَاً وَمَنْ يُرِدْ
ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِمِنْهَا وَمَن يُرِدْ نَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ،
مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ () وَكَيِّنِ مِن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ.
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد جـ ٤ ص٦٢ ومسلم فى كتاب الجهاد والسير جـ ٥ ص ١٣.

٢٨٢
المجلد الثانى
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِوَ مَا ضَعُفُواْ
وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ (١٦)، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ
إِلَّا أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَاذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِىَ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْ نَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ () فَاتَهُمُ اللَّهُ
ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةُ وَاللّهُ يُحِبُّ الْحْسِنِينَ
١٤٨
قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى
الشيطان : ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدًا. وإنما
قد ضرب رسول الله وَل فشجه فى رأسه. فوقع ذلك فى قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن
رسول الله وَّر قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر - بين المسلمين - عن القتال. ففى ذلك
أنزل الله تعالى - ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبل رسل) الآية (١).
وقوله - تعالى - ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) تقرير لحقيقة ثابتة، ولأمر
مؤكد، وهو أن محمدًا وَّ واحد من البشر، وأنه سيموت كما يموت جميع البشر، وأنه ليس له
صفة تميزه عن سائر البشر سوى الرسالة التى وهبها الله - تعالى - له، ومنحه إياها، وأن هذه
الرسالة لا تقتضى بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم فى الحياة كما أمرهم
خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا.
ومادام الأمر كذلك فمحمد ◌َ لل سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه من
الأنبياء، وكما سيموت جميع البشر.
والقصر فى قوله - تعالى -: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ من باب قصر الموصوف على الصفة،
أى قصر محمد بَ على وصف الرسالة قصرًا إضافيًا.
وفى هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف
المنافقون فى غزوة أحد بأن الرسول ## قد قتل.
فكأنه - تعالى - يقول لهم: إن محمدًا وَ﴿ رسول من الرسل الذين أرسلهم الله لإخراج
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٩.
٠

٢٨٣
سورة آل عمران
الناس من الظلمات إلى النور، وسیکون مصیرہ إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر
البشر الذين اصطفى الله - تعالى - منهم رسله، إلا أن رسالته التى جاء بها من عند الله لن
تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن برث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه
فى عقيدتهم أو فى تبليغ رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا
عنه بأنفسهم وأموالهم.
ولذا فقد وبخ الله - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عندما
أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول # قد قتل فى غزوة أحد فقال - تعالى -: ﴿أفإن مات أو
قتل انقلبتم على أعقابكم﴾؟
أی: إذا مات محمد چے - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو
يدافع عن دينه وعقيدته، ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾ أى: رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر
والضلال. والانقلاب: الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز فى الرجوع إلى الحال التى كانوا عليها
قبل الإِسلام.
يقال لكل من رجع إلى حاله السىء الأول : نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب
مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب.
قال صاحب الكشاف: قوله ﴿أفإن مات﴾ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على
معنى التسبب. والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد
هلاکه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دینهم متمسكًا به يجب أن يجعل سببًا
للتمسك بدين محمد## لا للانقلاب عنه.
فإن: قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوزا عند المخاطبين.
فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾؟ قلت : هذا مما يختص
بالعلماء منهم وذوى البصيرة))(١).
وفى قوله ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾ تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير
بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه.
فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره
إلى الأمام، وأعقابه هى التى تقوده إلى الخلف، وهو فى حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى
أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإِنسان.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٢٣.

٢٨٤
المجلد الثانى
وقوله ﴿ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا﴾ الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل
يعلم أن الله - تعالى - لا يضره كفر الكافرين.
أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبى وَلّر بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر
والضلال، فلن يضر الله شيئًا من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب،
وبحرمانها من الأجر والثواب.
ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال : ﴿وسيجزى الله الشاکرین﴾ أى: وسیثیب
الله - تعالى - الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه فى السراء
والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر فى الدنيا وبرضوانه فى الآخرة.
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر فى هذا الموطن أظهر، وذلك لأن
الشكر فى هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى
جانب النبى - وَلجر - فى ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود
الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التى ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر
وزيادة، وقليل من الناس هو الذى يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال - تعالى - ﴿وقليل من
عبادى الشكور﴾ فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف
يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون فى غزوة أحد بأن الرسول بَّه قد قتل.
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر فى قوة إيمانهم تلك
الأراجيف الكاذبة ، بل مضوا فى جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول
رسول الله ◌َّير فى غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضى الله عنه -، فقد روى
البخارى عن أنس - رضى الله عنه - قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال :"
يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين لیرین
الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى
المسلمين -. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين -.
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ !! الجنة ورب النضر إنى لأجد
ريحها من دون أحد.
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم،
ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته بينانه.

٢٨٥
سورة آل عمران
قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه : ﴿من المؤمنين رجال صدقوا
ما عاهدوا الله عليه﴾(١).
كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول وصالخيل وبيان
أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هى الخالدة الباقية، فمن
تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئاً.
ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد الله وحده. وأنه - سبحانه - قد جعل لكل أجل وقتا
محددا لا يعدوه فقال - تعالى -: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلا﴾.
أى: ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من الأسباب، إلا بمشيئة
الله وأمره وإذنه، فهو - سبحانه - الذى كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم
لا يتقدم ولا يتأخر.
المراد بالنفس هنا. جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله.
والمراد بإذنه -: أمره ومشيئته، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا تموت إلا بإذنه.
و﴿كان﴾ ناقصة وقوله ﴿أن تموت﴾ فى محل رفع اسمها وقوله ﴿لنفس﴾ متعلق بمحذوف
وقع خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب. أى ما كان لها أن تموت فى حالة
من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه - سبحانه -.
والباء فى قوله ﴿إلا بإذن الله﴾ للمصاحبة.
وقوله ﴿كتابا﴾ مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التى قبله، وعامله مضمر والتقدير:
كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو آت لا ريب فيه.
وقوله ﴿مؤجلا﴾ صفة لقوله ﴿كتابا﴾.
ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة، فقال : ﴿ومن یرد ثواب الدنيا
نؤته منها﴾ أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها
ما نشاء أن نؤتيه، ولا يكون له فى الآخرة من نصيب.
وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله وَله أو بمن تركوا أماكنهم
التى وضعهم فيها رسول الله ويليه وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين
فى غزوة أحد.
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد، باب ((من المؤمنين رجال .. )) جـ ٤ ص ٢٣.

٢٨٦
المجلد الثانى
ثم مدح - سبحانه - الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال : ﴿ومن يرد ثواب الآخرة
نؤته منها﴾.
أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته
منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس، وتقر له العيون.
وقوله ﴿وسنجزى الشاكرين﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد من عطاء الله لمن شكره
على نعمه ويثبت على شرعه.
أى وسنجزى الشاكرين فى دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم، وسنجزيهم فى الآخرة بما يشرح
صدورهم، ويدخل البهجة على نفوسهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم من الجبن
والفرار، لأن الجبن لا يؤخر الحياة، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته، فإن
أحدا لا يموت قبل أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك.
كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد فى متع الحياة الدنيا، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر فى
تحصيل ما ينفعهم فى آخرتهم، فإن هذا هو المقصد الأسمى، والمطلب الأعلى : قال - تعالى -
﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى
الآخرة من نصيب﴾(١).
وإن الذين خالفوا وصية رسول الله #1 وتركوا أما كنهم التى أمرهم بالثبات فيها جريا وراء
الغنائم، لم يحصلوا منها شيئا، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم، وكان فعلهم
هذا من أسباب هزيمة المسلمين فى غزوة أحد.
كما تضمنت وعدًا من الله - تعالى - بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه، وأن يكافئهم
على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير.
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق، وعزم وثيق، حتى
يتأسى بهم كل ذى عقل سليم، فقال - تعالى -: ﴿وکأين من نبى قاتل معه ربيون كثير، فما
وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا﴾.
وكلمة ﴿كأين﴾ مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها
وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير.
(١) سورة الشورى الآية ٢٠.

٢٨٧
سورة آل عمران
ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهى مبتدأ : وجملة ﴿قاتل معه ربيون﴾
خبرها .
والربيون جمع ربى، وهو العالم بربه؛ الصادق فى إيمانه به، المخلص له فى عبادته نسبة إلى
الرب کالربانى.
قال القرطبى ما ملخصه: والربيون - بكسر الراء - قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم بضم
الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون : الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة - بكسر الراء وضمها -
وهى الجماعة .. ومنه يقال للخرقة التى تجمع فيها القداح: ربة. وربة والرباب : قبائل
تجمعت.
وقال ابن عباس: ربيون - بفتح الراء - منسوب إلى الرب.
وقال الخليل : الربى - بكسر الراء - الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم
الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله - تعالى -(١). وقوله ﴿فما وهنوا﴾ من
الوهن وهو اضطراب نفسى، وانزعاج قلبى، يبتدىء من داخل الإنسان، فإذا وصل إلى
الخارج كان ضعفًا وتخاذلا .
والمعنى: وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الايمان من أجل إعلاء كلمة الله
وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام، ﴿فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل
الله﴾ أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من
قتل واستشهاد. لأن الذى أصابهم إنما هو فى سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسله.
وقوله ﴿وما ضعفوا﴾ أى: عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذى آمنوا به وقوله
﴿وما استكانوا﴾ أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع
الإِيمان.
نفى عنهم - أولا- الوهن وهو اضطراب نفسي، وهلع قلبى، يستولى على الإنسان فيفقده
ثباته وعزيمته.
ونفى عنهم - ثانيا- الضعف الذى هو ضد القوة، وهو ينتج عن الوهن.
ونفى عنهم - ثالثًا - الاستكانة وهى الرضا بالذل وبالخضوع للاعداء ليفعلوا بهم
ما يريدون.
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٣٠

٢٨٨
المجلد الثانى
وقد نفى - سبحانه - هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحدًا منها
يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة - وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرار فيما لو تمكن واحد
من هذه الأوصاف من نفوسهم.
وجاء ترتيب هذه الأوصاف فى نهاية الدقة بحسب حصولها فى الخارج، فإن الوهن الذى هو
خور فى العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذى هو لون من الاستسلام والفشل. ثم
تكون بعدهما الاستكانة التى يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا وصل الإِنسان إلى
هذه المرحلة فى حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة.
وقوله ﴿والله يحب الصابرين) تذييل قصد به حض المؤمنين على تحمل المكاره وعلى مقاساة
الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك
الأنقياء الأوفياء.
أى والله - تعالى - يحب الصابرين على آلام القتال، ومصاعب الجهاد، ومشاق الطاعات،
وتبعات التكاليف التى كلف الله -تعالى- بها عباده.
ثم أتبع - سبحانه - محاسنهم الفعلية، ببيان محاسنهم القولية فقال - تعالى - ﴿وما كان
قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا فى أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم
الكافرين﴾ .
أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما كان لهم من قول فى مواطن القتال وفى عموم
الأحوال إلا الضراعة إلى الله - بثلاثة أمور :
أولها : حكاه القرآن عنهم فى قوله: ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا﴾.
أى: إنهم يدعون الله - تعالى - بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وماكان كبيرا : وأن
يغفر لهم ﴿إِسرافهم فى أمرهم﴾ أى ما تجاوزوه من الحدود التى حدها لهم وأمرهم بعدم
تجاوزها .
وثانيها : حكاه القرآن عنهم فى قوله ﴿وثبت أقدامنا﴾ ای أجعلنا يا ربنا ممن يثبت لحرب
أعدائك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يوليهم الأدبار.
وثالثها: حكاه القرآن عنهم فى قوله ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ أى اجعل النصر لنا
ياربنا على أعدائك وأعدائنا الذين جحدوا وحدانيتك، وكذبوا نبيك وضلوا ضلالا بعيدا.
وتأمل معى - أخى القارىء - هذه الدعوات الكريمة تراها قد جمعت ما جمعت من صدق
اليقين، وحسن الترتيب.
:...

٢٨٩
سورة آل عمران
فهم قد التمسوا - أولا - من خالقهم مغفرة ذنوبهم والتجاوز عما وقعوا فيه من أخطاء وهذا ".
يدل على سلامة قلوبهم وتواضعهم واستصغار أعمالهم مهما عظمت أمام فضل الله ونعمه .
ثم التمسوا منه - ثانيا - تثبيت أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من امامهم.
ثم التمسوا منه - ثالثا - النصر على الكافرين وهو غاية القتال، لأن الانتصار عليهم يؤدى
إلى منع وقوع الفتنة فى الأرض، وإلى إعلاء كلمة الحق.
قال صاحب الكشاف: قوله ﴿وما كان قولهم﴾ الخ هذا القول وهو إضافة الذنوب
والإِسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها واستقصارا. والدعاء بالاستغفار منها مقدما
على طلب تثبيت الأقدام فى مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن
زكاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب إلى الاستجابة))(١).
وكان هنا ناقصة، وقوله ﴿قولهم﴾ بالنصب خبرها واسمها المصدر المتحصل من ((أن))
وما بعدها فى قوله ﴿إلا أن قالوا﴾ والاستثناء مفرغ.
أى: ما كان قولهم فى ذلك المقام وفى غيره من المواطن إلا قولهم هذا الدعاء أى هو دأبهم
ودیدنهم .
ثم بين - سبحانه - الثمار التى ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإِيمان الصادق والعمل
الخالص لوجهه - سبحانه - فقال: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب
المحسنين) .
والفاء فى قوله ﴿فآتاهم﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإِيمان وجاهدوا فى سبيله حق الجهاد لم يخيب الله
-تعالى- سعيهم ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله - تعالى - ثواب الدنيا من
النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال.
كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وإنما خص ثواب الآخرة
بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده - تعالى - لأنه غیر زائل،
وغير مشوب بتنغيص أو قلق .
وقوله ﴿والله يحب المحسنين) تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله - تعالى - للعبد
مبدأ كل خير وسعادة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت فى مطلعها حقيقة ثابتة. وهى أن محمدا ◌َلتر
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٢٤.

٢٩٠
المجلد الثانى
بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من بعده بل على أتباعه أن
يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ تعاليم الإسلام الذى جاء به ثم قررت بعد
ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر لا يمنع القدر وأن أحدًا لن يموت قبل انتهاء أجله، مادام
الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم.
ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق وجهاد صادق
وثبات فى وجه الباطل ودعاء مخلص خاشع .. حتى يتأسى بهم فى أقوالهم وأعمالهم كل ذى عقل
سليم.
ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التى منحها الله - تعالى - لعباده المؤمنين
الصادقين فى دنياهم وآخرتهم حتى يسارع الناس فى كل زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التى
تكون سببا فى سعادتهم وعزتهم ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله
وأعدائهم، وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال - تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَ إِن تُطِيعُواْالَّذِينَ كَفَرُواْ
يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ فَتَنْقَلِبُواْخَسِرِينَ
(١٤٩
بَلِ اللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ (٥) سَنُلِّقِى
فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْبِاللَّهِ
مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّأْ وَمَأْوَنَهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
١٥١ )]
مَثْوَى الظَّالِمِينَ
قال الألوسى ما ملخصه : قوله ﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾ شروع فى زجر
المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها، إثر ترغيبهم فى الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله
وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما فى حيزه ووصفهم بالايمان لتذكيرهم بحال
ينافى تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم
الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم فى أحد: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا فى دينهم .. وإما
أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم .. وإما اليهود

٢٩١
سورة آل عمران
والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه فى الدين ويقولون : لو كان محمد نبيا حقا لما غلبه
أعداؤه .. وإما سائر الكفار))(١).
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار؛ لأن الكفر والإِيمان نقيضان لا يجتمعان.
وجاء التعبير ((بإن)) الشرطية دون ((إذا))؛ لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء أما إن فإنها لا تفيد
التحقق بل تفيد الشك، وهذا هو المناسب لحال المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين
كفروا ويمنعهم من الوقوع فى ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا
غزوة أحد، وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم، إلا أنه يندرج تحت مضمونه
كل مؤمن فى كل زمان أو مكان لأن الكافرين فى كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا ،
ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب.
ثم بين - سبحانه - النتيجة - السيئة التى تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين فقال :
﴿يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾.
أى : إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإِسلام من ضلال وكفران أو يردوكم إلى
الحالة التى كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهى حالة الضعف والهوان التى رفعها الله عنكم
بأن أذن لكم فى مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق.
وقوله ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا
فبسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم لمطالبهم .. وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا
دينكم ومخالفتكم لأوامر خالقكم، وتوجيهات نبيكم ﴿ وكفى بذلك خسارة شنيعة.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ثم بينت لهم نتيجتين
سيئتين تترتبان على هذه الطاعة، وهما : الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، والخسران فى الدنيا
والآخرة.
والتعبير بقوله ﴿فتنقلبوا﴾ يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم
وانتكاس أمرهم وجعل أعلاهم أسفلهم .. وفى ذلك ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين
والاستماع إلى وساوسهم.
ثم أمرهم - سبحانه - بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال ﴿بل الله مولاكم
وهو خير الناصرين﴾.
وحرف ((بل)) هنا للإضراب الانتقالى، لأنه - سبحانه - بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة
(١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٨٧.

٢٩٢
المجلد الثانى
الكافرين وما يترتب عليها من مضار، انتقل إلى توجيههم إلى مافيه عزتهم وكرامتهم
وسعادتهم .
والمولى هنا بمعنى النصير والمعين، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط، وإنما يدل
على كمال المحبة والمودة والقرب، والنصرة تجىء ملازمة لهذه المعانى، لأنه من كان الله محبا له،
كان - سبحانه - ناصرا له لا محالة.
والمعنى إنى أنهاكم - أيها المؤمنون- عن إطاعة الكافرين، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم،
بل الله -تعالى- هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين، لأنه هو الذى لا يعجزه شيء فى
الأرض ولا فى السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة.
ثم بشرهم - سبحانه - بأنه سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم فقال - تعالى - :
﴿سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا﴾.
والرعب : الخوف والفزع، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال : سيل راعب،
إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض : ملأته.
والسلطان : الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل المادة يدل على
الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل.
والمعنى : سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة لم ينزل
الله بها حجة والمراد : أنه لا حجة لهم حتى ينزلها.
قال الألوسى: قوله ﴿مالم ينزل به﴾ أى بإشراكه أو بعبادته، و((ما)) نكرة موصوفة أو
موصولة اسمية وليست مصدرية و((سلطانا)) أى حجة والإِتيان بها للإشارة بأن المتبع فى باب
التوحيد هو البرهان السماوى دون الآراء والأهواء الباطلة .. وذكر عدم إنزال الحجة مع
استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، أى: لاحجة حتى ينزلها، فهو على
حد قوله فى وصف مفازة :
لا تفزع الأرنب أهوالها
ولا ترى الضب بها ينجحر
إذ المراد : لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا(١).
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم
حتى لا يتجاسروا عليهم.
ومن مظاهر الرعب التى ألقاها الله - تعالى - فى قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على
(١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٨٨

٢٩٣
سورة آل عمران
المسلمين فى غزوة أحد. كان فى قدرتهم أن يوغلوا فى مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم
عن ذلك.
ولقد حاولوا وهم فى طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل
قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم: ((يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال
القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان)).
قال الفخر الرازى ما ملخصه قوله ﴿سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب﴾ اختلفوا فى أن
هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام فى جميع الأوقات ؟
قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت فى
هذه الواقعة .
ثم القائلون بهذا القول ذكروا فى كيفية إلقاء الرعب فى قلوب المشركين فى هذا اليوم
وجهين :
الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب فى قلوبهم، فتركوهم
وفروا منهم من غير سبب ..
والثانى: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا فى بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئًا قتلنا
الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على
ذلك ألقى الله الرعب فى قلوبهم.
والقول الثانى : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام، كأنه قيل : إنه وإن وقعت .
لكم هذه الواقعة فى يوم أحد، إلا أن الله - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك فى قلوب
الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان.
وقد فعل الله ذلك حتى صاردين الإِسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله .
﴿* ((نصرت بالرعب مسيرة شهر))(١).
. ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال: ﴿ومأواهم النار وبئس
مثوى الظالمين﴾ .
والمأوى : اسم مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذى يرجع إليه الشخص ويعود إليه.
والمثوی : اسم مکان - أيضا - یقال : ثوی بالمکان وفیه یثوی ثواء وثويا وأثوی به، أی
أطال الإِقامة والنزول فيه .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٣٢.

٢٩٤
المجلد الثانى
والمعنى: أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله - تعالى - الرعب والفزع فى قلوبهم حتى
لا يتجاسروا على المؤمنين، هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة، فالمكان الذى يأوون إليه ويستقرون
فيه هو النار، لا مأوى لهم غيرها، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم.
وقد أظهر - سبحانه - الاسم فى موضع الإِضمار فلم يقل : وبئس النار مثواهم، بل قال :
﴿وبئس مثوى الظالمين): للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب
ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية
المهينة، ((وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون)).
وفى جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان
الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذى يأوى إليه الإِنسان.
وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودى فى الخارج، لأن الإِنسان يأوى إلى
المکان ثم یثوی فیه.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج
الوخيمة التى تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة
أعدائهم فى الدنيا والآخرة.
ثم ذكر الله - تعالى - المؤمنين بما حدث لهم فى غزوة أحد، وكيف أنهم انتصروا على
أعدائهم فى أول المعركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم
ومعصيتهم لرسولهم ◌َل ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا
وحكى أقوال ضعاف الإِيمان ورد عليها بما يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل
ذلك فيقول :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَزَعْتُمْ فِ اُلْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَدَكُمْ
مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم
مَن يُرِيدُ اُلْآَخِرَةُ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

٢٩٥
سورة آل عمران
* إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ
١٥٢
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَىكُمْ فَأَتَبَكُمْ
غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَافَاتَكُمْ
(١٥٣
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً
مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْأَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيِّرَ
اٌلْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ
قُلْ إِنَّاُلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ
يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّاقُتِلْنَا هَذْهُنَّا قُل لَّوَّكُمْ
فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ
وَلِيَبْتَلِى اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ
﴿ إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥٠
يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا
كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا لَهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ (٢٥)
قال القرطبى : قال محمد بن كعب القرظى: لما رجع رسول اللّه وَلقر إلى المدينة بعد أحد،
وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من اين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله -
تعالى - ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ الآية.
وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء
.

٢٩٦
المجلد الثانى
للمسلمين، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضًا مراكزهم طلبا للغنيمة فكان
ذلك سبب الهزيمة.
وقد روى البخارى عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول
الله وَلّل أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: ((لا تبرحوا من مكانكم. إن
رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا)).
قال : فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل - أى يسرعن الفرار - يرفعن عن
سوقهن، قد بدت خلا خلهن. فجعلوا يقولون - أى الرماة - ((الغنيمة .. الغنيمة)) فقال لهم
أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول الله وَلاغير ألا تبرحوا أما كنكم؟ فأبوا
- وانطلقوا لجمع الغنائم - فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون
رجلا))(١).
وصدق الوعد معناه: تحقيقه والوفاء به، الصدق: مطابقة الخبر للواقع. والمراد بهذا
الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر فى مثل قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا إن
تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾(٢).
وفى مثل قوله - تعالى - ﴿ستلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به
سلطانًا﴾(٣).
وفى مثل قول الرسول # للرماة قبل أن تبدأ المعركة ((لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين
ما ثبتم مکانکم)».
ومعنى « تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال : حسه حسا إذا
قتله. وحقيقته: أصاب حاسته بآفة فأبطلها، يقال : كبده وفأده أى: أصاب كبده وفؤاده.
ومنه جراد محسوس، وهو الذى قتله البرد أو مسته النار فأهلكته.
والمعنى : ولقد حقق الله - تعالى - لكم - أيها المؤمنون - ما وعدكم به من النصر على
أعدائكم إذ أيدكم فى أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا
بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم فى أول المعركة.
و ((صدق)) يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول: صدقت زيدًا فى
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٢٣ - بتصرف يسير.
(٢) سورة محمد الآية ٧
(٣) سورة آل عمران الآية ١٥١.

٢٩٧
سورة آل عمران
الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين، والثانى
قوله ﴿وعده﴾.
وقوله ﴿إِذ تحسونهم﴾ معمول لصدقكم أى صدقكم فى هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله
((بإذنه)) متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل ((تحسونهم)) أى تقتلونهم مأذونا لكم فى ذلك.
فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة
أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة .. ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من
هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتهم فى
الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾.
والفشل : بمعنى الجبن والضعف، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع : التخاصم
والتحالف.
والمعنى : ولقد صدقكم الله وعده فى النصر - أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعداءكم
بإيمان صادق، وإخلاص لله - تعالى - حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم
وتنازعتم فيما بينكم (أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى فى أماكننا التى حددها الرسول (وَلَه لنا)؟
ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفًا أمر الرسول وَله من بعد ما أراكم الله فى أول المعركة من
نصر مؤزر تحبونه وترجونه، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق.
حتى إذا فعلتم ذلك منع الله - تعالى - عنكم نصره ، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم
أنفسكم وما جمعتموه من غنائم.
وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين فى أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم
وعصيانهم أمر رسولهم ◌َ له وصدق الله إذ يقول: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
.
خاصة﴾(١)
ولقد رتب الله - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين فى غزوة أحد ترتيبًا دقيقًا، يتفق مع
ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى العجز النفسى عن الثبات
والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه
ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم
وقائدهم ێ .
(١) سورة الأنفال الآية ٢٥

٢٩٨
المجلد الثانى
قال الجمل ما ملخصه: وقوله ﴿حتى إذا فشلتم﴾ فى حتى هذه قولان :
أحدهما : أنها حرف جر بمعنى إلى وفى متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه.
أحدها : أنها متعلقة بقوله: ﴿تحسونهم﴾ أى تقتلونهم إلى هذا الوقت.
والثانى: أنها متعلقة ((بصدقكم)) أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. والثالث: أنها
متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره : ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم.
والقول الثانى: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية و﴿إذا﴾ على بابها من كونها
شرطية، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع الله عنكم نصره))(١).
وقال الفخر الرازى: فإن قيل ما الفائدة فى قوله ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾؟
فالجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى -
(( أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لاجرم سلبهم
الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم . وقوله ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد
الآخرة﴾ تفصيل للتنازع الذى كان بين الرماة، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا فى
هذه الغزوة (٢).
أى: منكم-أيها المسلمون- من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه
المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله و #. ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب
مطامعه، وأطاع أمر رسوله بَّه لتم لكم النصر، ولأنتكم الدنيا بغنائمها وهى صاغرة.
ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم وَي وثبتوا إلى
جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين
رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.
قال ابن جرير: قال ابن عباس : لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة : أدركوا الناس
لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبى وَله
فنزلت : ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾.
وقال ابن مسعود: ماعلمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله و لقد كان يريد الدنيا وعرضها
حتى كان يوم أحد))(٣).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٢٤.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٣٧
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١٣٠.

٢٩٩
سورة آل عمران
وقوله ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ عطف على جواب ((إذا ((المقدر، وما بينهما اعتراض بين
المعطوف والمعطوف عليه.
والتقدير : منع الله نصره عنكم بسبب فشلکم وتنازعکم ومعصیتکم لنبیکم ثم ردکم عنهم
دون أن تنالوا ما تبتغون ﴿ليبتليكم﴾ أى ليعاملكم الله - تعالى - معاملة من يمتحن غيره،
ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره.
وجاء العطف بثم فى قوله ﴿ثم صرفكم﴾ للإشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذى
خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التى انتهوا إليها وهى العودة
مقهورین.
وكان التعبير بكلمة (صرفكم﴾ دون كلمة ((هزمتم)) لأن ما حدث فى أحد لم يكن هزيمة
وإن لم يكن نصرًا. لأن الهزيمة تقتضى أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم
وما حدث فى أحد لم يكن كذلك، وإنما كان زيادة فى عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى
من المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم وير وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها
بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإِيمان الصادق فكان من الله - تعالى - التأديب لهم .. وفى هذا
التعبير ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ تسلية لهم عما أصابهم، وتخفيف لمصابهم فكأنه - سبحانه - يقول
لهم : إن ما حدث فى أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التى من أجلها خرجتم لحكم من
أهمها : تمييز الخبيث من الطيب، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب
المناسب حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم وَ﴾.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال -
تعالى - ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾.
أى: ولقد عفا - سبحانه - عما صدر منكم تفضلا منه وكرما، والله تعالى هو صاحب
الفضل المطلق الدائم على المؤمنين.
ولقد أكد - سبحانه - هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضى، ليفتح أمامهم طريق
الأمل، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإِيمان العميق، حتى لا ييأسوا من رحمة الله.
والتذييل بقوله ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ مؤكد لمضمون ما قبله.
قال الآلوسي: ((إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، بطريق التفضل لا الوجوب
أى: شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو فى جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضًا
رحمة))(١).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٩٠.

٣٠٠
المجلد الثانى
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله - تعالى - قد حقق وعده معهم فى
أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض
المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التى كانوا يتمنونها
ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب
الفضل الدائم على المؤمنين.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم
أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم، فقال -تعالى- ﴿إذ
تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم﴾.
وقوله : ﴿تصعدون﴾ من الإصعاد وهو الذهاب فى صعيد الأرض والإِبعاد فيه.
يقال : أصعد فى الأرض إذا أبعد فى الذهاب وأمعن فيه، فهو الصعد.
قال القرطبى : الإِصعاد: السير فى مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب.
والصعود: الارتفاع على الجبال والدرج.
وقوله ﴿إِذ تصعدون﴾ متعلق بقوله ﴿صرفكم﴾ أو بقوله ﴿ليبتليكم﴾ أو بمحذوف تقديره
اذکروا .
أى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة فى بطن الوادى بعد أن
اختلت صفوفكم - واضطرب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت أحدكم
إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم # ﴿يدعوكم فى أخراكم﴾ أى يناديكم فى
أخراكم أو فى جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال. جاء فلان فى آخر الناس وأخراهم إذا جاء
خلفهم، كما يقال: جاء فى أولهم وأولاهم.
والمراد أن الرسول ◌َ# كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى
معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه.
قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة،
وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل رسول الله و ◌َل # يدعو الناس :
((إِلىَّ عباد الله))! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبى وَّ ر إياهم فقال: ﴿إِذ
تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم﴾(١).
امسے
ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما اضطربت صفوفهم فى
(١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١٢٣