النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة آل عمران أى أطيعوا الله فى كل ما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول الذى أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون فى رحمة من الله، فهو القائل وقوله الحق ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾. وفى ذكر طاعة الرسول وَلغير مقترنة بطاعة الله - تعالى - تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة لله. فقد قال - تعالى - ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾(١). ثم أمرهم - سبحانه - بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرة الله ورضوانه فقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين). قال الألوسى : وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبى رباح : أن المسلمين قالوا : يا رسول الله. بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا، كانوا إذا أُذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة فى عتبة داره أجدع أنفك، إجدع أذنك، افعل كذا وكذا فسكت فنزلت هذه الآيات إلى قوله ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة) الآية فقال النبى وَلتر ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم))(٢). وقوله : ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشىء بدون تأخير أو تردد. والكلام على حذف مضاف: أى سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات. ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو، وهى قراءة أهل المدينة والشام. والباقون بالواو، وهى قراءة أهل مكة والعراق. فمن قرأ بالواو، جعل قوله - تعالى - ﴿وسارعوا﴾، معطوفا على قوله ﴿وأطيعوا﴾ أى: ٠ أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم. . ومن قرأ بغير واو جعل قوله ((سارعوا)) مستأنفا، إذ هو بمنزلة البيان أو بدل الاشتمال. و﴿من﴾ فى قوله ﴿من ربكم﴾ ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أى مغفرة كائنة من ربكم . . ولقد عظم - سبحانه - بذلك شأن هذه المغفرة التى ينبغى طلبها بإسراع ومبادرة، بأن جاء بها منكرة، وبأن وصفها بأنها كائنة منه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق بقدرته، ورباهم برعايته . ! %% (١) سورة النساء الآية ٨٠. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٥٦. ٢٦٢ المجلد الثانى ووصف - سبحانه - الجنة بأن عرضها السموات والأرض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التصريح بحرف التشبيه فى قوله - تعالى - ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾(١). قال الفخر الرازى ما ملخصه : وفى معنى أن عرض الجنة مثل عرض السموات والأرض وجوه منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا، بحيث تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله. ومنها أن المقصود المبالغة فى وصف السعة للجنة، وذلك لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله ﴿خالدين فيها مادامت السماوات والأرض﴾. فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هنا))(٢). وخص - سبحانه - العرض بالذكر، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها واتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها ((لأن العرض فى العادة أقل من الطول. وذلك كقوله - تعالى - فى صفة فرش الجنة ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ لأنه إذا كانت بطانة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين؟. قال القفال: ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة، ويقال هذه دعوى عريضة أى واسعة عظيمة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق، وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة)). قال ابن كثير: وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبى صل# يقول: ((إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبى وَلجر: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار)). وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبي -# - فقال: أرأيت قوله - تعالى -: ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾ فأين النار قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شىء فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله فقال: ((وكذلك النار تكون حيث شاء الله))(٣). وقوله - تعالى - ﴿أعدت للمتقين) أى هيئت للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى. (١) سورة الحديد الآية ٢١ .: (٢) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ٤. (٣) تفسير ابن کثیر جـ١ ص٤٠٤ ٢٦٣ سورة آل عمران ثم بين - سبحانه - صفات المتقين الذين يصلحون فى الأرض ولا يفسدون، والذين أعد لهم - سبحانه - جنته فقال - تعالى - ﴿الذين ينفقون فى السراء والضراء﴾ أى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فى جميع أحوالهم، فهم يبذلونها ابتغاء وجه ربهم فى حال يسرهم وفى حال عسرهم، وفى حال سرورهم وفى حال حزنهم، وفى حال صحتهم وفى حال مرضهم، لا يصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم فى وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك. وقوله ﴿الذين ينفقون﴾ فى محل جرصفة للمتقين. ويجوز أن يكون فى محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح. وقال ﴿ينفقون﴾ بالفعل المضارع، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم فى سبيل الله آنا بعد آن بدون انقطاع. وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء نفوسهم، وقوة إخلاصهم، فإن المال شقيق الروح، فإذا أنفقوه فى حالتى السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم. وقد مدح الله - تعالى - الذين ينفقون أموالهم فى سبيله فى عشرات الآيات من كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾(١) أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات هؤلاء المتقين فهما قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾. أى سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذى يوصلكم إلى جنة عظيمة أعدها الله -تعالى- لمن يبذلون أموالهم فى السراء والضراء، ولمن يمسكون غيظهم، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه، ولمن يغضون عمن أساء إليهم. فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه. يقال : كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه. ويقال: كظم البعير جرته، إذا ردها وكف عن الاجترار. وكظم القربة : إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها. وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل كظم الغيظ والعفو عن الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبى لي أنه قال: ((ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب)). وروى الإمام أحمد - بسنده - عن حارثة بن قدامة السعدى أنه سأل رسول الله وَ لقر فقال: (١) سورة البقرة الآية ٢٦١. ٢٦٤ المجلد الثانى يا رسول الله: قل لى قولا ينفعنى وأقلل على لعلى أعقله: فقال له: ((لا تغضب)) فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول: ((لا تغضب)). وعن أبى بن كعب أن رسول الله و لير قال: ((من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من حرمه، ويصل من قطعه))(١). وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عندما تكون الإِساءة متعلقة بذات الإِنسان، أما إذا كانت الإِساءة متعلقة بالدين بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففى هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات الله، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة. فلقد وصفت السيدة عائشة النبى و # بأنه كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء. وقوله ﴿والله يحب المحسنين) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. والإِحسان معناه الإتقان والإِجادة. وأل فى المحسنين إما للجنس أى والله - تعالى - يحب كل محسن فى قوله وعمله، ويكون هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم داخلين دخولا أوليا. وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى: والله - تعالى - يحب هؤلاء المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى كل حال من أحوالهم، ويكظمون غيظهم، ويعفون عمن ظلمهم . أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها - سبحانه - فى قوله : ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد فى السوء. والمراد بها الفعلة البالغة فى القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر. والمعنى : سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدها خالقكم -عز وجل- للمتقين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى السراء والضراء، ويكظمون غيظهم، ويعفون عن الناس، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة متناهية فى القبح، أو ظلموا أنفسهم، بارتكاب أى نوع من أنواع الذنوب ((ذكروا الله)) أى تذكروا حقه العظيم، وعذابه (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٠٥. ! ٢٦٥ سورة آل عمران الشديد، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة ((فاستغفروا لذنوبهم)) أى طلبوا منه - سبحانه - المغفرة لذنوبهم التى ارتكبوها، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا. وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ﴿والذين إذا فعلوا﴾ معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين، ويكون قوله - تعالى - ﴿والله يحب المحسنين) جملة معترضة بين الصفات المتعاطفة. قال الفخر الرازى: واعلم أن وجه النظم من وجهين : الأول: أنه - تعالى - لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان : أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم بالانفاق فى السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس. وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله - تعالى - ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ وبين - سبحانه - أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى فى كونها متقية .. والوجه الثانى: أنه فى الآية الأولى ندب إلى الإِحسان إلى الغير، وندب فى هذه الآية إلى الإِحسان إلى النفس، فإن المذنب إذا تاب كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه))(١). وقوله ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾ معطوف على قوله ﴿فعلوا فاحشة﴾ من باب عطف العام على الخاص، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيرًا. وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها، بمعنى أن كل معصية لا تخلو منهما فهى فاحشة وظلم للنفس، وعلى هذا تكون ((أو)» بمعنى الواو. ويكون المعنى : ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر الله عند ارتكابها فيعود إليه تائبًا منيبا يكون من المتقين. وفى التعبير بقوله: ﴿إذا فعلوا فاحشة أوظلموا أنفسهم ذكروا الله﴾ بصيغة الشرط الجواب، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط. أى أن الشخص الذى يدخل فى جملة المتقين هو الذى يعود إلى ربه تائبا فور وقوع المعصية، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حضره الموت. قال : إنى تبت الآن. وقوله: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ جملة معترضة بين قوله ﴿فاستغفروا﴾ وبين قوله ﴿ولم يصروا﴾ . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص٩. ٢٦٦ المجلد الثانى والاستفهام فى قوله: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ للإنكار والنفى. أى: لا أحد يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المذنبين، ويمسح خطايا المخطئين، إلا الله العلى الكبير ((الذى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويتوب الله على من تاب)) - كما جاء فى الحديث الشريف - ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه: فى هذه الجملة وصف لذاته - تعالى - بسعة الرحمة، وقرب المغفرة، وأن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه. وفيها تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة، وهذه جملة معترضة بين المعطوف، والمعطوف عليه))(١). وقوله ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ بيان لشروط الاستغفار المقبول عند الله -تعالى -. أى أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، سارعوا بالتوبة إلى الله -تعالى-، ولم يصروا على الفعل القبيح الذى فعلوه، وهم عالمون بقبحه، بل يندمون على ما فعلوا، ويستغفرون الله - تعالى - مما فعلوا، ويتوبون إليه توبة صادقة. وقوله ﴿ولم يصروا﴾ معطوف على قوله ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾. وقوله ﴿وهم يعلمون﴾ جملة حالية من فاعل ((يصروا)) أى ولم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه. ومفعول یعلمون محذوف للعلم به أی یعلمون سوء فعلهم، أو یعلمون أن الله یتوب علی من تاب، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين يداومون على فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين، وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة، وقلب سلیم، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متی أقلعوا عن ذنوبهم، وندموا على ما فعلوا، وعاهدوا الله على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا، وردوا المظالم إلى أهلها، فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم، ويحشرهم فى زمرة عباده المتقين. إنه - سبحانه- لا يغلق فى وجه عبده الضعيف المخطىء باب التوبة، ولا يلقيه حائرا منبوذا فى ظلام المتاهات، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير، وإنما يطمعه فى مغفرته -سبحانه- (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤١٦. ٢٦٧ سورة آل عمران ويرشده إلى أسبابها، ويغريه بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب. ولقد ساق - سبحانه - فى عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين فى توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما. ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا﴾(١). وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال: رسول الله وسلم: ((ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة))(٢). وقال القرطبى: وأخرج الشيخان عن رسول الله أنه قال: ((إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)). وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم)). ثم قال القرطبى: ((والذنوب التى يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وغير الكفر إما حق الله - تعالى - وإما حق لغيره؛ فحق الله - تعالى - يكفى فى التوبة منه الترك، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك فى بعضها قضاء كالصلاة والصوم. ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث فى الإِيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق الآدمیین فلابد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم یوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإِعسار فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات، وبدل من السيئات بالحسنات))(٣). ثم بين - سبحانه - عاقبة من هذه صفاتهم فقال: ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ . أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات السابقة من الإنفاق فى السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس .. إلخ ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم﴾ تستر ذنوبهم، وتمسح خطاياهم. (١) سورة الفرقان الآيات من ٦٧ - ٧١. (٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٠٧. (٣) تفسير القرطبى جـ٢ ص ٢٣١. ٠ ٢٦٨ المجلد الثانى وفى الإِشارة إليهم بأولئك الدالة على البعد، إشعار بعلو منزلتهم فى الفضل، وسمو مكانتهم عند الله - تعالى -. وقوله ﴿وجنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ معطوف على ﴿مغفرة﴾ أى لهم بجانب هذه المغفرة جنات تجرى من تحت أشجارها وثمرها الأنهار. وقوله ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة من الضمير المجرور فى ﴿جزاؤهم﴾ لأنه مفعول به فى المعنى، إذ هو بمعنى أولئك يجزيهم الله - تعالى - جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وعد أصحاب هذه الصفات بأمور ثلاثة : وعدهم بغفران ذنوبهم وهذا منتهى الآمانى والآمال. ووعدهم بإدخالهم فى جناته التى يتوفر لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ووعدهم بالخلود فى تلك الجنات حتى يتم لهم السرور والحبور. وقوله - تعالى - ﴿ونعم أجر العاملين﴾ تذييل قصد به مدح ما أعد لهم من جزاء، حتى يرغب فى تحصيله العقلاء. والمخصوص بالمدح محذوف أى ونعم أجر العاملين هذا الجزاء الذى وعدهم الله به مغفرة وجنات خالدين فيها. وبذلك نرى السورة الكريمة قبل أن تفصل الحديث عن غزوة أحد، قد ذكرت المؤمنين بطرف مما حدث من بعضهم فيها، وبالنتائج الطيبة التى حصلوا عليها من غزوة بدر، ثم أمرتهم بتقوى الله، وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضاه. ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك تتحدث عن غزوة أحد وعن آثارها فى نفوس المؤمنين، فبدأت بالإِشارة إلى سنن الله فى المكذبين بآياته؛ لتخفف عن المؤمنين مصابهم، ثم أمرتهم بالصبر والثبات ونهتهم عن الوهن والجزع لأنهم هم الأعلون. وإن تكن قد أصابتهم جراح فقد أصيب المشركون بأمثالها، ولله - تعالى - فيما حدث فى غزوة أحد حكم، منها : تمييز الخبيث من الطيب، وتمحيص القلوب واتخاذ الشهداء، ومحق الكافرين. : استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق تلك المعانى بأسلوبه الذى يبعث الأمل فى قلوب المؤمنين. ويرشدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم، ويخفف عنه آلامهم فيقول : ٢٦٩ سورة آل عمران قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ١٣٨٠ ؟ هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٧ وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُمْ مُؤْ مِنِينَ ) إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعٌ مِثْلُهُ. ١٣ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُالَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ ﴿ وَلَقَدْ كُنُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِن (١٤٣ قَبْلٍ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْنَنْظُرُونَ قال الفخر الرازى ما ملخصه: اعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية. وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: ﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾. وأصل الخلو فى اللغة : الانفراد. والمكان الخالى هو المنفرد عمن یسکن فيه. ویستعمل أيضا فى الزمان بمعنى المضى: لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية. والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه. والسن الصب للماء. والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب، فإنه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد))(١) . .. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٠. 1 ٢٧٠ المجلد الثانى والمراد بالسنن هنا: وقائع فى الأمم المكذبة، أجراها الله - تعالى - على حسب عادته، وهى الإِهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره. والمعنى : إنه قد مضت وتقررت من قبلكم - أيها المؤمنون - سنن ثابتة، ونظم محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب فى الدنيا وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه - سبحانه - من سنة فى النصر والهزيمة. وقد جرت سننه - سبحانه - فى خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المؤمنون - ﴿فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ . أى: فسيروا فى الأرض متأملين متبصرين، فسترون الحال السيئة التى انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم، وبقايا آثارهم. قالوا: وليس المراد بقوله ﴿فسيروا فى الأرض فانظروا﴾ الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير فى الأرض كان المقصود حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا: إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرًا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر: فانظروا بعدنا إلى الآثار(١) تلك آثارنا تدل علينا والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التى تدعو إلى العجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ فى قلوب المؤمنين؛ لأن هؤلاء المكذبين. مكن الله لهم فى الأرض، ومنحهم الكثير من نعمه. ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم. فهذه الآية وأشباهها من الآيات، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم. وإلى الاتعاظ بأيام الله، وبالتاريخ وما فيه من أحداث، وبالآثار التى تركها السابقون، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين. ثم قال - تعالى - ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين). والبيان: هو الدلالة التى تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة. والهدى: هو الإِرشاد إلى ما فيه خير الناس فى الحال والاستقبال. (١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ١٢. ٠٠ ٢٧١ سورة آل عمران والموعظة: هى الكلام الذى يفيد الزجر عما لا ينبغى من الأمور الدينية أو الدنيوية. قالوا : فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : أحدهما : الكلام الهادى إلى ما ينبغى فى الدين وهو الهدى. والثانى: الكلام الزاجر عما لا ينبغى فى الدين وهو الموعظة. فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام))(١). واسم الإشارة يعود إلى ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه، ومن وعد ووعيد، ومن حض على السير فى الأرض للاعتبار والاتعاظ. أى هذا الذى ذكرناه لكم من وعد ووعيد، ومن أوامر ونواه، ومن حض على الاعتبار بأحوال المکذبین، ﴿بیان للناس﴾ یکشف لهم الحقائق ویرفع عنهم الالتباس ﴿وهدی﴾ یہدیهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ﴿وموعظة﴾ أى تخويف نافع ﴿للمتقين) الذين يعتبرون بالمثلات، وينتفعون بالعظات. وقيل: إن اسم الإِشارة يعود إلى القرآن. أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب : قول من قال: قوله ﴿هذا﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله - عز وجل - المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته، والصبر على جهاد أعدائه، لأن قوله ﴿هذا﴾ إشارة إلى حاضر إما مرئى وإما مسموع وهو فى هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة، فمعنى الكلام: هذا الذى أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس))(٢). والمراد بالناس جميعهم، إذ أن ما ساقه الله - تعالى - من دلالات وهدايات وعظات هى للناس كافة، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون، لأنهم هم الذين أخلصوا قلوبهم الله، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه ... والكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب، والناس فى كل زمان ومكان لا ينقصهم - فى الغالب - العلم بالحق وبالباطل، وبالهدى والضلال .... وإنما الذى ينقصهم هو القلب السليم الذى يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه بإخلاص وإصرار، ولذا وجدنا القرآن فى هذه الآية - وفى عشرات (١) حاشية الجمل على الجلالين. (٢) تفسير ابن جرير جـ٤٢ ص ١٠١. ٢٧٢ المجلد الثانى الآيات غيرها - يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول : ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾. وبعد هذا البيان الحكيم، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين. ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول : ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾. وقوله ﴿تهنوا﴾ من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف. وأصله ضعف الذات كما فى قوله - تعالى - حكاية عن زكريا : ﴿قال رب إنى وهن العظم منى﴾ أى ضعف جسمی. وهو هنا مجاز عن خور العزيمة، وضعف الإِرادة، وانقلاب الرجاء يأسًا والشجاعة جبنا، واليقين شكا، ولذلك نهوا عنه. وقوله ﴿تحزنوا﴾ من الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه، أو عند نزول أمر يجعل النفس فى هم وقلق. والمقصود من النهى عن الوهن والحزن، النهى عن سببهما وعن الاسترسال فى الألم مما أصابهم فى غزوة أحد. والمعنى : لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - فى الهم والألم مما أصابكم فى يوم أحد، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند الله. وقوله ﴿وأنتم الأعلون﴾ جملة حالية من ضمير الجماعة فى ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم. أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم فى غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم فى غزوة أحد. وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون فى سبيل الطاغوت. وأنتم سيكون لكم النصر عليهم فى النهاية، لأن الله - تعالى - قد وعدكم بذلك فهو القائل: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾(١). وقوله ﴿إن كنتم مؤمنين) جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. أى: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم (١) سورة غافر الآية ٥١. ٢٧٣ سورة آل عمران فيه من أخطاء فإن الإِيمان يوجب قوة القلب، وصدق العزيمة، والصمود فى وجه الأعداء، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هى العليا. والتعليق بالشرط فى قوله ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ المراد منه التھییج لنفوسهم حتی یکون تمسكها بالإِيمان أشد وأقوى، إذ قد علم الله - تعالى - أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم فى أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا فى قتال أعدائكم، فإن سنة الله فى خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم. فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم، وبشارة بأن النصر فى النهاية سيكون حليفهم. ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال -تعالى - : ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ . فقال الفخر الرازى: واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى - ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون﴾ فبين - تعالى - أن الذين يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم فى جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك فى الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى (١). والمراد بالمس هنا: الإصابة بالجراح ونحوها. والقرح - بفتح القاف - الجرح الذى يصيب الإنسان، والقرح - بضم القاف - الألم الذى يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره. والمعنى : إن تكونوا - أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين فى غزوة أحد، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح فى غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم فى أحد، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم فى أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون. وقيل : إن المعنى إن تصبكم الجراح فى أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها فى هذه المعركة ذاتها . (١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ١٤. ٢٧٤ المجلد الثانى وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال : والمعنى : إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه ﴿ولا تهنوا فى ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون﴾ وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله فإن قلت: كيف قيل ((قرح مثله)) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت : بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله - تعالى - ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾(١). ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزو بدر وأحد، لأن الله -تعالى- قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم فى أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين فى غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، يؤيد هذا المعنى - كما سنبينه بعد قليل - . وجواب الشرط فى قوله ﴿إن يمسسكم قرح﴾ ... إلخ. محذوف. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك. وعبر عما أصاب المسلمين فى أحد بصيغة المضارع ﴿يمسسكم﴾ لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضى لبعده؛ لأن ما أصابهم كان فى غزوة بدر. وقوله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ بيان لسنة الله الجارية فى كونه، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم فى أحد. وقوله ﴿نداولها﴾ من المداولة، وهى نقل الشىء من واحد إلى آخر. يقال: هذا الشىء تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر .. والمعنى : لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح فى أحد على أيدى المشركين فهم قد أصيبوا منکم بمثل ذلك فى غزوة بدر، وإن أیام الدنیا هی دول بين الناس، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم، فمن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال العرب. الحرب سجال : والأيام دول فهى تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، كما قال الشاعر : (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤١. ٢٧٥ سورة آل عمران فلا الخير خير ولا الشر شر فلا وأبى الناس لا يعلمون ويوم نساء ويوم نسر فيوم علينا، ويوم لنا واسم الإشارة ﴿تلك﴾ مشاربه إلى ما بعده، كما فى الضمائر المبهمة التى يفسرها ما بعدها، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم. والمراد بالأيام : الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التى يتكون الواحد منها من مدة معينة . وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر، فقال: وقوله : ﴿وتلك الأيام﴾، تلك مبتدأ. والأيام صفته ﴿ونداولها﴾ خبره. ويجوز أن يكون ﴿تلك الأيام﴾ مبتدأ وخبرا، كما تقول: هى الأيام تبلی کل جدید. والمراد بالأيام : أوقات الظفر والغلبة. ونداولها : نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء))(١). وقد تكلم الإِمام الرازى عن الحكمة فى مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه : واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطرارى بأن الإِيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإِيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الإِسلام فيعظم ثوابه عند الله. والثانى : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى، فيكون تشديد المحنة عليه فى الدنيا أدبًا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله عليه)»(٢). ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين فى اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب. ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث فى غزوة أحد، (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤١٩. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٥. ٢٧٦ المجلد الثانى وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - ﴿وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ . أى فعلنا ما فعلنا فى أحد، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم، ليظهر .. أمركم - أيها المؤمنون -، وليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه. فمعنى علم الله هو تحقق ما قدره فى الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله - تعالى - واقعا حاضرا، وذلك لأن العلم الغيبى لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا فى الحس. قال صاحب الكشاف: وقوله ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعلل محذوفا والمعنى : وليتميز الثابتون على الإِيمان منكم من الذين على . حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإِيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. والثانى : أنه تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله. وإنما حذف للإِيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن الله فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه))(١). وقوله ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد. أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم فى التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو - سبحانه - يجب الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل. قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ أى يكرمكم بالشهادة، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد. وقيل: سمى شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل : سمى شهيدا، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى فضلها قوله - تعالى - ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ ... الآية. وفى الحديث الشريف أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا الشهيد؟ فقال : ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة))(٢). (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٢٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص٢١٨. ٢٧٧ سورة آل عمران وقوله - تعالى - ﴿والله لا يحب الظالمين) جملة معترضة لتقدير مضمون ما قبلها. أى: والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق، وإنما يجب المؤمنين الثابتين على الحق، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم فى سبيل إعلاء دين الله، ونصرة شريعته. ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين فى غزوة أحد فقال: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾. وقوله ﴿وليمحص﴾ من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال: محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث. أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار. وقوله ﴿ويمحق﴾ من المحق وهو محو الشىء والذهاب به، وأصله نقص الشىء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق، لآخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى. والمعنى: ولقد فعل - سبحانه - ما فعل فى غزوة أحد، لكى يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم، ولكى يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم. فأنت ترى أن الله - تعالی - قد ذکر أربع حکم لما حدث للمؤمنین فی غزوة أحد وهی : تحقق علم الله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا. ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الوصول إلى رضا الله - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم، وصبر طويل فقال - تعالى - : ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ و﴿أم﴾ هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة، بمعنى بل الانتقالية، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم فى غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول الله وسلم وفرارهم عنه فى ساعة الشدة. والهمزة المقدرة معها للإِنكار والاستبعاد. وقوله ﴿أم حسبتم﴾ معطوف على جملة ﴿ولا تهنوا) وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شىء من الضعف، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون، والأيام دول، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم، ثم بين لهم هنا : أن ٢٧٨ المجلد الثانى دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم فى سبيل الله، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا. والمعنى: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا فى سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه، إن كنتم تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإقلاع عنه. ويحتمل أن تكون ﴿أم﴾ هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة ((ويكون المعنى عليه : أعلمتم أن لله - تعالى - سننا فى النصر والهزيمة، وأن الأيام دول. وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟. وقوله ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ معناه: ولم تجاهدوا جهاد الصابرين فيعلم الله ذلك منكم. قال صاحب الكشاف : وقوله ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ بمعنى ولما تجاهدوا. لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقه، لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل : ما علم الله من فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى يعلمه، و((لما)) بمعنى والم﴾ إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفى الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول : وعدنى أن يفعل كذا ولما يفعل، تريد: وأنا أتوقع فعله))(١). وجملة ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ حالية من ضمير ﴿تدخلوا﴾ مؤكدة للإنكار، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة، ولذا قال بعضهم : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس وقال بعض الحكماء ((طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة)). وقوله ﴿ويعلم الصابرين﴾ أى ويتميز الصابرون فى جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين فى جهادهم، الثابتين فى البأساء والضراء · من غيرهم، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال. فالجهاد فى سبيل الله يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال: الشجاعة صبر ساعة. (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤٢٠. ٢٧٩ سورة آل عمران وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم. سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا ولقد كان عدم صبر الرماة فى غزوة أحد، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم، من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين فى تلك المعركة. والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله ( حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)). ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾. قال ابن جرير ما ملخصه: كان قوم من أصحاب النبى وَ لّ ممن لم يشهد بدرًا، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر، فيعطون الله من أنفسهم خيرا، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما کان یوم أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أوفی بما کان عاهد الله علیه قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم بقوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ ... الآية. وعن الحسن قال: بلغنى أن رجالا من أصحاب النبي ◌ّ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبى * المشركين لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك - فى أحد -، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله - تعالى - ﴿ولقد كنتم) .... الآية(١). والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة فى غزوة أحد، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام. والمراد بالموت هنا الشهادة فى سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان .ف الموت. والمعنى: ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - ﴿تتمنون الموت﴾، أى الحرب أو الشهادة فى سبيل الله ﴿من قبل أن تلقوه﴾ أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله ﴿فقد رأيتموه﴾ أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال ﴿وأنتم تنظرون﴾ أى رأيتموه معاینین مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا. وقوله ﴿من قبل أن تلقوه﴾ متعلق بقوله ﴿تمنون﴾ مبين لسبب إقدامهم على التمنى. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه. (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١٠٩. ٢٨٠ المجلد الثانى ففى الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته. والفاء فى قوله ﴿فقد رأيتموه﴾ للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام. والتقدير: إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتکم؟. وقوله ﴿وأنتم تنظرون﴾ جملة حالية من ضمير المخاطبین مؤكدة لمعنى رأيتموه. أی رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك : رأيته وليس فى عينى علة، أى رأيته رؤية حقيقية لا خفاء ولا التباس. والتعبير بالمضارع ﴿تنظرون﴾ يفيد التصوير. وإحضار الصورة الواقعة فى الماضى كأنها واقعة فى الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت فى الوجود. والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله ﴿وأنتم تنظرون﴾ يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر فى أول الأمر للمسلمين، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنیا. ثم کیف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وکیف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها . ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت فى معركة، وليس فى ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ولقد قال رسول الله وَ طير ((لوددت أنى أقتل فى سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل)). وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ((اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك)). ولكن الذى يكرهه الإِسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفى بما تمناه، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق فى سبيل الله. ولذا قال الألوسى: ((والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم))(١). فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا فى عواقبه، ويعدوا أنفسهم له، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه، ولقد رسم النبى وهي﴿ الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه (١) تفسير الآلوسى جـ٤ ص٧٢.