النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة آل عمران
وإنما كان عقد الجزية عهدا من الله لهم، لأنه - سبحانه - هو الذى شرعه، وما شرعه الله
فالوفاء به واجب.
وكان عهدا من المسلمين لهم، لأنهم أحد طرفيه، فهم الذين باشروه مع اليهود وبمقتضاه
يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم؛ ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وعلى
المسلمين حمايتهم، وصون أموالهم لقاء مقدار من المال يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزية.
وأما عهد الناس، فهو العهود التى يعيشون بمقتضاها فى أى أمة من أمم الأرض مسلمة
كانت هذه الأمة أو كافرة.
فإن كانت العهود صادرة من المسلمين، جاز أن يطلق عليها عهد الله - أيضًا - باعتبار أن
الله هو الذى شرعها.
وإن كانت من غير المسلمين فهى عهود من الناس سواء أوافقت شريعة الله تعالى - أم لا .
والمعنى الإِجمالى للآية: أن اليهود قد ضرب الله - تعالى - عليهم الذلة والمسكنة فى كل
زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم، وسلب عنهم السلطان والملك، فهم يعيشون فى بقاع
الأرض فى حماية غيرهم من الأمم الأخرى، بمقتضى عهود يعقدونها معهم وقد تكون هذه
العهود موافقة لشرع الله - تعالى - وقد لا تكون موافقة.
فإن قال قائل: إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان، بعد أن أنشأوا دولتهم بفلسطين !!
والجواب : أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى.
فهى التى تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة، فينطبق على هذه الحالة - أيضًا - أنها بحبل
من الناس. فاليهود لا سلطان لهم، ولا عزة تكمن فى نفوسهم، ولكنهم مأمورون مسخرون أن
يعيشوا فى تلك البقعة من الأرض لتكون مركزا لتلك الأمم التى تعهدت بحمايتهم ليقفزوا منها
إلى محاربة المسلمين، إذا أتيحت لهم فرصة.
ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم، وتمسكوا بشريعتهم، واجتمعت قلوبهم، وتوحدت
أهدافهم، وأحسنوا الشعور بالمسئولية نحو دينهم وأنفسهم وأوطانهم، وأعدوا ما استطاعوا من
قوة لقتال أعداء الله وأعدائهم ..
لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما ترى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق والأمل كبير فى أن
يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على دفعها ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم
. قوتهم وهيبتهم.
هذا، وقوله: ﴿أينما﴾ اسم شرط، وهو ظرف مكان و((ما)) مزيدة فيها للتأكيد.

٢٢٢
المجلد الثانى
وقوله ﴿ثقفوا﴾ فى محل جزم بها.
وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أى: أينما ثقفوا غلبوا أو ذلوا.
ويجوز أن يكون جواب الشرط قوله ﴿ضربت عليهم الذلة﴾ عند من يجوز تقديم جواب
الشرط على الشرط.
والاستثناء فى قوله ﴿إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ مفرغ من عموم الأحوال أى
ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال إلا فى حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس.
ثم ذكر -سبحانه- عقوبتين أخريين أنزلهما بهم جزاء كفرهم وتعديهم لحدوده فقال تعالى :
﴿وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة﴾.
قال ابن جرير: قوله - تعالى - ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ أى انصرفوا ورجعوا. ولا يقال
باؤوا، إلا موصولا إما بخير وإما بشر. يقال منه: باء فلان بذنبه يبوءبه بوأ وبواء. ومنه قوله
- تعالى - ﴿إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك) يعنى تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا
عليك دونى. فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من
الله غضب، ووجب عليهم منه سخط))(١).
والمسكنة : مفعلة من السكون، ومنها أخذ لفظ المسكين. لأن الهم قد أثقله فجعله قليل
الحركة والنهوض لما به من الفاقة والفقر.
والمراد بها فى الآية الكريمة الضعف النفسى، والفقر القلبى الذى يستولى على الشخص
فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة.
والفرق بينها وبين الذلة: أن الذلة تجىء أسبابها من الخارج. كأن يغلب المرء على أمره
نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو.
أما المسكنة فهى تنشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات
وحب الدنيا عليها.
والمعنى : أن هؤلاء اليهود يجانب ضرب الذلة عليهم حيثما حلوا، قد صاروا فى غضب من
الله، وأصبحوا أحقاء به، وضربت عليهم كذلك المسكنة التى تجعلهم يحسون بالصغار مهما
ملكوا من قوة ومال.
ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال - تعالى - : ﴿ذلك
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٥١.

٢٢٣
سورة آل عمران
بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.
قاسم الإشارة ذلك يعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب كفرهم
وفسقهم.
والآيات : تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله - تعالى - وربوبيته وتطلق ويراد
بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق
الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى -، وهى التى يسميها علماء
التوحيد بالمعجزات.
وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل
المضارع ﴿يكفرون﴾.
أى : ذلك الذى أصابهم من عقوبات رادعة، سببه أنهم كانوا يكفرون بآيات الله وأدلته
الدالة على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتلك هى جريمة بنى
إسرائيل الأولى.
أما جريمتهم الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ أى أنهم لم
يكتفوا بالكفر، بل امتدت أيديهم الأثيمة إلى دعاة الحق وهم أنبياء الله - تعالى - الذين
أرسلهم لهدايتهم فقتلوهم بدون أدنى شبهة تحمل على الإساءة إليهم فضلا عن قتلهم.
وقال - سبحانه - ﴿بغير حق﴾ مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا. لإفادة أن قتلهم لهم
كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه.
قال - تعالى - ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى
الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾(١).
فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم، وتخليد مذمتهم، وتقبيح إجرامهم
حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ فى الفهم، أو تأول فى الحكم أو شبهة فى الأمر، وإنما فعلوا
ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، ومخالفون لشرع الله عن تعمد وإصرار.
ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق، فما فائدة
ذكره؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض
فيقتلوا، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم.
فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم(٢)
(١) سورة المائدة الآية ٢٢.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ٢١٧

٢٢٤
المجلد الثانى
وقال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن: قيل : قال هنا : ﴿يقتلون الأنبياء بغير حق﴾ وقال فى
سورة البقرة ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ فما الفرق؟ قلت: إن الحق المعلوم بين المسلمين
الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث: ((لا يحل دم أمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد
إيمان، وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق)). فالحق المذكور فى سورة البقرة إشارة إلى هذا.
وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه، لا هذا
الذى يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة(١).
ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعهد النبوى مع أن القتل قد صدر
عن أسلافهم، لأن أولئك المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم، فصحت نسبة
القتل إليهم، ولأن بعض أولئك المعاصرين قد هَمَّ بقتل النبى ◌َّ فكف الله - تعالى - أيديهم
الأثيمة عنه.
ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾
العصيان: الخروج عن طاعة الله، والاعتداء: تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده
إلى غيره وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه.
وللمفسرين فى مرجع اسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ فى قوله ﴿ذلك بما عصوا﴾ رأيان:
أولهما: أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم لأنبيائه، وعليه يكون المعنى :
إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم والتعدى لحدوده بجرأة وعدم مبالاة، فنشأ عن
هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة
أو أشد قسوة.
والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى، وارتكاب ما نهى الله عنه،
وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها ومن حقيرها إلى
عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرأوا المعاصى، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت
أمام شهواتهم كل المثل العليا فكذبوا بآيات الله تكذيبا، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق.
وثانيهما : أن اسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ فى قوله ﴿ذلك بما عصوا﴾ يعود إلى نفس المشار إليه
: باسم الإِشارة الأول وهو قوله ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون﴾.
وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه، حرصًا على معرفته، ويكون العصيان
1
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٣٩٠
١

٢٢٥ ٠
سورة آل عمران
والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم واستحقاقهم لغضب الله كما أشرنا من
قبل .
والإِشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله - تعالى - ﴿أولئك كالأنعام
بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾.
والمعنى : أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب
كفرهم بآياتنا وقتلهم أنبياءنا وخروجهم عن طاعتنا، وتعديهم حدودنا.
وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة العليا من حسن
الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم بآياته. ثم ثنى بما يتلوه فى العظم
وهو قتلهم لأنبيائه، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته، ثم ختم أسباب
العقوبة بدمغهم بالاعتداء وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود.
وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم فى سوق الأحكام مشفوعة بعللها
وأسبابها.
, وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الإسلامية بأنها خير أمة
أخرجت للناس، ثم ثنت بدعوة أهل الكتاب إلى الإِسلام وبإخبار المؤمنين بأن أعداءهم لن
يضروهم ضررا يؤثر فى كيانهم ماداموا معتصمين بتعاليم دينهم، ثم ختمت حديثها ببيان
العقوبات التى حلت باليهود بسبب كفرهم وبغيهم.
وبعد هذا الحديث الحكيم عن أهل الكتاب، وعن العقوبات التى أنزلها - سبحانه - باليهود
بسبب فسقهم وظلمهم، بعد كل ذلك ساق - سبحانه - آيات كريمة تمدح من يستحق المدح
من أهل الكتاب إنصافا لهم وتكريما لذواتهم فقال - تعالى :
ے
لَيْسُواْ سَوَاءٌ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِءَانَآءَ الَّيْلِ
٠/٠٠٠ رء
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
(١١٣)
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِ عُونَ
فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَِّحِينَ (®، وَمَا يَفْعَلُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَكَنْ يُكْفَرُوهُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
١١٥

٢٢٦
المجلد الثانى
فالضمير فى قوله - تعالى - ﴿ليسوا سواء﴾ يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم
وهو اسم ليس، وخبرها قوله ﴿سواء﴾ والجملة مستأنفه للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد
أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم.
1.
قال ابن كثير: والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار
أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم. أى لا يستوى من
تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال - تعالى - ﴿ليسوا
سواء﴾ أى ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم(١).
وقوله - تعالى - ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة﴾ استئناف مبين لكيفية عدم التساوى ومزيل
لما فيه من إيهام
أى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر وسوء الأخلاق، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله
مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له، لم تتركه كما تركه الأكثرون من
أهل الكتاب وضيعوه.
فمعنى قائمة. مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام.
أو معناها : ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له غير مضطربة فى التمسك به، كما فى
قوله - تعالى - ﴿إلا مادمت عليه قائما﴾ أى ملازما لمطالبته يحقك. ومنه قوله - تعالى - ﴿شهد
الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ أى ملازما له.
والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها الله - تعالى - بأنها ﴿أمة﴾ قائمة أولئك
الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن، كعبد الله بن سلام،
وأصحابه، والنجاشى ومن آمن معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإِيمان به، ولم
يفرقوا بين أنبياء الله ورسله، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم.
ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال ﴿يتلون آيات الله آناء الليل وهم
يسجدون﴾ .
وقوله ﴿يتلون﴾ من التلاوة وهى القراءة، وأصل الكلمة من الإتباع، فكأن التلاوة هى
اتباع اللفظ اللفظ.
والمراد بآيات الله هنا: ماأنزله على رسوله محمد صل﴿ من قرآن.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩٧.

٢٢٢٧
سورة آل عمران
وقوله: ﴿آناء الليل﴾ أى أوقاته وساعاته. والآناء جمع إنىّ - كمعًا وأمعاء - أو جمع أنىَ
- كعصًا-، أو جمع أنى وإنى وإنو. فالهمزة فى آناء منقلبة عن ياء كرداء: أو عن واو ككساء.
والمراد بالسجود فى قوله: ﴿وهم يسجدون﴾ الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه
التسبيح، فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وسلم: ((ألا إنى
نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فى
الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)).
والمعنى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الاتصاف بما ذكر من القبائح، بل منهم قوم سلموا
منها، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه، وأكثروا من تلاوة آيات الله فى صلاتهم التى
يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل وأطراف النهار.
قال الألوسى ما ملخصه. والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ما ذهب إليه البعض -.
وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإِمام.
والذى عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإِمام أحمد والنسائى
وابن جرير والطبرانى عن ابن مسعود قال أخر رسول الله و ﴿ ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى
المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: ((أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل:
الكتاب)). وعبر عن الصلاة بالسجود، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا
وسجدة، وركوعا وركعة (١).
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال: ﴿يؤمنون بالله﴾ والمراد بهذا الإِيمان
بجميع ما يجب الإِيمان به على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع، وجاء به محمد زهر .
﴿واليوم الآخر﴾ أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله:
﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى
من أشرفها الإِيمان بالله واليوم الآخر، والإِكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن، بل أضافوا
إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله به، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله، وتستنكره
العقول السليمة .
وقوله - تعالى - ﴿ويسارعون فى الخيرات﴾ أى يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التى
ترفع درجاتهم عند الله - تعالى - بدون تردد أو تقصير
وقال - سبحانه -: ﴿ويسارعون في الخيرات) ولم يقل إلى الخيرات للإِشعار بأنهم
(١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٣٤.

٢٢٨
المجلد الثانى
مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير، فهم ينتقلون من خير إلى خير فى دائرة واحدة هى
دائرة الخير، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر
إلى خير. وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفى المفيدة للظرفية.
والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه، لأن من رغب فى الأمر يسارع فى توليه وفى القيام
به، واختيار صيغة المفاعلة ((يسارعون)) للمبالغة فى سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون
الخير، وألوان البر.
قال صاحب الكشاف. وقوله: ﴿يتلون﴾ و﴿يؤمنون) فى محل الرفع صفتان لأمة. أى:
قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات الله بالليل
ساجدين، ومن الإِيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان، لاشراكهم به عزیرا، وكفرهم ببعض
الكتب والرسل دون بعض : ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة فى الخيرات، لأنهم كانوا
متباطئين عنها غير راغبين فيها))(١).
واسم الإشارة فى قوله: ﴿وأولئك من الصالحين﴾ يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات
السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم الآخر ..
أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت
أحوالهم عند الله ورضيهم، واستحقوا ثناءه عليهم.
وفى التعبير بقوله: ﴿من الصالحين) إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات، قد
انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من
الفاسقين.
فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف
الممدوحین.
قال الفخر الرازى: وأعلم أن وصفهم بالصلاح فى غاية المدح، ويدل عليه القرآن
والمعقول. أما القرآن، فهو أن الله - تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر
إدريس وإسماعيل وذى الكفل وغيرهم ﴿وأدخلناهم فى رحمتنا إنهم من الصالحين﴾.
وذكر حكاية عن سليمان أنه قال: ((وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين)). وأما المعقول،
فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغى أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك فى العقائد
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٠٣.

٢٢٩
سورة آل عمران
أو فى الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح، فكان
الصلاح دالا على أكمل الدرجات(١).
ثم بين - سبحانه- أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة، بل سيكافئهم على ذلك
بما هو أفضل وأبقى فقال: ﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾ أى أن هؤلاء الذين وصفهم
بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح، وإنما سيجازيهم بما هم
أهله من ثواب جزيل، وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان.
و﴿ما﴾ فى قوله: ﴿وما يفعلوا من خير﴾ شرطية. وفعل الشرط قوله: ﴿يفعلوا﴾ وجوابه
قوله: ﴿فلن يكفروه﴾.
و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من خير﴾ لتأكيد العموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم
کثیرا فلن يحرموا ثوابه.
وأصل الكفر: الستر والتغطية. وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى
حرم.
ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم عدى إلى مفعولين، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى
واحد تقول: شكر النعمة وكفرها؟ قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل: فلن يحرموه
بمعنى: فلن يحرموا جزاءه))(٢).
وقوله: ﴿والله أعلم بالمتقين) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى هو - سبحانه - عليم
بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من
عقاب .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب،
ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة.
وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق. وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار، وأنهم
مكثرون من التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم، وأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وأنهم
يأمرون بالمعروف، وأنهم ينهون عن المنكر. وأنهم يسارعون فى الخيرات، وأنهم من الصالحين.
ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن
يحرموا ثوابه، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٢٠٣.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٠٣.

:٠
٢٣٠
المجلد الثانى
وبعد هذا الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من
ثواب جزيل، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى
جحودهم وفسوقهم فقال - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْ لَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
١١٦
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِرِيحِ فِهَا
صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَ اْأَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا
١١٧
ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
والمراد بالذين كفروا فى قوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ جميع الكفار، لأن اللفظ عام، ولا دليل
يقتضى تخصيصه بفريق من الكافرين دون فريق. والمراد من الإِغناء فى قوله: ﴿لن تغنى عنهم
أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا﴾ الدفع وسد الحاجة يقال: أغنى فلان فلانا عن هذا الأمر،
إذا كفاه مؤنته، ورفع عنه ما أثقله منه.
أى: إن الذين كفروا بما يجب الإِيمان به، واغتروا بأموالهم وأولادهم فى الدنيا، لن تدفع
عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا - ولو يسيرا - من عذاب الله الذى سيحيق بهم يوم القيامة
بسبب كفرهم وجحودهم.
وقد أكد - سبحانه - عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئًا - فى وقت هم فى أشد
الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم - بحرف ((لن)) المفيد لتأكيد النفى وخص الأموال والأولاد
بالذكر، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغترارًا بالأموال والأولاد، وقد حكى القرآن غرورهم
هذا بأموالهم وأولادهم فى كثير من الآيات، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وقالوا نحن أکثر
أموالا وأولادًا وما نحن بمعذبين﴾(١).
(١) سورة سبأ الآية ٣٥.

٢٣١
سورة آل عمران
ولأن من المتعارف عليه بين الناس أن الإِنسان يلجأ إلى ماله وولده عند الشدائد، إذ المال
يدفع به الإِنسان عن نفسه فى الفداء وما يشبهه من المغارم، والأولاد يدافعون عن أبيهم لنصرته
ممن يعتدى عليه.
وكرر حرف النفى مع المعطوف فى قوله: ﴿ولا أولادهم﴾، لتأكيد عدم غناء أولادهم
عنهم، ولدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب عن آبائهم.
فالمقصود من الجملة الكريمة نفى الانتفاع بالأموال والأولاد فى حالة اجتماعهما، وفى حالة
انفراد أحدهما عن الآخر، لأن المال قد يكون أكثر نفعا فى مواضع خاصة، والأولاد قد يكونون
أكثر نفعا من المال فى مواطن أخرى، فبتكرار النفى تأكد عدم انتفاع الكفار بهذين النوعين فى
أية حال من الأحوال.
فإن قيل: لقد نص القرآن على أن الكفار لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة،
مع أن المؤمنين كذلك لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم فلماذا خص الكافرين بالذكر؟.
فالجواب أن الكافرين هم الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم، وهم الذين اعتقدوا أنهم
سينجون من العقاب بسبب ذلك، أما المؤمنون فإنهم لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم يغتروا بما
منحهم الله من نعم، وإنما اعتقدوا أن الأموال والأولاد فتنة، ولم يعتمدوا فى نجاتهم من عقاب
الله يوم القيامة إلا على فضله ورحمته، وعلى إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح.
و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من الله﴾ ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بتغنى.
وقوله: ﴿شيئًا﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق أى: لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم
شيئا من الاغناء والدفع. وتنكير ﴿شيئًا﴾ للتقليل.
وقوله : ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ تذییل قصد به بیان سوء عاقبتهم،
وما أعد لهم من عذاب شدید.
أى وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم، هم أصحاب النار الذين سيلازمونها
ويصلون سعيرها، ولن يصرفهم من عذاب الله أى ناصر من أموال أو أولاد أو غيرهما.
وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم العادل بعدة مؤكدات منها : التعبير باسم الإِشارة المتضمن
السلب من كل قوة كانوا يعتزون بها، ومنها : ذكر مصاحبتهم للنار وخلودهم فيها أى ملازمتهم
١
لها ملازمة أبدية، ومنها : ما اشتملت عليه الجملة الكريمة من معنى القصر أى أولئك أصحاب
النار الذين يلازمونها ولا يخرجون منها إلى غيرها بل هم خالدون فيها.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من أموال فى الدنيا فقال :

٢٣٢
المجلد الثانى
﴿مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا﴾ أى من أموال فى وجوه الخير المختلفة، كمواساة
البائسين، ودفع حاجة المحتاجين.
و﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف، والتقدير، مثل ما ينفقونه.
﴿كمثل ريح فيها صر﴾ أى كمثل ريح فيها برد شديد قاتل للنبات. وقيل: الصر. الحر
الشديد، وقيل الصر: صوت لهيب النار التى تحرق الثمار.
وذكر - سبحانه - الصر على أنه فى الريح، وأنها مشتملة عليه، وهى له ظرف وهو
مظروف، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع، وإنما هى تحمل معها ما يهلكه.
وقوله: ﴿أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾ أى أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم
بالكفر وارتكاب المعاصى فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع
وتلك الثمار.
والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث، وأصل كلمة حرث: فلح الأرض وإلقاء البذر فيها،
ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع.
وفى التعبير بقوله: ﴿ظلموا أنفسهم﴾ تذكير للسامعين، وبعث لهم على ترك الظلم، حتى
لا يصابوا بمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة، وأضرار فادحة.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون﴾ أى أن الله
-تعالى- ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على
الإِيمان، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه شيئًا؛ لأن الله تعالى، إنما يتقبل من المتقين.
والضمائر فى هذه الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون أموالهم مقرونة
بالوجوه المانعة من قبولها.
وفى هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ، فقد شبه - سبحانه - حال ما ينفقه الكفار فى الدنيا
- على سبيل القربة أو المفاخرة- شبه ذلك فى ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه فى الآخرة من غير
أن يعود عليهم بفائدة، بحال زرع لقوم ظالمين، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته، ولم ينتفع
أصحابه منه بشىء، وهم أحوج ما يكونون إليه.
قال صاحب الانتصاف : أصل الكلام - والله أعلم - مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا،
كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته.
١ ولكن خولف هذا النظم فى المثل المذكور لفائدة جليلة. وهى تقديم ما هو أهم لأن الربح
التى هى مثل العذاب، ذكرها فى سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث.

٢٣٣
سورة آل عمران
فقدمت عناية بذكرها، واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة برد الكلام إلى
أصله على أيسر وجه ومثل هذا فى تحويل النظم لمثل هذه الفائدة قوله - تعالى -: ﴿فرجل
وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما﴾ ومثله - أيضا -. اعددت هذه الخشبة
أن يميل الحائط فأدعمه. والأصل أن تذكر إحداهما الأخرى وإن ضلت. وأن أدعم بها الحائط
إذا مال، وأمثال ذلك كثيرة))(١).
وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين أكمل بيان وأحكمه، حذر المؤمنين من أهل
الكتاب ومن على شاكلتهم ممن لا يريدون للإِسلام إلا الشرور والمضار فقال - تعالى - :
يََّيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْلَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَاتُخْفِى
صُدُ ورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْبَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِنْ كُمْتَعْقِلُونَ
(١١٨
هَأَنْتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِهِ،
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَأْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ
مِنَ الْغَيَظْ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(١)
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ
بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا
(١٢٠
إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
قال الفخر الرازى ما ملخصه : اختلفوا فى الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟
فقيل هم اليهود، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم فى أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من
(١) الانتصاف على الكشاف للشيخ أحمد بن المنير جـ١ ص ٤٠٥.

٢٣٤
المجلد الثانى
الرضاع والحلف. وقيل هم المنافقون، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون يظاهر أقوالهم
فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى :
﴿بطانة من دونكم) فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين، فيكون ذلك نهيا عن جميع
الكفار))(١).
والبطانة فى الأصل: داخل الثوب، وجمعها بطائن. قال - تعالى - : ﴿متكئين على فرش
بطائنها من إستبرق﴾(٢). وظاهر الثوب يسمى الظهارة، والبطانة - أيضًا - الثوب الذى يجعل
تحت ثوب آخر ويسمى الشعار، وما فوقه الدثار وفى الحديث ((الأنصار شعار والناس دثار)).
ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة
الثياب فى شدة القرب من صاحبها. قال الشاعر:
أولئك خلصائى نعم وبطانتی وهم عيبتى من دون كل قريب
وقوله: ﴿من دونكم﴾ أى من غير أهل ملتكم.
والمعنى : لا يجوز لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون
إليهم بأسراركم التى لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر
فی دینکم ودنیاکم.
قال القرطبى: ((نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء
دخلاء وولجاء، يفاوضونهم فى الآراء ويسندون إليهم أمورهم. وفى سنن أبى داود عن
أبى هريرة عن النبى و لو قال: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)). وقيل لعمر بن
الخطاب - رضى الله عنه - إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط
بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين)).
ثم قال القرطبى - رحمه الله - : قلت وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان باتخاذ أهل
الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخارى عن
- أبى سعيد الخدرى عن النبى ◌َفي قال: ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت
.. له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من
عصمه الله))(٣).
وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإِيمان، للإشعار بأن مقتضى الإِيمان يوجب عليهم ألا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٢١٠.
(٢) سورة الرحمن الآية ٥٤.
(٣) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٧٨ بتلخيص.

٢٣٥
سورة آل عمران
يأمنوا من يخالفهم فى عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون
إليهم بالمودة، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله: ﴿من
دونكم﴾ يجوز أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقًا بمحذوف، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من
غيركم. ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: ﴿لا تتخذوا﴾ أى لا تتخذوا من غير أهل ملتكم بطانة
تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم.
ثم ذكر - سبحانه - جملة من الأسباب التى تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين
يخالفونهم فى عقيدتهم فقال فى بيان أول هذه الأسباب: ﴿لا يألونكم خبالا﴾ وأصل ((الألو)):
التقصير. يقال : ألا فى الأمر - كغزا - يألو ألوًّا وألوا، إذا قصر فيه، ومنه قول امرىء القيس :
بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه
أراد ولا مقصر، وهو - أى الفعل ((يألو)) من الأفعال اللازمة التى تتعدى إلى المفعول
بالحرف، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما فى قولهم: لا آلوك نصحًا، على تضمين الفعل
معنى المنع. أى لا أمنعك ذلك.
والخبال : الشر والفساد. وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابًا.
يقال خبله وخبله فهو خابل. والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطرابًا
وفسادًا فى قواه العقلية والفكرية.
والمعنى : أنهاكم - أيها المؤمنون - عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم
المؤمنين، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين، لا يقصرون فى جهد يبذلونه فى إفساد
أمركم، وفيما يورثكم شرا وضرا. أو لا يمنعونكم خبالا، أى أنهم يفعلون معكم ما يقدرون
عليه من الفساد ولا يبقون شيئًا منه عندهم، بل يبذلون قصارى جهدهم فى إلحاق الضرر بكم
فی دینکم ودنیاکم.
وقوله : ﴿لا يألونكم خبالا﴾ جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم. أو صفة لقوله:
بطانة﴾ .
وقوله: ﴿خبالا﴾ منصوب على أنه المفعول الثانى ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم.
ويصح أن یکون منصوبا بنزع الخافض أی لا یقصرون لكم عن جهد فیما یورثكم شرا
وفسادا.
أما السبب الثانى الذى يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه - سبحانه -
بقوله : ﴿ودوا ما عنتم﴾.

٢٣٦
المجلد الثانى
وقوله: ﴿ودوا﴾ من الود وهو المحبة. يقال: وددت كذا أى أحببته.
وقوله : ﴿عنتم﴾ من العنت وهو شدة الضرر والمشقة. ومنه قوله - تعالى -: ﴿ولو شاء الله
لأعنتكم﴾ أى لأوقعكم فيما يشق عليكم.
و﴿ما﴾ فى قوله: ﴿ما عنتم﴾ هى ما المصدرية. أى: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون
إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا فى إفساد أمركم، فإنهم
يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم.
فالجملة الأولى وهى قوله: ﴿لا يألونكم خبالا﴾ بمنزلة المظهر والنتيجة، وهذه. أى قوله
تعالى: ﴿ودوا ما عنتم﴾ بمنزلة الباعث والدافع.
فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان، وإنما يودون لهم الشقاء والشرور
والخسران. وليس بعاقل ذلك الذى يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله.
وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله - تعالى - بقوله: ﴿قد
بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر﴾.
والبغضاء مصدر كالسراء والضراء، وهى البغض الشديد المتمكن فى النفوس، والثابت فى
القلوب .
أى: قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم، وطفح البغض الباطن فى قلوبهم
لكم حتى خرج من أفواههم، ولاح على صفحات وجوههم، وقد قيل : كوامن النفوس تظهر
على صفحات الوجوه وفلتات اللسان. ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد
وإحن، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء، إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذى ظهر
من مسام أجسادهم وقلوبهم، أما ما یبیتونه لکم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير.
وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة. للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم فى أقوالهم الباطلة، فهم
أشد جرما من المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف
لهم عن أحوال أعدائهم، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التى تدعو إلى الحذر منهم فقال
-تعالى -: ﴿قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾.
أى قد بينا لكم العلامات الواضحات، والآيات البينات التى تعرفون بها أعداءكم، وتميزون
عن طريقها بين الصديق وبين العدو، إن كنتم من أهل العقل والفهم.
والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر فى هذه الآيات التى

٢٣٧
سورة آل عمران
بينها الله لهم فضلا منه وكرما، وحتى لا يتخذوا بطانة من غير إخوانهم فى العقيدة والدين.
وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير : إن كنتم تعقلون ذلك فلا تباطنوهم
ولا تفشوا لهم أسراركم.
ثم ذكر - سبحانه - أمورًا أخرى من شأنها أن تجعل المؤمنين يقلعون عن مباطنة ومصافاة
أعدائهم فى الدين فقال: ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ أى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون
تحبون هؤلاء الذين يخالفونكم فى عقيدتكم، وتتمنون لهم الهداية والخير، بينما هم لا يحبونكم
ولا يريدون لكم إلا الشرور والهزائم والضعف.
وفى هذه الجملة الكريمة عتاب ولوم للمؤمنين الذين يلقون إلى أعدائهم بالمودة، ويكشفون
لهم عن أسرارهم ودخائلهم.
و﴿ها﴾ حرف تنبيه، وقوله: ﴿أنتم﴾ مبتدأ وقوله: ﴿أولاء﴾ خبره، وقوله: ﴿تحبونهم
ولا يحبونكم﴾ كلام مستأنف لبيان خطئهم فى موالاتهم ومحبتهم لمن يبغضونهم ويخالفونهم فى
الدین.
وبعضهم جعل ﴿أنتم﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أولاء﴾ منادى حذف منه حرف النداء، وقوله :
﴿تحبونهم﴾ هو الخبر عن المبتدأ.
وبعضهم جعل جملة ﴿تحبونهم﴾ فى موضع نصب على الحال من اسم الإِشارة الذى هو
الخبر.
والمراد بالكتاب فى قوله: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ جنس الكتب السماوية التى أنزلها الله
على أنبيائه.
أى أنتم أيها المؤمنون تحبونهم وهم لا يحبونكم، وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية التى
أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بشىء من كتابكم الذى أنزله الله على نبيكم محمد اله
وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم بطانة من دون إخوانكم المؤمنين؟ لا شك أن من يفعل
ذلك يكون بعيدا عن الطريق القويم، والعقل السليم.
ثم بين - سبحانه - سببًا ثالثًا يدل على قبيح مخالطتهم ومصافاتهم فقال - تعالى -: ﴿وإذا
لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾.
والعض هو الإمساك بالأسنان أى تحامل الأسنان بعضها على بعض. يقال : عض بعض
عضًّا وعضيضًا إذا تحامل بأسنانه على الشىء.
والأنامل جمع أنملة، وهى أطراف الأصابع. وقيل هى الأصابع.

٢٣٨
المجلد الثانى
والغيظ : أشد الغضب. وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم على
المؤمنين .
أى أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم وسوء ضمائرهم أنهم إذا
لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد وهي ﴿ وإذا خلوا، أى خلا بعضهم ببعض أكل الحقد
قلوبهم عليكم، وسلقوكم بألسنة حداد، وتمنوا لكم المصائب، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان
الغيظ نحوكم بسبب ما يرونه من ائتلافكم، واجتماع كلمتكم، وعجزهم عن أن يجدوا سبيلا
إلى التشفى منكم. وإلحاق الأضرار بين صفوفكم.
ومن کان کذلك فی کفره ونفاقه، کان من الواجب علی کل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه؛
لأنه لا يزيد للمؤمنين إلا شرا.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين ويبقى حسرتهم فقال : ﴿قل
موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾.
والخطاب للنبى ◌َ له: ولكل مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون
إلا الشر.
أى: قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا. فإن قوة الإِسلام وعزة أهله
التى جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر، وإن أحقادكم على المسلمين لن تنقص من
قوتهم وعلو كلمتهم شيئًا.
فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم
ويكبتهم وهو نجاح الإِسلام وقوته.
والباء فى قوله: ﴿بغيظكم﴾ للملابسة، أى موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم.
وقوله : ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾ أى محيط بما خفى فيها، ومطلع على ما يبيته هؤلاء
المنافقون للمسلمين، وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرًا. ويعذبهم بسبب ذلك عذابا أليما.
قال الجمل: وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، أخبر الله - تعالى - بذلك. لأنهم
كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد. ويحتمل أن تكون من جملة
المقول، أى قل لهم كذا وكذاا فتكون فى محل نصب بالقول، ومعنى قوله : ﴿بذات الصدور﴾
أى بالمضمرات ذوات الصدور. فذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحبة الصدور. وجعلت صاحبة
للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار(١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٠٨.

٢٣٩
سورة آل عمران
وفى هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبى وَ# ولقلوب أصحابه. حيث بين -سبحانه-
لهم أنه ناصرهم، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولم يجعلوا
من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطانة لهم.
ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال - سبحانه - :
﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ والمس: أصله الجس باليد. أطلق
على كل ما يصل إلى الشىء على سبيل التشبيه، فيقال: فلان مسه النصب أو التعب، أى
أصابه.
والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها، كصحة البدن، وحصول النصر،
ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين.
أُی إن تمسسکم - أيها المؤمنون - حسنة کنصرکم علی أعدائکم. وإصلاح ذات بینکم،
﴿تسؤهم﴾ أى تحزنهم وتملأ قلوبهم غیطا علیکم، ﴿وإن تصبکم سيئة﴾ کنزول مصيبة بكم،
يفرحوا بها. أی یبتهجوا بها، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره.
فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما ينالهم
من خير، ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر.
وعبر فى جانب الحسنة بالمس، وفى جانب السيئة بالإِصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من
قلوبهم، بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفًا وليس غامرًا عاما فإن هؤلاء
المنافقين يحزنون لذلك، لأنهم يستكثرون کل خير للمؤمنین حتی ولو کان هذا الخير ضئيلا.
أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس
المؤمنين مسًا خفيفًا، فإنها لا تشفى غيظهم وحقدهم، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة التى
تؤذى المؤمنین فی دينهم ودنياهم أذى شديدا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بإرشاد المؤمنين
إلى الدواء الذى يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى - : ﴿وإن تصبروا وتتقوا
لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط﴾.
وقوله: ﴿تصبروا﴾ من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل ..
وقوله: ﴿وتتقوا﴾ من التقوى وهى صيانة الإِنسان نفسه عن محارم الله.
وقوله : ﴿كيدهم﴾ من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره فی مکروم.
والمعنى: ﴿وإن تصبروا﴾ أيها المؤمنون على طاعة الله، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا فى محبة
من لا يستحق المحبة، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التى كلفكم الله بها، وتقاوموا

٢٤٠
المجلد الثانى
العداوة بمثلها ﴿وتتقوا﴾ الله - تعالى - فى كل ما نهاكم عنه، وتمتثلوا أمره فى كل ما أمركم به،
إن فعلتم ذلك ﴿لا يضركم كيدهم﴾ وتدبيرهم السىء ﴿شيئًا﴾ من الضرر ببركة هاتين
الفضيلتين: الصبر والتقوى، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات، ومكارم الأخلاق.
وإن لم تفعلوا ذلك أصابكم الضرر، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم. قال الجمل
ما ملخصه : وقوله : ﴿لا يضركم﴾ وردت فيه قراءتان سبعيتان :
إحداهما : بضم الضاد وضم الراء مع التشديد - من ضر يضر.
والثانية : ﴿لا يضركم﴾ - بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير. والفعل فى كليهما
مجزوم جوابًا للشرط، وجزمه على القراءة الثانية ((يضركم)) ظاهر، وعلى القراءة الأولى
((يضركم)) يكون مجزومًا بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع
للتخلص من التقاء الساكنين، وأصل الفعل يضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء
الأولى إلى الضاد ثم أدغمت فى الثانية، وحركت الثانية بالضم إتباعًا لحركة الضاد))(١).
وقوله: ﴿شيئًا﴾ نصب على المصدرية. أى لا يضركم كيدهم شيئًا من الضرر لا قليلا
ولا كثيرا بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى.
وقوله : ﴿إن الله بما يعملون محيط﴾ تذييل قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين،
والرعب فى قلوب أعدائهم .. أى إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم، ولا تخفى
عليه خافية منها، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة، وأقوالهم
الذميمة. وأفعالهم القبيحة.
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم
فى الدين، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابذتهم والحذر
منهم والبعد عنهم، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى التخلص من آثار مكرهم
وکیدهم.
وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة، وإرشادات عالية، ما أحوج المسلمين فى كل زمان
ومكان إلى العمل بها لكى يفلحوا فى دنياهم وآخرتهم.
تدبر معى - أخى القارىء - هذه الآيات مرة أخرى فماذا ترى؟
إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم، محركا لحرارة العقيدة فى قلوبهم ..
حيث نادتهم بصفة الإِيمان، ونهتهم فى هذا النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٠٨.