النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة آل عمران والمعنى على هذه القراءة : ما كان لبشر أن يؤتية الله ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه، أو يأمرهم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وذلك كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهيننى ويستخف بى. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم. وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه، للمسارعة إلى تحقيق الحق، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه. وأما القراءة الثانية فقد قرأها الباقون برفع الراء فى ﴿يأمركم﴾ فتكون الجملة مستأنفة، والمعنى : ولا يأمركم هذا البشر الذى أعطاه الله ما أعطاه من نعمة أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. وخصص الملائكة والنبين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس، فقد وقع فى عبادة الملائكة ((الصابئة)) الذين كانوا يقيمون فى بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من العرب. ووقع فى عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إليها يعبد وزعموه ابن الله وكثير من اليهود عبدوا عزيزًا وزعموه ابن الله. والاستفهام فى قوله ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ للإنكار الذى بمعنى النفى. أى: أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم الله - تعالى - عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين. فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن الله - تعالى - من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع. قال بعضهم : وإذا كان ما ذكر فى الآيتين لا يصلح لنبى ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصرى : لا ينبغى هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. ثم قال: وذلك أن القوم - يعنى أهل الكتاب - كان يعبد بعضهم بعضا كما قال - تعالى - ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون فى هذا الذم، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما أمر الله به، وينهون عما نهى الله - تعالى - عنه، ولذلك سعدوا وفازوا))(١). (١) تفسير ابن كثير بتلخيص جـ١ ص ٣٧٧. ١٦٢ المجلد الثانى وبعد أن نزه - سبحانه - الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر لم يأذن به الله، أتبع ذلك ببيان الميثاق الذى أخذه الله - تعالى - عليهم، فقال - سبحانه - : وَإِذْ أَ خَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّتِنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ◌َالِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْأَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ (٨١ ٨٢ فَمَنْ تَوَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِيَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣ قوله - تعالى - ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الظرف ((إذا)) منصوب بفعل مقدر تقديره اذكر، والخطاب فيه للنبى وَلّ أو لكل من يصلح للخطاب. والميثاق : هو العقد المؤكد بيمين. أى: اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين. وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان : أولهما : وهو رأى جمهور العلماء - أن المراد أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين. وثانيهما : وهو رأى بعض العلماء - أن المراد أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم. والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الأول -منهم الحسن والسدى وسعيدبن جبير - : أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبى أن يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه؛ فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه. فأخذ - سبحانه - الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد ... -.- ١٦٣ سورة آل عمران - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - وإذا كان هذا حكم الأنبياء، كانت الأمم بذلك أولى وأحرى. والمعنى على رأى فريق آخر من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس وقتادة : أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد ◌ّله إذا أدركوه، وأن يأمروا أقوامهم بالإِيمان به . قالوا : يؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن على بن أبى طالب قال : لم يبعث الله نبيًّا: آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد روي ال# لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه. ثم تلا الآية))(١). فكأن أصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم عن أن الميثاق إنما أخذه الله من النبيين إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم لكى يصدق بعضهم بعضا والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم فى شأن محمد رَالز خاصة. قال ابن كثير ما ملخصه. وما قاله الحسن ومن معه لا يضاد ما قاله على وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه ... وقد روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن ثابت قال : جاء عمر إلى النبى ﴿ فقال: يا رسول الله: إنى مررت بأخ لى من بنى قريظة، فكتب لى جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه النبى وَّ قال عبد الله بن ثابت: فقلت له : ألا ترى ما بوجه رسول الله وَلير؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا. وبالإِسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسرى عن النبى ◌َّله وقال: ((والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم، إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين)). وعن جابر قال: قال رسول الله وَلير: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى)) وفى بعض الأحاديث: ((لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى)). فالرسول محمد طه ((هو الإمام الأعظم الذى لو وجد فى أى عصر وجد - كان هو الواجب ٠٠. الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم))(٢). هذا هو معنى الجملة الكريمة عند أصحاب الرأى الأول الذين يرون أن الله - تعالى - أخذ (١) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ٢٠٩. (٢) تفسير الكشاف جـ١ ص٣٧٨. ١٦٤ المجلد الثانى الميثاق من النبيين. وأصحاب هذا الرأى كما سبق أن بيناهم جمهور العلماء. أما أصحاب الرأى الثانى الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم، فالمعنى عليه. ـ واذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم بأنه إذا بعث محمد * وأدركوه فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه فكأن معنى الآية: واذكر وقت أن أخذ الله الميثاق الذى وثق الأنبياء على أقوامهم .. هذا، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال : «میثاق النبيين)) فيه غير وجه : أحدهما : أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك. والثانى : أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول : ميثاق الله وعهد الله كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذى وثقه النبيون على أمهم. والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب وأن يرد زعمهم تهكما بهم؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب، ومنا كان النبيون))(١). والذى تسكن إليه النفس فى معنى الآية. هو الرأى الأول الذى قال به جمهور العلماء، وذلك لأن الآيات الكريمة مسوقة - كما يقول الفخر الرازى لتعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب، مما يدل على نبوة محمد وله قطعًا لعذرهم، وإظهارًا لعنادهم، ومن جملة هذه الأشياء ما ذكره - سبحانه - فى هذه الآية. وهو أنه - تعالى - أخذ الميثاق من الأنبياء بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا ذلك، وحكم - سبحانه - بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين .. فحاصل الكلام أنه - تعالى - أوجب على جميع الأنبياء الإِيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم، ولا شك أن محمدًا وَّر قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به))(٢). ولأن هذا المعنى هو الظاهر من الآية الكريمة. ولا تحتاج إلى تقدير مضاف أو غيره، والأخذ بالمعنى الظاهر الذى لا يحتاج إلى تقدير أولى من الأخذ بغيره. ولأن أخذ العهد على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد بي لل أعلى وأشرف لقدره وقليل من أخذه على أمهم وأقوامهم. (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٧٩. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١٢٢. :1 ١٦٥ سورة آل عمران ولأن أخذ العهد على الأنبياء أخذ له على الأمم، إذ كل أمة يجب أن تصدق بما جاءها به نبیها . واللام فى قوله - تعالى - ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة﴾ قرأها الجمهور بالفتح. وقرأها حمزة بالكسر. أما قراءة الفتح فلها وجهان : أولهما: أن تجعل ((ما)) اسم موصول مبتدأ، وما بعده صلة له، وخبر قوله ﴿لتؤمنن به﴾. والتقدير: واذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين قائلا لهم: الذى آتيتكم إياه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما أوتيتموه لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه. وعلى هذا الوجه تكون اللام فى قوله ((لما)) للابتداء وحسن دخولها هنا لأن قوله ﴿ما آتيتكم﴾ فى مقام المقسم عليه، وقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ فى مقام القسم، إذ هو بمنزلة الاستحلاف تقول: أخذت ميثاقك لتفعلن كذا فكأنك قلت: استحلفتك لتفعلن كذا .. وثانيهما: أن تجعل ((ما)) ههنا، اسم شرط جازم فى موضع نصب بآتيتكم. والتقدير : ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، لتؤمنن به ولتنصرنه . وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين: الأولى: ﴿آتیتکم﴾ . والثانية : ﴿ثم جاءكم﴾ وهما معا فى محل جزم بما الشرطية. وقوله ﴿لتؤمنن به﴾ جواب القسم الذى تضمنه قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ وجواب الشرط محذوف، لأن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع شرط. وقسم فالجواب المذكور للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا السابق هو القسم. قال ابن مالك : " واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم وأما على قراءة الكسر التى قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل : اذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة، ثم مجىء من يصدقهم يوجب عليهم الإِيمان بهذا الرسول المصدق لما معهم ويوجب عليهم نصرته. والمراد بالكتاب: ما أنزله الله - تعالى - على هؤلاء النبيين من كتب تنطق بالحق. والمراد بالحكمة : الوحى الوارد بالتكاليف المفصلة التى لم يشتمل عليها الكتاب. أو المراد بها العلم النافع الذى أعطاه - سبحانه - لهم، ووفقهم للعمل به. و﴿من﴾ فى قوله ﴿من كتاب﴾ للبيان. ١٦٦ المجلد الثانى قال القرطبى: والمراد بالرسول هنا محمد * واللفظ وإن كان نكرة فالإِشارة إلى معين، كقوله - تعالى - ﴿ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ إلى قوله - تعالى - ﴿ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه﴾ فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد رَله وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم))(١). ثم حكى - سبحانه - ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإِيمان بهذا الرسول وبنصرته فقال : ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى﴾؟. والإِصر: العهد. وأصله من الإِصار - أى الحبال التى يعقد بها الشىء ويشد - وسمى العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود. أى - قال الله - تعالى - للنبيين : أأقررتم بهذا الذى أمرتكم به وقبلتم عهدى؟ والاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقى فى حقه - سبحانه -. ثم حكى - سبحانه - ما أجاب به الرسل وما رد به عليهم فقال: ﴿قالوا أقررنا، قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. أى: قال الرسل مجيبين لخالقهم - عز وجل - أقررنا ياربنا وقبلنا عهدك وأطعناه. فرد عليهم - سبحانه - بقوله : ﴿فاشهدوا﴾ أى فليشهد بعضكم على بعض بهذا الإِقرار، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم على بعض من الشاهدين. وهذا توكيد عليهم، وتحذير من الرجوع. ثم بين - سبحانه - عاقبة الناكثين لعهودهم فقال: ﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. أى فمن أعرض عن الإِيمان بمحمد ول﴿ وعن نصرته، بعد أخذ الميثاق المؤكد عليه، فأولئك المعرضون ((هم الفاسقون)) أى الخارجون عن الإِيمان إلى أفحش دركات الكفر والخيانة. والفاء فى قوله ﴿فمن تولى﴾ للتفريع، و﴿من﴾ يجوز أن تكون شرطية ويكون قوله ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ جوابها. ويجوز أن تكون موصولة، ويكون قوله ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ هو الخبر. والضمير فى قوله ﴿تولى﴾ يعود على ((من)) بالإِفراد باعتبار لفظها، ويعود عليها بصيغة الجمع فى قوله ((فأولئك)) باعتبار معناها. (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٢٥. ١٦٧ 1 سورة آل عمران وبعد أن بين - سبحانه - أن الإِيمان بمحمد بَّ حق لا ريب فيه، وأنه واجب على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، عقب ذلك ببيان أن كل من كره الإِيمان بما جاء به محمد ◌َّ فإنه يكون بعيدا عن الدين الحق، مستحقا للعقاب الأليم فقال - تعالى - ﴿أَفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون﴾. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف، والفاء الداخلة على ((غير)) عاطفة لجملة ﴿يبغون﴾ على ذلك المحذوف الذى دل عليه الاستفهام وعينه المقام. والمعنى : أيتولون عن الإِيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين الله الذى هو الإِسلام. ومعنى ﴿يبغون﴾ يطلبون. يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بضم الباء - أى طلبه. وقوله -تعالى- ﴿وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها﴾ جملة حالية. أى أيبغون دينا غير دين الله والحال أن الله - تعالى - استسلم وانقاد وخضع له من فى السماوات والأرض طوعا وكرها. أى طائعين وكارهين فهما مصدران فى موضع الحال. والمراد أن كل من فى السموات والأرض قد انقادوا وخضعوا لله - تعالى - إما عن طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون فى كل الأحوال بقضائه وقدره، ومستجيبون له فى المنشط والمكره والعسر واليسر. وإما عن تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة، فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضائه - سبحانه - وإذن فهم خاضعون لسلطانه - عز وجل - لأنهم لا سبيل لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم. هذا، وقد ساق الفخر الرازى جملة آراء فى معنى الآية الكريمة ثم اختار أحدها فقال ما ملخصه : فى خضوع من فى السموات والأرض لله وجوه : أصحها عندى أن كل ما سوى الله - سبحانه - ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده، ولا یعدم إلا بإعدامه، فإن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله فى طرفى وجوده وعدمه. وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد. ثم إن فى هذا الوجه لطيفة أخرى: وهى أن قوله ﴿وله أسلم﴾ يفيد الحصر، أى وله كل ما فى السموات والأرض لا لغيره. فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوینه، ولا يفنى إلا بإفنائه(١) والآيات فى هذا المعنى كثيرة. (١) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ٠١٢٠ ١٦٨ المجلد الثانى وقوله ﴿وإليه يرجعون﴾ أی إليه وحده يرجع الخلق فيجازی کل مخلوق بما يستحقه من خير أو شر. ففى الجملة الكريمة تحذير من الإِعراض عن دينه، لأنه ما دام مرجع الخلق جميعا إليه -سبحانه- فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختيارًا قبل أن يسلمها اضطرارا، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه، حتی ینال رضاه. وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت للناس الأدلة على صدق النبى وير وأمرتهم بالدخول فى دينه، وحذرتهم من الإِعراض عنه بأجلى بيان وأقوى برهان. وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على صدق النبى وَلّر أمر الله - تعالى - نبيه محمدًا ﴿ أن يعلن على الدنيا كلمة الحق التى يؤمن بها، وأن يخبر كل من يتأتى له الخطاب بأن الدين المقبول عند الله هو دين الإِسلام وأن كل دين سواه فهو باطل . •لأن رسالته ◌َليل هى خاتمة الرسالات؛ ودين الإِسلام الذى أتى به ناسخ لكل دين سواه. استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك فيقول : قُلّ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن ◌َّبِّهِمْ لَا تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ بوجه ٠٠٠٠١٦٠ ﴾ وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اْإِسْلَمِ (٨٤ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ ٨٥ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ قوله ﴿والأسباط﴾ جمع سبط وهو الحفيد، والمراد بهم أولاد يعقوب - عليه السلام - وكانوا اثنى عشر ولدا قال - تعالى -: ﴿وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطًا أمما﴾. وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام -. والمعنى: ﴿قل﴾ يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل وجحدوا الحق مع علمهم - به، قل لهم ولغيرهم ﴿آمنا بالله﴾ أى آمنت أنا وأتباعى بوجود الله ووحدانيته، واستجبنا له فى کل ما أمرنا به، أو نهانا عنه. -- ١٦٩ سورة آل عمران وآمنا كذلك بما ﴿أنزل علينا﴾ من قرآن يهدى إلى الرشد، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . وآمنا أيضًا بما أنزله الله - تعالى - من وحى وصحف على ﴿إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ . وآمنا - أيضًا - بما آتاه الله لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من المعجزات، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على صدقهم. ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أى لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - ﴿نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ وهم فى الحقيقة كافرون بهم جميعًا، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر بهم جميعًا، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو استثناء . ﴿ونحن له مسلمون﴾ أى خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية. مستجيبون له فى كل ما أمرنا به وما نهانا عنه. فالآية الكريمة تأمر النبى مفر أن يخبر عن نفسه وعمن معه بأنهم آمنوا بالله وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم، لأنها شرائع الله - تعالى - التى أنزلها على أنبيائه، كلها مرتبط بعضها ببعض، وكلها تتفق على كلمة واحدة هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والطاعة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى أنزل فى هذه الآية بحرف الاستعلاء ﴿أنزل علينا﴾، وفيما تقدم من مثلها - فى سورة البقرة - بحرف الانتهاء؟ ﴿أنزل إلينا﴾ قلت: لوجود المعنيين جميعا، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. ومن قال إنما قيل هنا ﴿علينا) لقوله ﴿قل) وقيل هناك ﴿إلينا) لقوله ﴿قولوا﴾ تفرقة بين الرسل والمؤمنين، لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء، ويأتيهم على وجه الإنتهاء، من قال ذلك تعسف. ألا ترى إلى قوله ﴿بما أنزل إليك﴾ وإلى قوله ﴿آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا﴾(١). وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر، لأن أهل الكتاب يزعمون أنهم يؤمنون (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٨١. ١٧٠ المجلد الثانى بهم ويتبعونهم، فأراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل، لأنهم لن يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد رَ له . وقوله - تعالى - ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ بيان لثمرة الإِيمان الحق الذى رسخ فى قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد ثر، لأن هذا الإِيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل الله جميعا قد أرسلهم - سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له، وإذا وجد تفاضل أو اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون فى أمور أخرى سوى الإِيمان بالله وإفراده بالعبودية، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق. وقد جاءت رسالة محمد ﴿ خاتمة للرسالات، وجامعة لكل ما فيها من محاسن فوجب الإِيمان بها، وإلا كان الكفر بها كفرًا بجميع الرسالات السابقة عليها. وقوله ﴿ونحن له مسلمون﴾ يفيد الحصر، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا، وأخلصنا عبادتنا. لا لغيره كائنا من كان هذا الغير. وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإِخلاص والطاعة لله رب العالمين. ثم بين - سبحانه - أن كل من يطلب دينا سوى دين الإِسلام فهو خاسر فقال - تعالى - : ﴿ومن يبتغ غير الإِسلام دينا فلن يقبل منه﴾. أى: ومن يطلب دينا سوى دين الإِسلام الذى أتى به محمد - عليه الصلاة والسلام - فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإِسلام، لأن دين الإِسلام الذى جاء به محمد، هو الدين الذى ارتضاه الله لعباده قال - تعالى - ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام دينا﴾(١) ولأنه هو الدين الذى ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها . أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإِسلام فقد بينها - سبحانه - بقوله : ﴿وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾. أى وهو فى الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من كفر وضلال. وفى الحديث الشريف ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)» أى مردود عليه، وغیر مقبول منه . وفى الإخبار بالخسران عن الذى يبتغى أى يطلب دينا سوى الإِسلام، إشعار بأن من يتبع (١) سورة المائدة آية ٣. بے ١٧١ سورة آل عمران دينا سوى دين الإِسلام يكون أشد خسرانا، وأسوأ حالا، لأن الطلب أقل شرا من الاتباع الفعلى . وبعد أن عظم - سبحانه - شأن الإِسلام، وبين أنه هو الدين المقبول عنده، أتبع ذلك ببيان أن سنته جرت فى خلقه بأن يزيد الذين اهتدوا هدى، أما الجاحدون للحق عن علم، والمتبعون لأهوائهم وشهواتهم فهم بعيدون عن هداية الله، ولن يقبلهم - سبحانه - إلا إذا تابوا عن ضلالهم، وأصلحو ما فسد منهم، استمع إلى القرآن وهو يصور هذا المعنى بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : كَيْفَ يَهْدِى اَللّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَّآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنْظُرُونَ (٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ ٨٩ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ روى المفسرون روايات فى سبب نزل هذه الآيات الكريمة منها ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال. إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم؛ فأرسل إلى قومه : سلوا لى رسول الله* هل لى من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله وَله فقالوا. هل له من توبة؟ فنزلت هذه الآيات، فأرسل إليه قومه فأسلم. وعن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبى وَّه ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله هذه الآيات. قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث : إنك والله - ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله وَ ل ◌ّ لأصدق منك، وإن الله - عز وجل - لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه وعن الحسن البصرى أنه قال : إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبى وَّله فى كتابهم وأقروا به، وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدًا ١٧٢ المجلد الثاني للعرب حين بعث من غيرهم(١). هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، ويبدو لنا أن أقربها إلى سياق الآيات هى الرواية التى جاءت عن الحسن البصرى بأن المقصود بالآيات أهل الكتاب، وذلك لأن الحديث معهم من أول السورة ولأن القرآن قد ذكر فى غير موضع أن أهل الكتاب كانوا يعرفون صدق النبى سي﴿ كما يعرفون أبناءهم، وأنهم كانوا يستفتحون به ﴿على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾. ومع هذا فليس هناك ما يمنع من أن يكون حكم هذه الآيات شاملا لكل من ذكرتهم الروايات ولكل من يشابههم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن جرير - بعد أن ساق هذه الروايات - ما ملخصه: وأشبه هذه الأقوال بظاهر التنزيل ما قاله الحسن : من أن هذه الآيات معنى بها أهل الكتاب على ما قال، وجائز أن يكون الله - تعالى - أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدوا عن الإِسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم فى ارتداده عن الإيمان بمحمد # فى هذه الآيات، ثم عرف عباده سنته فيهم فيكون داخلا فى ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد وعلي قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرا ثم أسلم على عهده بَّر ثم ارتد وهو حى عن إسلامه، فيكون معينا بالآيات جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله(٢). والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم﴾ للنفى ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط المستقيم وهم على هذا الحال من الارتكاس فى الكفر والضلال، مع علمهم بالحق، وإيمانهم به لفترة من الوقت. والمعنى: أن الله - تعالى - جرت سنته فى خلقه ألا يهدى إلى الصراط المستقيم، قوما ﴿كفروا بعد إيمانهم﴾ أى ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا، وبعد أن ﴿شهدوا أن الرسول﴾ وهو . محمد ﴿ ((حق)) وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وبعد أن ﴿جاءهم البينات﴾ أى البراهين والحجج الناطقة بحقيقة ما يدعيه، من قرآن كريم عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله، ومن معجزات باهرة دالة على صدقه النار . فأنت ترى أن حالهم التى أوجبت هذا النفى والاستبعاد تتمثل فى أنهم كانوا مؤمنين، وكانوا (١) تفسير ابن جرير جـ٣ ص ٣٤٠ وتفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٧٩. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٤١. ١٧٣ سورة آل عمران يشهدون بأن الرسول حق، وجاءتهم البينات اليقينية الملزمة التى تؤيد إيمانهم وشهادتهم، ومع كل ذلك استحبوا العمى على الهدى، واختاروا الكفر على الإِيمان، واستولى عليهم التعصب بالباطل فأرداهم وحرمهم من هداية الله حتى يغيروا ما بأنفسهم ويتوبوا عن غيهم، ويصلحوا ما أفسدوه، ويخلصوا وينيبوا إلى خالقهم وبارئهم. قال صاحب الكشاف: ((قوله ﴿كيف يهدى الله قوما﴾ أى كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف، لما علم الله من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم، وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التى تثبت بمثلها النبوة - وهم اليهود - كفروا بالنبى ◌َي بعد أن كانوا مؤمنين به، وذلك حين عاينوا ما يوجب قوة إيمانهم من البينات فإن قلت : علام عطف قوله ﴿وشهدوا﴾؟ قلت: فيه وجهان : أن يعطف على ما فى إيمانهم من معنى الفعل، لأن معناه بعد أن آمنوا. ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار ((قد)). بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق))(١). وقوله - تعالى - ﴿والله لا يهدى القوم الظالمين) جملة حالية أو معترضة. والمعنى : أنه - سبحانه - قد مضت سنته فى خلقه أنه لا يهدى إلى الحق أولئك الذين آثروا الكفر على الإِيمان، عن تعمد وإصرار، ووضعوا الشىء فى غير موضعه مع علمهم بسوء صنیعهم . وفى تذييل الآية الكريمة بهذه الجملة مع إطلاق لفظ الظلم، إشعار بأنهم قد ظلموا أنفسهم بإيقاعها فى مهاوى الردى والعذاب وظلموا الرسول الذى شهدوا له بأن ما جاء به هو الحق ثم كفروا به، وظلموا الحقائق والبراهين التى نطقت بأحقية الإِيمان وببطلان الكفر ثم تركوا هذه الحقائق والبراهين وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم ومطامعهم. وإن الظلم متى سيطر على النفوس أفقدها رشدها وإدراكها للأمور إدراكا سلیما، وصدق رسول الله ﴿ ﴿ حيث يقول: ((اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)). ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الظالمين فقال: ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾. قال الراغب: اللعن: الطرد والإِبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله - تعالى - فى (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٨١. ١٧٤ المجلد الثانى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإِنسان دعاء على غيره))(١). والمعنى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة ﴿جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ أى جزاؤهم أن عليهم غضب الله وسخطه بسبب استحبابهم الكفر على الإِيمان ﴿والملائكة والناس أجمعين﴾ أى وعليهم كذلك سخط الملائكة والناس أجمعين وغضبهم، ودعاؤهم عليهم باللعنة والطرد من رحمة الله. وقوله ﴿أولئك﴾ مبتدأ. وقوله ﴿جزاؤهم) مبتدأ ثان، وقوله ﴿أن عليهم لعنة الله﴾ إلخ .. خبر المبتدأ الثانى، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول. والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على هؤلاء القوم، صادرة من الله وهى أشد ألوان اللعن، وصادرة من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وصادرة من الناس أجمعين، أى أن الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن عرفوه وشهدوا به، وقامت بين أيديهم الأدلة على أنه حق. قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل: لم عم جميع الناس مع أن من وافقهم فى كفرهم لا يلعنهم؟ قلنا فيه وجوه: منها أنهم فى الآخرة يلعن بعضهم بعضا كما قال - تعالى - ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾. فعلى هذا التقدير يكون اللعن قد حصل للكفار من الكفار. ومنها كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال ﴿أجمعين﴾. ومنها وهو الأصح عندى : أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر، ولكنه يعتقد فى نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر، فإذا لعن الكافر وكان هو فى علم الله كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك)»(٢). ثم أكد - سبحانه - تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على تلك الحالة الشنيعة فقال - تعالى - ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب﴾ بسبب إصرارهم على الكفر فى الدنيا، وانغماسهم فيما يغضب الله ﴿ولا هم ينظرون﴾ أى ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب بل عذابهم عاجل لا يقبل الإِمهال أو التأخير بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من شرور وآثام. ولكن القرآن - مع هذا - يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب، وينهى الناس عن أن يقنطوا من رحمة الله متى تابوا وأنابوا وأصلحوا فيقول - بعد تلك الحملة المرعبة التى شنها على الكفر والكافرين : - ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾. (١) مفردات القرآن ص ٤٥١ للراغب الأصفهانى. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١٣٧. : ١٧٥ سورة آل عمران أى: أن اللعنة مستمرة على هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وهم خالدون فى العذاب يوم القيامة بدون إمهال أو تأخير، إلا الذين تابوا منهم عن الكفر الذى ارتكبوه، وعن الظلم الذى اقترفوه، وأصلحوا ما أفسدوه بأن قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريق الحق، وحافظوا على أداء الأعمال الصالحة ((فإن الله - تعالى - غفور رحيم)) أى فإنه سبحانه يغفر لهم ما سلف منهم من كفر وظلم. ففى هذه الآية الكريمة إغراء للكافرين بأن يقلعوا عن كفرهم وللمذنبين بأن يثوبوا إلى رشدهم وبأن يتوبوا إلى ربهم، فإنه - سبحانه - يغفر الذنوب جميعا لمن يتوب ويحسن التوبة، فهو القائل ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾(١). أما الذين لا يتوبون ولا يستغفرون ولا يثوبون إلى رشدهم. بل يصرون على الكفر فيزدادون کفرًا. والذین یرتکسون فی کفرهم وضلالهم حتى تفلت منهم الفرصة، وینتھی أمد الاختبار، ويأتى دور الجزاء، فهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة، فقد قال - تعالى - بعد هذه الآيات : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ ﴿﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اقْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَّصِرِينَ (٦) لَنْ ثَنَالُواْالْبِرَّحَتّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونْ وَمَا نُنفِقُواْ مِنْشَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ قوله - تعالى - ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا﴾. (١) سورة الزمر الآية ٥٣. ١٧٦ المجلد الثانى قال قتادة وعطاء : نزلت فى اليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد إيمانهم. بموسى والتوراة. ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد وَلجر وبالقرآن. وقال أبو العالية والحسن: نزلت فى أهل الكتاب جميعا، آمنوا برسول الله وسلّ قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فى نبوته فى كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم لعهودهم وصدهم الناس عن طريق الحق، وسخريتهم بآيات الله . ويمكن أن يقال : إن الآية الكريمة على عمومھا فھی تتناول کل من آمن ثم ارتد عن الإِيمان إلى الكفر، وازداد كفرا بمقاومته للحق، وإيذائه لأتباعه، وإصراره على كفره وعناده وجحوده. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: ﴿لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾. أى إن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وعنادا وجحودا للحق ﴿لن تقبل توبتهم﴾ أى لن تتوقع منهم توبة حتى تقبل، لأنهم بإصرارهم على كفرهم، ورسوخهم فيه، وتلاعبهم بالإِيمان، قد صاروا غير أهل للتوفيق لها، ولأنهم حتى لو تابوا فتوبتهم إنما هى بألسنتهم فحسب، أما قلوبهم فمليئة بالكفر والنفاق ولذا تعتبر توبتهم كلا توبة. وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم تابوا عند حضور الموت، والتوبة فى هذا الوقت لا قيمة لها. قال القرطبى: وهذا قول حسن كما قال - تعالى -: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن﴾. وبعضهم حمل عدم قبول توبتهم على أنهم ماتوا على الكفر، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال. فإن قلت: قد علم أن المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى ﴿لن تقبل توبتهم﴾؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر، لأن الذى لا تقبل توبته من الكفار هو الذى يموت على الكفر. كأنه قيل إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون فى جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت : فأى فائدة فى هذه الكناية؟ أعنى أن كنى الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة؟. قلت : الفائدة فيها جليلة وهى التغليظ فى شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم فى صورة حالة الآيسين من الرحمة التى هى أغلظ الأحوال وأشدها ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة))(١). والذى يبدو لنا أن الآية الكريمة أشد ما تكون انطباقا على أولئك الذين تتكرر منهم الردة من (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٨٣. ١٧٧ سورة آل عمران الإِيمان إلى الكفر فهم لفساد قلوبهم، وانطماس بصيرتهم واستيلاء الأهواء والمطامع على نفوسهم أصبح الإِيمان لا استقرار له فى قلوبهم بل يتلاعبون به، ويبيعونه نظير عرض قليل من أعراض الدنيا، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة النساء ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا. ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾(١). وقوله ﴿وأولئك هم الضالون﴾ أى الكاملون فى الضلال، البعيدون عن طريق الحق، المستحقون لسخط الله وعذابه. ثم صرح - سبحانه - ببيان عاقبة الذين يموتون على الكفر فقال - تعالى -: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾. أی استمروا على كفرهم وضلالهم حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكأن الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاثة أصناف من الكافرين : قسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل صالحا فقبل الله توبته. وهذا القسم هو الذى استثناه الله بقوله ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقسم كان كافرًا ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة، فلم يقبلها الله - تعالى - منه. وهو الذى قال الله فى شأنه فى الآية السابقة ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾. وقسم كان كافرًا واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه أية توبة، وهو الذى أخبر عنه - سبحانه - فى هذه الآية بقوله: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾. أى ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه. وقد بين الله - تعالى - سوء مصيرهم بقوله : ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾. أى أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه. لن يقبل الله - تعالى - من أحدهم ما كان قد أنفقه فى الدنيا ولو كان هذا المنفق ملء الأرض ذهبا، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال - تعالى - ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾(٢). وكذلك لن يقبل الله - تعالى - عن أحدهم فدية عن عقابه الشديد له بسبب موته على الكفر. ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهبًا، لأن الله - تعالى - غنى عنه وعن فديته - مهما عظمت - وسيعاقبه على كفره بما يستحق من عقاب. (١) سورة النساء آية ١٣٧. (٢) سورة الفرقان آية ٢٣ . ١٧٨ المجلد الثانى قال ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾. أى من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة كما سئل النبى وَلّر عن عبد الله بن جدعان - وكان يقرى الضيف، ويفك العانى، ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك؟ فقال: ((لا إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين)) وكذلك لو افتدى - نفسه فى الآخرة - بملء الأرض أيضًا ذهبًا ما قبل منه، كما قال - تعالى - ﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة))، وقال - تعالى -: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾(١) ثم قال: وروى الشيخان والإِمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبى بَّ قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شىء أكنت مفتديا به؟ قال : فيقول نعم، فيقول الله له، قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك فى ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك)). وفى رواية للإِمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ◌َ#1: ((يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أى رب، خير منزل. فيقول الله - تعالى - له : سل وتمن، فيقول: ما اسأل ولا أتمنى إلا أن تردنى إلى الدنيا فأقتل فى سبيلك عشر مرار - لما يرى من فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أى رب! شر منزل، فيقول له : أتفتدى منه بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول أى رب! نعم فيقول: كذبت! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار))(٢). وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: فلم قيل فى الآية السابقة ﴿لن تقبل توبتهم﴾ بغير فاء. وقيل هنا ﴿فلن يقبل من أحدهم﴾ بوجود الفاء -؟ قلت: قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء، وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب، كما تقول: الذى جاءنى له درهم، لم تجعل المجىء سببا فى استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم))(٣). وقوله ﴿ذهبا﴾ منصوب على أنه تمييز. وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس. (١) سورة المائدة الآية ٣٦. (٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٨٠ - بتصرف وتلخيص -. (٣) تفسير الكشاف جـ٢ ص ٣٨٢. ١٧٩ سورة آل عمران وقوله ﴿ولو افتدى به﴾ جملة حالية، والواو للحال. أى لا يقبل من الذى مات على كفره هذا الفداء ولو فى حال افتراض تحقق هذا الفداء فى يده وتقديمه إياه لكى يدفعه لخالقه وينجو من العقوبة التى توعده بها. أى أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذى مات على كفره، حتى ولو فرضنا أنه تصدق فى الدنيا بملء الأرض ذهبا. وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا المقدار النفيس الكثير من الأموال فى الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب، فإن كل ذلك غير مقبول منه، ولابد من نزول العذاب به . وقد أشار ابن المنير إلى هذا المعنى بقوله: ((قبول الفدية التى هى ملء الأرض ذهبا يكون على أحوال : منها : أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية من نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول. ومنها أن يقول المفتدى فى التقدير: أفدى نفسى بكذا وقد لا يفعل. ومنها أن يقول هذا القول وينجز المقدار الذی یفدی به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن منه قبول فديته. وإذا تعددت الأحوال فالمراد من الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهو أن يفتدى بملء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا ومع ذلك لا يقبل منه، فمجرد قوله أبذل المال وأقدر عليه أو ما يجرى هذا المجرى بطريق الأولى. فيكون دخول الواو والحالة هذه على بابها تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا ينفع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة. وهذا كله تسجيل بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من العذاب، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن الفلس فى ذلك اليوم، ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل: لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إلى فى يدى هذه»(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين﴾. أى أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم، وما لهم من ناصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم، أو تخفيف وقعه عليهم. ومن مزيدة لاستغراق النفى وتأكيده، أى لا يوجد أحد كائنًا من كان ينقذهم من عذاب الله، أو يجيرهم من أليم عقابه. وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد توعدتا الكافرين بأشد ألوان العذاب، وأقسى أنواع العقاب، حتى يقلعوا عن كفرهم، ويثوبوا إلى رشدهم. (١) حاشية ابن المنير على الكشاف جـ ١ ص ٣٨٣. ١٨٠ المجلد الثانى وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر، وعلى بيان سوء عاقبة الكافرين، أتبعه بالحديث عن الطريق الذى يوصل المؤمنين إلى رضا الله وحسن مثوبته فقال - تعالى -: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم﴾. تنالوا : من النيل وهو إصابة الشىء والحصول عليه. يقال نال ينال نيلا، إذا أصاب الشىء ووجده وحصل عليه. ۔۔۔ والبر: الإِحسان وكمال الخير. وأصله التوسع فى فعل الخير. يقال: بر العبد ربه أى توسع فى طاعته. والإِنفاق البذل، ومنه إنفاق المال. وعن الحسن : كل شىء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه الله ويطلب ثوابه حتى التمرة يدخل فى هذه الآية. والمعنى: لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذى يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التى أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها فى سبيل الله، وما تنفقوا من شىء - ولو قليلا - فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم . ولقد حكى لنا التاريخ كثيرًا من صور البذل والإنفاق التى قام بها السلف الصالح من أجل رضا الله وإعلاء كلمته، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بير حاء - موضع بالمدينة - وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﴿ يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها. قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .. ، قام أبو طلحة إلى رسول الله وله فقال: يا رسول الله، إن الله - تعالى - يقول فى كتابه ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالى إلى بير حاء، وإنها صدقة لله - تعالى - أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله وَلقر: بخ بخ - كلمة استحسان ومدح - ذلك مال رابح - أى ذو ربح - ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلت. وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين. قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه)) (١). قال القرطبى: وكذلك فعل زيد بن حارثة، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له ((سَبل)) وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مال أحب إلى من فرسى هذه، فجاء بها إلى النبى وَله (١) أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة. باب الزكاة على الأقارب جـ ٢ ص ١٤٨ وأخرجه مسلم فى كتاب الزكاة جـ ٣.