النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة آل عمران
وبعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب، والحجج الباهرة التى ساقها لهم على صحة هذا
الدين والتوبيخات المتعددة التى وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ومحاولتهم صرف غيرهم عنه
بعد كل ذلك، أخذ القرآن فى سرد بعض المسالك الخبيثة التى سلكها اليهود لكيد الإِسلام
والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم من مسالكهم الكثيرة، وهو أن بعضهم كان يظهر الإِيمان لفترة
من الوقت ثم يرجع عنه إلى الكفر، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإِسلام إلا بعد أن
دخله فوجده دينا ليس بشىء - فى زعمه -
استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكى يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى
يحذروهم، فيقول :
وَقَالَتْ طَّابِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِءَامِنُواْ
بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْءَاخِرَهُ.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢) وَلَا تُؤْمِنُواْإِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمُقُلْ إِنَّ
اُلْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْنَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْبُمَا تُوكُمْ
عِندَرَيَّكُمْ قُلْ إِنَّالْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُوَسِعُ
يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
(٧٣
عَلِيمٌ﴿
٧٤
اُلْعَظِيمِ
فأنت إذا تأملت فى هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة
ماكرة لئيمة، هى تظاهرهم بالإِسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا
بمكرهم وخداعهم، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا
عليه، ليوهموا حديثى العهد بالإِسلام أو ضعاف الإِيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة، وأنهم
ليس عندهم أى عداء للنبى و # بل إن الذى حصل منهم هو أنهم بعد دخوهم فى الإِسلام
وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر فى
دين الإِسلام.
ولا شك أن هذه الطريقة التى سلكها بعض اليهود لصرف بعض المسلمين عن الإِسلام من
أقوى ما تفتق عنه تدبيرهم الشيطانى، لأن إعلانهم الكفر بعد الإِسلام، وبعد إظهارهم الإِيمان

١٤٢
المجلد الثانى
به، من شأنه أن يدخل الشك فى القلوب ويوقع ضعاف الإيمان فى حيرة واضطراب، خاصة
وأن العرب - فى مجموعهم - قوم أميون ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل
العقيدة والدين. فيظن أنهم ما ارتدوا عن الإِسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص فى تعاليمه.
والمتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثا يرى أن الدهاة فى السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة
ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب فى صفوف أعدائه.
قال الأستاذ الشيخ محمد عبده - رحمه الله: ((هذا النوع الذى تحكيه الآيات من صد اليهود
عن الإِسلام مبنى على قاعدة طبيعية فى البشر، وهى أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من
يعرفه. وقد فقه هذا، هرقل، ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبى و القر أن
قال له: ((هل يرتد أحد من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان :
لا . وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا : لولا أن ظهر لهؤلاء
بطلان الإِسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على بواطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن
يترك الإِنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب))(١).
هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة كلها تدور
حول المعنى الذى قررناه.
ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال فى قوله - تعالى - ﴿وقالت طائفة من
أهل الكتاب آمنوا﴾ .. ألخ قال بعض أهل الكتاب لبعض: ((أعطوهم الرضا بدينهم أول
النهار، واکفروا آخره فإنه أجدر أن یصدقوکم ویعلموا أنکم قد رأیتم ما تكرهونه فی دینهم،
وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم)).
وعن السدى : كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية، اثنى عشر حبرا، فقالوا لبعضهم :
ادخلوا فى دين محمد أول النهار، وقولوا : نشهد أن محمدا حق صادق. فإذا كان آخر النهار
فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمدا كاذب، وأنكم
لستم على شىء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون :
هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم؟ فأخبر الله - عز وجل - رسوله وَ ل﴿و بذلك))(٢).
والمعنى: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ أى: فيما بينهم ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم
﴿آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار﴾ أى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا
التصديق بالإِسلام وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن
﴿وجه النهار﴾ أى فى أول النهار.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٣١١.
!
(١) تفسير المنار جـ ٣ ص ٣٢٣.

:
١٤٣
سورة آل عمران
وسمى أول النهار وجها، لأنه أول ما يواجهك منه، وأول وقت ظهوره ووضوحه.
وقوله ﴿واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾ معطوف على ﴿آمنوا﴾.
أى: آمنوا فى أول النهار واكفروا فى آخره، بأن تعودوا إلى اليهودية، أملا فى أن ينخدع
بحيلتكم هذه بعض المسلمين، فيشكوا فى دينهم، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم فى الإِسلام.
وقوله ﴿لعلهم يرجعون﴾ كشف عن مقصدهم الخبيث، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين
عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل.
قال الفخر الرازى: ((والفائدة فى إخبار الله - تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من
وجوه :
الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحدًا من الأجانب، فلما
أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزًا.
الثانى : أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر
فى قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة فى قلب بعض من كان فى
إيمانه ضعف.
الثالث : أن القوم لما افتضحوا فى هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من
الحيل والتلبيس))(١).
٥٠ ٥
ثم حكى - سبحانه - لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى :
﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم
عند ربکم﴾ .
وقوله - سبحانه - حكاية عنهم ﴿ولا تؤمنوا﴾ معطوف على قوله - تعالى - فى الآية السابقة
﴿آمنوا بالذى أُنزل﴾.
وقد فسر بعضهم ﴿ولا تؤمنوا﴾ بمعنى ولا تقروا، أو ولا تعترفوا؛ فتكون اللام فى قوله
﴿إلا لمن تبع دينكم) أصلية.
وعليه يكون المعنى : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا
آخره، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا دينهم الإِسلام، ويعودوا إلى
ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة،
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١٠١.

١٤٤
المجلد الثانى
ولا تقروا ولا تعترفوا بأن أحدًا من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب
والنبوة والفضائل، أو بأن أحدا فى قدرته أن يحاججكم أى يبادلكم الحجة عند ربكم يوم
القيامة، ولا تقروا ولا تعترفوا بشىء من ذلك ((إلا لمن تبع دينكم)) أى إلا لمن كان على ملتكم
اليهودية دون غيرها.
فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف، والتقدير: ولا تؤمنوا أى تقروا وتعترفوا لأحد من
الناس بأن أحدًا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدًا يحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم، لأن
إقراركم بذلك أمام المسلمين أو غيرهم ممن هو على غير ملتكم سيؤدى إلى ضعفكم وإلى قوة
المسلمين .
فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل
عن طريق محمد لر الذى أرسله الله رحمة للعالمين، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبى وَلّل
ولأتباعه، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك إلا فيما
بينهم، وصدق الله إذ يقول فى شأنهم ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن
فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾.
وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا الوجه فقال: ((قوله ﴿ولا تؤمنوا﴾ متعلق
بقوله: ﴿أن يؤتى﴾ وما بينهما اعتراض، أى: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم
إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله
مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياءكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتًا، ودون
المشركين لئلا يدعوهم إلى الإِسلام ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾ عطف على أن يؤتى. والضمير فى .
يحاجوكم لأحد، لأنه فى معنى الجمع، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم
يوم القيامة ويغالبونكم عند الله - تعالى بالحجة))(١).
هذا هو الوجه الأول فى تفسير الآية الكريمة.
وهناك وجه آخر يرى أصحابه أن قوله - تعالى - ﴿ولا تؤمنوا﴾ بمعنى ولا تصدقوا أو
ولا تعتقدوا، فتكون اللام فى قوله ﴿لمن تبع دينكم﴾ زائدة للتقوية.
فيصير المعنى على هذا الوجه : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا الإِسلام أول النهار
واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذى كان عليه،
ولا تصدقوا أن أحدا من البشر يؤتى مثل ما أتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة، أو أن
أحدا فى قدرته أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون فى الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج
(١) تفسیر الکشاف جـ١ ص ٣٧٣.

١٤٥
سورة آل عمران
النبوة من بينكم إلى العرب، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيًا منكم يقرر شرائع التوراة،
أما من جاء بتغيير شىء من أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد وَّ فلا تصدقوه.
فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله ((أحد)) المذكور فى الآية، والمستثنى هو قوله ﴿إلا لمن
تبع دینکم﴾.
والتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند
ربكم ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ أى إلا من كان على ملتكم اليهودية، أما أن يكون من غيركم كهذا
النبى العربى فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، لأنهما - فى زعمهم - حكر
على بنى إسرائيل.
فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد
أوتوا كتابًا ودينًا وفضائل مثل ما أوتوا هم أى اليهود، ويرون أنفسهم - لغرورهم وانطماس
بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر.
وعلى كل من الوجهين يكون قوله - تعالى - ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند
ربكم﴾ مفعول به لتؤمنوا.
والتقدير: ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدًا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا
يحاججكم عند ربكم.
وعلى كل من الوجهين - أيضا - يكون قوله - تعالى -: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم)
وقوله ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم﴾ حكاية من الله - تعالى - لما تواصى
به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة، وأفكار ماكرة.
ويكون قوله - تعالى - ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ كلاما معترضا بين أقوالهم ساقه الله
-تعالى- للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويزدادوا
هم رجسا إلى رجسهم، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد.
أى قل لهم يا محمد إن هداية الله - تعالى - ملك له وحده، وهو الذى يهبها لمن يشاء من
عباده، فهى ليست حكرًا على أحد، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم، وإذا كانت النبوة قد
ظلت فترة من الزمان فى بنى إسرائيل، فالله - تعالى - قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه
عليها وأن يجعلها فى محمد العربى وتر لأنه أهل لها وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته.
هذا، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التى حكاها القرآن عنهم قد انتهت بنهاية
قوله - تعالى - ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) وأما قوله - تعالى - ﴿قل إن الهدى هدى الله

١٤٦
المجلد الثانى
أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم﴾ فهو من كلام الله - تعالى - وقد ساقه -
سبحانه - للرد عليهم.
فيكون المعنى عليه : أن بعض اليهود قد قال لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا
آخره لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا، ولا تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل
دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له أثره فى بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم
عن الإِسلام.
وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه محمدًا وَل بالرد عليهم وبالكشف عن مكرهم فيقول: قل لهم
يا محمد إن الهدى هدى الله، أى إن هداية الله ملك له وحده فهو الذى يهدى من يشاء وهو
الذى يضل من يشاء، وقد هدانا - سبحانه - إلى الإِسلام وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه.
وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم : أمخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من
الكتاب والنبوة : أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم
كفرتم به، أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة؟ لا شك أنه لم
يحملكم على ذلك المنكر السىء إلا الحسد لمحمد وَل﴿ ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم
لأنكم - كما تدعون - أبناء الله وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأتباعه.
قالوا: ويؤيد هذا الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير ((أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم .. ))
بهمزتين أولاهما للاستفهام الذى قصد به التوبيخ والإنكار، والثانية هى همزة أن المصدرية.
وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازى فقال ما ملخصه: ((واعلم أن هذه الآية من
المشكلات الصعبة ... ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو
يحاجوكم عند ربكم﴾ من كلام الله - تعالى - فقد قرأ ابن كثير ((آن يؤتى أحد .. )) بمد الألف
على الاستفهام، ويكون الاستفهام للتوبيخ كقوله - تعالى - ﴿أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى
عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾. والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من
الشرائع تنكرون اتباعه، ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.
يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه. وبعد كثرة إحسانه إليه : أمن قلة إحسانى إليك؟.
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت))(١).
ثم أمر الله -تعالى- نبيه # أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ويفضحهم على
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١٠٢.

--- ...-
١٤٧
سورة آل عمران
رؤس الأشهاد فقال: ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ أى قل لهم
يا محمد : إن الفضل - الذى يتناول النبوة وغيرها من نعم الله على عباده - هذا الفضل وذلك
العطاء بيد الله - تعالى - وحده، وهو - سبحانه - المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من
عباده، وإذا كان - سبحانه - قد جعل النبوة فى بنى إسرائيل لفترة من الزمان، فذلك بفضل
منه وبرحمته، وإذا كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها فى هذا النبى العربى
فذلك - أيضا - بفضله ورحمته، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته، وهو - سبحانه -
صاحب الاختيار المطلق فى أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده. وهو - سبحانه ﴿واسع﴾ الرحمة
والفضل ﴿عليم﴾ بمن يستحقهما وبمن لا يستحقهما.
ثم قال - تعالى - ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ أى يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية
والنعم من يشاء من عباده.
وقوله ﴿والله ذو الفضل﴾ أى هو - سبحانه - صاحب الجود العميم والفضل العظيم، فلا
عظمة تساوى عظمة فضل الله - تعالى - على خلقه، وإنما هو وحده صاحب النعم التى
لا تحصى على عباده، فعليهم أن يشكروه وأن يفردوه بالعبادة والخضوع.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد كشفت عن مسلك من مسالك اليهود الماكرة التى أرادوا من
ورائها كيد الإِسلام والمسلمين، وفى هذا الكشف تنبيه للمسلمين إلى ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء
من شرور وآثام حتى يحذروهم.
ثم حكى القرآن لونا آخر من ألوان مزاعم اليهود الباطلة، وأقاويلهم الكاذبة، وهو دعواهم
أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، أى أن كل من كان على غير ملتهم فإنه مهدور الحقوق، ثم
رد عليهم بما يدحض مزاعمهم ويثبت أنهم ليسوا أهلا لاختصاصهم بالنبوة والرحمة فقال
تعالی :
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِطَارٍ
يُؤَدِّهِةِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا
مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِ آلْأُمَّيْنَ
سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
(٧٥
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
(٧٦)

١٤٨
المجلد الثانى
قال الإِمام الرازى: اعلم أن تعلق هذه الآية - وهى قوله - ومن أهل الكتاب ... بما قبلها
من وجهين :
الأول: أنه - تعالى - حكى عنهم فى الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب
الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم مثله، ثم إنه - تعالى - بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب
الأديان وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم.
والثانى : أنه - تعالى - لما حكى عنهم فى الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان
وهو أنهم قالوا (لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) حكى فى هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق
بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس فى القليل والكثير.
قال ابن عباس : أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتى أوقية من ذهب فأداها إليه.
وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء اليهودى دينارا فخانه فنزلت الآية(١).
والمعنى: إن من أهل الكتاب فريقًا إن تأتمنه على الكثير والنفيس من الأموال يؤده إليك عند
طلبه كاملا غير منقوص، وإن منهم فريقًا آخر إن تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا
يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل
الوسائل فى الحصول عليه.
فالآية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق الذى استجاب
للحق وآمن بالنبى وَل كعبد الله بن سلام وأمثاله من مؤمنى أهل الكتاب. وذمت من يستحق
الذم منهم وهو الفريق الذى لا يؤدى الأمانة، ولم يستجب للحق، بل استمر على كفره
وجحوده، وهذا القسم يمثل أكثرية أهل الكتاب.
والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل. أى أن منهم من هو فى غاية
الأمانة حتى أنه لو اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها، ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى أنه لو
أؤتمن على الشىء القليل لجحده.
وقوله ﴿إلا مادمت عليه قائمًا﴾ استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات. أى لا يؤده إليك فى
حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا فى حال أو فى وقت مداومتك على طلبه، والإلحاح
فى ذلك، واستعمال كل الوسائل للوصول إلى حقك.
قال الجمل: و((دمت)) هذه هى الناقصة، ترفع وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها
ما الظرفية كهذه الآية: إذ التقدير إلا مدة دوامك. وأصل هذه المادة للدلالة على الثبوت
والسكون. يقال: دام الماء، أى سكن. وفى الحديث: ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم)) أى
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١٠٧.

١٤٩
سورة آل عمران
الذى لا يجرى .. ومنه دام الشىء إذا امتد عليه زمان. ودامت الشمس إذا وقفت فى كبد السماء
وقوله ﴿عليه﴾ متعلق بقوله ﴿قائما﴾ والمراد بالقيام الملازمة، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على
رأس المطالب، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام(١).
قال ابن جرير: فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله بذلك نبيه مليه وقد علمت أن الناس لم
يزالوا كذلك، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها؟ قيل: إنما أراد - عز وجل - بإخباره
المؤمنين خبرهم على ما بينه فى كتابه بهذه الآية، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم،
وتخويفهم من الاغترار بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين(٢).
ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب التى جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق
غيرهم فقال - تعالى -: ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل﴾.
وقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه - ﴿لا يؤده﴾.
والمراد بالأميين : العرب، خصوصا من آمن منهم، وسمى العرب بالأميين نسبة إلى الأم،
وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقى على الحالة التى ولدتهم عليها أمهاتهم من
عدم القراءة والكتابة.
والسبيل : المراد به : الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق، ثم أطلق على الحجة باعتبارها
طريقا ووسيلة للإِلزام وتحمل التبعات.
أى: ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن. سببه
زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة فى استحلال أموال العرب الأميين
واستلابها منهم بأية طريقة، لأن الأميين ليسوا على ملتهم.
واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم، كما يحل لهم أخذ ما له بأى وسيلة.
وهذا الخلق الذميم معرق فى اليهود، لأن أنانيتهم جعلتهم يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى
نفوسهم، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا فتقول: ((لا تأخذ ربا من أخيك إذا
أقرضته)) فحرف اليهود هذا النص: إذ زادوا فيه كلمة الإِسرائيلى فأصبح النص هكذا
(( لا تأخذ ربا من أخيك الإِسرائيلى إذا أقرضته)) وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع
أنفسهم ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم، لأنهم لا يشعرون بالأخوة الإِنسانية العامة.
قال الآلوسي : أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : بايع اليهود رجال من المسلمين فى
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٢٨٨.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٣١٧ طبعة مصطفى الحلبى.

١٥٠
المجلد الثانى
الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم
عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذى كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك فى كتابهم.
وقال الكلبى: قالت اليهود: ((الأموال كلها كانت لنا، فما فى أيدى العرب منها فهو لنا،
وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا فى أخذ أموالنا منهم))(١).
وقوله - تعالى - ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ رد عليهم فيما قالوه من أنهم
ليس عليهم فى الأميين سبيل، وتكذيب لهم فيما زعموه، لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من
سلطان، ولا يؤيده عقل سليم، إذ المبادىء الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس
بدون تفرقة بينهم.
والمعنى : أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم ﴿ليس علينا فى الأميين
سبيل﴾، يفترون على الله الكذب فى قولهم هذا، وهم يعلمون أنه كاذبون، لأنهم ليس عندهم
فى كتبهم نص يبيح لهم استحلال أموال العرب وخيانتهم، وإنما الذى تأمرهم به كتبهم هو أداء
الأمانة لمستحقيها بالمعروف.
وقوله ﴿وهم يعلمون﴾ جملة حالية من الضمير فى ﴿يقولون﴾ ومفعول العلم محذوف
اقتصارا، أى وهم من ذوى العلم. أو اختصارا، أى يعلمون كذبهم وافتراءهم.
ولقد بين النبى ◌ّله فى أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر، ومن
ذلك ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال : لما نزلت: ﴿ومن أهل الكتاب من إن
تأمنه) الآية. قال النبى وَّلقر: ((كذب أعداء الله !! ما من شيء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت
قدمى، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر))(٢).
ولقد سار أتباع النبى لتر على مبدأ أداء الأمانة، وعدم أخذ شىء من أموال الغير إلا بوجه
مشروع.
قال ابن كثير: ((قال عبد الرازق: أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن أبى صعصعة بن
يزيد. أن رجلا سأل ابن عباس: إنا نصيب فى الغزو من أموال أهل الذمة : الدجاجة والشاة.
قال ابن عباس : فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال ابن عباس : هذا كما
قال أهل الكتاب ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾ إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم
إلا بطيب أنفسهم))(٣).
(١) تفسير الآلوسى جـ٢ ص ٥٠٢.
(٢) تفسير ابن جرير جـ٣ ص٣١٨.
(٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٧٤.

١٥١
سورة آل عمران
ثم أكد الله - تعالى - كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا: ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾
بجملة أخرى فيها الرد الذى يخرس ألسنتهم، ويدحض مزاعمهم فقال - تعالى -: ﴿بلى من
أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾.
و﴿بلى﴾ حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق، ولقد حكى القرآن قبل ذلك
أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم فى الأميين سبيل. فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذى يثبت
ما نفوه. ويبطل ما زعموه.
والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم فى الأميين سبيل، بل الحق أن
علیکم فیهم سبیل. وأنکم معذبون بسبب کفرکم واستحلالکم لأموالهم بدون حق ومثابون إن
آمنتم بالله ورسوله ووفيتم بعهودكم، وصنتم أنفسكم من كل ما يغضب الله - تعالى -.
وقد علل - سبحانه - هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال: ﴿من أوفى بعهده
واتقى فإن الله يحب المتقين﴾.
أى كل من أوفى بعهد الله فآمن بنبيه محمد الهر واستقام على دينه، واتقى ما نهى الله عنه من
ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من المحرمات، فإن الله يحبه ويرضى عنه، ومن لم يفعل ذلك
فإن الله يبغضه ولا يحبه ويعذبه العذاب الأليم.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة الله لعبده تتوفر بأمرين :
أولهما : الوفاء بالعهد. فكل ما يلتزمه الإِنسان من عهود فالوفاء بها واجب. وفى مقدمة هذه
العهود، العهد الذى أخذه الله على عباده بتوحيده والإِيمان برسله وعلى رأسهم محمد وأكثر .
وثانيهما : تقوى الله بمعنى أن يجتنب ما نهى الله عنه وحرمه عليه، ولا يفعل إلا ما أحله الله
وأذن له فيه.
%
وقد خلا اليهود من هذين الأمرين، لأنهم لم يفوا بعهودهم، ولم يتقوا الله، فسلبت عنهم
محبته، واستحقوا غضبه - سبحانه - ونقمته.
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من السبيل عليهم فى الأميين،
أى بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله ﴿من أوفى بعهده واتقى﴾ جملة مستأنفة مقررة للجملة التى
سدّت ﴿بلى﴾ مسدها. والضمير فى ﴿بعهده﴾ راجع إلى ﴿من أوفى﴾ على أن كل من أوفى بما
عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه.
فإن قلت : فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله .
قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شىء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم فى

١٥٢
المجلد الثانى
كتابهم من الإِيمان برسول مصدق لما معهم.
ولو اتقوا الله فى ترك الخيانة لاتقوه فى ترك الكذب على الله وتحريف كلمه، ويجوز أن يرجع
الضمير فى ((بعهده)) إلى الله، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه ويدخل فى ذلك
الإِيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.
فإن قلت : فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟ قلت : عموم المتقين قام مقام رجوع
الضمير))(١).
وبهذا يكون القرآن قد كشف عن مكر اليهود وخداعهم، ورد عليهم فيما افتروه من أقوال
باطلة، وأثبت أنهم يكذبون فيما يدعون عن تعمد وإصرار، وبين أن أداء الأمانة واجب على كل
إنسان، وأن كل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه.
ثم توعد الله - تعالى - الذين يخونون العهود، ويحلفون كذبا بالعذاب الأليم، ونعى على
فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء المصير فقال - تعالى - :
إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَبِّكَ لَا
خَلَقَ لَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوُ
مِنَ الْكِتَبِ وَمَاهُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ
مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَاهُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٨
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿إن الذين يشترون) الآية روايات منها :
ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله وَ الر قال: ((من حلف على مال امرىء
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٧٥.

١٥٣
سورة آل عمران
مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان)) قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من
كتاب الله، ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ إلخ.
وفى رواية قال: ((من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقى الله وهو عليه
غضبان، فأنزل الله - تعالى - تصديق ذلك ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾. قال عبد الله:
فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا : كذا وكذا. فقال : صدق. فى
نزلت، كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول الله وص له فقال رسول الله
بيع: شاهداك أو يمينه؟ قلت: إنه إذًا يحلف ولا يبالى فقال رسول الله وَار: ((من حلف على
يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان))، ونزلت: ﴿إن
الذين يشترون﴾(١).
وروى البخارى عن عبد الله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة فى السوق فحلف بالله لقد أعطى
بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت ﴿إن الذين يشترون﴾(٢).
وقال الفخر الرازى: قال عكرمة إنها نزلت فى أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم فى
التوراة من أمر محمد وَله وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا))(٣).
هذه ثلاث روايات فى سبب نزول تلك الآية الكريمة، وأرجحها رواية الشيخيين، ولذا
وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية فى قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه
القصة أو الحادثة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما يرى جمهور العلماء -.
فكل من حلف بالله كاذبا، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا حقت عليه العقوبة التى
بينتها الآية الكريمة. ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله
بإنكارهم لنبوة محمد مر مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة.
والمراد بقوله ﴿يشترون﴾ أى يستبدلون، وذلك لأن المشترى يأخذ شيئًا ويعطى شيئًا. فكل
واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر.
والمراد ﴿بعهد الله﴾ كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله - تعالى - على عباده من
فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه - أيضا-
ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإِيمان بمحمد وسط﴿ الذى يجدون نعته فى كتبهم، ويعرفون
(١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير باب ((إن الذين يشترون)) جـ٦ ص ٤٢ وأخرجه مسلم فى كتاب الأيمان.
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير باب ((إن الذين يشترون)) جـ٦ ص٤٣.
(٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١١١.

١٥٤
المجلد الثانى
صدقه كما يعرفون أبناءهم.
والباء فى قوله - تعالى -: ﴿بعهد الله﴾ داخلة على المتروك الذى تركوه وأخذوا فى مقابله
الثمن القليل.
وقوله ﴿وأيمانهم﴾ معطوف على عهد الله.
والمراد بأيمانهم تلك : الأيمان الكاذبة التى يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو
أفعال.
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة، التى أخذوها
نظير تركهم لعهود الله، وحلفهم الكاذب.
وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف
اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود الله تحقيرًا له، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ
من أغراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده.
وقوله ﴿أولئك لا خلاق لهم فى الآخرة﴾ أى الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة
فى مقابل عرض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولاحظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه
من غدر وافتراء .
وقوله ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم
القيامة بسبب أعمالهم السيئة .
أو أن عدم كلام الله - تعالى - لهم : كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل
على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشىء، فإنه ينصرف عنه.
وإلى هذا المعنى ذهب الإِمام الرازى فقد قال ما ملخصه: ((وقوله - تعالى - ﴿ولا يكلمهم
الله﴾ فيه سؤال وهو أنه - تعالى - قال: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون﴾ فكيف
الجمع بين الآية التى معنا وبين قوله ﴿لنسألنهم أجمعين﴾ والجواب: أن المقصود من كل هذه
الكلمات : بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه، فإنما ذلك بسخط عليه،
وإذا سخط إنسان على آخر قال له : لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول : لا أرى وجه
فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ بالله منه.
وهذا هو الجواب الصحيح))(١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١١.

١٥٥
سورة آل عمران
وقوله ﴿ولا ينظر إليهم﴾ أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وذلك كما يقول
القائل لغيره: انظر إلى، يريد: ارحمنى واعطف على.
ويقال : فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك نفى الإِحسان إليه وترك الاعتداد به، فقد
جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه.
قالوا : فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله - تعالى - إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك
العطف عليهم والإِحسان إليهم والرحمة بهم.
ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم، عدم رؤيتهم، لأنه - سبحانه - يراهم كما
یری غيرهم من خلقه.
وقوله - تعالى - ﴿ولا يزكيهم﴾ أى أنه - سبحانه - لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم
بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها. أو أنه - سبحانه - لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من
عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم، فقال : ﴿ولهم
عذاب أليم﴾.
أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا
بأنهم لاحظ لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم سينالون
العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم.
ثم بين - سبحانه - بعض الرذائل التى صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال -تعالى - :
﴿وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ والضمير
منهم﴾ يعود إلى أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفًا من رذائلهم
فی قوله - تعالى -
ومسالكهم الخبيثة فيما سبق.
قال الفخر الرازى: اعلم أن هذه الآية ﴿وإن منهم لفريقًا﴾ تدل على أن الآية المتقدمة وهى
قوله - تعالى - ﴿إن الذين يشترون﴾ نازلة فى اليهود بلا شك، لأن هذه الآية نازلة فى حق
اليهود وهى معطوفة على ما قبلها، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة فى اليهود
أيضا))(١).
وقال ابن كثير: يخبر - سبحانه - عن اليهود - عليهم لعائن الله - أن منهم فريقا يحرفون
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٨ ص ١١٣.
------.. .

١٥٦
المجلد الثانى
الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد ليوهموا الجهلة أنه فى كتاب الله
كذلك وينسبونه إلى الله. وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا فی ذلك كله))(١).
وقوله ﴿يلوون﴾ مأخوذ من اللى. وأصل اللى الميل يقال: لوى بيده ولوى برأسه إذا أماله.
والتوى الشىء إذا انحرف ومال عن الاستقامة إلى الاعوجاج والمعنى: ((وإن من هؤلاء اليهود
الذين كتموا الحق واشتروا بعهد الله وبأيمانهم ثمنًا قليلا. إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم
بالكتاب)) أى يعمدون إلى كتاب الله فينطقون ببعض ألفاظه نطقا مائلا محرفا يتغير به المعنى من
الوجه الصحيح الذى يفيده ظاهر اللفظ إلى معنى آخر سقيم لا يدل عليه اللفظ ولكنه يوافق
أهواءهم ونواياهم السيئة، ومقاصدهم الذميمة.
وذلك كأن ينطقوا بكلمة ﴿راعنا﴾ نطقا ملتويا يوافق فى لغتهم كلمة قبيحة يقصدون بها
الإِساءة إلى النبى وَّلة. وقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة النبى وص له بأمثال هذه
الألفاظ حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإِساءة إلى النبى وال فقال - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا
لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ وكأن ينطقوا بكلمة ((السلام عليكم)) بقولهم: ((السام عليكم))
بحذف اللام يعنون الموت عليكم لأن السام معناه الموت.
وكأن يغيروا لفظًا من كتابهم فيه ما يشهد بصدق النبى وهو بلفظ آخر، أو يؤولوا المعانى
تأويلا فاسدا، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا التحريف فى كثير من آيات القرآن الكريم،
ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم
يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون﴾(٢) وقوله - تعالى - ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم
عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا﴾(٣).
وقوله - تعالى - ﴿وإن منهم لفريقا﴾ إنصاف منه - سبحانه - للفريق الذى لم يرتكب هذا
الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه - عز وجل - وتلك عادة القرآن فى أحكامه لا يظلم أحدًا
ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم من يستحق الذم.
وقوله ﴿يلوون﴾ صفة لقوله ﴿فريقًا﴾.
والباء فى قوله ﴿بالكتاب﴾ بمعنى ((فى)) مع حذف المضاف. أى وإن منهم لفريقا يلوون
ألسنتهم فى حال قراءتهم للكتاب، إما بحذف حروف يتغير المعنى بحذفها، أو بزيادة تفسد
المعنى، أو بغير ذلك من وجوه التغيير والتبديل.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٧٦.
(٢) سورة البقرة الآية ص ٥٧.
(٣) سورة النساء الآية ٤٦.

١٥٧
سورة آل عمران
وقوله - تعالى -. ﴿لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ بيان للدوافع السيئة التى
دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم.
والضمير المنصوب فى قوله ﴿لتحسبوه﴾ وكذلك ضمير الغائب ﴿هو﴾: يعودان إلى الكلام
المحرف الذى لووا به ألسنتهم والمدلول عليه بقوله ﴿يلوون﴾.
أى إن من هؤلاء اليهود فريقًا يلوون ألسنتهم فى نطقهم بالكتاب ويحرفونه عن وجهه
الصحيح، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذى لووا به ألسنتهم من كتاب الله الذى أنزله
على أنبيائه، والحق بأن هذا المحرف ليس من كتاب الله فى شىء، وإنما هو من عند أنفسهم
نطقوا به زورا وبهتانًا إرضاء لأهوائهم. وقوله ﴿من الكتاب﴾ هو المفعول الثانى لقوله
﴿لتحسبوه﴾ .
والمخاطب بقوله ﴿لتحسبوه﴾ هم المسلمون وقال ﴿وما هو من الكتاب﴾ بتكرار لفظ
الكتاب، ولم يقل وما هو منه، للتنبيه على أن كتاب الله المنزل على موسى وعيسى - عليهما
السلام - برىء كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم، ومما يزعمونه ويفترونه عليه. ثم بين
- سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأة فى الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذى حرفوه وغيروه
من كتبهم إلى الله - تعالى - فقال: ﴿ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. ويقولون
على الله الكذب وهم يعلمون﴾.
أى أن هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب؛ ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف من الكتاب،
لا يكتفون بهذا التحريف، بل يقولون ﴿هو من عند الله﴾ أى هذا المحرف هو نزل من عند الله
هكذا، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا، والحق أن هذا المحرف ليس من عند الله ولكنهم
قوم ضالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
ففى هذه الجملة الكريمة بيان لإصرارهم على الباطل، ولتعمدهم الكذب على الله، وتوبيخ
لهم على هذا الافتراء العجيب. وقد أكد الله جرأتهم فى النطق بالزور والبهتان بمؤكدات منها :
أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان فى غاية الصراحة، فهم يقولون عن المحرف ﴿هو من
عند الله، وما هو من عند الله﴾.
وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله الذى خلقهم والذى يعلم ما يسرون
وما يعلنون ﴿ويقولون على الله الكذب﴾.
وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب، وهذا
ما يشهد به قوله - تعالى - ﴿وهم يعلمون﴾ .

١٥٨
المجلد الثانى
وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود، ارتكبت كل رذيلة ومنكر
بدون تفكر فى العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع، وأمرت به العقول السليمة.
وفى هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة ﴿الله﴾ قد تكرر ثلاث مرات، كذلك لفظ ﴿الكتاب﴾
تكرر ثلاث مرات، ولم يكتف بالضمير الذى يدل عليهما، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله -
تعالى - وباسم كتابه، وبالخبر المتعلق بهما، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا
ذكره، وقد جاء ذلك كثيرا فى أشعارهم، ومنه قول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شىء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره.
وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد
ألوان الوعيد، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود، وعن جرأتهم فى النطق
بالكذب عن تعمد وإصرار، حتى يحذرهم المسلمون.
ثم نزه الله - تعالى - أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد وَيهر عن أن
يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تنزيهه - سبحانه - لذاته عما تقوله المفترون فقال
- تعالى - :
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّيَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًالِّى مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَِّّعِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿﴾ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ
وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَ نْتُمُسْلِمُونَ
٨٠
قال ابن كثير: ((عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظى حين اجتمعت الأحبار من
اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله وير ودعاهم إلى الإِسلام : أتريد منا يا محمد
أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل نصرانى من أهل نجران يقال له
الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ - أو كما قال - فقال رسول الله وَاليقول: ((معاذ
الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك أمرنى ولا بذلك بعثنى . - أو كما

١٥٩
سورة آل عمران
قال ◌َ - فأنزل الله فى ذلك قوله - تعالى -: ﴿ما كان لبشر.) إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم
مسلمون﴾(١).
فقوله - تعالى - ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا
عبادًا لى من دون الله﴾ رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن
يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله والمعنى: لا يصح ولا ينبغى ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه
الله - تعالى - وأعطاه ﴿الكتاب﴾ الناطق بالحق، الأمر بالتوحيد، الناهى عن الإِشراك، وآتاه
﴿الحكم﴾ أى العلم النافع والعمل به، وآتاه ﴿النبوة﴾ أى الرسالة التى يبلغها عنه -سبحانه-
إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغى بعد كل
هذه النعم أن يكفرها ﴿ثم يقول للناس﴾ بعد هذا العطاء العظيم الذى وهبه الله له ﴿كونوا
عبادا لى من دون الله﴾ أى: لا ينبغى ولا يعقل من بشر آتاه الله كل هذه النعم أن يقول للناس
هذا القول الشنيع وهو ﴿كونوا عبادا لى من دون الله﴾ لأن الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب
والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من الله، وإخلاصهم له، عن أن يقولوا هذا القول المنكر، كما
يحجزهم عنه - أيضا- ما امتازوا به من نفوس طاهرة، وقلوب نقية، وعقول سليمة ... لأنهم
لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر فهو -سبحانه- القائل :
﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد
عنه حاجزین﴾ .
والتعبير بقوله - تعالى - : ﴿ما كان لبشر﴾ تعبير قرآنى بليغ، إذ يفيد نفى الشأن وعدم
اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة فى الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - وشبيه بهذا
التعبير قوله - تعالى -: ﴿ما كان الله أن يتخذ من ولد﴾ و﴿ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا
إلا خطأ﴾ .
وجاء العطف بثم فى قوله ﴿ثم يقول للناس﴾ للإشعار بالتفاوت العظيم بين ما أعطاه الله
-تعالى- لأنبيائه من نعم، وبين هذا القول المنكر الذى نفاه - سبحانه - عنهم، وهو أن يقولوا
للناس : اجعلوا عبادتكم لنا ولا تجعلوها لله - تعالى -
ثم بين - سبحانه - ما يصح للأنبياء أن يقولوه للناس فقال - تعالى -: ﴿ولكن كونوا
ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾.
وقوله ﴿ربانيين﴾ جمع ربانى نسبة إلى الرب - عز وجل - بزيادة الألف والنون سماعا
للمبالغة كما يقال فى غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية : لحيانى.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٧٧.

١٦٠
المجلد الثانى
والمراد بالربانى: الإِنسان الذى أخلص لله - تعالى - فى عبادته، وراقبه فى كل أقواله
وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به، وقضى حياته فى تعليم الناس
وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
والمعنى: لا يصح لبشر آتاه الله ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدونى من دون الله،
ولكن الذى يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم: كونوا ﴿ربانيين﴾ أى مقبلين على طاعة الله
-تعالى- وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذى
أنزله الله لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له، أى قارئين له بتمهل وتدبر.
وقوله - تعالى - ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾ استدراك قصد به إثبات ما ينبغى للرسل أن
يقولوه. بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغى لهم أن ينطقوا به، أى: لا ينبغى لبشر آتاه الله نعمًا
لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادًا لى من دون الله، ولكن الذى ينبغى له أن يقوله لهم هو
قوله: كونوا ربانيين أى مخلصين له - سبحانه - العبادة إخلاصا تاما.
ففى الجملة الكريمة إضمار، والتقدير: ((ولكن يقول لهم كونوا ربانيين)) فأضمر القول على
حسب مذهب العرب فى جواز الإِضمار إذا كان فى الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله - تعالى -
﴿وأما الذين. اسودت وجوههم أكفرتم﴾ أى فيقال لهم: أكفرتم، والباء فى قوله ﴿بما كنتم﴾
للسببية. وما مصدرية أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع ((تعلمون)) بإسكان العين وفتح اللام - من العلم أى بسبب
كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له.
قال الرازى : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإِنسان ربانيا، فمن
اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله كمثل من غرس شجرة
حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها، ولهذا قال ◌َله: ((نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب
لا يخشع )).
وقوله - تعالى - ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾ تأكيد لنفى أن يقول أحد
من البشر الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدونى من دون الله، وتنزيه
لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله.
وقوله ﴿ولا يأمركم﴾ وردت فيه قراءتان مشهورتان.
أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على ﴿يقول﴾ فى قوله ﴿ثم يقول) وتكون ((لا)) مزيدة
لتأكيد معنى النفى فى قوله ﴿ما كان لبشر﴾ ويكون فى الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب.