النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة آل عمران
بعض العلماء : وكان عدد هؤلاء الحواريين اثنى عشر رجلا آمنوا بعيسى وصدقوه ولازموه فى
دعوته إلى الحق.
ثم حكى - سبحانه ما كان من بنى إسرائيل فقال: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾
والمكر : التدبير المحكم. أو صرف غيرك عما يريده بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر
والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى - عليه السلام - ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل.
والمعنى : أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل .
الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. فأحبط الله - تعالى - مكرهم، وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه
عيسى - عليه السلام - من شرورهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أى أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا،
وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر قدرته، ورعايته لعبده عيسى - عليه السلام - وخذلانه
لأعدائه فقال - تعالى. ﴿إذ قال الله ياعيسى إنى متوفيك ورافعك إلى﴾.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان :
أما القول الأول : وهو قول جمهور العلماء - فیری أصحابه أن معنى ﴿إنى متوفیك ورافعك
:
إلى﴾ أى قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفى حظك من الحياة
هناك.
وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفى بالموت وإنما يقولون : إن التوفى فى اللغة معناه أخذ
الشىء تاما وافيا. فمعنى ﴿متوفيك﴾ آخذك وافيا بروحك وجسدك ومعنى ﴿ورافعك إلى﴾
ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء فالعطف للتفسير. يقال: وفيت فلانا حقه أى أعطيته إياه
وافیا فاستوفاه وتوفاه أی أخذه وافیا کاملا.
قال القرطبى: ((قال الحسن وابن جريج : معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير
٠٠٠
موت، مثل توفيت مالى من فلان أى قبضته))(١).
أما القول الثانى : وهو قول قلة من العلماء - فیری أصحابه أن معنى ﴿إنى متوفیك ورافعك
إلى﴾ أى ممتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل کرامتی ومقر ملائکتی كما ترفع أرواح الأنبياء
إليه - سبحانه -.
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٠٠

١٢٢
المجلد الثانى
فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفى بالإِماتة، ويقولون إن هذا التفسير هو
الظاهر من معنى التوفى ويفسرون ﴿ورافعك إلى﴾ بمعنى رفع الروح إلى السماء.
أی أن الله - تعالى - قد توفی عیسی کما یتوفی الأنفس کلھا، ورفع روحہ إلیہ کما یرفع أرواح
النبیین.
والذى تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور:
أولها : أن قوله - تعالى - فى سورة النساء ﴿وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه﴾(١) يفيد أن
الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإضراب مقابل للقتل والصلب الذى أرادوه وزعموا
حصوله، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما ومادام الرفع
بالروح لا يصح مقابلا لهما إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح.
ثانيها : أن هناك أحاديث متعددة، بلغت فى قوتها مبلغ التواتر المعنوى - كما يقول ابن
کثیر - قد وردت فى شأن نزول عیسی إلی الأرض فى آخر الزمان لیملأها عدلا کما ملئت جورا،
وليكون حاكما بشريعة محمد ◌َ ل﴿ ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أنه
قال: قال رسول الله وَ له ((يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، يقتل الدجال ويقتل
الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب
العالمين))(٢).
وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة فى شأن نزول عيسى، يفيد أن
نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه الله إليه بروحه وجسده.
ثالثا : أن هذا القول هو قول جمهور العلماء، وهو القول الذى يتناسب مع ما أكرم الله
- تعالى - به عيسى - عليه السلام - من كرامات ومعجزات.
قال بعض العلماء ما ملخصه : وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة
بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له-عليه السلام-هى فى رفعه بجسده، وبقاؤه فيها
إلى الأمد المقدر له ولا يصح أن يحمل التوفى على الإِماتة لأن إماتة عيسى فى وقت حصار أعدائه
ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول. وقد نزه الله
السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى. وإن كان الرفع بالروح فقط فأى مزية لعيسى فى ذلك على
سائر الأنبياء، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة. فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا
(١) الآيتان ١٥٧، ١٥٨.
(٢) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٥٧٨

١٢٣
سورة آل عمران
بجسده. وكما كان - عليه السلام - فى مبدأ خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان فى نهاية أمره
آية ومعجزة باهرة والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول، وهى من متعلقات
القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام -))(١).
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى للعلماء فى معنى هذه الآية الكريمة نرى
من الخير عدم ذكرها لضعفها وخوف الإِطالة(٢).
ومعنى الآية الكريمة : واذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ وقت أن قال الله - تعالى - لنبيه
عيسى: ﴿إنى متوفيك﴾ أى آخذك وافيًا بروحك وجسدك من الأرض ﴿ورافعك إلى﴾ أى
ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء لتستوفى حظك من الحياة هناك إلى أن آذن لك بالنزول إلى
الأرض.
﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ بإبعادك عنهم، وبإنجائك مما بيتوه لك من مكر سىء وبتبرئتك
مما أشاعوه عنك وعن أمك من أكاذيب وأباطيل.
﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك، وصدقوا بكل نبى بعثه ...
الله - تعالى - بدون تفرقة بين أنبيائه ورسله ..
﴿فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ أى جاعل هؤلاء المؤمنين فوق الذين كفروا بك وبغيرك
من الرسل إلى يوم القيامة.
أى فوقهم بحجتهم، وبسلامة اعتقادهم، وبقوتهم المادية والروحية إلى يوم القيامة.
فالمراد بأتباع عيسى هم الذين أخلصوا لله - تعالى - عبادتهم، وأقروا بوحدانيته -سبحانه-
ونزهوا عيسى عن أن يكون ابن الله أوثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الباطلة.
والمراد بالفوقية ما يتناول الناحيتين الروحية والمادية، أى هم فوقهم بقوة إيمانهم، وحسن
إدراكهم، وسلامة عقولهم، وهم فوقهم كذلك بشجاعتهم وحسن أخذهم للأسباب التى
شرعها الله -تعالى- كوسائل للنصر والفوز ولذا قال صاحب الكشاف قوله: ﴿فوق الذين
كفروا إلى يوم القيامة﴾ أى يعلونهم بالحجة وفى أكثر الأحوال بها وبالسيف ومتبعوه هم المسلمون
لأنهم متبعوه فى أصل الإِسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذین کذبوه والذین کذبوا علیه من
(١) صفوة البيان لمعانى القرآن جـ ١٠٩ ص ٢١٣ لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف.
(٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ١٧٩. وتفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٧١.

١٢٤
المجلد الثانى
اليهود والنصارى))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه
تختلفون﴾ .
أى. ثم إلى الله مرجعكم ومصيركم أيها الناس فيتولى - سبحانه - الحکم العادل بینکم فيما
كنتم تختلفون فيه فى دنياكم من شئون دينية أو دنيوية، ثم فصل سبحانه - هذا الحكم الذى
سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال: ﴿فأما الذين كفروا﴾ بى وبما يجب الإِيمان به ﴿فأعذبهم
عذابًا شديدًا فى الدنيا والآخرة﴾.
أى فأعذبهم عذابا شديدًا فى الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم، وبما يشبه ذلك
من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله - تعالى - وأما فى الآخرة فيساقون
إلى عذاب النار وبئس القرار.
وقد أكد - سبحانه - شدة هذا العذاب بعدة تاكيدات منها نسبة العذاب إليه - سبحانه -
وهو القوى القهار الغالب على كل شىء، ومنها التأكيد بالمصدر، ومنها الوصف بالشدة، ومنها
الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد فى قوله - تعالى - ﴿وما لهم من
. ناصرين﴾ أى ليس لهم من ناصر أيا كان هذا الناصر، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة
لا وزن لها ولا قيمة.
هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين فقد بينه - سبحانه - بقوله : ﴿وأما الذين آمنوا
وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم﴾.
أى فسيعطيهم - سبحانه - بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، أجورهم
كاملة غير منقوصة، من ثواب جزيل، وجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة، ورضوان
من الله أكبر من كل ذلك.
ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا على
طريقه .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله لا يحب الظالمين).
أى أنه - سبحانه - عادل فى أحكامه، ويكره الظلم والظالمين الذين لا يضعون الأمور فى
مواضعها .
ومن أفحش أنواع الظلم مايقوله أهل الكتاب على عيسى -عليه السلام - فقد زعم
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦٧.

١٢٥
سورة آل عمران
بعضهم أنه ابن الله، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول
المفتريات التى برأهما الله - تعالى - منها.
أما الذين آمنوا فقد قالوا فى عيسى وأمه قولا كريما، ولذلك كافأهم الله - تعالى - بما
يستحقون من ثواب.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى - عليه السلام - وبينت
للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريق القويم.
وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ولادة عيسى - عليه السلام - وما أجراه،
علی یدیه من معجزات، وما أكرمه به من مكرمات، وکیف کان موقف بنى إسرائيل منه، وكيف
أبطل الله مكرهم وخيب سعيهم، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة
وتوعد أعداءه بالعذاب الشديد ووعد اتباعه بالثواب الجزيل .. بعد أن حكى القرآن كل ذلك
ختم حديثه عن عيسى - عليه السلام - ببيان حقيقة تكوينه، وبإزالة وجه الغرابة فى ولادته،
وبتلقين النبى ﴿ الرد الصحيح على كل مجادل فى شأن عيسى - عليه السلام - استمع إلى
القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول :
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
لَهُكُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ
٦٠
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْنَدْعُ
أَبَْاءَ نَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَ نَا وَنِسَآءُ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ
ثُمَّ نَجْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّغْنَتَ الَّهِ عَلَى الْكَذِبِين
٦١
إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْقَصَصُ الْحَقِّ وَمَا مِّنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهُ لَهُوَ
٦٣
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
٦٢
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

١٢٦
المجلد الثانى
وقوله - تعالى - ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) اسم الإِشارة فيه وهو
((ذلك)) مشار به إلى المذكور من قصة آل عمران وقصة مريم وأمها، وقصة زکریا وندائه لربه،
وقصة عيسى وما أجراه الله - تعالى - على يديه من معجزات وما خصه به من كرامات.
أی ذلك القصص الحکیم الذی قصصناه علیك یا محمد ﴿نتلوه عليك﴾ أى نقصه عليك
متتابعا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. فأنت لم تكن معاصرًا لهؤلاء
الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم وهذا من أكبر الأدلة على صدقك فيما تبلغه عن ربك.
وقوله ﴿ذلك﴾ مبتدأ وقوله ﴿نتلوه عليك﴾ خبره.
وقوله ﴿من الآيات﴾ حال من الضمير المنصوب فى ﴿نتلوه﴾.
والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبى ◌َّه وقوله ﴿والذكر الحكيم﴾ أى والقرآن
المحكم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمشتمل على الحكم التى من شأنها أن
تهدى الناس إلى ما يسعدهم متى اتبعوها وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذى نقلت
منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
ثم بين - سبحانه - أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا على الله - تعالى - فقد خلق
آدم کذلك فقال: ﴿إِن مثل عیسی عند الله کمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له کن فیکون﴾.
والمثل هنا : بمعنى الصفة والحال والعجيبة الشأن، ومحل التمثيل كون كليهما قد خلق بدون
أب، والشىء قد يشبه بالشىء متى اجتمعا ولو فى وصف واحد.
والمعنى : إن شأن عيسى وحاله الغريبة ﴿عند الله﴾ أى فى تقديره وحكمه ﴿كمثل آدم﴾ أى
کصفته وحاله العجيبة فی أن کلیھما قد خلقه الله - تعالى - من غیر أب، ویزید آدم علی عیسی
أنه خلق بدون أم - أيضًا -.
فالآية الكريمة ترد ردًّا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح أو اعتبره ابن الله .
وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية عيسى لأنه خلق من غير أب : أنه إذا كان وجود
عيسى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ثم أولى آدم لأنه خلق من غير
أب ولا أم. ومادام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا السبب فبطل حينئذ القول بألوهية
عيسى لانهيار الأساس الذى قام عليه وهو خلقه من غير أب.
ولأنه إذا كان الله - تعالى - قادرا على أن يخلق إنسانًا بدون أب ولا أم. فأولى ثم أولى أن
يكون قادرًا على خلق إنسان من غير أب فقط. ومن أم هى مريم التى تولاها - سبحانه -
برعايته وصيانته لها من كل سوء وجعلها وعاء لهذا النبى الكريم عيسى - عليه السلام -.

١
١٢٧
سورة آل عمران
قال صاحب الكشاف: وقوله ﴿خلقه من تراب﴾ جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم - أى
للأمر الذى لأجله كان ذلك التشبيه - أى خلق آدم من تراب ولم یکن ثمة أب ولا أم وكذلك
حال عيسى. فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ووجد آدم من غير أب وأم؟
قلت : هو مثيله فى أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن
المماثلة مشاركة فى بعض الأوصاف، ولأنه شبه به لأنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة
وهما فى ذلك نظيران. ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب،
فشبه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيم هو أغرب مما
استغربه))(١).
وقوله ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ تصوير لخلق الله - تعالى - آدم من تراب أى أراد
-سبحانه- أن یوجد آدم فصوره من طین ثم قال له حین صوره کن بشرا فصار بشرا كاملا
روحا وجسدا كما أمر - سبحانه -.
فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة الله، تصويرا بديعا يدل على أنه - سبحانه - لا يعجزه
شىء فى هذا الكون.
وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء فى ((يكون)) دون الماضى بأن يقول ((فكان)) لأن التعبير
بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن وجهة أخرى فإن صيغة المضارع
فى هذا المقام تنبىء عما كان، وتومىء إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله - تعالى - المستمر فى
المستقبل كما كان فى الماضى.
ثم بين - سبحانه - أن ما أخبر به عباده فى شأن عيسى وغيره هو الحق الذى لا يحوم حوله
باطل فقال - تعالى - ﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين﴾.
والامتراء هو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق.
وهو - كما يقول الرازى - مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها فكأن
الشاك يجتذب بشکه مراء كاللبن الذى يجتذب عند الحلب. يقال : قد مارى فلان فلانا إذا
جادله كأنه يستخرج غضبه(٢) .
والمعنى : هذا الذى أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثابت
اليقينى الذى لا مجال للشك فيه، ومادام الأمر كذلك فاثبت على ما أنت عليه من حق،
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦٧.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٨٠.

١٢٨
المجلد الثانى
ولا تكونن من الشاكين فى أى شىء مما أخبرناك به.
وقد أكد - سبحانه - أن ما أوحاه إلى نبيه. وفي هو الحق بثلاثة تأكيدات:
أولها: بالتعريف فى كلمة ﴿الحق﴾ أى ما أخبرناك به هو الحق الثابت الذى لا يخالطه
باطل.
ثانيها : بكونه من عنده - سبحانه - وكل شىء من عنده فهو صدق لا ريب فيه.
ثالثها : بالنهى عن الامتراء والشك فى ذلك الحق، لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها
العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء.
قال الألوسى: وقوله ﴿فلا تكن من الممترين﴾ خطاب له وَلقر ولا يضرفيه استحالة وقوع
الامتراء منه في بل ذكروا فى هذا الأسلوب فائدتين:
إحداهما: أنه إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد فى الثبات على
اليقين نورا على نور.
وثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه
* مع جلالته التى لا تصل إليها الأمانى - إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ ففى ذلك ثبات له
ـ ولطف بغيره))(١).
لقد لقن الله تعالى، نبيه * *، الجواب الذى يقطع لسان المجادلين بالباطل فى شأن عيسى
عليه السلام، فقال تعالى ﴿فمن حاجك فيه من بعد ماجاءك من العلم﴾ .. إلخ.
قال الفخر الرازى: اعلم أنه ((سبحانه)) بين أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة
على فساد قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعهما بذكر الجواب على جميع شبههم على سبيل
الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم وهو أنه لما لم يلزم من عدم
الأب والأم البشريين لآدم أن يكون ابنا لله فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى أن
يكون ابنا لله. ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضًا خلق عيسى من الدم الذى كان
يجتمع فى رحم أم عيسى. ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى
-فعند ذلك- قال سبحانه - ﴿فمن حاجك﴾ بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة
فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة (٢).
والفاء فى قوله ﴿فمن حاجك﴾ للتفريع على قوله - تعالى - ﴿الحق من ربك) .. وقوله
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٨٧.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٨٢.

١٢٩
سورة آل عمران
﴿من﴾ الراجح فيها أنها شرطية. وقوله ﴿حاجك﴾ من المحاجة وهى تبادل الحجة والمجادلة
بين شخص وآخر.
والمعنى: فمن جادلك وخاصمك ((يا محمد)) من أهل الكتاب ((فيه)) أى فى شأن عيسى
- عليه السلام- بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الكاذبة فى
شأنه.
وقوله ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ أى فمن جادلك فى شأن عيسى من بعد الذى أنزلناه
إليك وقصصناه عليك فى أمره، فلا تبادله المجادلة، فإنه معاند لا يقنعه الدليل مهما كان
واضحا، ولكن قل له ولأمثاله من الضالين :
﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله
على الكاذبين﴾ .
وقوله ﴿تعالوا﴾ اسم فعل أمر لطلب القدوم. وهو فى الأصل أمر من تعالى يتعالى ((كترامى
يترامى)) إذا قصد العلو. فكأنهم أرادوا به فى الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا
للمدعو، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور.
وقوله ﴿ثم نبتهل﴾ أى نتباهل ونتلاعن. فالافتعال هنا بمعنى المفاعلة أى بأن نقول: بهلة
الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بفتح الباء وضمها : اللعنة. يقال بهله الله يبهله بهلا لعنه
الله وأبعده من رحمته ثم شاعت فى كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا.
والمعنى: فإن جادلك أهل الكتاب فى شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو الحق من
أمره فقل لهم ﴿تعالوا﴾ أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل، وهو أن
ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم نجتمع جميعا فى مكان واحد، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه
بأن يجعل لعنته على الكاذبين فى دعواهم المنحرفين عن الحق فى اعتقادهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبى بير الجواب الحاسم الذى يخرس ألسنة المجادلين
فى عيسى، ويتحداهم - إن كانوا صادقين - أن يقبلوا هذه المباهلة، ولكنهم نكصوا على
أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم.
وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد على نصارى نجران
الذين جادلوا النبى بَّر فى شأن عيسى - عليه السلام -.
قال ابن كثير ما ملخصه. وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا فى وفد

١٣٫٠
المجلد الثانى
نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون فى عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة
والألوهية فأنزل صدر هذه السورة ردًا عليهم .. وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول
أمرهم وهم: العاقب أميرهم واسمه عبدالمسيح، والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم،
وأبوحارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفى القصة أن النبى وير لما أتاه الخبر من الله تعالى،
والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم. دعاهم إلى المباهلة فقالوا :
يا أبا القاسم دعنا ننظر فى أمرنا .. ثم خلوا بالعاقب فقالوا. يا عبدالمسيح ماذا ترى؟ فقال.
والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمدا لنبى مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر
صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط، فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه
للاستئصال منكم إن فعلتم .. فأتوا النبى وَّ ر. فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك
وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم وَّر وأقرهم على خراج يؤدونه إليه .
وروى الحافظ ابن مردويه عن جابر قال: قدم على النبى وَّر العاقب والطيب فدعاهما إلى
الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله وَالر فأخذ بيد على وفاطمة
والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج.
قال: فقال رسول الله و الله ((والذى بعثنى بالحق لو لاعنا لأمطر عليهم الوادى نارًا)).
ثم قال: وروى البخارى عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول
الله ◌َ يّ يريدان أن يلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه
لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثم قالا للنبى وَ لجر: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا
أمينا .. فقال: ((لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين)). فاستشرف لها أصحاب رسول الله وَل
فقال وَلّ: ((قم يا أبا عبيدة بن الجراح)). فلما قام قال رسول الله وَله: ((هذا أمين هذه
الأمة ))(١) .
وقال صاحب الكشاف: إن قلت ماكان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن
خصمه؛ وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟
قلت: ذلك آكد فى الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض
أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له. وعلى ثقته بكذب
خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء
والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى
يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن فى الحروب لتمنعهم من الهرب .. وفى الآية
ت:
(١) تفسیر ابن کثیر جـ١ ص٣٦٨

١٣١
سورة آل عمران
دليل واضح على صحة نبوة النبى وَر لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى
ذلك))(١).
ثم أكد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال: ﴿إن هذا لهو القصص
الحق، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم).
أى إن الذى قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشئون
لهو القصص الثابت الذى لا مجال فيه لإِنكار منكر، ولا لتشكيك متشكك.
وقد أكد - سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام فى قوله ﴿لهو﴾ وبضمير
الفصل ((هو)) وبالقصر الذى تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما على كل منكر.
ما أخبر الله به فى شأن عيسى - عليه السلام - وفى كل ما قصه على نبيه وَله .
وقوله ﴿وما من إله إلا الله ﴾ نفی قاطع لأن یکون هناك إله سوی الله - تعالى - وإثبات بأن
--
الألوهية الحقة إنما هى لله رب العالمين.
وقد أكد - سبحانه - نفى الألوهية عن غيره بكلمة ﴿من﴾ المفيدة لاستغراق النفى استغراقا
مستمرا ثابتا مؤكدا .
وقوله ﴿وما من إله إلا الله﴾ ((ما)) نافية، و((إله)) فى قوله ﴿من إله﴾ مبتدأ و﴿من﴾ مزيدة
فيه، و﴿إلا الله﴾ خبره والتقدير: وما إله إلا الله، وزيدت من للاستغراق والعموم.
وقوله ﴿وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية على الله -تعالى-
وحده، أى وإن الله - تعالى - لهو المنفرد بالألوهية وحده؛ لأنه هو الغالب الذی یقھر ولا يقهر،
الحكيم فى كل ما يخلقه ويدبره.
وفى هذا التذييل أيضًا رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ويعتقدون مع
ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه.
ثم ختم - سبحانه - تلك المحاجة بقوله : ﴿فإن تولوا فإن الله عليم بالمفدسين﴾.
أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجج الواضحات التى
اخبرناك بها وقصصناها عليك، فأنذرهم بسوء العاقبة، وأخبرهم أن الله -تعالى- علیم هم،
وبما يقولونه ويفعلونه من فساد فى الأرض، وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم.
فقوله ﴿فإن الله علیم بالمفسدين﴾ قائم مقام جواب الشرط، أی فإن تولوا فأخبرهم بأنهم
مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن الله عليم بإفسادهم ولن يتركهم بدون عقوبة.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٦٩ .

١٣٢
المجلد الثانى
وهذه الجملة الكريمة تتضمن فى ذاتها تهديدا شديدًا لهؤلاء المجادلين بالباطل فى شأن
عيسى - عليه السلام - ولكل من أعرض عن الحق الذى جاء به النبي ◌َ ليل لأن الله - تعالى-
ليس غافلا عن إفساد المفسدين، وإنما يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكيم جانبا من قصة آل عمران
فحدثتنا عما كان من امرأته أم مريم، وما قالته عندما حملت بها، وما قالته بعد ولادتها، وما أكرم
الله به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة وبالرزق الحسن، ثم ما كان من شأن زكريا وتضرعه إلى
الله أن يهبه الذرية الصالحة واستجابة الله له وتبشيره بولادة يحيى، ثم ما كان من شأن مريم
وتبشيرها باصطفاء الله لها وأمرها بالمداومة على طاعته، ثم تبشيرها بعيسى وتعجبها لذلك والرد
عليها بما يزيل هذا العجب، ثم ما كان من شأن عيسى - عليه السلام - وما وصفه به من
صفات كريمة، وما منحه من معجزات باهرة تشهد بصدقه فى رسالته، مما جعل الحواريين
يؤمنون به، أما الأكثرون من بنى إسرائيل فقد كفروا به ودبروا له المكايد فأنجاه الله من مكرهم
ورفعه إليه وطهره منهم.
ثم بين القرآن أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن هذا هو الحق، وقد تحدى الرسول مثل كل
من نازعه فى ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين نكصوا على اعقابهم، فثبت صدق النبى مَّ فيما
یبلغه عن ربه.
وبذلك يكون القرآن قد بين الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - بيانا يهدى القلوب ويقنع
العقول ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار، وإخلاص العبادة لله رب العالمين.
ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل الكتاب دعاهم فيه - فى بضع آيات متوالية -
إلى عبادة الله وحده، وإلى ترك المحاجة الباطلة فى شأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
وإلى الإِقلاع عن الكفر بآيات الله وعن تلبيس الحق بالباطل، وعن كتمان الحق مع علمهم بأنه
حق . .
استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أهل الكتاب إلى كلمة الحق فيقول :
قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ اشْهَدُ واْ بِأَنَّا

١٣٣
سورة آل عمران
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ
٦٤
مُسْلِمُونَ
إَِهِيمَ وَمَآ أُنْزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِّ أَفَلاَ
هَكَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِیمَالَكُمْبِهِ،
٦٥
تَعْقِلُونَ
عِلَّمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِمْ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ ﴿ مَا كَانَ إِنَْهِيمٌ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
٦٧
حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
بِتَهِيمَ لَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ
اُلْمُؤْمِنِينَ
﴿ وَدَّتَ طَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيُضِلُونَكُر
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿ يَأَهُلَ
٧٠
اُلْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ نَشْهَدُونَ
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات فى هذه الآيات الكريمة
أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يخلصوا لله العبادة فقال ﴿قل
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾.
والسواء: العدل والنصفة، أى قل يا محمد لأهل الكتاب: هلموا وأقبلوا إلى كلمة ذات
عدل وإنصاف بيننا وبينكم.
أو السواء : مصدر مستوية أى هلموا إلى كلمة لا تختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول
السليمة، لأنها كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق.

١٣٤
المجلد الثانى
ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة التى هى محل اتفاق بين الأنبياء فقال :
﴿ألا نعبد إلا الله﴾ أى نترك نحن وأنتم عبادة غير الله، بأن نفرده وحده بالعبادة والطاعة
والإِذعان .
﴿ولا نشرك به شيئًا﴾ أى ولا نشرك معه أحدا فى العبادة والخضوع، بأن نقول: فلان إله،
أو فلان ابن إله، أو أن الله ثالث ثلاثة.
﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ أى ولا يطيع بعضنا بعضا فى معصية الله.
قال الآلوسي: ويؤيده ما أخرجه الترمذى وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت
هذه الآية قال: ماكنا نعبدهم يارسول الله. فقال ◌َله: ((أما كانوا يحلون منكم ويحرمون
فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. فقال ◌َله هو ذاك)). قيل وإلى هذا أشار -سبحانه- بقوله :
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها
واحدا لا إله إلا هو﴾(١).
فالآية الكريمة قد نهت الناس جميعا عن عبادة غير الله، وعن أن يشرك معه فى الألوهية أحد
من بشر أو حجر أو غير ذلك، وعن أن يتخذ أحد من البشر فى مقام الرب - عز وجل - بأن
يتبع فى تحليل شىء أو تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه.
ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعا متفقة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وقد حكى القرآن
فى كثير من الآيات هذا المعنى ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن
اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾(٢). وقوله - تعالى -: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا
نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾(٣).
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا مالج الجاحدون فى طغيانهم
فقال: ﴿فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ .
أى فإن أعرض هؤلاء الكفار عن دعوة الحق، وانصرفوا عن موافقتكم بسبب ماهم عليه من
عناد وجحود فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم، بل قولوا لهم: اشهدوا : بأنا مسلمون مذعنون
لكلمة الحق، بخلافكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل.
قال صاحب الكشاف وقوله ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ أى لزمتكم الحجة فوجب
(١) تفسير الآلوسي ٣ ص ١٩٣
(٢) سورة النحل الآية ٣٦.
(٣) سورة الأنبياء الآية ٢٥

۔۔
١٣٥
سورة آل عمران
عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. وذلك كما يقول الغالب للمغلوب فى جدال
وصراع أو غيرهما : اعترف بأنى أنا الغالب وسلم لى بالغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض
ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره))(١).
هذا وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التى تهدى الناس إلى طريق الحق بأسلوب
منطقى رصين، ولذا كان النبى وَيه يكتبها فى بعض رسائله التى أرسلها إلى الملوك والرؤساء
ليدعوهم إلى الإِسلام -.
فقد جاء فى كتاب النبى وَ ل إلى هرقل - ملك الروم - ((من محمد رسول الله إلى هرقل
عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد : فإنى أدعوك بدعاية الاسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن
عليك إثم الأريسيين، ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله
ولا نشرك به شيئًا﴾ إلخ الآية))(٢).
وأما النداء الثانى الذى اشتملت عليه هذه الآيات فقد تضمن نهى أهل الكتاب عن الجدال
بالباطل فى شأن إبراهيم - عليه السلام - قال - تعالى - ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون فى
إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾.
قال ابن جرير: عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله
فتنازعوا عنده، قالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا
نصرانيا، فأنزل الله - تعالى - فيهم: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم﴾(٣).
وقوله ﴿تحاجون﴾ من المحاجة ومعناها أن يتبادل المتخاصمان الحجة بأن يقدم كل واحد
حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها.
والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر اليهود والنصارى أن تجادلوا فى دين إبراهيم وشريعته فيدعى
بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية، ويدعى البعض الآخر أنه كان على الديانة النصرانية،
فإن التوراة والإنجيل مانزلا إلا من بعده بأزمان طويلة، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة مع ..
أنها مانزلت إلا من بعده، أو کیف یکون نصرانيا یدین بالإِنجیل مع أنه ما نزل إلا من بعده،
بآلاف السنين؟ إن هذه المحاجة منكم فى شأن إبراهيم ظاهرة البطلان واضحة الفساد.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٧١
(٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٠٥ والأريسيون هم: العمال والفلاحون وعامة الشعب.
(٣) تفسير ابن جرير جـ ٣ ٣٠٥ طبعة مصطفى الحلبى، سنة ١٩٥٤.

١٣٦
المجلد الثانى
وقوله ﴿أفلا تعقلون﴾ أى أفلا تعقلون يا أهل الكتاب هذا الأمر البدهى وهو أن المتقدم على
الشىء لا يمكن أن يكون تابعا للشىء المتأخر عنه؟
فالاستفهام لتوبيخهم وتجهيلهم فى دعواهم أن إبراهيم - عليه السلام - كان يهوديا أو
نصرانيا.
ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر مخالفة أهل الكتاب لمقتضيات العقول السليمة
وهو أنهم يجادلون فى أمر ليس عندهم أسباب العلم به فقال - تعالى - ﴿ها أنتم هؤلاء
حاججتم فیما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾.
والمعنى : أنتم يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة - سواء أكانت صحيحة أم
فاسدة فى أمر لكم به علم فى الجملة، کجدالكم فيما وجدتموه فی کتبکم من أمر موسى وعيسى -
عليهما السلام - أو كجدالكم فيما جاء فى التوراة والإنجيل من أحكام، ولكن كيف أبحتم
لأنفسكم أن تجادلوا فى أمر ليس لكم به علم أصلا، وهو جدالكم فى دين إبراهيم وشريعته ؟
لأنه من البديهى أن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا إذ وجوده سابق على وجودهما بأزمان
طويلة.
وإذن فجدالكم فى شأن إبراهيم هو لون من ألوان جهلكم ومخالفتكم لكل ما تقتضيه
العقول السليمة، والنفوس المستقيمة.
وقوله - تعالى - ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم﴾ ها حرف تنبيه، وأنتم مبتدأ، وهؤلاء منادى
بحرف نداء محذوف ﴿وحاججتم﴾ خبر المبتدأ أنتم. والتقدير: أنتم يا هؤلاء حاججتم فيما
لكم به علم.
ويرى صاحب الكشاف أن قوله ﴿أنتم﴾ مبتدأ و﴿هؤلاء﴾ خبره. و﴿حاججتم﴾ جملة
مستأنفة مبينة للجملة الأولى. والمعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة
عقولكم أنكم جادلتم ((فيما لكم به علم)) مما نطق به التوراة والإنجيل. ﴿فلم تحاجون فيما ليس
لكم به علم﴾ ولا ذكر له. فى كتابيكم من دين إبراهيم .. ومعنى الاستفهام التعجب من
حماقتهم))(١).
وتكرير هاء التنبيه فى قوله ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ يشعر بغرابة ما هم عليه من جهل، ومجافاته
لكل منطق سليم.
قال الرازى: وقوله ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم﴾ يحتمل أنه لم يصفهم بالعلم
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ٣٧١.

..---
١٣٧
سورة آل عمران
حقيقة وإنما أراد أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به
ألبته))(١).
وقوله - تعالى - ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ تذييل قصد به تأكيد علم الله الشامل،
ونفى العلم عن أهل الكتاب فى شأن إبراهيم.
أى والله - تعالى - يعلم حال إبراهيم ودينه، ويعلم كل شىء فى هذا الوجود، وأنتم
لا تعلمون ذلك
ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين الإِسلام فقال - تعالى : ﴿ما
كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفًا مسلما وما كان من المشركين﴾.
وقوله ﴿حنيفا﴾ من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة، بعكس الجنف فهو ميل
عن الاستقامة إلى الضلال ويقال: تحنف الرجل أى تحرى طريق الاستقامة.
أى: ما كان إبراهيم - عليه السلام - فى يوم من الأيام يهوديا كما قال اليهود، ولا نصرانيا
كما قال النصارى ولكنه كان حنيفا أى مائلا عن العقائد الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان
((مسلما)) أى مستسلما لله - تعالى - منقادا له مخلصا له العبادة ﴿وما كان من المشركين) الذين
يشركون مع الله آلهة أخرى بأن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة، أو يقولوا عزير ابن الله أو المسيح ابن
الله أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة.
ففى هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم، وتعريض بأولئك الكافرين من أهل الكتاب
الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيا بأنهم هم المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان
مبرأً من ذلك.
أخرج الامام مسلم والترمذى وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبى
ور فقال: يا خير البرية. فقال رسول الله وَّر: ((ذاك إبراهيم عليه السلام)).
ثم أصدر - سبحانه - حكمه الحاسم العادل فى هذه القضية التى كثر الجدل فيها فقال :
﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا والله ولى المؤمنين﴾.
وقوله - تعالى - ﴿أولى) أفعل تفضيل من الولى وهو القرب.
والمعنى: إن أقرب الناس من إبراهيم، وأخصهم به، وأحقهم بالانتساب إليه أصناف
ثلاثة :
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٩٥.

١٣٨
المجلد الثانى
أولهم : بينه الله بقوله ﴿الذين اتبعوه﴾ أى الذين أجابوا دعوته فى حياته واتبعوا دينه
وشريعته بعد مماته.
وقد أكد الله - تعالى - حكمه هذا بحرف ﴿إن﴾ وبأفعل التفضيل ﴿أولى) وباللام فى قوله
﴿الذين اتبعوه﴾ ليرد على أقاويل أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديا أو
نصرانيا.
وثانى هذه الأصناف: بينه - سبحانه - بقوله ﴿وهذا النبى﴾ والمراد به محمد يقر الداعى
إلى التوحيد الذى دعا إليه إبراهيم.
والجملة الكريمة من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وللإشعار بأنه وَ الر قد تلقى
الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم - عليه السلام -
وثالث هذه الأصناف : بينه الله - تعالى - بقوله ﴿والذين آمنوا﴾ أى: والذين آمنوا بمحمد
وَالر واتبعوه .
وفى هذا تنويه بشأن الأمة الإسلامية، وتقرير بأن أتباع محمد ير أحق بالانتساب إلى
إبراهيم من أهل الكتاب لأن المؤمنين طلبوا الحق وآمنوا به، أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم
بدنياهم، وتركوا الحق جريا وراء شهواتهم.
وقوله ﴿والله ولى المؤمنين﴾ تذييل مقصود به تبشير المؤمنين بأن الله - تعالى - هو ناصرهم
ومتولى أمورهم.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يقول الله - تعالى - إن أحق الناس بمتابعة إبراهيم
الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبى يعنى محمدا ◌َلر والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين
والأنصار ومن تبعهم بعدهم. فعن ابن مسعود أن رسول الله وَل قر قال ((إن لكل نبى ولاية من
النبيين، وإن وليى منهم أبى خليل ربى عز وجل إبراهيم عليه السلام. ثم قرأ: ﴿إِن أولى
الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ الآية(١).
ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال، بل يحاولون
أن يضلوا غيرهم فقال - تعالى - ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم﴾.
وقوله - تعالى - ﴿ودت﴾ من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه.
أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون -
وذلك بأن ترجعوا عن دين الإِسلام الذى هداكم الله إليه، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك
الكافرون من أهل الكتاب.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٧٣.

٣٠١
١٣٩
سورة آل عمران
ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمنى، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات
حول دين الإِسلام، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم.
قال القرطبى : نزلت هذه الآية - فى معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر،
حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية(١).
والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهى مع مجرورها فى محل رفع
نعت لطائفة.
و﴿لو﴾ فى قوله ﴿لو يضلونكم﴾ مصدرية أى ودت طائفة من أهمل الكتاب إضلالكم.
وقوله ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ جملة حالية.
أى: والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء الأهواء على
قلوبهم، وإيثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له، لأنهم قد زين
لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا.
وأما النداء الثالث الذى اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله: ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون
بآيات الله وأنتم تشهدون﴾.
أى: لماذا تكفرون بآيات الله - تعالى - التى يتلوها عليكم نبيه محمد ويعلي والحال أنكم
تعلمون صدقها وصحتها علما يقينيا كعلم المشاهدة والعيان، وتعرفون أنه نبى حقا كما تعرفون
أبناءكم .
والاستفهام فى قوله ﴿لم تكفرون﴾ لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم، وإنكار ماهم عليه من
كفر بآيات الله مع علمهم بصدقها.
وفى هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإِيمان
لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه ﴿ والتى تتناول القرآن الكريم، والحجج
والمعجزات التى جاءهم بها ◌َّر .
تم وجه إليهم - سبحانه - نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن كتمان
الحق بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال - تعالى -: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون
الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾.
وقوله : ﴿تلبسون﴾ أى تخلطون من اللبس - بفتح اللام - أى الخلط وفعله. ليس من باب
ضرب .
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٠.

١٤٠
المجلد الثانى
تقول : لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكلة وحقه بباطله فى ستر وخفاء.
أى: يا أهل الكتب لماذا تخلطون الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية، وأيدته
العقول السليمة، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم إرضاء لأهوائكم؟ ولماذا تكتمون
الحق الذى تعرفونه كما تعرفون أبناءكم بغية انصراف الناس عنه، لأن من جهل شيئًا عاداه.
وفى تكرير النداء والاستفهام زيادة فى توبيخهم ولإِنكار ما هم عليه، والتعجيب من
شأنهم، ذلك لأنهم جمعوا أفحش أنواع الرذائل التى على رأسها كفرهم بآيات الله وخلطهم
الحق بالباطل وكتمان الحق عمن يريده.
ولدعاة الضلالة طريقتان فى إغواء الناس.
إحداهما : طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهى المشار إليها
بقوله - تعالى ﴿لم تلبسون الحق بالباطل﴾.
والثانية : طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهى المشار إليها بقوله - تعالى - :
﴿وتكتمون الحق﴾.
وقد استعمل أهل الكتاب الطريقتين لصرف الناس عن الإِسلام فقد كان بعضهم يؤول
نصوص كتبهم الدالة على صدق النبى ◌َّ تأويلا فاسدًا يخلط فيه الحق بالباطل ليوهموا العامة
أنه ليس هو النبى المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق شبها ليوقع ضعفاء الإِيمان فى حيرة
وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبى ◌َّلة أو التى لا توافق
أهواءهم.
وقوله : ﴿وأنتم تعلمون﴾ جملة حالية. أى وأنتم تعلمون أن ما أخفيتموه وما لبستموه هو
الحق، أو وأنتم من ذوى العلم ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق ويخلطه بالباطل، وإذا
كان هذا الفعل يعد من كبائر الذنوب حتى ولو وقع من شخص عادى فإن وقعه يكون أقبح
وفساده أكبر وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم يميز بين الحق والباطل.
قال أبو حيان : وهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد فى النهى عن اللبس والكتم، إلا أنها
لا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل إذ الجاهل بحال الشىء لا یدری کونه حقا
أو باطلا. وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإِقدام
عليها مع الجهل(١).
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ١٨٠.