النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة آل عمران ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ والسر فى هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب الله وانتقامه، فإن تكرار التحذير من شأنه أن يغرس فى القلوب التذكر والاعتبار والوجل. وقيل : إن التحذير الأول ذكر للنهى عن موالاة الكافرين. والذى هنا ذكر للحث على عمل الخير والتنفير من عمل الشر. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله رءوف بالعباد﴾ ومن مظاهر رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن يعاقبهم، وأنه يعفو عن كثير من ذنوب عباده، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى يقلعوا عن خطاياهم. إلى غير ذلك من مظاهر رأفته ورحمته. ثم أمر الله -تعالى- رسول الله ◌َليل أن يرشد الناس إلى الطريق الذى متى سلكوه كانوا حقا محبين لله، وكانوا ممن يحبهم - سبحانه - فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾. قال بعضهم: عن الحسن البصرى قال: قال قوم على عهد النبى وَليّ يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله الآية، وروى محمد بن إسحاق عن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : ((نزلت فى نصارى نجران وذلك أنهم قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم))(١). ومحبة العباد الله - كما يقول الزمخشرى - مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها، ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى : قل يا محمد للناس على سبيل الإِرشاد والتبيين : إن كنتم تحبون الله حقا كما تدعون، فاتبعونى، فإن اتباعكم لى يؤدى إلى محبة الله لكم، وإلى غفرانه لذنوبكم، وذلك لأن محبة الله ليست دعوى باللسان، وإنما محبة الله تتحقق باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه على لسان رسوله محمد # الذى أرسله رحمة للعالمين. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ((هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، بأنه كاذب فى نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدى، والدين النبوى فى كل أقواله وأعماله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وير أنه قال : (١) تفسير الآلوسي جـ ٣ ص ١٣٠ وتفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢٣٢. ٨٢ المجلد الثانى ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))(١). وقوله ﴿يحببكم الله﴾ جواب الأمر، وهو قوله ﴿فاتبعوني﴾. وهذا رأى الخليل. ويرى أكثر المتأخرين من النحاة أن قوله ((يحببكم الله)) جواب الشرط مقدر دل عليه المقام والتقدير: إن كنتم تحبون الله فاتبعونى، وإن اتبعتمونى يحببكم الله، أى يمنحكم الثواب الجزيل، والأجر العظيم، والرضا الكبير. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن أول علامات محبة العبد لربه، هى اتباع رسوله وَلاقه وأن هذا الاتباع يؤدى إلى محبة الله - تعالى - لهذا العبد وإلى مغفرة ذنوبه. ومحبة الله لعبده هى منتهى الأمانى، وغاية الآمال، ولذا قال بعض الحكماء: ((ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تَحَب)). ومحبة الله إنما تتأتى بإخلاص العبادة والوقوف عند حدوده والاستجابة لتعاليم رسوله محمد وَ* وكل من يدعى أنه محب لله وهو معرض عن أوامره ونواهيه فهو كاذب فى دعواه كما قال الشاعر الصوفى : تعصى الإِله وأنت تظهر حبه هذا لعمرى فى القياس بديع إن المحب لمن يحب مطيع لو كان حبك صادقًا لأطعته ثم ختم - سبحانه - الآية بوصفين جليلين فقال : ﴿والله غفور رحيم﴾ أى أنه -سبحانه- كثير الغفران والرحمة لمن تقرب إليه بالطاعة، واتبع رسوله فيما جاء به من عنده. ثم كرر - سبحانه - الأمر لرسوله وَ ل# بأن يحض الناس على اتباع ما يسعدهم فقال له : ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾. أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا رسوله فى جميع الأوامر والنواهى، وإن من يدعى أنه مطيع لله دون أن يتبع رسوله فإنه يكون كاذبا فى دعواه، ولذا لم يقل - سبحانه - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، للإِشعار بأن الطاعة واحدة وأن طاعة الرسول وَله طاعة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾(٢). ثم ذكر - سبحانه - عاقبة العصاة المعاندين فقال : ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ أى: فإن أعرضوا عما تأمرهم به يا محمد ولم يستجيبوا لك واستمروا على كفرهم، فإنهم لا ينالون محبة الله، لأنهم كافرون. (١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٣٥٨. (٢) سورة النساء من الآية ٨٠ ٨٣ سورة آل عمران ففى هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ينالها إلا من يتبع الرسول وَله لأنه - سبحانه - نفى حبه عن الكافرين، ومتى نفى حبه عنهم فقد أثبت بغضه، ولأنه عبر عن تركهم اتباع رسوله بالتولى وهو أفحش أنواع الإِعراض، ومن أعرض عن طاعة رسول الله كان بعيدًا عن محبة الله. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من التوجيهات السامية، والآداب العالية ما من شأنه أن يغرس فى النفوس إخلاص العبادة لله، والخشية من عقابه، والأمل فى ثوابه، والإكثار من العمل الصالح الذى يؤدى إلى رضا الله ومحبته. وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع - من أول السورة إلى هنا - عن وحدانية الله، وقدرته النافذة وعلمه المحيط، وعن أحقيته للعبادة والخضوع، وعن الكتب السماوية وما اشتملت عليه من هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه، وعن رعاية الله - تعالى - لعباده المؤمنين، وعن تهديد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم، وعن الشهوات التى يميل الإِنسان . بطبعه إليها وعما هو أفضل منها، وعن دين الإِسلام وانه هو الدين الذى ارتضاه الله لعباده، وعن بعض الرذائل التى عرفت عن أكثر أهل الكتاب، وعن حث الناس على مراقبة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا فى دينهم ودنياهم وآخرتهم .. بعد كل ذلك تحدث القرآن - فى أكثر من ثلاثين آية - عمن اصطفاهم الله من عباده، وعن جانب من قصة مريم، وقصة زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - وعن قصة ولادة عيسى - عليه السلام - وما صاحبها من خرق العادات، وما منحه - سبحانه - من معجزات وعن محاجة الكافرين من أهل الكتاب فى شأنه وكيف رد القرآن عليهم .. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : إِنَّاُللَّهَ اصْطَفَىْ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِّ وَاللَّهُ ٣٣ إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبِّ إِ نَذَرْتُ لَكَ ٣٤ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مَا فِي بَطْنِى مُحَرًَّا فَتَقَبَّلْ مِنِىِ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍ إِّ وَضَعْتُهَا أُنْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَهُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّ أُعِيذُ هَابِكَ ٨٤ المجلد الثانى فَتَقَبَّلَهَارَبُهَا بِقَبُولٍ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ٣٦ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتَّا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا كُلَّمَادَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمْ أَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( ١٣٧ قوله ﴿اصطفى﴾ من الاصطفاء وهو الاختيار والانتقاء وطلب الصفوة من كل شىء. وقوله ﴿وآل إبراهيم﴾ الآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن الأهل إلا أنه خص بالإِضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة. يقال آل فلان ولا يقال آل رجل ولا آل زمان كذا أو موضع كذا .. ويضاف إلى الأشرف الأفضل فيقال آل الله وآل السلطان ولا يقال آل الحجام .. ويستعمل الآل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة قال - تعالى - ﴿آل إبراهيم وآل عمران﴾(١). والمعنى: إن الله - تعالى - قد اختار واصطفى ﴿آدم﴾ أبا البشر، بأن جعله خليفة فى الأرض، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته .. واصطفى ﴿نوحًّا﴾ لأنه - كما يقول الألوسى - آدم الأصغر، والأب الثانى للبشرية، وليس أحد على وجه البسيطة إلا من نسله لقوله - سبحانه - ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾(٢). واصطفى ﴿آل إبراهيم﴾ أى عشيرته وذوى قرباه وهم إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما . واصطفى ﴿آل عمران﴾ إذ جعل فيهم عيسى - عليه السلام - الذى آتاه الله البينات، وأيده بروح القدس. والمراد بعمران هذا والد مريم أم عيسى - عليه السلام - فهو عمران بن ياشم بن ميشا بن حزقيا .. وينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام -. (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٠. ١ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٣١. ٨٥ سورة آل عمران وإن فى ذلك التسلسل دليل على أن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته أن يجعل فى الإِنسانية من يهديها إلى الصراط المستقيم فقد ابتدأت الهداية بآدم أبى البشر كما قال - تعالى - : ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ ثم جاء من بعده بقرون لا يعلمها إلا الله نوح - عليه السلام - فمكث يدعو الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق ((ألف سنة إلا خمسين عامًا)) ثم جاء من بعد ذلك إبراهيم - عليه السلام - فدعا الناس إلى عبادة الله وحده، فكان هو وآله صفوة الخلق وفيهم النبوة فمن إسماعيل بن إبراهيم كان محمد ◌َّ الذى ختمت به الرسالات السماوية . ومن إسحاق وبنيه كان عدد من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون .. ومن فرع إسحاق كان آل عمران وهم ذريته وأقاربه کزکریا ویحیی وعيسى الذى كان آخر نبی من هذا الفرع. وفى التعبير بالاصطفاء تنبيه إلى أن آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران صفوة الخلق، إذ أن الرسل والأنبياء جميعا من نسلهم. وقوله ﴿على العالمين﴾ أى على عالمى زمانهم. أى أهل زمان كل واحد منهم. ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصفوة الكريمة بعضها من بعض فقال ﴿ذرية بعضها من بعض﴾ وأصل الذرية - كما يقول القرطبى - فعلية من الذر، لأن الله - تعالى - أخرج الخلق من صلب آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم - وقيل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرعًا خلقهم، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين))(١). والمعنى: أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض، فهم متصلو النسب، فنوح من ذرية آدم، وآل إبراهيم من ذرية نوح، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم، فهم جميعًا سلسلة متصلة الحلقات فى النسب، والخصال الحميدة. وقوله ﴿ذرية﴾ منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران. ثم ختم-سبحانه- الآية بقوله : ﴿والله سميع عليم﴾ أى هو - سبحانه - سميع لأقوال عباده فى شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفى شأن غيرهم عليم بأحوال خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم. والجملة الكريمة تذییل مقرر لمضمون ما قبلها، ومؤكد له. ثم حكى سبحانه ما قالته امرأة عمران عندما أحست بعلامات الحمل فقال تعالى : ﴿إِذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك مافى بطنى محررا فتقبل منى﴾ والظرف ((إذ)) فى محل النصب (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ١٠٧. ٨٦ المجلد الثانى على المفعولية بفعل محذوف والتقدير: أذكر لهم وقت قولها رب إنى نذرت .. ألخ. وقيل هو متعلق بقوله ﴿والله سميع عليم﴾ أى أنه - سبحانه - يعلم علم ما يسمع فى الوقت الذى قالت فيه امرأة عمران ذلك القول. وامرأة عمران هذه هى ((حنة)) بنت فاقوذا بن قنبل وهى أم مريم وجدة عيسى عليه السلام وعمران هذا هو زوجها، وهو أبو مريم. وقوله ﴿نذرت﴾ من النذر وهو التزام التقرب إلى الله - تعالى - بأمر من جنس العبادات التى شرعها - سبحانه - لعباده ليتقربوا بها إليه. وقوله ﴿محررًا﴾ أى عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس. يقال: حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم تبق فيه شيئًا من وجوه الخطأ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان. والمعنى: اذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت امرأة عمران إلى ربها تدعوه بضراعة وخشوع فتقول : يارب إنى نذرت لخدمة بيتك هذا الجنين الذى فى بطنى مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر الخالص، وتلك النية الصادقة، ﴿إنك أنت السميع﴾ لقولى ولأقوال خلقك ﴿العليم) بنيتى وبنوايا سائر عبادك. فأنت ترى فى هذا الدعاء الخاشع الذى حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى ألوان الأدب والإِخلاص، فقد توجهت إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذى فى بطنها، ملتمسة منه - سبحانه - أن يقبل نذرها الذى وهبته لخدمة بيته، واللام فى قوله ((لك)) للتعليل أى نذرت لخدمة بيتك. وقوله ﴿محررا﴾ حال من ((ما)) والعامل فيه ((نذرت)). قال بعضهم: ((وكان هذا النذر يلزم فى شريعتهم فكان المحرر عندهم إذا حرر جعل فى الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يتخير فإن أحب ذهب حيث شاء، وإن اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج. ولم يكن أحد من أنبياء بنى إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر لخدمة بيت المقدس ولم يكن يحرر إلا الغلمان، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى))(١). وجملة ﴿إنك أنت السميع العليم) تعليلية لاستدعاء القبول، من حيث أن علمه - سبحانه - بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لقبول نذرها تفضلا منه وكرما. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٦٢. ٨٧ سورة آل عمران ثم حكى - سبحانه - ما قالته بعد أن وضعت ما فى بطنها فقال - تعالى: ﴿فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى﴾. قالوا : إن هذا خبر لا يقصد به الإِخبار، بل المقصود منه إظهار التحسر والتحزن والاعتذار، فقد كانت امرأة عمران تتوقع أن يكون مافى بطنها ذكرا، لأنه هو الذى يصلح لخدمة بيت الله والانقطاع للعبادة فيه، لكنها حين وضعت حملها ووجدته أنثى، قالت على سبيل الاعتذار عن الوفاء بنذرها : رب إنى وضعتها أنثى، والأنثى لا تصلح للمهمة التى نذرت ما فى بطنى لها وهى خدمة بيتك المقدس، وأنت يا إلهى القدير على كل شىء فبقدرتك أن تخلق الذكر وبقدرتك أن تخلق الأنثى. والضمير فى قوله ﴿فلما وضعتها﴾ يعود لما فى بطنها. وتأنيث باعتبار حاله فى الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى. وقوله ﴿أنثى) منصوب على الحال من الضمير فى وضعتها، وهى حال مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير فجاءت أنثى مؤكدة. وقوله ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ جملة معترضة سيقت للايماء إلى تعظيم المولود الذى وضعته وتفخيم شأنه، وللإشعار بأن الأنثى ستصلح لما يصلح له الذكور من خدمة بيته. أى : والله -تعالى- أعلم منها ومن غيرها بما وضعته، لأنه هو الذى خلق هذا المولود وجعله أنثى، وهو العليم بما سيصير إليه أمر هذه الأنثى من فضل، إذ منها سيكون عيسى -عليه السلام- وسيجعلها -سبحانه- آية ظاهرة دالة على كمال قدرته، ونفوذ إرادته. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ بضم التاء وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة معترضة وإنما هى من تتمة ما قالته، ويكون الكلام التفات من الخطاب إلى الاسم الظاهر وهو لفظ الجلالة إذ لو جرت على مقتضى قولها، ﴿رب إنى وضعتها أنثى﴾ لقالت: وأنت أعلم بما وضعت. ويكون قولها هذا من تتمة الاعتذار إلى الله - تعالى - حيث وضعت مولودا لا يصلح لما نذرته - فى عرف قومها وتسلية لنفسها، أى ولعل الله سرا وحكمة لا يعلمها أحد سواه فى جعل هذا المولود أنثى. أو لعل هذه الأنثى تكون خيرًا من الذكر. وقوله -تعالى- ﴿وليس الذكر كالأنثى) يحتمل أنه من كلامه -سبحانه- وهو الظاهر - فتكون الجملة معترضة كسابقتها، ويكون: وليس الذكر الذى طلبته کالأنثی التی ولدتها، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه فى العبادة والمكانة إلا أنها لا تصلح عندهم لسدانة بيت الله تعالى، بسبب حرمة اختلاطها بالرجال وما يعتريها من حيض وغير ذلك مما يعترى النساء. ٨٨ المجلد الثانى ويحتمل أنه من كلامها الذى حكاه الله تعالى عنها فلا تكون الجملة معترضة ويكون المعنى : وليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التى وضعتها، بل هو خير منها لأنه هو الذى يصلح لسدانة بيتك وخدمته، ومع هذا فأنا فى كلتا الحالتين راضية بقضائك مستسلمة الإِرادتك. ثم حكى - سبحانك - أيضًا بعض ما قالته بعد ولادتها فقال ﴿وإنى سميتها مريم، وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾. قالوا: إن كلمة مريم معناها فى لغتهم العابدة، فأرادت بهذه التسمية التقرب إلى الله والالتماس منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لا سمها. ومعنى ﴿أعيذها بك﴾ أمنعها وأجيرها بحفظك. مأخوذ من العوذ، وهو أن تلتجىء إلى غيرك وتتعلق به. يقال: عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه العوذة وهى التميمة والرقية. والشيطان فى لغة العرب : كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شىء. وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن كل خير. والرجيم : فعيل بمعنى مفعول. أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير. وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور. والمعنى : وإنى يا خالقی مع حبی لأن یکون المولود ذکرًا لتتهيأ له خدمة بيتك فقد رضیت بما وهبت لى، وإنى قد سميت هذه الأنثى التى أعطيتنى إياها مريم. أى العابدة الخادمة لك، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها من الشيطان الرجيم الذى يزين للناس الشرور والمساوئ. قال القرطبى: وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَله ((مامن مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه)). ثم قال أبو هريرة: ((اقرءوا إن شئتم: وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)). قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله - تعالى - استجاب دعاء أم مريم .. ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإِفساد والإِغواء، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى : ﴿إِن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾(١). وقوله : ﴿وإنى سميتها مريم﴾ معطوف على ﴿إنى وضعتها أنثى) وما بينهما اعتراض. وهذا (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٦٨ بتلخيص. ٨٩ سورة آل عمران على قراءة الجمهور التى جاءت بتسكين التاء فى ﴿وضعت﴾ فى قوله - تعالى - ﴿والله اعلم بما وضعت﴾ . وأما على قراءة غير الجمهور التى جاءت بضم التاء فى قوله: ﴿وضعت﴾ فيكون أيضًا معطوفًا على ﴿إنى وضعتها أنثى) ويكون هذا القول وما عطف عليه فى محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إنى وضعتها أنثى، وقالت: الله أعلم بما وضعت وقالت: ليس الذكر كالأنثى، وقالت: إنى سميتها مريم. وأتى فى قوله : ﴿وإنى أعيذها﴾ بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها، بخلاف وضعتها، وسميتها، حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما. وقوله : ﴿وذريتها﴾ معطوف على الضمير المنصوب فى أعيذها. وفى التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم، رمز إلى طلب بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة. تلك هى بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات، التى توجهت بها امرأة عمران إلى ربها عندما أحست بالحمل فى بطنها وعندما وضعت حملها حكاها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر، فماذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها أن أجاب الله دعاءها وقبل تضرعها، وقد حكى - سبحانه - ذلك بقوله : ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنًا﴾. والفاء فى قوله: ﴿فتقبلها﴾ تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، والضمير يعود إلى مريم. والتقبل - كما يقول الراغب - قبول الشىء على وجه يقتضى ثوابا كالهدية ونحوها. وإنما قال - سبحانه - ﴿فتقبلها ربها بقبول﴾ ولم يقل بتقبل: للجمع بين الأمرين : التقبل الذى هو الترقى فى القبول، والقبول الذى يقتضى الرضا والإثابة))(١). والمعنى : أن الله - تعالى - تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها، فرضى أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور، مع كونها أنثى وفاء بنذر الأم التقية التى قالت ﴿رب إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا﴾. ﴿وأنبتها نباتا حسنا﴾ أى رباها تربية حسنة، وصانها من كل سوء، فكان حالها كحال. النبات الذى ينمو فى الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره الطيبة. وهكذا قيض الله - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية، فقد قبلها لخدمة بيته مع أنها (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى جـ ٢ ص ٢٩. ٩٠ المجلد الثانى أنثى، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقى أو خلقى، وهيألها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب. فقد قال - تعالى - ﴿وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. قوله ﴿وكفلها زكريا﴾ أى ضمها إلى زكريا، لأن الكفالة فى أصل معناها الضم. أى ضمها الله - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها. وقرىء ﴿وكفلها﴾ بتخفيف الفاء. وبرفع ﴿زكريا﴾ على أنه فاعل. وعلى هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أى ((زكرياء)). أما على القراءة الأولى فيجوز فى زكريا المد والقصر. وزكريا هو أحد أنبياء بنى إسرائيل وينتهى نسبة إلى سليمان بن داود - عليهما السلام - وكان متزوجا بخالة مريم، وقيل كان متزوجا بأختها. وكانت كفالته لها نتيجة اقتراع بينه وبين من رغبوا فى كفالتها من سدنة بيت المقدس، يدل على ذلك قوله - تعالى - ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾. قال صاحب الكشاف: ((روى أن ((حنة)) حين ولدت مريم، لفتها فى خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار وهم فى بيت المقدس، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم)). فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندى خالتها فقالوا: لا، حتى نقترع عليها، فانطلقوا إلى نهر وألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها))(١). وقوله : ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا﴾ بيان لكفالة الله - تعالى - لرزقها ورضاه عنها، ورعايته لها. والمحراب الموضع العالى الشريف والمراد به الغرفة التى كانت تتخذها مريم مكانا لعبادتها فى المسجد. سمى بذلك لأنه مكان محاربة الشيطان والهوى. قال الألوسى ما ملخصه: ((والمحراب - على ماروى عن ابن عباس - غرفة بنيت لها فى بيت المقدس، وكانت لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وقيل المراد به أشرف مواضع المسجد ومقدمها وهو مقام الإِمام من المسجد أصله (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٥٧ بتلخيص يسير. ٩١ سورة آل عمران مفعال: صيغة مبالغة - كمطعان - فسمى به المكان، لأن المحاربين نفوسهم كثيرون فيه و((كلما)) ظرف على أن ((ما)) مصدرية، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها. والمعنى: كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه ((وجد عندها رزقا)) أى أصاب ولقى بحضرتها ذلك أو وجد ذلك كائنا بحضرتها. أخرجه بن جرير عن الربيع قال: ((أنه كان لا يدخل أحد سوى زكريا فكان يجد عندها فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف)) والتنوين فى ﴿رزقًا﴾ للتعظيم .. (١). وهذا دليل على قدرة الله - سبحانه- على كل شىء، وعلى رعايته لمريم، فقد رزقها - سبحانه - من حيث لاتحتسب، ودليل على وقوع الكرامة لأوليائه - تعالى - . ولقد كان وجود هذا الرزق عند مريم دون أن يعرف زكريا - عليه السلام - مصدره مع أنه لا يدخل عليها أحد سواه كان ذلك محل عجبه، لذا حكى القرآن عنه : ﴿قال يا مريم أنى لك هذا﴾ أى من أين لك هذا الرزق العظيم الذى لا أعرف سببه ومصدره. و﴿أنى﴾ هنا بمعنى من أين. والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذا الرزق؟ فكان الجواب: قال يا مريم من أين لك هذا. ولقد كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة إيمانها، وصفاء نفسها. فقد أجابته بقولها - كما حكى القرآن عنها- ﴿قالت هو من عند الله﴾ أى: قالت له إن هذا الرزق من عند الله -تعالى- فهو الذى رزقنى إياه وسافه إلى بقدرته النافذة. وقوله - تعالى - ﴿إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ جملة تعليلية. أى: إن الله تعالى، يرزق من يشاء أن يرزقه رزقا واسعا عظيما لا يحده حد، ولا تجرى عليه الأعداد التى تنتهى، فهو - سبحانه - لا يحاسبه محاسب، ولا تنقص خزائنه من أى عطاء مهما كثر وعظم. وهذه الجملة الكريمة يحتمل أنها من كلام الله - تعالى - فتكون مستأنفة، ويحتمل أنها من كلامها الذى حكاه القرآن عنها، فتكون تعليلية فى محل نصب داخلة تحت القول. هذا وفى تلك الآيات التى حكاها القرآن عن مريم وأمها نرى كيف يعمل الإِيمان عمله فى القلوب فينقيها ويصفيها ويحررها من رق العبودية لغير الله الواحد القهار وكيف أن الله تعالى، (١) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٣٩. ٩٢ المجلد الثانى يتقبل دعاء عباده الصالحين، وينبتهم نباتا حسنا، ويرعاهم برعايته، يرزقهم من حيث لا يحتسبون. ولقد كان ما رآه زكريا - عليه السلام - من أحوال مريم من الأسباب التى جعلته - وهو الشيخ الهرم - يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة، وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال - تعالى - : هُنَالِكَ دَ عَازَكَرِبَّا رَبَّةٌ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنِكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنََّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ٥ٌ، فَتَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَيُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍمِّنَ اقَالَ رَبِّ ٣٩ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أَّى يَكُونُ لِ تُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَايَشَآءُ ، قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّرَمْزًا وَأَذْكُر ٤١ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ قوله - تعالى ﴿هنالك دعا زكريا ربه﴾ كلام مستأنف، وقصة مستقلة سيقت فى تضاعيف قصة مريم وأمها لما بينهما من قوة الارتباط، وشدة الاشتباك مع ما فى إيرادها من تقرير ما سيقت له قصة مريم وأمها من بيان اصطفاء آل عمران. و((هنا)) ظرف يشار به إلى المكان القريب كما فى قوله - تعالى - ﴿إنا هاهنا قاعدون﴾ وتدخل عليه اللام والكاف ((هنالك)) أو الكاف وحدها ((هناك)) فيكون للبعيد وقد يشار به للزمان اتساعا. والمعنى: فی ذلك المکان الطاهر الذی کان يلتقى فيه زکریا مریم ویری من شأنها ما یری من فضائل وغرائب، تحركت فى نفس زكريا عاطفة الأبوة، وهو الشيخ الكبير الذى وهن عظمه واشتعل رأسه شيبًّا، وبلغ من الكبر عتيًّا - فدعا الله تعالى - بقلب سليم، وبنفس صافية ٩٣ سورة آل عمران وبجوارح خاشعة، أن يرزقه الذرية الصالحة. ولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه المؤثر فقال: ﴿قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾. أى، قال زكريا مناجيا ربه: يارب أنت الذى خلقتنى، وأنت الذى لا يقف أمام قدرتك شىء، وأنت الذى جعلتنى أرى من أحوال مريم ما يشهد بقدرتك النافذة وفضلك العميم فهب لى يا خالقى من عندك ذرية صالحة تقر بها عينى، وتكون خلفا من بعدى ﴿إنك سميع الدعاء﴾ أى إنك عليم بدعائى علم من يسمع، قريب الإجابة لمن يدعوك، فإن أجبت لى سؤالى فبفضلك وإن لم تجبه، فبعدلك وحكمتك. فأنت ترى فى هذا الدعاء الذى صدر عن زكريا - عليه السلام - أسمى ألوان الأدب والخشوع والإِنابة. فقد رفع أكف الضراعة فى مكان مقدس طاهر، وفى التعبير بقوله ﴿دعا زكريا ربه﴾ إشارة إلى تسليمه الله وإلى شعوره بقدرة الله على كل شىء، فهو الذى خلقه ورباه وتولاه برعايته فى كل أدوار حياته. وفى قوله ﴿هب لى من لدنك﴾ إشعار بأنه يريد من خالقه - عز وجل - أن يعطيه هذه الذرية بلا سبب عادى، ولكن بإرادته وقدرته لأنه لو كان الأمر فى هذا العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية مستبعدًا إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا وزوجته قد تجاوزت السن التى يحصل فيها الانجاب فى العادة. أى هب لى من عندك لا من عندى، لأن الأسباب عندى أصبحت مستبعدة. وفى تقييد الذرية بكونها طيبة، إشارة إلى أن زكريا لقوة إيمانه، ونقاء سريرته، وحسن صلته بربه، لا يريد ذرية فحسب وإنما يريد ذرية صالحة يرجى منها الخير فى الدنيا والآخرة. وجملة ﴿إنك سميع الدعاء﴾ تعليلية، أى إنى ما التجأت إليك يا إلهى إلا لأنك مجيب للدعاء غير مخيب للرجاء. قال القرطبى ما ملخصه ((دلت هذه الآية على طلب الولد وهى سنة المرسلين والصديقين. قال الله - تعالى -: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية﴾ .. وقد ترجم البخارى على هذا (باب طلب الولد)) وقال النبى وَلقر لأبى طلحة حين مات ابنه ((أعرستم الليلة)) قال نعم. قال: ((بارك الله لكما فى غابر ليلتكما)) فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن، والأخبار فى هذا المعنى كثيرة. تحث على طلب الولد لما يرجوه الإِنسان من فعه فى حياته وبعد مماته. قال ﴿ إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث: فذكر منها ((أو ولد صالح يدعو له)) ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية(١). (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٧٢ ٩٤ المجلد الثانى هذا، وقد حكى لنا القرآن فى سورة مريم دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا فقال: ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيئًا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإنى خفت الموالى من ورائى، وكانت امرأتى عاقرًا فهب لى من لدنك وليًّا، يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾. هذا هو دعاء زكريا كما حكاه الله - تعالى - فى أكثر من موضع فى كتابه الكريم فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع، والتضرع الخالص؟ لقد كانت نتيجته الإِجابة من الله - تعالى - لعبده زكريا، فقد قال - تعالى -: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بیحیی﴾ . أى: فنادت الملائكة زكريا - عليه السلام - وهو قائم يصلى فى المحراب، يناجى ربه. ويسبح بحمده بأن الله قد استجاب دعاءك ويبشرك بغلام اسمه يحيى، لکی تقر به عينك ويسر به قلبك. والتعبير بالفاء فى قوله ﴿فنادته﴾ يشعر بأن الله - تعالى - فضلا منه وكرما قد استجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من هذا الدعاء الخاشع، إذ الفاء تفيد التعقيب. ويرى فريق من المفسرين أن الذى ناداه هو جبريل وحده، ومن الجائز فى العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. قال ابن جرير: كما يقال فى الكلام : خرج فلان على بغال البريد وإنما ركب بغلا واحدًا وركب السفن وإنما ركب سفينة واحدة وكما يقال: ممن سمعت هذا؟ فيقال: من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد، وقد قيل: إن منه قوله -تعالى- ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ والقائل كان فيما ذكر واحد(١). ويرى فريق آخر منهم أن الذى نادى زكريا وبشره بمولوده يحيى، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة فى أن هذا النداء قد صدر من جمع لا من واحد، ولأن صدوره من جمع يناسب هذه البشارة العظيمة، فقد جرت العادة فى أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد، ولا شك أن حالة زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإِدخال السرور على هذين الشخصين اللذين كادا يفقدان الأمل فى إنجاب الذرية. وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال ((وأما الصواب من القول فى تأويله فأن يقال : إن الله - جل ثناؤه - أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون (١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢٤٩. ٩٥ سورة آل عمران الواحد، جبريل واحد فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل فى ألسن العرب دون الأقل ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعانى))(١). وقوله ﴿وهو قائم﴾ جملة حالية من مفعول النداء، و((يصلى)) حال من الضمير المستكن فى قائم أو حال أخرى من مفعول النداء على القول بجواز تعدد الحال، وقوله ﴿فى المحراب﴾ متعلق بيصلى. والمراد بالمحراب هنا المسجد، أو المكان الذى يقف فيه الإِمام فى مقدمة المسجد . وقرأ جمهور القراء: ﴿أن الله يبشرك) بفتح همزة أن - على أنه فى محل جر بباء محذوفه. أى: نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. وقرأ ابن عامر وحمزة: ﴿إن الله يبشرك) - بكسر الهمزة - على تضمين النداء معنى القول، أى: قالت له الملائكة إن الله يبشرك بيحيى. وقوله: ﴿بيحيى﴾ متعلق بيبشرك، وفى الكلام مضاف أى يبشرك بولادة يحيى، لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة. وفى اقتران التبشير بالتسمية بيحيى، إشعار بأن ذلك المولود سيحيا اسمه وذكره بعد موته، وبذلك تتحقق الإِجابة لدعاء زكريا تحققا تاما، فقد حكى القرآن عنه فى سورة مريم أنه قال : ﴿يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ قال الجمل: و((يحيى، فيه قولان: أحدهما : وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع، وقد سموا بالأفعال كثيرًا نحو يعيش ويعمر .. وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، نحو يزيد ويشكر وتغلب. والثانى: أنه أعجمى لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهر، فامتناعه من الصرف للعلمية والعجمة)»(٢). ثم وصف الله - تعالى - يحيى - عليه السلام - بأربع صفات كريمة فقال: ﴿مصدقا بكلمة من الله. وسيدًا. وحصورًا. ونبيا من الصالحين﴾ فالصفة الأولى : من صفات يحيى - عليه السلام - أنه كان ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان : (١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢٥٠. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٧ . ٩٦ المجلد الثانى أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه - وهم جمهور العلماء - أن المراد بكلمة الله هو عيسى - عليه السلام - لأنه كان يسمى بذلك أى أن يحيى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا بأنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وقد كان يحيى معاصرا لعيسى. وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحيى كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحيى كانت أختا لمريم. وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن المراد بكلمة الله كتابه، أى أن يحيى من صفاته الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب الله وبكلامه، وذلك لأن الكلمة قد تطلق ويراد منها الكلام، والعرب تقول أنشد فلان كلمة أى قصيدة، وقال كلمة أى خطبة. ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب، لأن القرآن قد وصف عيسى بأنه كلمة الله فى أكثر من موضعْ فيه ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو فى دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله) وقوله تعالى - ﴿يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم﴾ ولأن فى التعبير عن عيسى الذى صدقه يحيى - بأنه كلمة من الله، إشعارا بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن، وإيماء إلى أن زكريا - عليه السلام - قد أوق علما بأن المسيح عهده قريب، وأن يحيى - عليه السلام - سيعيش حتى يدرك عيسى. ٠ وقوله ﴿مصدقا﴾ منصوب على الحال المقدرة من يحيى، أى على الحال التى سيكون عليها فى المستقبل، والمراد بهذا التصديق الإِيمان بعيسى - كما سبق أن أشرنا - قيل: هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة الله وروح منه(١). و((من)) فى قوله ﴿من الله﴾ للابتداء. والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة، أى مصدقًا بكلمة كائنة من الله - تعالى - والصفة الثانية: من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله ((وسيدا)) والسيد - كما يقول القرطبى - الذى يسود قومه وينتهى إلى قوله. وأصله سيود يقال : فلان أسود من فلان على وزن أفعل من السيادة، ففيه دلالة على تسمية الإِنسان سيدا. وفى الحديث أن رسول الله والخيول قال لبنى قريظة عندما دخل سعد بن معاذ - ((قوموا إلى سيدكم)) وفى الصحيحين أنه قال فى الحسن ((إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))(٢). (١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٤٧. (٢) تفسير القرطبى - بتصرف يسير - جـ ٤ ص ٧٧. ٩٧ سورة آل عمران والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون سيدا، أى يفوق غيره فى الشرف والتقوى وعفة النفس، بأن يكون مالكا لزمامها، ومسيطرا على أهوائها. والصفة الثالثة: من صفاته عبر عنها القرآن بقوله: ﴿وحصورا﴾ وأصل الحصر: المنع والحبس. يقال حصرنى الشىء وأحصرنى إذا حبسنى. والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن الشهوات، حتى لقد قیل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك - زهادة منه واستعفافا، وليس صحيحا ما قيل من أنه كان لا يأتى النساء لعدم قدرته على ذلك. قال ابن كثير: وقد قال القاضى عياض فى كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه كان ﴿حصورا﴾ معناه أنه معصوم من الذنوب، أى لا يأتيها كأنه حصور عنها. وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل ليست له شهوة فى النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل فى كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله - تعالى - كيحيى - عليه السلام - ثم هى فى حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه : درجة عليا وهى درجة نبينا ﴿ الذى لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصینهن وهدايته لهن .. والمقصود أن مدح یحیی بأنه حصور ليس معناه أنه لا يأتى النساء، بل معناه أنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال : ﴿هب لى من لدنك ذرية طيبة كأنه قال ولدًا له ذرية ونسل وعقب﴾(١). أما الوصف الرابع: من أوصاف يحيى - عليه السلام - فهو قوله - تعالى - ﴿ونبيا من الصالحين﴾ وفى هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون من الأنبياء الذى اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس، وهذه البشارة أسمى وأعلى من الأولى التى أخبره الله فيها بولادة يحيى، لأن النبوة منزلة لا تعدلها منزلة فى الشرف والفضل. ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك البشارات السارة فقال - تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر﴾ أنى هنا بمعنى كيف. و((عاقر)) أى عقيم لا تلد لكبر سنها من العقر وهو العقم. يقال عقرت المرأة تعقر عقرا وعقرًا فهى عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة. أى قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن نادته الملائكة وبشرته بما بشرته به : يارب كيف يكون لى غلام والحال أننى قد أدركني الكبر (١) تفسير ابن كثير بتصرف يسير جـ ١ ص ٣٦١. ٩٨ المجلد الثانى الكامل الذى أضعفنى، وفوق ذلك فإن امرأتى عاقر أى عقيم لا تلد لشيخوختها وبلوغها العمر الذى ينقطع معه النسل؟ قال بعضهم: وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل، أو استبعادا من حيث العادة، أو استعظامًا وتعجبا من قدرة الله - تعالى - لا استبعادا أو إنكارا فلا يرد : كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكًا فى قدرة الله - تعالى -(١). والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل : فماذا قال زكريا عندما بشرته الملائكة؟ فكان الجواب : قال رب أنى يكون لى غلام. وقد خاطب زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة، للإشعار بالمبالغة فى التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب من قدرته لأنه - سبحانه - أعطاه مالم تجر العادة به. قال ﴿الألوسى﴾ وقوله ﴿يكون﴾ يجوز أن تكون من كان التامة فيكون فاعلها هو قوله ﴿غلام﴾ ويكون الظرف ﴿أنى﴾ والجار والمجرور ﴿لى) متعلقان بها. ويجوز أن تكون من كان الناقصة و﴿لى﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة. وفى الخبر حينئذ وجهان: أحدهما ﴿أنى﴾ لأنها بمعنى كيف أو من أين والثانى الخبر الجار والمجرور و﴿أنى﴾ منصوب على الظرفية))(٢). وقوله ﴿قد بلغنى الكبر﴾ جملة حالية من ياء المتكلم، أى أصابنى الكبر وأدركنی فأضعفنى وأفقدنی قوتی. والكبر مصدر كبر الرجل إذا أسن. وقد قال زكريا ﴿وقد بلغنى الكبر﴾ ولم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى أن الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه بالضعف والآلام والأسقام. وقوله ﴿وامرأتى عاقر﴾ جملة حالية أيضًا إما من ياء ﴿لى﴾ أو ياء ﴿بلغنى﴾. فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر التعجب عندما بشرته الملائكة بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته كانت عقيما لا تلد إما لكبر سنها - أيضًا وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد للحمل والإنجاب. قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن عشرين ومائة سنة وكانت أمرأته بنت ثمان وتسعين سنة )»(٣) (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٦٨. (٢) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٤٨. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٤٢. ٠ ٩٩ سورة آل عمران ثم حكى القرآن أن الله تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته فقال تعالى، ﴿قال كذلك الله يفعل ما يشاء﴾. أى قال - سبحانه - : مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء أن يفعله، لأنه - سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شىء فى هذا الكون، وبقدرته أن یغیر ما جرت به العادات بين الناس. فالجملة الكريمة بجانب تضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه، تتضمن أيضًا تقرير قضية عامة وهى أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات فهو الفعال لما يريد. ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الحمل عند زوجته فقال - تعالى: ﴿قال رب اجعل لى آية﴾. أى قال زكريا مناجيا ربه: يارب إنى أسألك أن تجعل لى ﴿آية﴾ أى: علامة تدلنى على حصول الحمل عند زوجتى : لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكرًا جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام . وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾. أى قال الله - تعالى - لعبده زكريا : آيتك أى علامتك ألا تقدر على كلام الناس من غير آفة فى لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا ﴿رمزًا﴾ أى إلا عن طريق الإيحاء والإشارة. وأصل الرمز الحركة. يقال ارتمز أى تحرك، ومنه قيل للبحر الراموز وفعله من باب نصر وضرب. ثم أطلق الرمز على الإِيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى الإِشارة باليدين وهو المراد هنا. قال صاحب الكشاف : قال الله - تعالى - لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام : وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله. ولذلك قال: ﴿واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشى والإِبكار﴾ يعنى فى أيام عجزك عن تكليم الناس وهى من الآيات الباهرة، فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ قلت: ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذى طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه ﴿إلا رمزاً﴾ أى: إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما(١). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ٣٦١. ١٠٠ المجلد الثانى وعلى رأی صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه. ويمكن أن يقال. إن المراد بقوله - تعالى - ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ .. أن زكريا - عليه السلام - عندما طلب آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذى بشره الله به، أخبره - سبحانه - أن العلامة على ذلك أن يوفق إلى خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها اتجاها کلیا إلی ذکر الله وتمجیده وتسبيحه، دون أن يكون عنده أى دافع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك، وعلى هذا يكون انصراف زكريا - عليه السلام - عن كلام الناس اختياريا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الکشاف . ثم أمره الله - تعالى - بالإكثار من ذكره وتسبيحه فقال : ﴿واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشى والإِبكار﴾. و﴿العشى﴾ جمع عشية وقيل: هو واحد وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، وأما ﴿الإِبكار﴾ فمصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر فى أول النهار .. ومنه الباكورة لأول الثمرة. والمراد به هنا الوقت الذى يكون من طلوع الفجر إلى الضحى. أی علیك أن تکثر من ذکر الله - تعالی - ومن تسبيحه فی أول النهار وفی آخره وفی کل وقت لا سيما فى تلك الأيام الثلاثة شكرًا لله - تعالى - على ما أعطاك من نعم جليلة لا تحصى، فقد وهبك الذرية بعد أن بلغت من الكبر عتيا، وجعل هذا المولود من أنبياء الله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته. وفى هذا الأمر الإِلهى لزكريا حصن لكل عاقل على الإكثار من ذكر الله من تسبيحه وتمجيده لأن ذكر الله به تطمئن القلوب. وتسكن النفوس وتغسل الخطايا والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن الله - تعالى - أمر به حتى فى حالة الحرب فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصد زكريا - عليه السلام - فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون. وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على مظاهر قدرته فى ولادة يحيى - عليه السلام - حيث وهبه لوالديه بعد أن بلغا مبلغًا كبيرًا من العمر يستبعد معه فى العادة الإنجاب .. بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة الله ونفاذ إرادته من قصة ولادة يحيى، وهذه القصة هى قصة ولادة عيسى - عليه السلام - من غير أب. وقد مهد القرآن لولادة عيسى ببيان أن