النص المفهرس
صفحات 1-20
التفسيرُ الوَسِطِ لِلِقُرآن الكريم سورة آلعمران الدكور محمّد سيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية المجلد الثانى دار المعارف مراجعة د. عبد الرحمن العَدَوى الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية الناشر: دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع. ٣ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيم مقدّمة .... الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد : فهذا تفسير مفصل لسورة آل عمران، حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات قويمة، وهدايات جامعة. وإرشادات حكيمة. ووصايا جليلة، وآداب عالية، وحجج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق. وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ فى تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها ومقاصدها الإِجمالية، والموضوعات التى اهتمت بالحديث عنها. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه أكرم مسئول وأعظم . مأمول. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. القاهرة - مصر الجديدة ٢٠ من رجب سنة ١٣٩٣ هـ ١٩ أغسطس سنة ١٩٧٣ م المؤلف محمد سيد طنطاوى : · ٥ مقدمة تعريف بسورة آل عمران سورة آل عمران هى السورة الثالثة فى ترتيب المصحف؛ إذ تسبقها فى الترتيب سورتا الفاتحة : والبقرة . وتبلغ آياتها مائتى آية. وهى مدنية باتفاق العلماء. وسميت بسورة آل عمران، لورود قصة آل عمران بها بصورة فيها شىء من التفصيل الذى لا يوجد فى غيرها. والمراد بآل عمران عيسى، ويحيى ومريم، وأمها. والمراد بعمران والد مريم أم عيسى - عليه السلام - . وقد ذكر العلماء أسماء أخرى لهذه السورة منها : أنها تسمى بسورة الزهراء، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتاب من شأن عيسى - عليه السلام - . وتسمى بسورة الأمان، من تمسك بها أمن الغلط فى شأنه. وتسمى بسورة الكنز لتضمنها الأسرار التى تتعلق بعيسى عليه السلام. وتسمى بسورة المجادلة، لنزول أكثر من ثمانين آية منها فى شأن مجادلة الرسول وصل لوفدى نصارى نجران. وتسمى بسورة طيبة، لجمعها الكثير من أصناف الطيبين فى قوله - تعالى - ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾. قال القرطبى ما ملخصه : وهذه السورة ورد فى فضلها آثار وأخبار. فمن ذلك ما جاء فى صحيح مسلم عن النواس بن سمعان الكلابى قال: سمعت رسول الله * يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وبأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران - وضرب لهما رسول الله څ﴾ ثلاثة أمثال مانسیتهن بعد قال: کأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق - .. أى ضوء، أو كأنهما فرقان - أى قطعتان من طير صواف - تحاجان عن صاحبهما)). ثم قال: وصدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا قد وفدوا على رسول الله وله ٦ المجلد الثانى إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحبرات(١). فقال بعض الصحابة: ما رأينا وفدًا مثلهم جمالا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا فى المسجد إلى المشرق. فقال النبى وَلاتر: دعوهم. ثم أقاموا بها أيامًا يناظرون رسول الله 1 فى شأن عيسى ورسول الله وَلاهو يرد عليهم بالبراهين الساطعة ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله وال* إلى المباهلة(٢). أما النصف الثانى من سورة آل عمران فقد كان نزول ما يقرب من ستين آية منه(٣) فى أعقاب غزوة أحد. هذا ونرى من الخير قبل أن نبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة بالتفصيل أن نذكر على سبيل الإجمال ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، وأحكام جليلة، وتشريعات قويمة. إنك عندما تفتح كتاب الله - تعالى - وتطالع سورة آل عمران تراها فى مفتتحها تثبت أن المستحق للعبادة إنما هو الله وحده، وتقيم البراهين الساطعة على ذلك. ﴿آلم. الله لا إله إلا هو الحى القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان﴾. ثم بعد أن مدحت أصحاب العقول السليمة لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم وكثرة تضرعهم إلى خالقهم - سبحانه - وبشرتهم بحسن العاقبة .. بعد أن فعلت ذلك ذمت الكافرين وتوعدتهم بسوء المصير فقالت : ﴿إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، وأولئك هم وقود النار﴾. ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد﴾. ثم تحدثت عن الشهوات التى زينت للناس، وبينت ما هو خير منها، وصرحت بأن الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده هو دين الإِسلام، وأن أهل الكتاب ما تركوا الحق الذى جاءهم به محمد لي إلا بسبب ما استولى على قلوبهم من بغى وجحود، وأنهم بسبب ما ارتكبوه من كفر (١) الحبرات: جمع حبرة. وهى ثياب يمانية. (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٣ (٣) من الآية ١٢١ - ١٧٩. ٧ مقدمة وجرائم فى الدنيا، سيكون حالهم يوم القيامة أسوأ حال وسيكون مصيرهم أشنع مصير، " ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾. ثم نهت السورة الكريمة المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء يلقون إليهم بالمودة، وذكرتهم بأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا السماء، وأنه - سبحانه - سيحاسب كل نفس بما كسبت ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾. فإذا ما طالعت - أيها القارىء الكريم - الربعين : الثالث والرابع منها، وجدت فيهما حديثا حكيما عن آل عمران. فقد تحدثت السورة الكريمة عما قالته امرأة عمران - أم مريم - عندما أحست بالحمل فى بطنها، وعما قالته عندما وضعت حملها. ﴿قالت ربِّ إنى وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى، وإنى سميتها مريم﴾ . وتحدثت عن الدعوات الخاشعات التى تضرع بها زكريا إلى ربه، سائلا إياه الذرية الطيبة، وكيف أن الله - تعالى - أجاب له دعاءه فبشره ﴿بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًّا من الصالحين﴾. وتحدثت عن اصطفاء الله - تعالى - لمريم وتبشيرها بعيسى - عليه السلام - وتعجبها من أن يكون لها ولد دون أن يمسها بشر؛ وكيف أن الله - تعالى - قد رد عليها بما يزيل عجبها. ﴿قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر؟ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾. وتحدثت عن الصفات الكريمة، والمعجزات الباهرة التى منحها الله - تعالى - لعيسى - عليه السلام - وعن دعوته للناس إلى عبادة الله وحده وعن موقف أعدائه منه؛ وعن صيانة الله له من مكرهم وعن تشابه عيسى وآدم فى شأن خلقهما بدون أب .. وكيف أن الله - تعالى - أمر نبيه 18 أن يتحدى كل من يجادله بالباطل فى شأن عيسى فقال: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾. ٨ المجلد الثانى ثم وجهت السورة الكريمة أربع نداءات إلى أهل الكتاب، دعتهم فيها إلى عبادة الله وحده، وإلى ترك الجدال بالباطل فى شأن أنبيائه، ووبختهم على كفرهم وعلى خلطهم الحق بالباطل. ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله﴾ ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾. ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون﴾. ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾. ثم واصلت السورة الكريمة فى الربعين : الخامس والسادس منها حديثها عن أهل الكتاب، فمدحت القلة المؤمنة منهم، وذمت من یستحق الذم منهم - وهم الأكثرون - وحکت بعض الرذائل التى عرفت عن أشرارهم وفريق من علمائهم. ﴿وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتابلتحسبوه من الكتاب وماهو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾. ثم بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على أنبيائه بأن يؤمنوا بمحمد بَلّ وأنهم قد أقروا بذلك وأمرت النبى ◌َيقر بأن يجابه مخالفيه بكلمة الحق التى جاء بها من عند الله، وأن يخبرهم بأن من يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه. ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوت موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبغ غير الإِسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾. ثم ساقت السورة الكريمة بعض الشبهات التى أثارها اليهود حول ما أحله الله وحرمه عليهم من الأطعمة، وردت عليهم بما يفضحهم ويثبت كذبهم، ووبختهم على كفرهم وعلى صدهم الناس عن طريق الحق .. وحذرت المؤمنين من مسالكهم الخبيثة التى يريدون من ورائها تفريق كلمتهم وفصم عرى أخوتهم واعتصامهم بحبل الله. وذكرتهم بنعمة الإِيمان التى بسببها نالوا ما نالوا من الخير ﴿واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾. ثم بشرت السورة الكريمة المؤمنين بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وانهم هم الغالبون ماداموا معتصمين بدينهم .. وذكرت بعض العقوبات التى عاقب الله - تعالى - بها اليهود بسبب كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه، وعصيانهم أوامره .. وأثنت على من يستحق الثناء من أهل : ٩ مقدمة الكتاب فقالت : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم، منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون. ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ليسوا سواء﴾ . وبعد أن أقامت السورة الكريمة - فى عشرات الآيات منها - الأدلة الواضحة، وساقت الحجج الساطعة على صحة دين الإِسلام .. انتقلت إلى الحديث عن معارك السيف والسنان التى دارت بين أهل الحق وأهل الباطل. فتحدثت فى الربع السابع والثامن والتاسع والعاشر منها عن غزوة أحد. وكان حديثها عن هذه الغزوة زاخرا بالتوجيهات الحكيمة والتربية القويمة، والوصايا الحميدة، والعظات الجليلة والتشريعات السامية، والآداب العالية. كان حديثها عنها هاديا للمسلمين فى كل زمان ومكان إلى الطريق الذى يوصلهم إلى النصر ليسلكوه، موضحًا لهم طريق الفشل ليجتنبوه. كان حديثها عنها يدعو المسلمين كافة إلى الاعتبار بأحداث الحياة ((وكيف أنها تسير على سنن وقوانين علينا أن نطلبها ونسلك السبيل إلى تعلمها، وأن أحداث الحياة ليست مجموعة من المصادفات المتوالية، أو التدفق العشوائى، وإنما للنصر قوانين، وللهزيمة قوانين. ومن الممكن أن ينهزم المسلمون فى حرب ولو كان فيهم رسول الله ◌َ ي﴿ إذا ما خالفوا عن أمره، وسلكوا غير سبيل النصر، وأن لهم النصر على عدوهم وإن فاقهم عددًا وعدة إذا ما استطاعوا أن يرتفعوا إلى ما فوق فاعلية عدوهم إيمانا وعلما وتنظيمًا))(١). لقد بدأت سورة آل عمران حديثها عن غزوة أحد بتذكير المؤمنين بما فعله الرسول وَلّ قبل بدء المعركة من إعداد وتنظيم للصفوف، وبما هم به بعضهم من فشل، وبما تم لهم من نصر على أعدائهم فى غزوة بدر .. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول : ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم. إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ . وفى هذا الربط بين الغزوتين تذكير للمؤمنين بأسباب انتصارهم فى بدر وأسباب هزيمتهم فى (١) من كتاب ((دروس من غزوة أحد)) ص ١١ للدكتور عبد العزيز كامل. ١٠ المجلد الثانى أحد : حتى يسلكوا فى مستقبل حياتهم السبيل التى توصلهم إلى الظفر، ويهجروا الطريق التى تقودهم إلى الفشل. ثم وجهت السورة نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن التعامل بالربا، وحثتهم على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضوان الله، لأنه إذا كان أعداؤهم يجمعون المال من كل طريق لحربهم، فعليهم هم أن يتحروا الحلال فى جمعهم للمال، وأن يتبعوا الوسائل الشريفة التى تبلغهم إلى غايتهم النبيلة، ثم حضتهم على الاعتبار بسنن الله فى خلقة، وأمرتهم بالتجلد والصبر، ونهتهم عن الوهن والضعف، وبشرتهم بأنهم هم الأعلون، وشجعتهم على مواصلة الجهاد فى سبيل الله فإن العاقبة لهم، وأخبرتهم بأن ما أصابهم من آلام وجراح فى أحد، قد أصيب أعداؤهم بمثلها، وأن الأيام دول، وأن هزيمتهم فى أحد من ثمارها أنها ميزت قوى الإِيمان من ضعيفه، لأن المصائب كثيرًا ما تكشف عن معادن النفوس، وخفايا الصدور. قال - تعالى - ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم فرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ . ثم بينت السورة الكريمة أن الآجال بيد الله وحده، وأن محمدا وي رسول قد خلت من قبله الرسل، وسيدركه الموت كما أدركهم. وأن الأخيار من أتباع الرسل السابقين كانوا يقاتلون معهم بثبات وصبر من أجل إعلاء كلمة الله .. فعلى المؤمنين فى كل زمان ومكان أن يقدموا على الجهاد فى سبيل الله بعزيمة صادقة، وبنفوس مخلصة؛ لأن الإِقدام لا ينقص شيئا من الحياة، كما أن الإحجام لا يؤخرها، ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾. ثم حذرت السورة الكريمة المؤمنين من طاعة الكافرين؛ لأن طاعتهم تفضى بهم إلى الخسران، وبشرتهم بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب فى قلوب أعدائهم، وأخبرتهم بأنه - سبحانه - قد صدق وعده معهم، حيث مكنهم فى أول معركة أحد من الانتصار على خصومهم وأنهم - أى المؤمنين - ما أصيبوا بما أصيبوا به فى أحد إلا بسبب فشلهم وتنازعهم وتطلعهم إلى الغنائم، ومخالفتهم لوصايا رسولهم ◌َّ. قال - تعالى - ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين﴾. ٠٠, ١ ١١ مقدمة ولقد ذكرت السورة الكريمة المؤمنين بما حدث من بعضهم من فرار عن المعركة حتى لا يعودوا إلى ذلك مرة أخرى فقالت : ﴿إِذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم﴾ وبينت لهم كيف أن الله - تعالى - قد شملهم برحمته، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب المعركة ليكون أمانا لهم من الخوف، وراحة لهم من الآلام التى أصابتهم .. وكيف أنه - سبحانه - قد فضح المنافقين، ورد على أقوالهم وأراجيفهم بما يدحضها ويبطلها. قال - تعالى - ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. يقولون هل لنا من الأمر من شىء قل إن الأمر كله لله، يخفون فى أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ ثم وجهت السورة الكريمة حديثها إلى النبى و لتر فوصفته بأكرم الصفات وأفضلها، ونزهته عن كل قول أو فعل يتنافى مع منزلته الرفيعة .. وأمرته باللين مع أتباعه وبالعفو عنهم وبالاستغفار لهم، وبمشاورتهم فى الأمر. ثم عادت السورة الكريمة فأكدت للمؤمنين أن ما أصابهم فى أحد كان سببه من عند أنفسهم، فهم الذين خالفوا ما أمرهم به نبيهم ◌َّر. قال - تعالى - ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أن هذا، قل هو من عند أنفسكم﴾ . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد ببيان فضل الشهداء، وما أعده الله لهم من ثواب جزيل، وبالثناء على المؤمنين الصادقين ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ والذين لم يرهبهم قول المرجفين: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ بل إن هذا القول زادهم إيمانا على إيمانهم، وجعلهم يفوضون أمورهم إلى الله ويقولون: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. ولقد ذكر - سبحانه - أن حکمته قد اقتضت أن يحدث ما حدث فى أحد حتی یتمیز الخبيث من الطيب فقال - تعالى : ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾. ١٢ المجلد الثانى وبعد هذا الحديث الحكيم المستفيض عن غزوة أحد، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهل الكتاب فذكرت جانبا من رذائل اليهود، الذين حكى الله - تعالى - عنهم أنهم قالوا : ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ وأنهم قالوا: ﴿لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾. وأنهم قد نقضوا عهودهم مع الله وباعوا دينهم بدنياهم الفانية. وقد توعدهم الله - تعالى - على ارتكابهم لهذه الرذائل والمنكرات بالعذاب المهين ﴿وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾. ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها عن صفات أولى الألباب، وحكت عنهم ما كانوا يتضرعون به إلى الله من دعوات خاشعات، وابتهالات طيبات، وكيف أنه - سبحانه - قد أجاب لهم دعاءهم ببركة قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم. وكانت الآية الخاتمة فيها تدعو المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله، لأن المؤمن الذى تتوفر فيه هذه الصفات يكون اهلا للفلاح فى الدنيا والآخرة. قال - تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. هذا ونستطيع بعد هذا العرض الإِجمالى لأهم المقاصد التى اشتملت عليها سورة آل عمران أن نستخلص ما يأتى : أولا : أن السورة الكريمة قد اهتمت بإثبات وحدانية الله - تعالى - وإقامة الأدلة الساطعة على ذلك، وإثبات أن الدين الحق الذى ارتضاه الله - تعالى - لعباده هو دين الإِسلام، الذى أرسل به نبيه محمدًا وَلـ ـ وقد ساقت السورة الكريمة لإثبات هذه الحقائق آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾. وقوله - تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط. لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإِسلام﴾. وقوله - تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾. ثانيًا : أن السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن أحوال أهل الكتاب، بأسلوب مقنع حكيم يحق الحق ويبطل الباطل. فأنت إذا طالعتها بتدبر تراها تارة تتحدث عن الكفر الذى ارتكسوا فيه بسبب اختلافهم وبغيهم. ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيًّا بينهم﴾. ١٣ مقدمة وتارة تتحدث عن نبذهم لكتاب الله وتحاكمهم إلى غيره. ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾. وتارة توبخهم على كفرهم بآيات الله. وعلى مجادلتهم بالباطل، وعلى سوء أدبهم مع الله -تعالى- وعلى نقضهم لعهودهم ومواثيقهم، وعلى كتمانهم لما أمرهم الله بإظهاره من حقائق. وقد توعدتهم السورة الكريمة بسوء العذاب بسبب هذه الرذائل والمنكرات ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً فبئس ما يشترون﴾. وتارة تحذر المؤمنين من شرورهم فتقول : ﴿لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ . ولا تغفل السورة الكريمة عن مدح من يستحق المدح منهم، لأن القرآن الكريم لا يذم إلا من يستحق الذم، فقد قال - تعالى - ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء .. الليل وهم يسجدون﴾. وقال - تعالى - ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾. وقال - تعالى -: ﴿منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾. هذا جانب من حديث سورة آل عمران عن أهل الكتاب، وهو حديث يكشف عن حقيقتهم حتى يكون المؤمنون على بينة من أمرهم. وقد تحدثت السورة. أيضًا عن المشركين وعن المنافقين إلا أن حديثها عن أهل الكتاب كان . أكثر وأشمل. ثالثا : أن السورة الكريمة قد اهتمت اهتماماً بارزا بتربية المؤمنين تربية ينالون باتباعها النصر والسعادة فى الدنيا والفوز والفلاح فى الآخرة. فقد وجهت إليهم سبعة نداءات أمرتهم فيها بتقوى الله، وبالصبر والمصابرة والمرابطة، ونهتهم عن طاعة الكافرين، وعن التشبه بهم، وعن اتخاذهم أولياء كما نهتم عن تعاطى الربا وعن كل ما يتنافى مع آداب دينهم وتعاليمه. وهذه النداءات السبعة تراها فى قوله : تعالى : ١ - ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ : ١٤ المجلد الثانى ٢ - ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ ٣ - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾ ٤ - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾. ٥ - ﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾. ٦ - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزَّى لو كانوا عندنا ماماتوا وما قتلوا﴾ ٧ - ﴿يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾. وبجانب هذه النداءات التى اشتملت على أسمى ألوان التربية الفاضلة، والتوجيه القويم .. نرى السورة الكريمة تسوق للمؤمنين فى آيات كثيرة منها ما يهدى بهم إلى الخير والرشاد ويبعدهم عن الشر والفساد. فهى تحكى لهم ألوانا من الدعوات التى يتضرع بها الأخيار من الناس لكى يتأسوا بهم. وتبين لهم أن حب الشهوات طبيعة فى الناس إلا أن العقلاء منهم يجعلون حبهم لما يرضى الله فوق أى شىء آخر. وتحرضهم على الاعتصام بحبل الله وتحثهم على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضا الله. إلى غير ذلك من التوجيهات الحكيمة التى زخرت بها سورة آل عمران والتى من شأنها أن - تزيد المؤمنين إيمانا مع إيمانهم، وأن تهديهم إلى الصراط المستقيم . رابعا : أن السورة الكريمة عرضت أحداث غزوة أحد عرضًا حكيمة زاخرًا بالعظات والعبر وفصلت الحديث عنها تفصيلا لا يوجد فى غيرها من السور، وساقت مادار فيها بأسلوب بليغ مؤثر يخاطب العقول والعواطف، ويكشف عن خفايا القلوب ونوازعها، وطوايا النفوس وخواطرها، ويعالج الأخطاء التى وقع فيها بعض المسلمين حتى لا يعودوا لمثلها ويشجعهم على المضى فى طريق الجهاد حتى لا يؤثر فى عزيمتهم ما حدث لهم فى أحد، ويبشرهم بأن الله - تعالى - قد عفا عمن فر منهم، ويذكرهم بمظاهر فضل الله عليهم خلال المعركة وبعدها، ويبصرهم بسنن الله التى لا تتخلف، وبقوانينه التى لا تتبدل، وبتعاليمه التى من سار عليها أفلح وانتصر، ومن أعرض عنها خاب وخسر ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾. أما بعد، فهذا عرض إجمالى لسورة آل عمران رأينا أن نسوقه قبل البدء فى التفسير المفصل لآياتها، ولعلنا بذلك نكون قد قدمنا تعريفًا موجزا نافعا عن هذه السورة الكريمة يعين على فهم بعض أسرارها ومقاصدها وتوجيهاتها. ١٥ مقدمة والله نسأل أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم، وأن يجنبنا فتنة القول والعمل، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ونافعة لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. د. محمد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية ١٦ المجلد الثانى تفسير سورة آل عمران 3.1 ـمِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المَلَ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَالْحَىُّ الْقَيُومُ نْ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّ قًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنجِيلَ ﴿٢) مِن قَبْلُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْغُرْقَانُّ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ بِقَايَتِ اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاَللَّهُ عَزِزُ ذُوْنِقَامِ (٥) إِنَّاللَّهَ لَ يَخْفَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ ٥ شَىْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ افتتحت سورة آل عمران ببعض حروف التهجى وهو قوله - تعالى -: ﴿الم﴾ ويبلغ عدد السور القرآنية التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجى التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين رئيسيين: الرأى الأول يرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى وغيرهما من العلماء، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: ((إن لكل كتاب سرًّا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور)) وروى عن ابن .. عباس أنه قال: ((عجزت العلماء عن إدراكها)). ١٧ سورة آل عمران وعن على بن أبى طالب أنه قال: ((إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى)) وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال: ((سر الله فلا تطلبوه)). ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس؛ لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثله كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس. فالرسول الهول كان يفهم المراد بها، وكذلك بعض الصحابة المقربين، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور. وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال لذكرها هنا. أما الرأى الثانى فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم. وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه. وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها : ١ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النبى وَير ((من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح)). وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها، كسورة ((ص)) وسورة ((يس)) وسورة ((ق)) .. الخ. ولا يخلو هذا القول من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها أن تكون جميع الحروف المقطعة أسماء للسور التى بدئت بها، ولأن كثيرًا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة؛ لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه. ٢ - وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى. ٣ - وقيل: إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته، أصلها أنا الله أعلم. فمثلا : ٤ - وقيل : إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها السيوطى فى كتابه ((الإِتقان)) إلى أكثر من عشرين قولا . ٥ - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه ١٨ المجلد الثانى مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك. ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل، وعن كونه معجزة للرسول ( فى أغلب المواضع. وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما تتصدر صراحة باسم الإشارة الذى يعود إلى القرآن كما فى قوله - تعالى -: ﴿ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. أو ضمنا كما فى قوله - تعالى - ﴿ألمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه﴾ وأيضا فإن هذه السور التى افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن طريق هذا الكتاب الذى جعله الله - تعالى - معجزة لنبيه وصلته . هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء فى هذا الموضوع(١). ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يليق به من جلال وكمال فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ . ولفظ الجلالة (الله﴾ يقول بعض العلماء: إن أصله إله، دخلت عليه أداة التعريف ((ال)) وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله . قال القرطبى : قوله ﴿الله﴾ هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها حتى قال بعضهم: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع، فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو سبحانه ۔(٢). ولفظ ((إله)) قالوا: إنه من أله أى عبد، فالإِله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو أله أى تحير .. وذلك لأن العبد إذا تفكر فى صفاته - تعالى - تحير فيها، ولذا قيل: تفكروا فى آلاء الله ولا تتفكروا فى الله(٣). و﴿الحى﴾ أى: المتصف بالحياة التى لا بدء ولا فناء لها. (١) راجع الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى جـ ٣ ص ٢١ طبعة مكتبة المشهد الحسينى (٢). تفسير القرطبى جـ ١ ص ١٠٢ (٣) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٢١ . / ١٩ سورة آل عمران و﴿القيوم﴾ الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، والمعطى لهم مابه قوام حياتهم، وهو مبالغة فى القيام وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره. والمعنى : الله - تعالى - هو الإله الحق المتفرد بالألوهية التى لا يشاركه فيها سواه. وهو المعبود الحق وكل معبود سواه فهو باطل، وهو ذو الحياة الكاملة. وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم. قال الألوسى: ولفظ الجلالة ((الله)) مبتدأ وما بعده خبر. والجملة مستأنفة، أى: هو المستحق للعبودية لا غيره. و﴿الحى القيوم﴾ خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف أى: هو الحى القيوم .. وأيًّا ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به - سبحانه - وقد أخرج الطبرانى وابن مزدويه من حديث أبي أمامة مرفوعا أن اسم الله الأعظم فى ثلاث سور، فى سورة البقرة، وآل عمران، وطه. وقال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت فى البقرة ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾. وفى آل عمران ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ وفى طه ﴿وعنت الوجوه للحى القيوم﴾(١). وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده المستحق للعبودية، أتبع ذلك ببيان بعض مظاهر فضله ورحمته فقال: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه﴾ والكتاب - كما يقول الراغب - فى الأصل مصدر، ثم سمى المكتوب فيه كتابًا. والكتاب فى الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه. والكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفى التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط(٢). والمراد بالكتاب المنزل : القرآن الكريم. وفى التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة، فكأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ماعداه كما يلوح به التصريح باسمى التوراة والإنجيل. : وعبر بنزل - بصيغة التضعيف - للإشارة إلى أن نزول القرآن على النبى ◌َليو كان منجما ولم يكن دفعة واحدة ومن المعروف أن القرآن قد نزل على النبى وهو على حسب الوقائع والحوادث وغيرها فى مدة تزيد على عشرين سنة. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٧٤. (٢) مفردات القرآن ص ٤٣٣ للراغب الأصفهانى بتصرف وتلخيص. ٢٠ المجلد الثانى وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لنزول القرآن منجما منها: تثبيت فؤاد النبى صل﴿ وتقوية قلبه، ومنها : التدرج فى تربية قويمة سليمة، ومنها : مسايرة الحوادث فى تجددها وتفرقها. ومنها تيسير حفظه وتسهيل فهمه، ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ومنها : الإِجابة على أسئلة السائلين، وبيان حكم الله - تعالى - فيما يحصل من قضايا، ولفت أنظار المخطئين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء، وكشف حال الكافرين والمنافقين. ومنها: الإِرشاد إلى مصدر القرآن وأنه من عند الله - تعالى - ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا﴾. فأنت تقرأ ما نزل على الرسول وَ ل﴿ من قرآن فى مكة. وما نزل عليه فى المدينة، فترى الجميع محكم السرد. دقيق السبك، رصين الأسلوب، بليغ التراكيب، فصيح الألفاظ .. بينما . ترى كلام الأدباء والبلغاء يختلف فى جودته من وقت إلى وقت ((ومن موضوع إلى موضوع))(١). وقد بين - سبحانه - أن هذا القرآن قد نزل مقترنا بأمرين متصلا بهما : أما أولهما فهو قوله: ﴿بالحق﴾. وأما ثانيهما فهو قوله: ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ أى: أن الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو، والذى هو الحى القيوم، هو الذى نزل عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ملتبسا بالحق، ومصاحبا له، ومقترنا به، ومشتملا عليه، فكل ما فيه من أوامر، ونواه، وقصص، وأحكام، وعقائد، وآداب، وشرائع وأخبار .. حق لا يحوم حوله باطل، وصدق لا يتطرق إليه كذب. وهو الذى جعل هذا الكتاب المنزل عليك موافقا ومؤيدًا لما اشتملت عليه الكتب السابقة من الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، وإلى الوصايا والشرائع التى تسعد الناس فى كل زمان ومكان. وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة فى جوهرها وأصولها. قال - تعالى -: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾(٢). وقوله ﴿بالحق﴾ متعلق بمحذوف فيكون فى محل نصب على الحال من الكتاب. وقوله .. ﴿مصدقا﴾ حال مؤكدة من الكتاب. أى نزله فى حال تصديقه الكتب. وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإِيمان بالمنزل، وتنبيههم على وجوبه؛ فإن الإِيمان بالمصدق يوجب الإِيمان بما يصدقه حتما. (١) إن شئت المزيد من المعرفة عن الحكم والأسرار فى تنجيم القرآن فراجع - على سبيل المثال - كتاب ((مناهل العرفان ... فى علوم القرآن)) جـ ١ ص ٤٦ إلى ٥٦ لفضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى. (٢) سورة الشورى آية ١٣