النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة البقرة
الجملة قد صدرت بإن المؤكدة، وتليت بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق الكامل للألوهية.
قال بعضهم: وإنما قال - سبحانه -: ﴿فإن الله يعلمه﴾ ولم يقل يعلمها لوجهين:
الأول : أن الضمير عائد إلى الأخیر - وهو النذر -، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ومن یکسب
خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئًا﴾.
والثانى: أن الكتابة عادت إلى ما فى قوله: ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾ لأنها اسم كقوله :
﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾(١).
وقوله: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ وعيد شديد للخارجين على طاعة الله أى: ليس للظالمين
أى نصير أو مغيث يمنع عقوبة الله عنهم.
والمراد بالظالمين: الواضعون للأشياء فى غير موضعها التى يجب أن توضع فيها، والتاركون لما
أمرهم الله به، فيندرج فيهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى والرياء والذين يتصدقون
بالردىء من أموالهم، والذين ينفقون أموالهم فى الوجوه التى نهى الله عنها، والذين لم يوفوا
بنذورهم التى عاهدوا الله على الوفاء بها كما يندرج فيهم كل من ارتكب ما نهى الله عنه أو أهمل
فيما كلفه الله به.
١
ثم بين - سبحانه - أن الصدقة متى صدرت عن المسلم بالطريقة التى دعت إليها تعاليم
الإِسلام فإنها تكون مرجوة القبول عند الله - تعالى - سواء أفعلها المسلم فى السر أم فى العلن،
فقال - تعالى -: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم
ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير﴾.
الصدقات : جمع صدقة وهى ما يخرجه المسلم من ماله على جهة القربة، وتشمل الفرض
والتطوع، وهى مأخوذة من الصدق بمعنى صدق النية وتخليصها من كل ما نهى الله عنه،
وسمى - سبحانه - ما يخرجه المسلم من ماله صدقة لأن المال بها يزكو وينمو ويطهر.
والفاء فى قوله: ﴿فنعما هى﴾ واقعة فى جواب الشرط، و﴿نعمًا﴾ أصلها نعم ما، فأدغمت
إحدى الميمين فى الأخرى، ونعم فعل ماض، وما نكرة تامة بمعنى شىء، وهى منصوبة على أنها
تمييز، والفاعل ضمير مستتر فى نعم.
والمعنى : إن تبدو صدقاتكم - أيها المؤمنون - وتظهروها فنعم شيئًا إبداؤها وإعلانها، لأنه
يرفع التهمة ويدعو أهل الخير إلى الاقتداء بهذا الفعل الحسن.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٧٤.

٦٢٢
المجلد الأول
وجاء التعبير بمدح المعلنين صدقتهم بقوله ((فنعما هى)) للإشارة إلى أن المسلم متى دفع
صدقته لمستحقيها بنية خالصة، فإنه يكون ممدوحًا من الله - تعالى - وممدوحًا من الناس الذين
شاهدوا عمله الصالح.
هذه صدقة الجهر إذا خلصت من الرياء أما صدقة السر فقد أثنى الله على فاعلها بقوله :
﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ أى: وإن تحفوا الصدقات وتعطوها للفقراء سرًّا،
دون أن يراكم أحد من الناس، فعملكم هذا خير لكم عند الله لأنكم بإخفائكم للصدقة
ودفعها للفقير سرًّا تكونون قد ابتعدتم عن الرياء، وسترتم حال هذا الفقير المحتاج.
وقوله : ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ أى أنه - سبحانه - يستر السيئات التى يرتكبها
الشخص، ويخفيها ولا يظهرها عند إثابته إياه على فعله الحسن لأن ما فعله من حسنات مسح
ما فعله من سيئات فهو كقوله - تعالى -: ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن
الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من سيئاتكم﴾ بيانية
بمعنى أن الصدقات تكفر السئيات لأن المسلم إذا بذل ماله فى سبيل الله بصدق وإخلاص، كان
أهلا لمثوبة الله ومغفرته، ويجوز أن تكون للنبعيض أى يكفر عنكم بعض سيئاتكم بمقدار
ما قدمتم من صدقات لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أى أن الله - تعالى - عليم علمًا
دقيقًا بكل ما تعملونه أيها المؤمنون، فعليكم أن تخلصوا له أعمالكم، وأن تراقبوه فى سركم
وجهركم، وأن تسارعوا فى عمل الخيرات التى ترفع درجاتكم عند خالقكم.
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد مدحت صدقتى الجهر والسر متى كان المتصدق متبعًا آداب
الإِسلام وتوجيهاته، ومبتعدًا عن كل ما يبطل الصدقات، ويحبط الأعمال.
ثم ختمت السورة حديثها عن النفقة والمنفقين ببيان حسن عاقبة من يبذل ماله فى سبيل
الله، وبيان صفات بعض المستحقين للصدقة، وببيان أن هداية البشر إنما هى بيد الله
- تعالى - وحده، فقال - تعالى - :
◌َّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ
وَلَكِنَّاللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
٠٢٢
فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِاللَّهِ
وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ بُوَقَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

٦٢٣
سورة البقرة
:
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْفِي سَبِيلِ اللَّهِ
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُم ◌ِسِيمَهُمْ
لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَأْ وَ مَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ الَُّ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم
بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٤
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿ليس عليك هداهم﴾ هذا الكلام متصل
بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن
النبى ﴿ فى سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر
فقراء المسلمين قال رسول الله و سل﴿ لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم)). فنزلت هذه الآية مبيحة
للصدقة على من ليس من دين الإِسلام. وروى عن ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار
لهم قرابات من بنى قريظة والنضير كانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم فى أن يسلموا إذا
احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك. ثم قال: قال علماؤنا : هذه الصدقة التى أبيحت لهم
حسب ما تضمنته هذه الآثار هى صدقة التطوع، وأما المفروضة فلا يجزى دفعها لكافر، لقوله
﴿ ﴿: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم))(١).
والمعنى : ليس عليك يا محمد هداية من خالفك فی دینك. ولكن الله - تعالى - يهدى من
يشاء هداينه إلى نور الإِيمان، وطريق الحق. وما دام الأمر كذلك فعليك وعلى أتباعك أن
تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة فى الخلق، وعطف على المحتاجين حتى
ولو كانوا من المخالفين لكم فى الدين.
وعلى هذا المعنى الذى يؤيده سبب النزول يكون الضمير فى قوله : ﴿هداهم﴾ يعود على غير
المسلمين .
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٣٧ .
٩

٦٢٤
المجلد الأول
ومن المفسرين من يرى أن الضمير فى قوله: ﴿هداهم﴾ يعود إلى المسلمين المخاطبين فى
الآيات السابقة، فيكون المعنى: لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعًا
مهديين إلى الإِتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى والرياء فى صدقتهم،
ولكن الله وحده هو الذى يهدى من يشاء هدايته إلى الاستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف.
قال الآلوسي : وعلى هذا الرأى تكون الجملة معترضة جىء بها على طريق تلوين الخطاب
وتوجيهه إلى سيد المخاطبين وي مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك
المكلفين مبالغة فى حملهم على الامتثال .. ثم قال: ((والذى يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير
﴿هداهم﴾ إلى الكفار، وحينئذ لا التفات، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط .... )) (١).
ثم حض - سبحانه - المؤمنين على الإِنفاق فى وجوه الخير فقال : ﴿وما تنفقوا من خير
فلأنفسكم﴾ أى: ما تقدمونه من مال فى وجوه البر - أيها المؤمنون - فإن نفعه سيعود عليكم
بالسعادة فى الدنيا، وبالثواب الجزيل فى الآخرة، فكونوا أسخياء فى الإِحسان إلى الفقراء،
وابتعدوا عن وسوسة الشيطان الذى ﴿يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾.
و((ما)) شرطية جازمة لتنفقوا، وهى منتصبة به على المفعوليه، و((من)) للتبعيض وهى
متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير : أى شىء تنفقوا كائنا من المال فهو لأنفسكم
لا ينتفع به فى الآخرة غيرها.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : وقوله - تعالى -: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ يحتمل
وجوها .
الأول : أن يكون المعنى: ولستم فى صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه
الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبغون بذلك وجه الله فى صلة
رحم وسد خلة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم.
الثانى: أن هذا وإن كان ظاهره خبرًا إلا أن معناه نهى أى: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله .
الثالث : أن قوله : ﴿وما تنفقون﴾ أى ولا تكونوا منفقين مستحقين الاسم الذى يفيد المدح
حتى تبتغوا بذلك وجه الله. وفى ذكر الوجه تشريف عظيم لأنك إذا قلت : فعلت هذا الشىء
لوجه زید فهو أشرف فی الذکر من قولك : فعلته له لأن وجه الشىء أشرف ما فیه، ثم کثر حتی
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ٤٥ بتصرف وتلخيص.

٦٢٥
سورة البقرة
صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ، وأيضًا فإن قولك : فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك
فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ أى :
أن ما تنفقونه من خير - أيها المؤمنون ستعود عليكم ثماره ومنافعه فى الدنيا والآخرة، أما فى
الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق تزكو أموالكم، وتحسن سيرتكم بين الناس، وأما فى الآخرة
فإنكم تنالون من خالقكم ورازقكم أجزل الثواب، وأفضل الدرجات.
وقوله : ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أى لا تنقصون شيئا مما وعدكم الله به على نفقتكم فى سبيله.
قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله - تعالى - ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم) وقوله :
﴿وأنتم لا تظلمون﴾ تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهى قوله: ﴿وما تنفقوا من خير
فلأنفسكم﴾. وقوله: ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ جملة من مبتدأ وخبر فى محل نصب على الحال
من الضمير فى ﴿إليكم﴾ فالعامل فيها ﴿يوف﴾ وهى تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من
قوله : ﴿يوف إليكم﴾ لأنهم إذا وفوا حقوقهم لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من
الإِعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم فى طاعة
الله - تعالى - اندراجًا أوليًا))(٢).
هذا، والذى يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التى وردت فى الحض على بذل
المال فى وجوه الخير، فقد كرر فيها فعل ﴿تنفقون﴾ ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله، وجىء
به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإِنفاق والثواب، وجاءت كل جملة منها
مستقلة ببعض الأحكام لكى يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها
الأمم والأجيال.
ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال فى وجوه الخير، خص - سبحانه - بالذكر
طائفة من المؤمنين هى أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من
شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة فى اكرام أفرادها وسد حاجتهم.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا
يستجيش المشاعر، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعفقة فيقول: ﴿للفقراء، الذين
احصروا فى سبيل الله، لا يستطيعون ضربا فى الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف،
تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافًا﴾.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٨٣.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٥٥. بتصرف يسير.

٦٢٦
المجلد الأول
لقد وصفهم الله - تعالى - أولا بالفقراء، أى الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة
لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة.
وقوله: ﴿للفقراء﴾ متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق والتقدير: اجعلوا نفقتكم
وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه للإنفاق فى سبيل الله، وما يتعلق بذلك من
آداب وفوائد.
والجملة استئناف بيانى، فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هى؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء
الذين ذكرت الآية صفاتهم.
ومن فوائد الحذف هنا للمتعلق : تعليم المؤمنين الأدب فى عطائهم للفقراء بأن لا يصرحوا
لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعروهم بالمذلة والضعف، وأيضًا ففى هذا الحذف
لون من الإِيجاز البليغ الذى قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى.
قال القرطبى : والمراد بهؤلاء الفقراء، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية
كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر، لأنه لم يكن هناك
سواهم، وهم أهل الصفة))(١) وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء .
ومالهم أهل ولأمال فبنيت لهم صفة فى المسجد النبوى بالمدينة فقيل لهم: ((أهل الصفة(٢).
أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولى الناس بالعون والمساعدة فهى قوله
- تعالى -: ﴿الذين أحصروا فى سبيل الله﴾.
والإِحصار فى اللغة هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو
شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجرى مجرى هذه الأشياء.
والمعنى : اجعلوا الكثير مما تنفقونه - أيها المؤمنون - لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم
ووقفوها على الطاعات المتنوعة التى من أعظمها الجهاد فى سبيل الله، أو الذين منعوا من
الكسب بسبب مرضهم أو شيخوختهم، أو غير ذلك من الأسباب التى جعلتهم فى حالة شديدة
من الفاقة والاحتياج.
وعبر فى الجملة الكريمة ((بأحصروا)) بالبناء للمجهول، للإِشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب
تكاسلهم وإهمالهم فى مباشرة الأسباب، وإنما كان لأسباب خارجة عن إرادتهم.
(١) الصفة - بضم الصاد وتشديد الفاء - اسم لموضع بناه النبى و 98 فى المسجد النبوى بالمدينة ليأوى إليه
فقراء المهاجرين الذين تركوا أموالهم بمكة وهاجروا إلى المدينة لإعلاء كلمة الله .
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٣٩.

٦٢٧
سورة البقرة
وقوله : ﴿فى سبيل الله﴾ تكريم وتشريف لهم، أى أن ما نزل بهم من فقر واحتياج كان
بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على أى شىء آخر، ففى سبيل الله هاجروا، وفى سبيل الله تركوا
أموالهم فصاروا فقراء، وفى سبيل الله وقفوا أنفسهم على الجهاد، وفى سبيل الله أصابهم
ما أصابهم وهم يطلبون أداء ما كلفهم - سبحانه - بأدائه.
أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها ﴿لا يستطيعون ضربا فى الأرض﴾ والضرب فى
الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما.
أى أنهم عاجزون عن السير فى الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد، أو بسبب
ضعفهم وفلة ذات يدهم.
والصفة الرابعة من صفاتهم هى قوله - تعالى - : ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾.
والتعفف : ترك الشىء والتنزه عن طلبه، بقهر النفس والتغلب عليها. يقال عف عن الشىء
يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن.
أى يظنهم الجاهل بحالهم، أو الذى لا فراسة عنده، يظنهم أغنياء من أجل تجملهم
وتعففهم عن السؤال، أما صاحب الفراسة الصادقة، والبصيرة النافذة؛ فإنه يرحمهم ويعطف
عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره.
و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من التعفف﴾ للتعليل، أو لابتداء الغاية لأن التعفف مبدأ هذا
الحسبان .
أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى -: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ والسيما
والسيماء : العلامة التى يعرف بها الشىء، وأصلها من الوسم بمعنى العلامه.
والمعنى : تعرف فقرهم وحاجتهم - أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل - بما ترى فى
هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قال مجاهد: ((سيماهم)) التخشع والتواضع. أى - تعرفهم
بتخشعهم وتواضعهم - وقال السدى : - تعرفهم بسيماهم - أى بأثر الجهد من الفقر
والحاجة. وقال الضحاك: أى بصفرة ألوانهم ورثاثة ثيابهم ... ثم قال - رحمه الله -: وعندى
أن كل ذلك فيه نظر والمراد شىء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعًا فى قلوب الخلق،
وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراكات روحانية، لا علامات جسمانية. ألا
ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة

٦٢٨
المجلد الأول
ما وقعت، والبازى إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية
فكذا هنا ... )(١).
وقد ذكر - سبحانه - فى الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من أجل تعففهم
عن السؤال، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم، وذلك للإشعار بأن أنظار الناس تختلف
باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم. فأصحاب الأنظار التى تأخذ الأمور بمظاهرها يظنونهم
أغنياء، أما أصحاب البصيرة المستنيرة، والحس المرهف، والفراسة الصائبة، فإنهم يدركون
ما عليه أولئك القوم من احتياج، بسبب ما منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ، وفى الحديث
الشريف: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))(٢).
أما الصفة السادسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى -: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾
والإِلحاف - كما يقول صاحب الكشاف: هو الإلحاح بأن لا يفارق - السائل المسئول -
إلا بشىء يعطاه. من قولهم: لحفنى من فضل لحافه أى أعطانى من فضل ما عنده. ومعناه :
أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. وقيل هو نفى للسؤال والإِلحاف))(٣).
والذى عليه المحققون من العلماء أن النفى منصب على السؤال وعلى الإِلحاف أى أنهم
لا يسألون أصلا تعففًا منهم، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف،
ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى
معرفة حالهم عن طريق التفرس فى سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك.
وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التى يوهم ظاهرها أن النفى متجه إلى الإِلحاف وحده،
للموازنة بينهم وبين غيرهم، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافا فهم لا يسألون مطلقًا
لا بإلحاف ولا بدونه، والنفى بهذه الطريقة فيه تعريض للملحفين وثناء على المتعففين. ولذا قال
بعضهم: وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافًا والمراد التنبيه
على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافًا، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور قليل
الكلام، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت :
فلان رجل عاقل وقور لا بخوض فى الترهات ولا يشرع فى السفاهات، ولم يكن غرضك من
قولك لا يخوض فى الترهات وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغنى عن ذلك، بل
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٨٦.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٢٤
(٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٢٨.

٦٢٩
سورة البقرة
غرضك التنبيه على مذمة الثانى. فالأمر هنا كذلك لأن قوله: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ بعد
قوله: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ الغرض منه بيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر
فى استيجاب المدح والتعظيم))(١).
هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال، وتذم الملحفين فيه ومن ذلك
ما جاء فى الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله #1: ليس المسكين الذى ترده اللقمة
واللقمتان ولا التمرة والتمرتان إنما المسكين الذى يتعفف. اقرؤا إن شئتم: ﴿لا يسألون الناس
إلحافًا﴾ .
وروى مسلم فى صحيحه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى وسلم قال: ((لا تزال
المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس فى وجهه مزعة لحم)).
وروى مسلم - أيضًا - فى صحيحه عن عوف بن مالك قال : كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة
عند رسول الله فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا علام نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئًا. والصلوات الخمس، وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك
النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدًا يناوله إياه)).
٠
والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة، وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل الناس وعنده
ما يكفيه، لأن السؤال ذل يربأ بنفسه عنه كل من يحافظ على مروءته وكرامته وشرفه.
وقوله: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) تحريض للمؤمن على البذل والسخاء، وترقية
لنفسه على الشعور بمراقبة الله - تعالى - وعلى محبة فعل الخير.
أى: وما تنفقوا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيرًا سرًا أم علنًا فإن الله يعلمه
وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب، وأعظم العطاء.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل
والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
وقوله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية﴾ استئناف المقصود منه ملح
أولئك الذين يعممون صدقاتهم فى كل الأزمان وفى كل الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين
فى الليل وفى النهار، فى الغدو وفى الآصال، فى السر وفى العلن، فى كل وقت وفى كل حال،
لأنهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضى الله تعالى.
: (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٨٧.

٦٣٠
المجلد الأول
وقد بين الله - تعالى - فى ثلاث جمل حسن عاقبتهم، وعظيم ثوابهم فقال فى الجملة الأولى
﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ أى فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم ومربيهم ورازقهم.
والجملة الكريمة خبر لقوله: ﴿الذين ينفقون ... ﴾ ودخلت الفاء فى الخبر لأن الموصول فى
معنى الشرط فتدخل الفاء فى خبره جوازًّا، وللدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها أى أن
استحقاق الأجر متسبب عن الإِنفاق فى سبيل الله.
وقال فى الجملة الثانية ﴿ولا خوف عليهم﴾ أى: لا خوف عليهم من أى عذاب لأنهم فى
مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح.
وقال فى الجملة الثالثة: ﴿ولاهم يحزنون﴾ أى لا يصيبهم ما يؤدى بهم إلى الحزن والهم
والغم، لأنهم دائمًا فى اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان وقد روى المفسرون فى سبب نزول
هذه الآية روايات منها أن على بن أبى طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا،
وبدرهم نهارًا وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية فقال له النبي ◌َّ: ((ما حملك على ذلك؟ فقال :
أريد أن أكون أهلا لما وعدنى ربى. فقال ◌َ له: لك ذلك)) فأنزل الله هذه الآية(١).
والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها، فهى تنطبق على كل من بذل ماله فى سبيل
الله فى عموم الأوقات والأحوال.
أما بعد : فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله - تعالى - ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى
سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ... ) وانتهت بقوله - تعالى -: ﴿الذين ينفقون
أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ... ﴾.
والذى يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها قد حضت الناس على الإنفاق فى سبيل
الله بأبلغ الأساليب، وأحكم التوجيهات، وأفضل الوسائل، كما يراها بينت أحكام الصدقة
وآدابها، والآفات التى تذهب بخيرها وضربت الأمثال لذلك، كما يراها قد بينت أنواعها،
وطريقة أدائها، وأولى الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين، وكما بدأت الآيات
حديثها بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمته أيضًا بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى التى أعدها
الله لهم.
ولو أن المسلمين أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة فى دنياهم، ولنالوا رضا الله
ومثوبته فى أخراهم.
وبعد هذه الصورة المشرقة التى ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها بصورة مضادة لها
(١ ( تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٨٨.

٦٣١
سورة البقرة
وهى صورة الربا والمرابين. ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل للمال فى
وجوه الخير بدون عوض ينتظره المتصدق، أما الربا فهو إخراج المال فى وجوه الاستغلال لحاجة
المحتاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة. وأن الصدقة نتيجتها الرخاء والنماء والطهارة
للمال، وشيوع روح المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان بين أفراد المجتمع، أما الربا فنتيجته
محق البركة من المال، وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس. ولقد نفر
القرآن الناس من تعاطى الربا تنفيرًا شديدًا وحذرهم من سوء عاقبته تحذيرًا مؤكدًا فقال
- تعالى - :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ
مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَحَلَّ الَهُالْبَيْعَ وَحَتَّمَ الْرَبَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّهِ، فَأنْتَهَى قَلَهُ مَاسَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عَادَ
فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ()، يَمْحَقُ
اللّهُ الْرّبَواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
٢٧٦
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ
وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ
(٢٧٧)
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٦) فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ
فَأَذَنُواْبِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ
وَإِن كَانَ
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٥)
ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌلَكُمْ

٦٣٢
المجلد الأول
وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تَرَجَعُونَ فِيهِ إِلَى
(٢٨٠
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
اللَّهِثُمَّ تُوَّ كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
٢٨١
وقوله - تعالى - : ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخطبه الشيطان من
المس ... ﴾ استئناف قصد به الترهيب من تعاطى الربا، بعد الترغيب فى بذل الصدقة
لمستحقيها .
ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد، لأن الصدقة - كما يقول الفخر الرازى - عبارة
عن تنقيص المال - فى الظاهر - بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال
مع نهى الله عنه فكانا متضادين.
والأكل فى الحقيقة. ابتلاع الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشىء وأخذه بحرص وهو المراد
هنا. وعبر عن التعامل بالربا بالأكل، لأن معظم مكاسب الناس تنفق فى الأكل.
والربا فى اللغة: الزيادة مطلقًا، يقال: ربا الشىء يربو إذا زاد ونما، ومنه قوله - تعالى - :
﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ... ﴾ أى: زادت.
وهو فى الشرع : - كما قال الألوسى - عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض فى معاوضة مال
بمال.
وقوله : ﴿يتخبطه﴾: من التخبط بمعنى الخبط وهو الضرب على غير استواء واتساق. يقال:
خبطته أخبطه خبطًا أى ضربته ضربًا متواليًا على أنحاء مختلفة. ويقال : تخبط البعير الأرض إذا
ضربها بقوائمه ويقال للذى يتصرف فى أمر ولا يهتدى فيه يخبط خبط عشواء. قال زهير بن أبى
سلمى فى معلقته :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطى يعمر فيهرم
والمس : الخبل والجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون. وأصل المس
اللمس باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإِنسان فيجنه.
والمعنى: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ أى يتعاملون به أخذا وإعطاء ﴿لا يقومون﴾ يوم القيامة
للقاء الله إلا قيامًا كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه وجنونه، وتخبط الشيطان له،
وذلك لأنه يقوم قيامًا منكرًا مفزعا بسبب أخذه الربا الذى حرم الله أخذه.

٤٠
سورة البقرة
٦٣٣
فالآية الكريمة تصور المرابى بتلك الصورة المرعبة المفزعة، التى تحمل كل عاقل على الابتعاد
عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا.
وهنا نحب أن نوضح أمرين :
أما الأمر الأول : فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم
القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك.
قال الألوسى : وقيام المرابى يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، فقد أخرج الطبرانى عن
عوف بن مالك قال: قال رسول الله وَ له: ((إياك والذنوب التى لا تغفر. الغلول فمن غل شيئًا
أتى به يوم القيامة، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونًا يتخبط)) ثم قرأ الآية،
وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه، ولعل الله - تعالى - جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع
الأعظم عقوبة له ... ثم قال. وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابى فى حرصه وتحركه فى
اكتسابه فى الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة : قد جن، ولا يخفى أنه
مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول ويّله من غير داع سوى الاستبعاد الذى لا يعتبر
فى مثل هذه المقامات))(١).
والذى نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين فى الدنيا والآخرة، فهم فى
الدنيا فى قلق مستمر، وانزعاج دائم، واضطراب ظاهر بسبب جشعهم وشرههم فى جمع المال،
ووساوسهم التى لا تكاد تفارقهم وهم يفكرون فى مصير أموالهم .... ومن يتتبع أحوال بعض
المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين فى أقوالهم وحركاتهم. أما فى الآخرة فقد توعدهم الله -
تعالى - بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم.
وقد رجح الإِمام الرازى أن الآية الكريمة تصور حال المرابى فى الدنيا والآخرة فقال
ما ملخصه: ((إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، ومن كان .
كذلك كان فى أمر الدنيا متخبطًا ... وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطًا فى حب الدنيا
متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجابًا بينه وبين الله - تعالى -، فالخبط
الذى كان حاصلا له فى الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط فى الآخرة وأوقعه فى ذل الحجاب،
وهذا التأويل أقرب عندى من غيره))(٢).
وأما الأمر الثانى: فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضًا أن التشبيه فى الآية الكريمة على
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ٤٩.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٩٦.

٦٣٤
المجلد الأول
.....--
١
الحقيقة، بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذى مسه الشيطان، لأن الشيطان قد
يمس الإِنسان فيصيبه بالصرع والجنون.
ولكن الزمخشرى ومن تابعه ينكرون ذلك، ويرون أن كون الصرع أو الجنون من الشيطان
باطل لأنه لا يقدر على ذلك، فقد قال الزمخشرى فى تفسيره : وتخبط الشيطان من زعمات
العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإِنسان فيصرع. والمس الجنون، ورجل ممسوس - أى
مجنون -. وهذا أيضًا من زعماتهم، وأن الجنى يممسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه
ضربته الجن، ورأيتهم لهم فى الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار
المشاهدات))(١).
ومن العلماء الذين تصدوا للرد على الزمخشرى ومن تابعه الإِمام القرطبى فقد قال: ((وفى
هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن
الشيطان لا يسلك فى الإِنسان ولا يكون منه مس. وقد روى النسائى عن أبى اليسر قال: كان
رسول الله 9 يدعو فيقول: اللهم إنى أعوذ بك من التردى والغرق والهدم والحريق، وأعوذ
بك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت فى سبيلك مدبرًا وأعوذ بك أن
أموت لديغًا))(٢).
وقال الشيخ أحمد بن المنير: ومعنى قول الزمخشرى أن تخبط الشيطان من زعمات العرب،
أى من كذباتهم وزخارفهم التى لا حقيقة لها، كما يقال فى الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا
القول من تخبط - الشيطان بالقدرية - أى المعتزلة - فى زعماتهم المردودة بقواطع الشرع، ثم
قال: واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها،
والقدرية ينكرون كثيرًا مما يزعمونه مخالفاً لقواعدهم .. من ذلك السحر، وخبطة الشيطان،
ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشىء من ذلك فعلى غير الوجه الذى يعترف به أهل السنة
وينبىء عنه ظاهر الشرع فى خيط طويل لهم، (٣) والذى نراه أن ما عليه جمهور العلماء من أن
التشبيه على الحقيقة هو الحق، لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالجنون، ولأنه لا يسوغ
لنا أن تؤول القرآن بغير ظاهره بسبب اتجاه دليل عليه.
وقوله : ﴿من المس﴾ متعلق بيقومون أى لا يقومون من المس الذى حل بهم بسبب أكلهم
الربا إلا كما يقوم المصروع من جنونه.
(١) تفسير الكشاف للزخشرى جـ ١ ص ٣٢٠ . .
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٥٥.
(٣) الانتصاف على الكشاف لابن المنير جـ ١ ص ٣٢٠ من الكشاف.

٦٣٥
سورة البقرة
وقوله - تعالى -: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ بيان
لزعمهم الباطل الذى سوغ لهم التعامل بالربا، ورد عليه بما يهدمه.
واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذى نزل بهم. والمعنى: ذلك الأكل
الذى استحلوه عن طريق الربا، أو ذلك العذاب الذى حل بهم والذى من مظاهره قيامهم
المتخبط، سببه قولهم إن البيع الذى أحله الله يشابه الريا الذى نتعامل به فى أن كلا منهما
معاوضة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام فى الربا لا فى
البيع، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا : لو اشترى
الرجل الشىء الذى لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت :
جىء به على طريق المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم فى حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونًا
فى الحل حتى شبهوا به البيع))(١).
وقوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ جملة مستأنفة، وهى رد من الله - تعالى - عليهم،
وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع.
قال الآلوسي : وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم : أن ما ذکرتم - من أن الربا
مثل البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان، على أن بين البابين
فرقًا، وهو أن من باع ثوبًا يساوى درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمین فلا شىء منهما
إلا وهو فى مقابلة شىء من الثوب. وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون
عوض، ولا يمكن جعل الإِمهال عوضا إذ الإِمهال ليس بمال فى مقابلة المال)) (٢).
وقوله : ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله﴾. تفريع على الوعيد
السابق فى قوله: ﴿الذین یأکلون الربا .. ﴾ إلخ)).
والمجىء بمعنى العلم والبلاغ، والموعظة : ما يعظ الله - تعالى - به عباده عن طريق زجرهم
وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره.
أى: فمن بلغه نهى الله - تعالى - عن الربا، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه، ﴿فله
ما سلف﴾ أى فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم
بقبضه .. لأن الله - تعالى - يقول بعد ذلك ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم .. ﴾.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٢١.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ٥٠.

٦٣٦
المجلد الأول
وقوله : ﴿وأمره إلى الله﴾ أى أمر هذا المرابى الذى تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده،
أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذى يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه.
قال ابن كثير: قوله ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ .. الخ أى من بلغه نهی الله عن الربا
فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: ﴿عفا الله عما سلف﴾ وكما قال
النبی ێ﴾ يوم فتح مكة: «وکل ربا فى الجاهلية موضوع تحت قدمی هاتین وأول ربا أضع ربا
عمى العباس، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة فى حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال
- تعالى -: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ أى فله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم))(١).
و((من)) فى قوله: ﴿فمن جاءه موعظة﴾ شرطية وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون موصولة.
وعلى التقديرين فهى فى محل رفع بالابتداء، وقوله: ﴿فله ما سلف﴾ هو الجزاء أو الخبر،
و﴿موعظة﴾ فاعل جاء، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة
هنا بمعنى الوعظ فهى فى معنى المذكر
وقوله: ﴿من ربه﴾ جار ومجرور متعلق بجاءه، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة
. وفى قوله: ﴿من ربه﴾ تفخيم لشأن الموعظة، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله
- تعالى - المربى لعباده.
وفى هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده، لأنه -
سبحانه - لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهى، ولم يجعل تشريعه
بأثر رجعى بل جعله للمستقبل، إذ الإسلام يجب ما قبله. فما أكله المرابى قبل تحريم الربا
فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم، وإذا تعامل به
فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا.
ولقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله - تعالى - فقال
﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار
الملازمون لها، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه.
وفى هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها :
التعبير فيها بأولئك التى تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله، والتعبير بالجملة الاسمية
التى تفيد الدوام والاستمرار والتعبير، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة، وبكلمة
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٢٧.

٦٣٧
سورة البقرة
﴿خالدون﴾ التى تدل على طول المكث.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المرابين، وحسن عاقبة المتصدقين فقال : ﴿يمحق الله الربا
ويربى الصدقات.
والمحق : النقصان والإِزالة للشىء حالا بعد حال، ومنه محاق القمر، أى انتقاصه فى الرؤية
شيئًا فشيئًا حتى لا يرى، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شىء.
أى : أن المال الذى يدخله الربا يمحقه الله، ويذهب بركته، أما المال الذى يبذل منه صاحبه
فى سبيل الله فإنه - سبحانه - يباركه وينميه ويزيده لصاحبه.
قال الإِمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : اعلم أنه لما كان الداعى إلى التعامل
بالربا تحصيل المزيد من الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال، لما كان
الأمر كذلك بين - سبحانه - أن الربا، وإن كان زيادة فى الحال إلا أنه نقصان فى الحقيقة، وأن
الصدقة وإن كانت نقصانًا فى الصورة إلا أنها زيادة فى المعنى، واللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى
ما يقضى به الطبع والحس والدواعى والصوارف، بل يعول على ما أمر به الشرع.
ثم قال: واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون فى الدنيا وأن يكون فى
الآخرة. أما محق الربا فى الدنيا فمن وجوه :
أحدها : أن الغالب فى المرابى وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عنه،
ففى الحديث : الربا وإن كثر فإلى قل.
وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة.
وثالثها : إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم ...
ورابعها : أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من
الربا ويقولون: إن ذلك المال ليس له فى الحقيقة فلا يترك فى يده.
وأما أن الربا مسبب للمحق فى الآخرة فلوجوه منها أن الله - تعالى - لا يقبل منه صدقة
ولا جهادًا ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس -، ومنها أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل
الباقى هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر.
وأما إرباء الصدقات فى الدنيا فمن وجوه : منها : أن من كان لله كان الله له، ومن أحسن
إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله، ومنها أن يزداد كل يوم فى ذكره الجميل وميل
القلوب إليه، ومنها أن الفقراء يدعون له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع.

٦٣٨
المجلد الأول
وأما إرباؤها فى الآخرة فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلّ ((إن الله
- تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره، أو فلوه حتى إن
اللقمة لتصير مثل أحد))(١).
ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين، وتهديد شديد للمرابين ثم ختم
- سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾.
و﴿كفار﴾ فعيل بمعنى فاعل فهى صيغة مبالغة من آثم، والأثيم هو المكثر من ارتكاب الآثام
المبطئ عن فعل الخيرات.
أى : أن الله - تعالى - لا يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه والجحود لها، والتمادى
فى ارتكاب المنكرات، والابتعاد عن فعل الخيرات.
وقد جمع - سبحانه - بين الوصفين للإشارة إلى أن إيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه وهم .
كفار إن استحلوه، وهم فى الحالتين آثمون معاقبون، يعيدون عن محبة الله ورضاه. وسيعاقب
- سبحانه - الناقصين فى إيمانهم، والكافرين به بما يستحقون من عقوبات.
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا، أو فعلوه مع عدم استحلالهم له.
وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا، ساق - سبحانه - آية فيها أحسن البشارات
للمؤمنين الصادقين فقال - تعالى - :
﴿إن الذين آمنوا﴾ أى إيمانًا كاملا بكل ما أمر الله به ﴿وعملوا الصالحات﴾ أى الأعمال
الصالحة التى تصلح بها نفوسهم والتى من جملتها الإِحسان إلى المحتاجين، والابتعاد عن الربا
والمرابين ﴿وأقاموا الصلاة﴾ بالطريقة التى أمر الله بها، بأن يؤدوها فى أوقاتها بخشوع واطمئنان
﴿وآتوا الزكاة﴾ أى أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس.
هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾ أى لهم ثوابهم
الكامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم.
﴿ولا خوف عليهم﴾ يوم الفزع الأكبر ﴿ولا هم يحزنون﴾ لأى سبب من الأسباب، لأن
ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله - تعالى - يجعلهم فى فرح دائم، وفى سرور
. مقيم .
ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن
التعامل بالربا فيقول: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ أى اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٠٢.

٦٣٩
سورة البقرة
والأقوال التى تفضى بكم إلى عقابه.
وقوله: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ أى: اتركوا ما بقى فى ذمم الذين عاملتموهم بالربا
ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب، فهذا مقابل لقوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿فله
ما سلف﴾ أى ما سلف قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورون
بتر که.
وقوله: ﴿من الربا﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل ﴿بقى﴾ أى اتركوا الذى بقى
حال كونه بعض الربا، ومن للتعيض. أو متعلق ببقى.
و﴿ذروا﴾ فعل أمر - بوزن علوا - مبنى على حذف النون والواو فاعل، وأصله ((وذروا))
فحذفت فاؤه، والماضى منه ((وذر)).
وقوله : ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان فامتثلوا
أمر الله وذروا ما بقى من الربا مما زاد على رءوس أموالكم.
قال ابن كثير: نزل هذا السياق فى بنى عمرو بن عمير بن ثقيف، وبنى المغيرة من بنى مخزوم
كان بينهم ربا فى الجاهلية فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم
فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة : لا نؤدى فى الإِسلام، فكتب فى ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة
إلى رسول الله - ◌َ﴿ - فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله وَ لجه إليه. فقالوا نتوب إلى الله
ونذر ما بقى من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لكل من استمر على تعاطى
الربا بعد الإِنذار))(١) ثم هدد الله - تعالى كل من يتعامل بالربا تهديدًا عنيفًا فقال: ﴿فإن لم
تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾.
أى: فإن لم تتركوا الربا وأخذتم منه شيئًا بعد نهيكم عن ذلك، فكونوا على علم ويقين
بحرب كائنة من الله - تعالى - ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا.
وقوله: ﴿فأذنوا﴾ من أذن بالشىء يأذن إذا علمه. وقرئٍ ﴿فآذنوا﴾ من آذنه الأمر وآذنه به :
أعلمه إياه : أى أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله.
وتنكير ((حرب)) للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويقين من أن حربا عظيمة ستنزل
عليكم من الله ورسوله.
قال بعضهم: والمراد المبالغة فى التهديد دون نفس الحرب. وقال آخرون : المراد نفس
الحرب بمعنى أن الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر عليه الإِمام قبض عليه
ام
بـ
٠
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٣٠ بتصرف يسير.
٠

٦٤٠
المجلد الأول
وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزير إلى أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ممن يكون له عسكر
وشوكة، حاربه الإِمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر الصديق ما نعى الزكاة.
وقال ابن عباس: من تعامل بالربا يستتاب فإن تاب فبها وإلا ضرب عنقه(١).
ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عند توبتهم عن التعامل بالربا فقال : ﴿وإن تبتم فلكم
رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.
أى: وإن تبتم عن التعامل بالربا الذى يوجب الحرب علیکم من الله ورسوله، فلکم رءوس
أموالكم أى أصولها بأن تأخذوها ولا تأخذوا سواها، وبذلك لا تكونون ظالمين لغرمائكم،
ولا يكونون ظالمين لكم، لأن من أخذ رأس ماله بدون زيادة كان مقسطًا ومتفضلا، ومن دفع
ما عليه بدون إنقاص منه كان صادقا فى معاملته.
ثم أمر الله - تعالى - الدائنین أن يصبروا على المدینین الذین لا يجدون ما يؤدون منه ديونهم
فقال - تعالى - : ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.
والعسرة : اسم من الإِعسار وهو تعذر الموجود من المال يقال: أعسر الرجل إذا صار إلى
حالة العسرة وهى الحالة التى يتعسر فيها وجود المال.
والنظرة : اسم من الإِنظار بمعنى الإِمهال. يقال : نظره وانتظره وتنظره، تأنى عليه وأمهله فى
الطلب.
والميسرة : مفعلة من اليسر الذى هو ضد الإِعسار. يقال: أيسر الرجل فهو موسر إذا اغتنى
وکثر ماله وحسنت حاله.
والمعنى : وإن وجد مدين معسر فأمهلوه فى أداء دينه إلى الوقت الذى يتمكن فيه من سداد
ما عليه من ديون، ولا تكونوا كأهل الجاهلية الذين كان الواحد منهم إذا كان له دين على
شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة وقال له : إما أن تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على
أصل الدين.
و﴿كان﴾ هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث، فتكتفى بفاعلها كسائر الأفعال. وقيل
يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود إلى المدين وإن لم يذكر وذلك على قراءة
﴿ذا عسرة﴾ بالنصب وقوله: ﴿فنظرة﴾ الفاء جواب الشرط. ونظرة خبر لمبتدأ محذوف أى
فالأمر أو فالواجب أو مبتدأ محذوف الخبر أى فعليكم نظرة.
ثم حبب - سبحانه - إلى عباده التصدق بكل أو ببعض ما لهم من ديون على المدينين
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٠٦.
١