النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١. سورة البقرة مرتفع من الأرض جزءا من كل طائر من تلك الطيور ثم نادهن يأتينك مسرعات إليك. والفاء فى قوله ﴿فخذ﴾ هى التى تسمى بالفاء الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أى: إذا أردت ذلك فخذ .. وقوله : ﴿من الطير﴾ متعلق بمحذوف صفة لأربعة أى فخذ أربعة كائنة من الطير، أو متعلق بقوله ﴿خذ﴾ أى خذ من الطير. والطير اسم جمع - كرَكْب وسفر - وقيل هو جمع طائر مثل تاجر وتجر. قالوا: وهذه الطيور الأربعة هى الطاووس والنسر والغراب والديك. ومما قالوه فى اختيار الطير لهذه الحالة : أن الطير من صفاته الطيران، وأنه لا يستأنس بالإِنسان بل يطير بمجرد رؤيته، ولسهولة تأتى ما يفعل به من التجزئة والتفرقة. وقوله : ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ معطوف على محذوف دل عليه قوله : ﴿جزءا﴾ لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير: فاذبحهن ثم اجعل .. إلخ. وقوله: ﴿ثم ادعهن﴾ أى قل لهن تعالين بإذن الله. وقوله ﴿يأتينك﴾ جواب الأمر فهو فى محل جزم، ﴿سعيًا﴾ منصوب على المصدر النوعى، لأن السعى نوع من الإِتيان فكأنه قيل: يأتينك إتيانًا سريعًا: قال الفخر الرازى: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض - وفعل كما أمره الله، ثم قال لهن تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعد أن انضم كل جزء إلى أصله - ثم قال : ولكن أبا مسلم أنكر ذلك وقال: إن إبراهيم لما طلب إحياء الميت من الله - تعالى - أراه الله مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك : الإِمالة والتمرين على الإِجابة. أى: فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعيًا، والغرض منه ذكر مثال محسوس فى عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة .. ))(١). والذى يطمئن إليه القلب هو رأى الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة تجرى على يد إبراهيم وهى إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل الذى أماته الله مائة عام والذى جاء ذكره فى الآية السابقة، ولأن ظاهر الآية صريح فى أنه حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها على مرتفع من الأرض، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز حمل المعنى على غير هذا الظاهر، كما لا يجوز تحميل الألفاظ ما لا تحتمله. وما ذهب إليه أبو مسلم هو قول بلا دليل فضلا عن مخالفته لما عليه إجماع المفسرين. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٤. ٦٠٢ المجلد الأول ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ أى واعلم أن الله - تعالى - غالب على أمره، قاهر فوق عباده، حكيم فى كل شئونه وأفعاله وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على قدرة الله - تعالى - وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع، وعلى أن ما أخبر به من صحة البعث والنشور حق لا ريب فيه. ثم حض الله - تعالى - عباده على الإِنفاق فى سبيله، ووعدهم على ذلك بجزيل الثواب، فقال - تعالى - : مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلّ سُتْبْلَةٍ مَّأْتَّةُ حَّةٌ، وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّلَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢٠) ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلنا فى صدقة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وذلك أن رسول الله وي ليه لما حث الناس حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال: يا رسول الله كانت لى ثمانية آلاف فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربى، فقال رسول الله وَ ﴾ ((بارك الله لك فيما أمسكت وفيها أعطيت)). وجاء عثمان بألف دينار فى جيش العسرة فصبها فى حجر الرسول وَليل قال عبد الرحمن بن سمرة - راوى الحديث - فرأيته ويله يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: ((ماضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان)). وقال أبو سعيد الخدرى : رأيت النبی گۆ رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول: «يارب عثمان إنى رضيت عن عثمان فارض عنه)). ونزول هاتين الآيتين فى شأن صدقة هذين الصحابيين الجليلين لا يمنع من شمولهما لكل من نهج نهجهما، وبذل من ماله فى سبيل الله. و ((المثل))، الشبه والنظير. ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه لمورده الذى ورد فيه أولا. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية. ٦٠٣ سورة البقرة و((الحبة)) كما يقول القرطبى - اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب. وسنبلة - بوزن فنعلة - من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أى استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال. وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشىء بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل(١). والمعنى : مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، أى: فى طاعته، كمثل حبة ألقيت فى أرض طيبة، أصابها الغيث، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوى جميل فأنبتت فى الوقت المناسب لإِنباتها سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة. فأنت ترى أن الخالق - عز وجل - قد شبه حال الصدقة التى ببذلها المؤمن فى سبيل الله فيكافئه الله - تعالى - عليها بالثواب العظيم، بحال الحبة التى تلقى فى الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع شعب، فى كل شعبة سنبلة، وفى كل سنبلة مائة حبة. وفى هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإِنفاق فى وجوه الخير، ومن الترغيب فى فعل البر ولا سيما النفقة فى الجهاد فى سبيل الله. قال ابن كثير: وهذا المثل أبلغ فى النفوس من ذكر عدد السبعمائة. فإن هذا فيه اشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - تعالى - لأصحابها كما ينمى الزرع لمن بذره فى الأرض الطيبة))(٢). وقال - سبحانه - : ﴿كمثل حبة أنبتت﴾ فأسند الإِنبات إلى الحبة، مع أن المنبت فى الحقيقة هو الله، وذلك لأنها سبب لوجود تلك السنابل المليئة بالحبات، ولأنها هى الأصل لما تولد عنها. ثم قال - تعالى -: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ أى والله - تعالى - يضاعف الثواب والجزاء أضعافًا كثيرة لمن يشاء من عباده، فيعطى بعضهم سبعمائة ضعف، ويعطى بعضهم أكثر من ذلك، لأن الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق، فمتى خرجت منه بنية خالصة، وقلب سليم، ونفس صافية، ومن مال حلال، ووضعت فى موضعها المناسب، متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر، والمضاعفة لها تزيد على سبعمائة ضعف. إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود، وثوابه ليس له حساب معدود. (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٠٢، ٣٠٦. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣١٦. ٦٠٤ المجلد الأول ولذا ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله واسع عليم﴾ أى والله - تعالى - عطاؤه واسع، وجوده عميم، وفضله كبير، وهو - تعالى - عليم بنيات عباده وبأقوالهم وبأفعالهم ويسائر شئونهم، فيجازى كل إنسان على حسب نيته وعمله. وقوله - تعالى -: ﴿الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله﴾ استئناف جىء به لبيان كيفية الإِنفاق الذى يحبه الله، ويجازى عليه المنفقين بالجزاء العظيم. وقوله: ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾ تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة. والمن معناه : أن يتطاول المحسن بإحسانه على من أحسن إليه، ويتفاخر عليه بسبب ما أعطاه من عطايا. كأن يقول على سبيل التفاخر والتعبير: لقد أحسنت إليك وأنقذتك من الفقر وما يشبه ذلك. قال الإِمام الرازى ما ملخصه : والمن فى اللغة على وجوه: فقد يأتى بمعنى الإِنعام. يقال : قد من الله على فلان. إذا أنعم عليه بنعمه. وقد يأتى بمعنى النقص من الحق والبخس له. قال - تعالى -: ﴿وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ أى غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى الموت منونا ، لأنه يقطع الأعمار، ومن هذا الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة. والمراد بالمن فى الآية المذموم الذى هو بمعنى ((إظهار الاصطناع إليهم))(١). وقال صاحب الكشاف : المن : أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه. وأوجب عليه حقاله، وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ولبعضهم. وإن أمرؤ أسدى إلى صنيعة وذكرنيها إنه للئيم وفى نوابغ الكلم : صنوان: من منح سائله ومنَّ، ومن منع نائله وضن))(٢) والمراد بالأذى فى الآية : أن يقول المعطى لمن أعطاه قولا يؤذيه، أو يفعل معه فعلا يسىء به إليه، وهو أعم من المن، إذ المن نوع من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه. وجاء العطف بثم فى الجملة الكريمة، لإظهار النفاوت الشديد فى الرتبة بين الإِنفاق الذى يحبه الله، وبين الإِنفاق الذى يصاحبه المن والأذى، وللإِشعار بأن المن والأذى بغيضان عند (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٩. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣١١. ٦٠٥ سورة البقرة الإِنفاق وبعده، فعلى المنفق أن يستمر فى أدبه وإخلاصه وقت الإِنفاق وبعده حتى لا يذهب ثوابه، إذ المنّ والأذى مبطلان للثواب فى أى وقت يحصلان فيه. قال الشيخ ابن المنير مبينًا أن ﴿ثم﴾ هنا تفيد استمرار الفعل بجانب إفادتها للتفاوت فى الرتبة : وعندى فيها - أى فى ثم - وجه آخر محتمل فى هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول فى استصحابه. فهى على هذا لم تخرج عن الإِشعار ببعد الزمن، ولكن معناها الأصلى تراخى زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناها المستعار إليه دوام وجود الفعل وتراخى زمن بقائه. وعليه حمل قوله - : ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ أى: داوموا على هذه الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد .. وكذلك قوله هنا ((ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى)) أى يدومون على تناسى الإِحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان والأذى .. (١). وكرر - سبحانه - النفى فى قوله : ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾ لتأكيده وشموله لأفراد كل واحد منهما، أى يجب ألا يقع منهم أى نوع من أنواع المن ولا أى نوع من أنواع الأذى. حتى لقد قال بعض الصالحين: ((لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه بنفقة تبتغى بها وجه الله، فلا تسلم عليه)). ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة المنفقين بلا من ولا أذى فقال : ﴿لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ أى: لهم جزاؤهم العظيم مكافأة لهم على أدبهم وإخلاصهم، عند مربيهم ومالك أمرهم، ولا خوف عليهم مما سيجدونه فى مستقبلهم، ولاهم يحزنون على ماضيهم، وذلك لأن الله - تعالى - قد أحاطهم برعايته فى دنياهم وأخراهم وعوضهم عما فارقوه خير عوض وأكرمه. ثم كرر - سبحانه - التحذير من المن والأذى، مناديا المؤمنين بأن يجتنبوا فى صدقاتهم هاتين الرذيلتين، مبينا أن الكلمة الطيبة للفقير خير من إعطائه مع إيذائه، استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى وغيرها بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآَ أَذِىُّ وَاَللّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَأُبْطِلُواْ (١) حاشية تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣١١ للشيخ أحمد بن المنير. ٦٠٦ المجلد الأول صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَاٌِّ فَتَرَكَهُ صَلَّدٌّا لَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللهُلَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِينَ (٢٦٤ والمعنى: ﴿قول معروف﴾ بأن تقول للسائل كلاما جميلا طيبا تجبر به خاطره، ويحفظ له كرامته ((ومغفرة)) لما وقع منه من إلحاف فى السؤال، وستر لحاله وصفح عنه، ﴿خير من صدقة يتبعها أذى﴾ أى خير من صدقة يتبعها المتصدق أذى للمتصدق عليه. لأن الكلمة الطيبة للسائل، والستر علیه، والعفو عنه فیما صدر منه، كل ذلك يؤدى إلى رفع الدرجات عند الله، وإلى تهذيب النفوس، وتأليف القلوب وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال. أما الصدقة التى يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدى إلى ذهاب ثوابها، وإلى زيادة الآلام عند السائلين ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم، وعلى صيانة ماء وجوههم، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرا فى نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى، لأن ألم الحرمان يخففه الصبر الذى وراءه الفرج، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التى من العسير التئامها وشفاؤها. قال القرطبى: روى مسلم فى صحيحه أن رسول الله وَ ل ال قال: ((الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق)). فعلى المسئول أن يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورًا إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره))(١). وقوله: ﴿قول معروف﴾ مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها وللعطف عليها. وقوله : ﴿ومغفرة﴾ عطف عليه وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة إذ التقدير ومغفرة للسائل أو من الله وقوله: ﴿خير﴾ خبر عنهما وقوله ﴿يتبعها أذى﴾ فى محل جر صفة لصدقة. ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ﴿والله غنى حليم﴾ أى والله - تعالى - غنى عن إنفاق المنفقين وصدقات المتصدقين. وإنما أمرهم بهما لمصلحة تعود عليهم. أو غنى عن الصدقة (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٠٩. ٦٠٧ سورة البقرة المصحوبة بالأذى فلا يقبلها. ﴿حليم﴾ فلا يعجل بالعقوبة على مستحقها، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل. والجملة الكريمة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. وقوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ نداء منه - سبحانه - للمؤمنين يكرر فيه نهيهم عن المن والأذى، لأنهما يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله - تعالى - وإلى عدم الشكر من الناس ولذا جاء فى الحديث الشريف: ((إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر)). ثم أكد - سبحانه - هذا النهى عن المن والأذى بذكر مثلين فقال فى أولهما : ﴿كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها، وتمحقوا ثمارها، بسبب المن والأذى، فيكون مثلكم فى هذا الإِبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام، كمثل المنافق الذى ينفق ماله من أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغى به رضاء الله ولا ثواب الآخرة، لأنه كفر بالله، وكفر بحساب الآخرة. وفى هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى لأنه - سبحانه - شبه حال المتصدق المتصف بهما فى إبطال عمله بسببهما بحال هذا المنافق المرائى الذى لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقوله : ﴿كالذى .. ﴾ الكاف فى محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أى: لا تبطلوها إبطالا كابطال الذى ينفق ماله رئاء الناس ... أو فى محل نصب على الحال من فاعل ﴿تبطلوا﴾ أى لا تبطلوها مشابهين الذى ينفق ماله رثاء الناس. وقوله : ﴿رثاء﴾ منصوب على أنه مفعول لأجله أى: كالذى ينفق ماله من أجل رثاء الناس. وأما المثال الثاني فقال - سبحانه - : ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا لا يقدرون على شىء مما كسبوا﴾. ﴿الصفوان﴾ اسم جنس جمعى واحده صفوانة كشجر وشجرة وهو الحجر الكبير الأملس، مأخوذ من الصفاء وهو خلوص الشىء مما يشوبه. يقال : يوم صفوان أى صافى الشمس. وقيل هو مفرد كحجر. و﴿الوابل﴾ المطر الشديد. يقال: وبلت السماء تبل وبلا ووبولا. اشتد مطرها و ﴿الصلد﴾ هو الشىء الأجرد النقی من التراب الذی کان علیه. ومنه رأس أصلد إذا كان لا ينبت شعرًا، والأصلد الأجرد الذى لا ينبت شيئًا مأخوذ من صلد يصلد صلدا فهو صلد. ٦٠٨ المجلد الأول والمعنى : يأيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل المنافق الذى ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق فى انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبًا للظهور كمثل حجر أملس لا ينبت شيئًا ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإِنبات أى شىء عليه. فالتشبيه فى الجملة الكريمة بين الذى ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذى عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله، ثم ينزل المطر فيزيل التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائى عاريًا من أى شىء يستره. وكذلك المنافق المرائى فى إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف أمره لأن ثوب الرياء يشف دائمًا عما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه. ومن المفسرين من يرى أن التشبيه فى الجملة الكريمة بين المنفق الذى يبطل صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس، وأن الضمير فى قوله: ﴿فمثله كمثل صفوان﴾ يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى. فيكون المعنى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذى عليه تراب كان يرجى أن يكون منبتًا للزرع فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه، فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع، كما يزيل المطر التراب الذى يؤمل منه الإِنبات من فوق الحجر الأملس. والذى نراه أن عودة الضمير فى قوله: ﴿فمثله﴾ على الذى ينفق ماله رثاء الناس أظهر لأنه أقرب مذكور، ولأن التشبيه فى قوله : ﴿فمثله كمثل صفوان﴾ قد جاء بلفظ المفرد وهو المناسب للذى ينفق ماله رثاء الناس لأنه مفرد مثله، بخلاف قوله: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ فإن الضمير فيه بلفظ الجمع، فمن الأولى أن يعود الضمير فى قوله: ﴿فمثله﴾ إلى المرائى لتوافقهما فى الأفراد. ثم قال - تعالى - : ﴿لا يقدرون على شىء مما كسبوا﴾ أى أن الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، والذين يتصدقون رياء ومفاخرة لا يقدرون على تحصيل شىء من ثواب ما عملوا لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن أذى محق بركتها، وأذهب ثمرتها، وأزال ثوابها. أو المعنى : أن أولئك المنانين والمرائين ليس عندهم قدرة على شىء من المال الذى بين أيديهم وإنما هذا المال ملك الله وهو - سبحانه - الذى أنعم به عليهم، فعليهم أن يشكروه على هذه النعمة، وأن ينفقوه بدون من أو أذى أو مراءاة، حتى يظفروا بحسن المثوبة منه - سبحانه -. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ أى لا يهديهم إلى ما ينفعهم لأنهم آثروا الكفر على الإِيمان. : ٦٠٩ سورة البقرة والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفيها إشارة إلى أن الإِنفاق المصحوب بالمن والأذى والرياء ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات الكافرين، فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذه الصفات التى لا تليق بهم. والذى ينظر فى هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى - قد حذر المنفقين من المن والأذى فى ثلاث آيات متواليات، كما حذرهم من الرياء، وساق أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات التى لا تكون خالصة لوجه الله فلماذا كل هذا التشديد فى النهى؟ والجواب عن ذلك: أن المن والأذى فى الإِنفاق كثيرًا ما يحصلان بسبب استعلاء كاذب، أو رغبة فى إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف : وكلا الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة، ولا يتلاقى مطلقًا مع الحكم التى من أجلها شرعت الصدقات بل إنه ليتنافر معها تنافرًا تامًا لأن الصدقات شرعها الله لتهذيب النفوس وتطهير القلوب ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط المحبة والمودة والإِخاء، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت له، لأنها تثير فى نفس المعطى بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات الذميمة، وتثير فى نفس الآخذ شعورًا بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه وبذلك تنقطع الروابط، ويتمزق المجتمع، وتتحول المحبة إلى عداوة. ولقد تحدث الإِمام الرازى عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال ما ملخصه : وإنما كان المن مذمومًا لوجوه : الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة، فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار الإِنعام زاد ذلك فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرة بعد المنفعة، وفى حكم المسىء إليه بعد أن أحسن إليه. والثانى : أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة فى صدقته إذا اشتهر من طريق ذلك. الثالث : أن المعطى يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله - تعالى - عليه - وأن يعتقد أن الله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منة على الغير. الرابع : أن المعطى فى الحقيقة هو الله، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون فى درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول، وعن الآثار إلى المؤثر ... وأما الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسىء إلى الفقير بأن يقول له : فرج الله عنى منك، وأنت أبدا تأتى إلى بما يؤلم. إلخ(١). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٩. ٦١٠ المجلد الأول هذا، وقد ساق الإِمام ابن كثير عددًا من الأحاديث الشريفة التى نهت عن المن والأذى ومن ذلك ما جاء فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال: قال رسول الله وَلقر: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) وروى النسائى عن ابن عباس عن النبى يتلقى أنه قال: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منّان))(١). وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين يراءون فى صدقتهم، ويفسدون ثمارها بالمن والأذى، أتبع ذلك ببيان حسن عاقبة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا الله، فقال - تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَكْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّتِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ ٧ ٢٦٥ وَاُللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير التثبيت : تحقيق الشىء وترسيخه، والجنة - كما يقول الراغب - كل بستان ذى شجر يستر بأشجاره الأرض. وأصل الجن ستر الشىء على الحاسة، يقال : جنه الليل وأجنه أى ستره. وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره. ﴿والربوة﴾ - بضم الراء وفتحها - المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم: ربا الشىء يربو إذا ازداد وارتفع ومنه الربا للزيادة المأخوذة على أصل الشىء. والمعنى : ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضى الله - تعالى - ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ أى: وتوطينا لأنفسهم على حفظ هذه الطاعة وعلى ترك ما يفسدها كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر كثير فأخرجت ثمرها (ضعفين﴾ أى ضعفًا بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير، أو فأعطت صاحبها أو الناس مثلى ما كانت تثمر فى سائر الأوقات بسبب ما أصابها من المطر الغزير. أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان. والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين فى زكائها ونمائها عند الله بتلك الحديقة اليانعة المرتفعة التى تنزل عليها المطر الغزير فأتت أكلها مضاعفًا وأخرجت للناس من كل زوج بهيج . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣١٨. ٦١١ سورة البقرة وقوله : ﴿ابتغاء﴾ مفعول لأجله أى يبذلون نفقتهم من أجل رضا الله -عز وجل - أو حال من فاعل ينفقون. أى ينفقون أموالهم طالبين رضا الله. وقوله : ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ معطوف على سابقه، وقد ذكر صاحب الكشاف أوجها فى معنى هذه الجملة الكريمة فقال: قوله : ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ أى وليثبتوا منها ببذل المال الذى هو شقيق الروح على سائر العبادات الشاقة وعلى الإِيمان، لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها، ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها فى اتباعه لشهواتها وبالعكس، فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإِيمان واليقين. و﴿من﴾ على هذا الوجه للتبعيض، مثلها فى قولهم : هز من عطفه وحرك من نشاطه. ويجوز أن يراد من قوله - تعالى - : ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ أى: وتصديقا للإِسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله فى سبيل الله، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. و﴿من﴾ على هذا الوجه لابتداء الغاية، كقوله - تعالى - ﴿حسدا من عند أنفسهم﴾ ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإِيمان مخلصة فيه، وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد : وتبيينا من أنفسهم : فإن قلت: فما معنى التبعيض ؟ قلت : معناه أن من يذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معًا فهو الذى ثبتها كلها كما فى قوله - تعالى -: ﴿وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾(١). وخصص الجنة بأنها بربوة لأن الأشجار فى المكان المرتفع من الأرض تكون عادة أحسن منظرا، وأزكى ثمرا، للطاقة هوائها، فكان من فوائد هذا القيد إعطاء وجه الشبه - وهو تضعيف المنفعة وجمالها قوة ووضوحًا، كما أن من فوائده تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه عند السامع . ثم قال - تعالى -: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾. والطل : هو المطر القليل وجمعه طلال، وهو مبتدأ محذوف الخبر أى فطل قليل يصيبها یکفیھا . والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتثمر كثر المطر النازل عليها أو قل فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تزكو عند الله وتطيب كثرت أو قلت، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله - تعالى - مضاعفة نامية. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله بما تعلمون بصير﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣١٣ بتصرف يسير. ٦١٢ المجلد الأول أى أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية، وسيجازى المخلصين بما يرضيهم كما سيجازى المنانين والمرائين بما يستحقون. ففى الجملة الكريمة ترغيب وترهيب ووعید. وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق فى هذه الآية وسابقتها حالتين متقابلتين : حالة الذى يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء، وكيف تكون عاقبته ونهايته. وحالة الذى ينفق ماله طلبًا لرضا الله وتعويدًا لنفسه على فعل الطيبات وكيف يكون جزاؤه عند العليم الخبير ولقد صور القرآن هاتين الحالتين تصويرًا مؤثرًا بديعًا، من شأنه أن يهدى العقلاء إلى فعل الخيرات، وإخلاص النبات، واجتناب السيئات. ثم ساق القرآن آية كريمة حذر فيها الناس من ارتكاب مانهى الله عنه وبين فيها كيف أن المن والأذى والرياء وما يشبه ذلك من رذائل یؤدی إلی ذهاب الشىء النافع من بین یدی صاحبه وهو أحوج ما يكون إليه. استمع إلى القرآن وهو يصور نهاية هذا الإِنسان البائس. أَيَوَدُّأَحَدُ كُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُجَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُلَهُ. فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَّهُ ذُرِيَّةٌ مُعَفَآءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦ قوله : ﴿أيود﴾ هو من الود بمعنى المحبة الكاملة للشىء وتمنى حصوله، والاستفهام فيه للإنكار و﴿الإعصار﴾ ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كالعمود، وهى التى يسميها بعض الناس زوبعة. وسميت إعصارًا لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور. والريح مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر ولذا قيل ﴿فيه نار﴾ أى سموم وصواعق. والمعنى : أيحب أحدكم - أيها المنانون المراءون - أن تكون له جنة معظم شجرها ﴿من ٦١٣ سورة البقرة نخيل وأعناب﴾ تجرى من تحت أشجارها ﴿الأنهار له فيها من كل الثمرات) النافعة، والحال أنه قد أصابه الكبر الذى أقعده عن الكسب من غير تلك الحديقة اليانعة، وله فضلا عن شيخوخته وعجزه ذرية ضعفاء لا يقدرون على العمل، وبينما هو على هذه الحالة إذا بالجنة ينزل. عليها إعصار فيه نار فيحرقها ويدمرها ففقدها صاحبها وهو أحوج مايكون إليها وبقى هو وأولاده فى حالة شديدة من البؤس والحيرة والغم والحسرة لحرمانه من تلك الحديقة التى كانت محط آماله. فالآية الكريمة قد اشتلمت على مثل آخر لحالة الذين يبطلون أعمالهم وصدقاتهم بالمن والأذى والرياء، وغير ذلك من الأفعال القبيحة والصفات السيئة فقد شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الحسنة ثم يضم إليها ما يفسدها فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة ذاهبة، شبه هذا الإِنسان فى حسرته وألمه وحزنه بحال ذلك الشيخ الكبير العاجز الذى له ذرية ضعفاء لا يملك سوى حديقة يانعة يعتمد عليها فى معاشه هو وأولاده فنزل عليها إعصار فيه نار فأحرقها ودمرها تدمیرًا. وحذف - سبحانه - حالة المشبه وهو الذى يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما يشبه ذلك، لظهورها من المقام. وقد وصف - سبحانه - تلك الجنة بثلاث صفات : وصفها أولا : بأنها من نخيل وأعناب أى معظمها من هذين الجنسين النفيسين اللذين هما أنفع الفواكه وأجملها منظرًا. ووصفها ثانيًا : بأنها تجرى من تحتها الأنهار، أى تجرى من تحت أشجارها الأنهار التى تسر النفس. وتبهج القلب، وتزيد فى حسن الجنة وبهائها. ووصفها ثالثًا: بأنها زاخرة بكل أنواع الثمار التى تنفع صاحبها، وتغنيه عن الاحتياج إلى غيره، فهى جنة قد جمعت بين حسن المنظر، وكثرة النفع، وهذا نهاية ما يتمناه كل إنسان لما يملكه. أما صاحبها فقد وصفه - سبحانه - بأنه إنسان قد أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء أى أنه فى منتهى الاحتياج إليها لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب من غيرها ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحد سواه. تلك هى حالة الجنة وحالة صاحبها فى احتیاجه إليها، فماذا حدث بعد ذلك؟ لقد أصابها ﴿إعصار فيه نار فاحترقت﴾ فماذا يكون حال هذا الإنسان الذى أصابه الكبر. وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو فى أشد الحاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها؟ ٦١٤ المجلد الأول إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب هذا البائس من غم وهم وحزن وحسرة، وهو يرى جنته قد احترقت وهو فى أشد أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها!؟ ولكأن الله - تعالى - يقول للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر: احذروا أن تبطلوا أعمالكم الصالحة بإرتكابكم لما نهى الله عنه، فلا تجدون لها نفعًا يوم القيامة وأنتم فى أشد الحاجة إليها فى هذا اليوم العصيب، لأنكم إذا فعلتم ذلك كان مثلكم فى التحسر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذى احترقت جنته وهو فى أشد الحاجة إليها. وإنه لتصوير قرآنى فى أسمى درجات البلاغة والتأثير، وفى أعلى ألوان التأديب والتهذيب. قال القرطبى : روى البخارى عن عبيد بن عمير قال : قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يومًا لأصحاب النبى ◌ّ ر فيم ترون هذه الآية نزلت وهى قوله - تعالى -: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة﴾ الآية. قالوا الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس : فى نفسى منها شىء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخى قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس : ضربت مثلا لرجل غنى عمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أحرق عمله. وروى ابن أبي مليكه أن عمر تلا هذه الآية وقال : هذا مثل ضربه الله للإنسان يعمل عملا صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل العمل السىء))(١). ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ أی : کما یبین الله فی ھذہ الآية ما یہدیکم وینفعکم یبین لکم آیاته وهدایاته فى سائر أمور دينكم لكى تتفكروا فيما يصلحكم، وتعملوا ما يرضى خالقكم. ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتحروا فى نفقتهم الحلال الطيب، بعد أن حضهم على الإِنفاق بسخاء وإخلاص. فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَعَمُواْالْخَبِيِثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢١٨. ٦١٥ سورة البقرة بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ (١) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ٢٦٨٠ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيرَاً وَمَايَذَّكَرُ إِلَّا أُوْلُواْالْأَلْبَبِ ٢٦٩ قال ابن كثير: عن البراء بن عازب - رضى الله عنه - فى قول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم﴾ .. الآية قال: نزلت فى الأنصار كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من نخيلها البسر فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين فى مسجد رسول الله * فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف - أى التمر الردىء - فيدخله مع أفناء البسر يظن أن ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك الآية))(١). والمعنى : يأيها الذين آمنوا اجعلوا نفقتكم التى تنفقونها فى سبيل الله من أطيب أموالكم التى اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها. قال ابن عباس : أمرهم الله - تعالى - بالإِنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئة وخبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيّبًا)) قال - تعالى -: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقوله : ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ معطوف على ماقبله أى أنفقوا من طيبات أموالكم التى اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها. وترك - سبحانه - ذكر كلمة الطيبات فى هذه الجملة لسبق ذكرها فى الجملة التى قبلها. فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن بلتزموا فى نفقتهم المال الطيب فی کل وجه من وجوهه، بأن يكون جيدًا نفيسًا فى صنفه، وحلالا مشروعًا فى أصله. وقد أكد الله - تعالى - هذا الأمر بجملتين كريمتين فقال: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٢١. = ٦١٦ المجلد الأول قوله - تعالى -: ﴿ولا تيمموا﴾ أى ولا تقصدوا وتتعمدوا. يقال: تيممت الشىء ويممته إذا قصدته. ويقال : يممت جهة كذا إذا قصدته. ومنه الإِمام لأنه المقصود المعتمد وأصل تيمموا تتيمموا فحذفت إحداهما تخفيفا. والخبيث هو الردىء من كل شىء وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير لأنه ينفى الردىء. ويطلق الخبيث على الشىء الحرام والمستقذر. والإِغماض فى اللغة - كما يقول الرازى - غض النظر وإطباق جفن على جفن، وأصله من الغموض وهو الخفاء، والمراد بالإغماض هاهنا المساهلة وذلك لأن الإِنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك. ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة فى البيع وغيره إغماضًا))(١). والمعنى : أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها، ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون إنفاقكم من الخبيث الردىء، والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطى لكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تتساهلوا فى قبوله، وتغضوا الطرف عن رداءته، وإذا كان هذا شأنكم فى قبول ما هو ردىء فكيف تقدمونه لغيركم؟ إن الله - ينهاكم عن ذلك لأن من شأن المؤمن الصادق فى إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه، ولا يعطى من شىء إلا ما يجب أن يعطى إليه، ففى الحديث الشريف: ((عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به)). قال الألوسى: وقوله: ﴿منه تنفقون﴾ الضمير المجرور يعود للخبيث، وهو متعلق يتنفقون، والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدرة من فاعل ﴿تيمموا﴾ أى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإِنفاق عليه، أو من الخبيث أى مختصًا به الإِنفاق، وأيا ما كان لا يرد أنه يقتضى أن يكون النهى عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضًا كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة. وقوله: ﴿ولستم بآخذيه﴾ حال من ضمير ﴿تنفقون﴾ أى: والحال أنكم لستم بآخذيه فى وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه إلا وقت إغماضكم فيه))(٢) ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿واعلموا أن الله غنى حميد﴾ أى واعلموا أن الله - تعالى - غنى عن صدقاتكم وإنما أمركم بها لمنفعتكم، ﴿حميد﴾ يجازى المحسن أفضل الجزاء، وهو - سبحانه - المستحق للحمد الحقيقى دون سواه، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا فى سبيله الجيد من أموالكم شكرًا له على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلائه. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٦٨. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٣ ص ٣٩ بتلخيص. ٦١٧ سورة البقرة ثم حذر الله - تعالى - المؤمنين من وساوس الشيطان وخطواته فقال: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾. قوله: ﴿يعدكم﴾ من الوعد، وهو فى أصل وضعه لغة شائع فى الخير والشر، وأما فى الاستعمال الشائع فالوعد فى الخير والإِيعاد فى الشر. وقد استعمل هنا فى الشر نظرًا إلى أصل الوضع، لأن الفقر مما يراه الإِنسان شرًا ولذلك يخوف الشيطان به المنفقين فيقول لهم : لا تنفقوا الجيد من أموالكم لأن إنفاقكم هذا يؤدى إلى فقركم ونضوب ما بين أيديكم من أموال. والفقر هو ما يصيب الإِنسان من سوء فى الحال ومن ضعف بسبب قلة المال، وأصل الفقر فى اللغة كسر فقار الظهر، ثم وصف الإِنسان المحتاج الضعيف بأنه فقير تشبيها له بمن كسر فقار ظهره فأصبح عاجزاً عن الحركة لأن الظهر هو مجمع الحركات، ومنه تسميتهم المصيبة فاقرة، وقاصمة الظهر. والفحشاء والفحش والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، ويرى كثير من العلماء أن المراد بالفحشاء فى الآية البخل الشديد فإن كلمة الفاحش تطلق فى لغة العرب على البخيل الشديد البخل، ومن ذلك قول طرفة بن العبد. أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقيلة مال الفاحش المتشدد(١) والمعنى : الشيطان يوعدكم إذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال ويحذركم من الصدقة بما يوسوس فى نفوسكم من شرور وآثام، ويغريكم بارتكاب المعاصى التى من أقبحها البخل الشديد، والشح المهلك، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من أموالكم فى سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته. قال الجمل : وفى هذه الآية لطيفة وهى أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء وهو البخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة وهى التخويف من الفقر فلهذا قال. ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾(٢). وروى الترمذى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللّه وَلو: إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة - أى همة وخطرة تقع فى القلب - فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب (١) يعتام: أى يختار. والعقيلة: أكرم المال. والفاحش: اليخيل والمعنى: أرى الموت يختار الكرام ويختار أفضل مال البخيل ومادام الأمر كذلك فلا فائدة من البخل. (٢) تفسير الجمل جـ ١ صفحة ٢٢٣. ٦١٨ المجلد الأول بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾(١). هذا ما يعده الشيطان للإنسان، فما الذى يعده الله - تعالى - لعباده؟ لقد بين - سبحانه - ذلك فقال: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم﴾. أى: إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، فالله - تعالى - يعدكم مغفرة منه لذنوبكم على ما تنفقونه من أموالكم فى سبيله ففى الحديث الشريف ((الصدقة تطفىء الخطيئة)). ويعدكم - أيضًا - ﴿فضلا﴾ أى نماء وزيادة فى أموالكم، فإن الصدقات تزيد البركة فى الرزق فيصير القليل منه فى يد السخى كثيرًا بتوفيق الله وتأييده. وصدر له سبحانه - الجملة بلفظ الجلالة، للإشارة إلى أن الوعد الذى وعد به المنفقين وعد حق لا يمكن أن يخالطه شك أو ريب، لأنه وعد من الله الذى لا يخلف وعده، وإذا كان الشيطان يهدد الناس بالفقر عند العطاء، ويأمرهم بالفحشاء، فالله - تعالى - يبشر عباده بمغفرته ورضوانه، بسبب إنفاقهم فى السراء والضراء ويعدهم على ذلك بالرزق الوفير، والفضل الكبير فى الدنيا والآخرة. وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله واسع عليم﴾ تأكيدًا لوعده الذى وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم من فضله، أى والله - تعالى - واسع الجود والعطاء والرحمة،" وسیحقق لكم ما وعدكم به من المغفرة وتضعیف ما تنفقونه، وهو مع ذلك علیم بأحوال عباده صغيرها وكبيرها، وسيجازى الذين اتبعوا أوامره يجزيل الثواب، كما سيجازى الذين اتبعوا وسوسة الشيطان بسوء العذاب. ثم قال - تعالى -: ﴿يؤتى الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا﴾. قال الإِمام الرازى: ((اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبه على أن الأمر الذى أوجب لأجله ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم. ولاشك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل، وحكم الشهوة والنفس يوقع الإِنسان فى البلاء، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول، فهذا هو وجه النظم)»(٢). (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٣٢٩. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٧٢. ٦١٩ سورة البقرة و﴿الحكمة﴾ مشتقة من حكم بمعنى منع، لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فى الخطأ والضلال ومنه سميت الحديدة التى فى اللجام وتجعل فى فم الفرس حكمة لأنها تمنعه من الجموح. أو هى فى الأصل مصدر من الإِحكام وهو الإتقان فى علم أو عمل أو قول أو فيها كلها. والحكمة بالنسبة للإِنسان صفة نفسية هى أساس المعرفة السليمة التى توافق الحق، وتوجه الإِنسان نحو عمل الخير، وتمنعه من عمل الشر، فهى فيه مانعة ضابطة تسير به نحو الكمال والاستقامة وللعلماء فى المراد بها فى الآية الكريمة أقوال كثيرة أرجحها أن المراد بها إصابة الحق فى القول والعمل، أو هى العلم النافع الذى يكون معه العمل به. والمعنى : أن الله - تعالى - الفاعل لكل شىء يؤت الحكمة لمن يشاء من عباده ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا﴾ لأن الإِنسان إذا أوتى الحكمة يكون قد اهتدى إلى العلم النافع، وإلى العمل الصالح الموافق لما علمه، وإلى الإِيمان بالحق وإلى الاستجابة لكل خير والابتعاد عن كل شر، وبذلك يكون سعيدًا فى دنياه وأخراه. وفى الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله وسلم قال: ((لا حسد - أى لا غبطة - إلا فى اثنتين: رجل اتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله - تعالى - الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها)). .....-... *** ثم قال - تعالى -: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. والألباب جمع لب وهو فى الأصل خلاصة الشىء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإِنسان لأنه أنفع شىء فیه. والمراد بأولى الألباب هنا أصحاب العقول السليمة التى تخلصت من شوائب الهوى، ودوافع الشر، فقد جرت عادة القرآن ألا يستعمل هذا التعبير إلا مع أصحاب العقول المستقيمة . أى: وما يتعظ بهذه التوجيهات القرآنية، وينتفع بثمارها إلا أصحاب العقول الراجحة والنفوس الصافية التى اهتدت إلى الحق وعملت به، والتى أنفقت فى سبيل الله أجود الأموال وأطيبها لا أصحاب العقول الفاسدة التى استحوذ عليها الشيطان فأنساها ذكر الله، والتی تری · - أن البخل بالمال هو الحكمة، وأن الإِنفاق فى سبيل الله هو نوع من الإِسراف والتبذير. فالجملة الكريمة تذييل قصد به مدح أولئك المؤمنين الصادقين، الذين استجابوا لتوجيهات دينهم، فأصابوا الحق فى أقوالهم وأعمالهم. ٦٢٠ المجلد الأول ثم بين - سبحانه - أنه عليم بما ينفقه المنفقون من صدقات سواء أكانت سرًا أو جهرًا وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب فقال - تعالى - : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ إِن تُبْدُوأ يَعْلَمُهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ الصَّدَقَتِ فَنِعِ مَّاهِيَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْلَكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ٢٧ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ النفقة : هى العطاء العاجل فى باب من أبواب الخير. أما النذر: فهو التزام قربة من القربات أو صدقة من الصدقات بأن يقول: لله على نذر أن أفعل كذا من أنواع البر. أو إن شفى الله مريضى فسأفعل كذا. والمعنى: وما أنفقتم - أيها المؤمنون - من نفقة عاجلة قليلة أو كثيرة، أو التزمتم بنفقة مستقبلة وعاهدتم الله - تعالى - على القيام بها، فإنه - سبحانه - يعلم كل شىء، ويعلم ما صاحب نياتكم من إخلاص أو رياء، ويعلم ما أنفقتموه أهو من جيد أموالكم أم من رديئها، وسيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته. فالآية الكريمة بيان لحكم كلى شامل لجميع أفراد النفقات إثر بيان حكم ما كان منها فى سبيل الله - تعالى - و﴿ما﴾ فى قوله: ﴿وما أنفقتم﴾ شرطية أو موصولة والفاء فى قوله: ﴿فإن الله يعلمه﴾ رابطة لجواب الشرط إذا اعتبرنا ما شرطية، ومزيدة فى الخير إذا اعتبرناها موصولة و﴿من﴾ فى قوله : ﴿من نفقة﴾ بيانية أو زائدة. وقوله : ﴿فإن الله يعلمه﴾ كناية عن الجزاء عليه، لأن علم الله - تعالى - بالكائنات لا يشك فيه السامعون، فأريد لازم معناه وهو الجزاء. وإنما كان لازما له لأن القادر لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسىء. وهذه الجملة الكريمة مع إيجازها قد أفادت الوعد العظيم للمطيعين والوعيد الشديد للمتمردين، لأن الإنسان إذا أيقن أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه، فإن هذا اليقين سيحمله على الطاعة والإِخلاص، وسيحضه على المسارعة فى الخيرات، خصوصًا وإن