النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سورة البقرة
ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ببذل أموالهم فى سبيل الدفاع عن الحق، حتى
يكونوا أهلا لرضا الله ومثوبته.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ
مِمَّارَزَّقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّ بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌوَلَا
٢٥٤
شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الخلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين، وسميت بذلك لأنها
تتخلل النفس أى تتوسطها، أو لشدة الحاجة إليها. ومنه سمى الخليل خليلا لإحتياج الإِنسان
إليه .
والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، وتطلق على انضمام شخص إلى آخر لنفعه أو
نصرته، وأكثر ما تستعمل فى انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ماهو دونه.
والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تنفقوا فى وجوه الخير كإعانة المجاهدين ومساعدة الفقراء
والبائسين من أموالكم التى رزقكم الله إياها بفضله وكرمه، ومن قبل أن يأتى يوم القيامة الذى
لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم، ولا يكون فيه
صديق يدفع عنكم، ولا شفيع يشفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن يأذن رب العالمين
بالشفاعة تفضلا منه وكرمًا.
فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإنفاق فى سبيل الله، لأنه أهم عناصر القوة فى الأمة،
وأفضل وسيلة لإِقامة المجتمع الصالح المتكافل.
والمراد بالإِنفاق هنا ما يشمل الفرض والنفل، والأمر لمطلق الطلب، إلا أن هذا الطلب قد
يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها.
وقوله: ﴿مما رزقناكم﴾ إشعار بأن هذا المال الذى بين أيدى الأغنياء ما هو إلا رزق رزقهم
الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فمن الواجب عليهم شكرها بألا يبخلوا بجزء منه على
الإنفاق فى وجوه الخير، لأن هذا البخل سيعود عليهم بما يضرهم.
وفى قوله: ﴿من قبل أن يأتى يوم﴾ .. إلخ حث آخر على التعجيل بالإِنفاق، لأنه تذكير
للناس بهذا الوقت الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض

٥٨٢
المجلد الأول
ما فقدوه من طاعات. فكأنه - سبحانه - يقول لهم : نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى الإِنفاق من
قبل أن يأتى يوم لا منجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذى قدمتموه.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿مما رزقناكم﴾ للتبعيض. وفى قوله ﴿من قبل﴾ لابتداء الغاية: ومفعول
أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئًا مما رزقناكم.
والشفاعة المنفية هنا هى التى لا يقبلها الله - تعالى - وهى التى لا يأذن بها، أما شفاعة النبى .
وَ لّ فقد أذن الله له بها وقبلها منه، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوى فى
أن النبى وَلّ ستكون له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام من المؤمنين وتخفيفه عن أهل الكبائر
من المسلمين، ومن ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله وض لال قال:
أعطيت خمسًا لم يعطهن نبى قبلى : نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورًا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى وأعطيت
الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أى والكافرون الجاحدون
لنعمه هم الظالمون لأنفسهم، لأنهم حالوا بينها وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة،
والغى على الرشد، والشر على الخير، والبخل على السخاء.
أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق المستقيم، وبذلوا الكثير من أموالهم فى سبيل
إعلاء كلمة الله، وفى إعانة المحتاجين.
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة فى إنفاق أموالهم فى وجوه الخير
من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه ما كان نافعًا فى الدنيا من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من
يبخل عن الإِنفاق فى سبيل الله بسوء العاقبة، لأنه تشبه بالكافرين فى بخلهم وإمساكهم عن
بذل أموالهم فى وجوه الخير.
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالإِنفاق فى وجوه الخير، وذكرهم بأهوال يوم القيامة، أتبع ذلك
بآية كريمة اشتملت على تمجيده - سبحانه - فبينت كمال سلطانه، وشمول علمه. وسابغ نعمه
على خلقه. استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق - عز وجل - بأكمل الصفات
وأعظمها فيقول :

٥٨٣
سورة البقرة
اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
اُلْحَىُّ الْقَيُمْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا
فِى الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ، إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَابَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ: إِلَّبِمَا
شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا
(٢٥٥)
وَهُوَ الْعَلَىِّ الْعَظِيمُ
قال بعضهم : هذه آية الكرسى أفضل آية فى القرآن. ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتها
أكثر منه على غيرها من الآيات. هذا هو التحقيق فى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض.
وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإِله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية
أخرى. جاء فى الحديث الشريف عن أبى هريرة أن رسول الله وَّر قال: لكل شىء سنام وإن
سنام القرآن البقرة، وفيها آية هى سيدة القرآن - أى أفضله - وهى آية الكرسى))(١).
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة - ونعوته
السامية. أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل فى قوله - تعالى -: ﴿الله لا إله إلا هو الحى
القيوم﴾ .
ولفظ الجلالة (الله﴾ يقول العلماء: إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف ((أل)) وحذفت
الهمزة فصارت الكلمة الله.
قال القرطبى: قوله: ﴿الله﴾ هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها، حتى قال
بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع، فالله اسم الموجود الحق
الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو
- سبحانه -))(١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ٢٠٦.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١ صفحة ١٠٢.

٥٨٤
المجلد الأول
ولفظ ﴿إله﴾ قالوا إنه من أله فلان يأله أى عبد. فالإِله على هذا المعنى هو المعبود، وقيل هو
من أله أى تحير .. وذلك أن العبد إذا تفكر فى صفاته - سبحانه - تحير فيها ؛ ولذا قيل :
((تفكروا فى آلاء الله ولا تفكروا فى الله))(١).
و﴿الحى﴾ أى الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لافناء لها. لم تحدث له الحياة بعد موت،
ولا يعتريه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء سواه يعتريهم الموت والفناء.
و﴿القيوم﴾ أى: الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، والمعطى لهم ما به قوامهم. وهو
مبالغة فى القيام. وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره.
والمعنى : الله - عز وجل - هو الإِله الحق المتفرد بالألوهية التى لا يشاركه فيها سواه، وهو
المعبود بحق وكل معبود سواه فهو باطل، وهو ذو الحياة الكاملة، وهو الدائم القيام بتدبير شئون
الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم.
والجملة الثالثة قوله - تعالى -: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ وهى جملة سلبية مؤكدة للوصف
الإيجابى السابق، فإن قيامه على كل نفس بما كسبت، وعلى تدبير شئون خلقه يقتضى ألا تعرض
له غفلة، ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو - سبحانه - مخالف لها.
والسنة: الفتور الذى يكون فى أول النوم مع بقاء الشعور والإِدراك. ويقال له غفوة.
يقال : وسن الرجل يوسن وسنًا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه - سبحانه -
لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدًا، ولا يحجب علمه شىء حجيًا قصيرًا أو طويلا، ولا يدركه
ما يدرك الأجسام من الفتور أو النعاس، أو النوم.
وتقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفى السنة يدل على نفى النوم بالأولى،
فنفيه ثانيًا صريحًا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد المبالغة ولأن عطف الخاص على
العام يفيد التوكيد أى لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم.
وفى قوله : ﴿لا تأخذه﴾ دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذًا وتقهر الکثیر من
أجناس المخلوقات قهرًا، ولكنه - سبحانه - وهو القاهر فوق عباده - منزه عن ذلك، ومبرأ من
أن يعتريه ما يعترى الحوادث.
وقوله - سبحانه - فى الجملة الرابعة: ﴿له ما فى السموات وما في الأرض﴾ تقرير لانفراده
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى صفحة ٢١.
١

٥٨٥
سورة البقرة
بالألوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لا تصافه بالقيومية، لأن من كانت جميع
الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها.
والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما
من العقلاء وغيرهم. فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما فى هذا الوجود
من شمس وقمر وحيوان ونبات وجماد وغير ذلك من المخلوقات. وصدرت الجملة بالجار
والمجرور ((له)) لإفادة القصر أى ملك السموات والأرض له وحده ليس لأحد سواه شىء معه.
والاستفهام فى قوله فى الجملة الخامسة ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ للنفى والإنكار
أى: لا أحد يستطيع أن يشفع عنده - سبحانه - إلا بإذنه ورضاه قال - تعالى - ﴿وكم من
ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾.
والمقصود من هذه الجملة - كما يقول الألوسى - بيان كبرياء شأنه - تعالى - وأنه لا أحد
يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع
فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادًا أو مناصبة وعداوة. وفى ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن
آلهتهم شفعاء لهم عند الله))(١).
وقوله - سبحانه - فى الجملة السادسة : ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ تأكيد لكمال
سلطانه فى هذا الوجود، وبيان لشمول علمه على كل شىء.
والضمير فى (يديهم) و(خلفهم) يعود إلى (ما) فى قوله قبل ذلك ﴿له ما فى السموات وما فى
الأرض﴾ وعبر بضمير الذكور العقلاء، تغليبًا لجانبهم على جانب غير العقلاء.
والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه - سبحانه - بماضيهم وحاضرهم
ومستقبلهم، وما يعرفونه من شئونهم الدنيوية وما لا يعرفونه.
وقوله - تعالى - فى الجملة السابعة: ﴿ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء﴾ معطوف
على قوله ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ لأنه مكمل لمعناه. والمراد بالعلم المعلوم.
والإِحاطة بالشىء معناها العلم الكامل به.
أى: لا يعلمون شيئًا من معلوماته - سبحانه - إلا بالقدر الذى أراد أن يعلمهم إياه على
ألسنة رسله. فهو كقوله - تعالى -: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من
رسول﴾ .
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ صفحة ٩.

٥٨٦
المجلد الأول
فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله - تعالى -، ولنقصان علم سواه، إذ أن البشر لم يعطوا
من العلم إلا القليل، وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه
جزئيات الشىء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده، إذ العلم الكامل بالشىء
لا يكون إلا لله رب العالمين.
ثم قال - تعالى - فى الجملة الثامنة: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾.
قال الراغب : الكرسى فى تعارف العامة: اسم للشىء الذى يقعد عليه، وهو فى الأصل
منسوب إلى الكرس أى الشىء المجتمع، ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم .. وكل مجتمع من
الشىء کرس))(١).
وللعلماء اتجاهان مشهوران فى تفسير معنى الكرسى فى الجملة الكريمة. فالسلف يقولون : إن
الله - تعالى - كرسيا علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته، لأن ذلك ليس فى مقدور
البشر.
والخلف يقولون : الكرسى فى الآية كناية عن عظم السلطان، ونفوذ القدرة، وسعة العلم،
وكمال الإِحاطة .
ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء فى ذلك، فقد قال - رحمه الله - وفى
قوله : ﴿وسع كرسيه﴾ أربعة أوجه :
أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير
لعظمته ولا كرسى ثمة ولا قعود ولا قاعد.
والثانى : وسع علمه، وسمى العلم كرسيا تسمية بمكانه الذى هو كرسى العالم.
والثالث: وسع ملكه تسمية بمكانه الذى هو كرسى الملك.
والرابع : ماروى أنه خلق كرسيا هو بين يدى العرش دونه السموات والأرض وهو إلى
العرش كأصغر شىء. وعن الحسن الكرسى هو العرش(٢).
هذا وقد روى المفسرون عن ابن عباس أنه قال ((كرسيه علمه))(٣) ولعل تفسير الكرسى
بالعلم كما قال حبر الأمة هو أقرب الأقوال إلى الصواب، لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى صفحة ٤٢٨ بتلخيص.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣٠١.
(٣) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٧٦.

٥٨٧
سورة البقرة
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال - تعالى -: ﴿ولا يؤوده
حفظهما وهو العلى العظيم﴾ .
﴿يؤوده﴾ معناه يثقله ويشق عليه. يقال آدنى الأمر بمعنى أثقلنى وتحملت منه المشقة.
و﴿العلى﴾ هو المتعالى عن الأشياء، والأنداد، والأمثال، والأضداد وعن أمارات النقص
ودلالات الحدوث. وقيل هو من العلو الذى هو بمعنى القدرة وعلو الشأن.
والمعنى : ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السموات والأرض ورعايتهما، وهو المتعالى عن الأشباه
والنظائر، والمسيطر على خلقه، العظيم فى ذاته وصفاته، ففى هاتين الجملتين بيان لعظيم
قدرته، وعظيم رعايته لخلقه، وتنزيهه - سبحانه - عن مشابهة الحوادث.
وبعد، فهذه آية الكرسى التى اشتملت على عشر جمل، كل جملة منها تشتمل على وصف أو
أكثر من صفات الله الجليلة، ونعوته المجيدة، وألوهيته الحقه، وقدرته النافذة، وعلمه المحيط
بكل شىء، قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله - تعالى - ووجوب إفراده بالعباده.
وقد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها، وبلاغة تراكيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول
صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد فى فضلها ماورد؟
قلت : لما فضلت له سورة الإِخلاص من اشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته
العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرًا له كان أفضل من سائر الأذكار))(١).
ومن الأحاديث التى ساقها الإِمام ابن كثير فى فضلها ماجاء عن أبي بن كعب أن النبى دولار
سأله: ((أى آية فى كتاب الله أعظم؟ قال الله ورسوله أعلم. فرددها مرارا ثم قال: آية
الكرسى. فقال له الرسول ◌َ﴿ ((ليهنك العلم أبا المنذر)).
وأخرج الإِمام مسلم فى صحيحه عن رسول الله وَ سير أنه قال: إن أعظم آية فى القرآن هى
آية الكرسى)).
وروى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - خرج ذات يوم على الناس فقال : أيكم
يخبرنى بأعظم آية؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت سمعت رسول الله وَله يقول: أعظم
آية فى القرآن ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ .. الآية (٢).
وبعد أن ساق - سبحانه - فى آية الكرسى الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته وتعزیهه
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٠٣.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٠٤ وما بعدها.

٥٨٨
المجلد الأول
عن صفات الحوادث، عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى لكل ذى عقل سليم،
وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال - تعالى - :
لَآ إِكْرَاهَ فِ الذِيْنِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ الْغَيَّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ
أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٥٦
الإكراه معناه : حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو
ما يشبه ذلك. والمراد بالدين دين الإِسلام والألف واللام فيه للعهد.
والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، مصدر رشد یرشد ویرشد أی اهتدى.
والمراد هنا : الحق والهدى.
والغى ضد الرشد. مصدر من غوى يغوى إذا ضل فى معتقد أو رأى، ويرى بعض العلماء أن
نفى الإكراه هنا خبر فى معنى النهى، أى: لا تكرهوا أحدًا على الدخول فى دين الإِسلام فإنه
بين واضح فى دلائله وبراهينه، فمن هداه الله له ونور بصيرته دخل فيه على بصيرة، ومن أضله
وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه.
وقال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى : ليس فى الدين - الذى هو
تصديق بالقلب، وإذعان فى النفس - إكراه وإجبار من الله - تعالى - لأحد، لأن مبنى هذا
الدين على التمكين والاختيار، وهو مناط الثواب والعقاب، لولا ذلك لما حصل الابتلاء
والاختبار، ولبطل الامتحان.
أو المعنى : كما يرى بعضهم - إن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن
الإِيمان بدين الإِسلام حق ورشد. وعلى أن الكفر به غى وضلال، أن يدخل عن طواعية
واختيار فى دين الإِسلام الذى ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد.
فالجملة الأولى وهى قوله - تعالى -: ﴿لا إكراه فى الدين﴾: تنفى الإِجبار على الدخول فى
الدين، لأن هذا الإجبار لا فائدة من ورائه، إذ التدين إذعان قلبى، واتجاه بالنفس والجوارح
إلى الله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه الإِنسان إزداد كرهًا له ونفورًا منه. فالإِكراه
والتدين نقيضان لا يجتمعان، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر.

٥٨٩
سورة البقرة
والجملة الثانية وهى قوله - تعالى -: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ بمثابة العلة لنفى هذا
الإِكراه على الدخول فى الدين، أى قد ظهر الصبح لذى عينين، وانكشف الحق من الباطل،
والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على أن دين الإِسلام هو الدين الحق وغيره من
الأديان ضلال وكفران ومادام الأمر كذلك فقد توافرت الأسباب التى تدعو إلى الدخول فی دین
الإِسلام، ومن كفر به بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره، وسوء عاقبة أمره.
ثم قال - تعالى -: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى
لا انفصام لها﴾.
الطاغوت: اسم لكل ما يطغى الإِنسان، كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس فى
الضلال وكل ما عبد من دون الله. وهو مأخوذ من طغا يطغى - كسعى يسعى - طغيًا
وطغيانًا، أو من يطغو طغوا طغوانًا، إذا جاوز الحد وغلا فى الكفر وأسرف فى المعاصى
والفجور.
والعروة: فى أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشىء من عراه أى من الجهة التى يجب تعليقه
منها، وتجمع على غرى. والعروة من الدلو والكوز مقبضه، ومن الثوب مدخل زره.
والوثقى : مؤنث الأوثق، وهو الشىء المحكم الموثق. يقال وثق - بالضم - وثاقة أى: قوى
وثبت فهو وثيق أى ثابت محكم.
والانفصام. الانكسار، والفصم كسر الشى وقطعة.
والمعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وآمن بالله -
تعالى - إيمانًّا خالصًا صادقًا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التى لا انقطاع لها وأمسك
من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط.
والفاء فى قوله: ﴿فمن يكفر﴾ للتفريع. والسين والتاء فى استمسك للتأكيد والطلب،
وقوله : ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ فيه - كما يقول الزمخشرى - تمثيل للمعلوم بالمنظور
والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى بتصوره السامع كأنما ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده
والتيقن به، وجملة ((لا انفصام لها)) استئناف مقرر لما قبله أو حال من ((العروة)) والعامل
«استمسك)).
ثم ختم - سبحانه الآية بقوله: ﴿والله سميع عليم﴾ أى سميع للاقوال، وهمسات
القلوب، وخلجات النفوس، علیم بما يسره الناس وما يعلنونه، وسیجازيهم بما يستحقون من
ثواب أو عقاب.

٥٩٠
المجلد الأول
قال القرطبى ما ملخصه : قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى - : ﴿يأيها النبى جاهد
الكفار والمنافقين﴾ لأن النبى وير قد أكره العرب على دين الإِسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا
الإِسلام. وقيل إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت فى أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على
الإِسلام إذا أدوا الجزية .. والحجة لهذا القول ما رواه زيدن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر
بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمى أيتها العجوز تسلمى، إن الله بعث محمدًا بالحق.
قالت أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد وتلا: ﴿لا إكراه فى
الدين﴾(١).
والذى تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن التدين لا يكون مع
الإِكراه - كما أشرنا من قبل - ولأن الجهاد ما شرع فى الإِسلام لإجبار الناس على الدخول فى
الإِسلام إذ لا إسلام مع إجبار، وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله،
والرسول ◌َّيقول ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول فى الإِسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوه
بالعداوة .
ولأن الروايات فى سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه فى الدين، ومن هذه الروايات
ما جاء عن ابن عباس أنه قال: نزلت فى رجل من الأنجر من بنى سالم بن عوف يقال له
الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما، فقال للنبى وَلّ ألا استكرههما فإنهما قد أبيا إلا
النصرانية فأنزل الله هذه الآية (٢) وفى رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول فى الإِسلام
فاختصموا إلى النبى وسير فقال الأنصارى: يارسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر إليه فنزلت
الآية .
. ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن التوفيق بأن نقول :
إن الآية التى معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية ﴿يأيها النبى جاهد الكفار
والمنافقين﴾ جاءت لحض النبى وملر وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا فى طريق
دعوته، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هى العليا.
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٣٨٠.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣١١.

٥٩١
سورة البقرة
اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ
النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَكَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ
(٢٥٧)
﴿الولى﴾: الناصر والمعين والحليف. مأخوذ من الولاية بمعنى النصرة
والمعنى : الله الذى بيده ملكوت كل شىء ﴿ولى الذين آمنوا﴾ أى معينهم وناصرهم وهتولى
أمورهم، فهو - سبحانه - الذى يخرجهم من ظلمات الكفر، ومن ضلالات الشرك والفسوق
والعصيان إلى نور الحق والهداية والتحرر من الأوهام. أما الذين كفروا فأولياؤهم ونصراؤهم
الطاغوت الذى يتمثل فى الشياطين والأصنام والأوهام الموروثة والكبرياء والمضلين، وهؤلاء
يخرجونهم بسبب انطماس بصيرتهم وانتكاسهم فى المعاصى من نور الإِيمان والهداية إلى ظلمات
الكفر والضلالة. أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة أصحاب النار هم فيها خالدون
خلودا مؤبدًا.
وأفرد - سبحانه - النور وجمع الظلمات، لأن الحق واحد أما الظلمات فقد تعددت فنونها
وألوانها وأسبابها. وفى تقديم ﴿الذين كفروا﴾ فى قوله :
﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ إشارة إلى أنهم هم الذين ارتضوا أن يكون الطغيان
مسيطرًا على قلوبهم لأن كفرهم بالله - تعالى - هو الذى جعل الشيطان ينفذ إلى أقطار نفوسهم
بسهولة ويسر.
وقوله: ﴿والذين كفروا﴾ مبتدأ و﴿أولياؤهم﴾ مبتدأ ثان، و﴿الطاغوت﴾ خبره والجملة
خبر المبتدأ الأول.
ولم يقل - سبحانه - والطاغوت ولى الذين كفروا للاحتراز عن وضع اسم الطاغوت فى
مقابل لفظ الجلالة.
فإن قيل: وهل كان الكافرون فى نور ثم أخرجوا منه؟ فالجواب أن المراد يخير ونهم من
النور الفطرى الذى جعل عليه الناس كافة أو من نور الحجج الواضحات التى من شأنها أن
تحمل كل عاقل على الدخول فى الإسلام. وقيل المراد بهؤلاء المخرجين من النور إلى الظلمات
أولئك الذين آمنوا بالنبى ◌ّر قبل بعثته ثم كفروا به بعدها والإشارة فى قوله: ﴿أولئك﴾ تعود

٥٩٢
المجلد الأول
إلى الذين كفروا. وفى التعبير ((بأصحاب النار)) إشعار بأنهم ملازمون لها كما يلازم المالك
ما يملكه والرفيق رفيقه. وقوله ﴿هم فيها خالدون﴾ تأكيد لبقائهم فيها واختصاصهم بها.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ساقت أحسن البشارات للمؤمنين، وأشد العقوبات .
للكافرين الذين استحبوا العمى على الهدى.
ثم ساق القرآن بعد ذلك بعض الأمثلة للمؤمنين المهتدين وللضالين المغرورين.
فقال - تعالى - :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِنَهِمَ فِرَبِّهِ،
أَنْ ءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِالَّذِى يُخىء
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُخِىء وَأُمِيتٌ قَالَ إِنْزَهِمٌ فَإِنَّ اللََّيَأْتِ
بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى
كَفَرِّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(٢٥٨))
﴿حاج﴾ أى جادل وخاصم والمحاجة: المخاصمة والمغالبة بالقول يقال حاججته فحججته
أى خاصمته بالقول فتغلبت عليه وتستعمل المحاجة كثيرًا فى المخاصمة بالباطل ومن ذلك قوله
- تعالى -: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن﴾ .. وقوله - تعالى - :
﴿وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله وقد هدان﴾.
والمعنى : لقد علمت أيها العاقل صفة ذلك الكافر المغرور الذى جادل إبراهيم - عليه
السلام - فى شأن خالقه عز وجل - ومن لم يعلم قصته فهانحن أولاء نخبره بها عن طريق
هذا الكتاب العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والاستفهام للتعجب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره وبطره والمراد به - كما قال
ابن كثير - نمرود بن كنعان بن کوس بن سام ابن نوح ملك بابل، وکان معاصرًا لسیدنا
إبراهيم -
عليه السلام -
وأطلق القرآن على ما دار بين هذا الملك المغرور وبين سيدنا إبراهيم أنها محاجة مع أنها مجادلة
بالباطل من هذا الملك، أطلق ذلك من باب المماثلة اللفظية أو هى محاجة فى نظره السقيم ورأيه
الباطل.

٥٩٣
سورة البقرة
والضمير فى قوله: ﴿فى ربه﴾ يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - وقيل يعود إلى نمرود لأنه
هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه والإِضافة - على الرأى الأول - للتشريف، وللإِيذان من
أول الأمر بأن الله - تعالى - مؤيد وناصر لعبده إبراهيم. وقوله: ﴿أن آتاه الله الملك﴾ بيان
لسبب إقدام هذا الملك على ما أقدم عليه من ضلال وطغيان. أى سبب هذه المحاجة لأنه أعطاه
الله - تعالى - الملك فبطر وتكبر ولم يشكره - سبحانه - على هذه النعمة، بل استعملها فى غير
ما خلقت له فقوله : ﴿أن أتاه﴾ مفعول لأجله، والكلام على تقدير حذف لام الجر، وهو مطرد
الحذف مع أن وأن.
وقوله: ﴿إذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت﴾ حكاية لما قاله إبراهيم عليه السلام لذلك
الملك فى مقام التدليل على وحدانية الله وأنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة أى قال له : ربى
وحده هو الذى ينشىء الحياة ويوجدها، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها، ولا يوجد أحد سواه
يستطيع أن يفعل ذلك.
وقول إبراهيم - كما حكاه القرآن -: ﴿ربى الذى يحيى ويميت﴾ مفيد للقصر عن طريق
تعريف المبتدأ وهو ﴿ربى﴾ والخبر هو الموصول وصلته.
وعبر بالمضارع فى قوله : ﴿يحيى ويميت﴾ لإفادة معنی التجدد والحدوث الذی یری ويحس
بين وقت وآخر.
أى ربى هو الذى يحيى الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهدًا فى كثير من الأوقات، فمن
الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال.
وقوله: ﴿إِذ قال ابراهيم﴾ ظرف لقوله: ﴿حاج﴾ أو بدل اشتمال منه، وفى هذا القول
الذى حكاه القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - أوضح حجة وأقواها على وحدانية الله
واستحقاقه للعبادة، لأن كل عاقل يدرك أن الحق هو الذى يملك الإِحياء والإِماتة ويملك بعث
الناس يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : والظاهر أن قول إبراهيم ﴿ربى الذى يحيى ويميت﴾ جواب
لسؤال سابق غير مذكور. وذلك لأنه من المعلوم أن الأنبياء بعثوا للدعوة إلى الله، ومتى
ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلهًا. فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى
الرسالة فقال له نمرود: من ربك؟ فقال إبراهيم : ربى الذى يحيى ويميت، إلا أن تلك المقدمة
حذفت لأن الواقعة تدل عليها، ودليل إبراهيم فى غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإِحياء
والإِماتة وقدم ذكر الحياة على الموت هنا. لأن من شأن الدليل أن يكون فى غاية الوضوح
والقوة، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإِنسان عليها أتم فلا جرم

٥٩٤
المجلد الأول
وجب تقديم الحياة هاهنا فى الذكر))(١).
ثم حكى القرآن جواب نمرود على إبراهيم فقال: ﴿قال أنا أحبى وأميت﴾ أى قال ذلك
الطاغية : إذا كنت يا إبراهيم تدعى أن ربك وحده الذى يحيى ويميت فأنا أعارضك فى ذلك
لأنى أنا - أيضًا أحبى وأميت وما دام الأمر كذلك فأنا مستحق للربوبية. قالوا : ويقصد بقوله
هذا أنه يستطيع أن يعفو عمن حكم بقتله، ويقتل من شاء أن يقتله.
ولقد كان فى استطاعة إبراهيم - عليه السلام - أن يبطل قوله، بأن یبین له بأن ما يدعيه
ليس من الاحياء والإِماتة المقصودين بالاحتجاج، لأن ما قصده إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء
الموت، كان فى استطاعة الخليل - عليه السلام - أن يفعل ذلك، ولكنه آثر ترك فتح باب
الجدال والمحاورة، وأتاه بحجة هى غاية فى الإِفحام فقال له - كما حكى القرآن: ﴿فإن الله
يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾.
أى قال إبراهيم لخصمه المغرور: لقد زعمت أنك تملك الإِحياء والإِماتة كما يملك الله
- تعالى - ذلك، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركًا لله - تعالى - فى قدرته فإن كان ذلك
صحيحًا فأنت ترى وغيرك يرى أن الله - تعالى - يأتى بالشمس من جهة المشرق عند شروقها
فأت بها أنت من جهة المغرب فى هذا الوقت فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التى قذفها
إبراهيم - عليه السلام - فى وجه خصمه؟ كانت نتيجتها - كما حكى القرآن - ﴿فبهت الذى
كفر﴾ أى: غلب وقهر، وتحير وانقطع عن حجاجه، واضطرب ولم يستطع أن يتكلم، لأنه
فوجىء بما لا يملك دفعه. و﴿بهت﴾ فعل ماض جاء على صورة الفعل المبنى للمجهول
- كزهى وزكم - والمعنى فيه على البناء للفاعل. وقوله: ﴿الذى كفر﴾ هو فاعله. والبهت:
الانقطاع والحيرة، وقرىء بوزن - علم ونصر وكرم.
والفاء فى قوله : ﴿فإن الله يأتى بالشمس﴾ .. إلخ فصيحة لأنها أفصحت عن جواب الشرط
مقدر أى إن كنت كما تزعم أنك تحبى وتميت وأن قدرتك كقدرة الله فإن الله - تعالى - يأتى
بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.
وعبر عن هذا المبهوت بقوله : ﴿الذى كفر﴾ للإشعار بأن سبب حيرته واضطرابه هو كفره
وعناده .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله لا يهدى القوم الظالمين﴾ أى لا يهديهم إلى طريق
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٢٥ طبعة عبد الرحمن محمد بتصرف وتلخيص.

٥٩٥
سورة البقرة
الحق. ولا يلهمهم حجة ولا برهانًا. بسبب ظلمهم وطغيانهم وإيثارهم طريق الشيطان على
طريق الرحمن.
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لونًا من ألوان رعاية الله لأوليائه وخذلانه
لأعدائه لكى يكون فى ذلك عبرة وعظة لقوم يعقلون.
ثم ساقت السورة الكريمة قصتين تدلان أبلغ دلالة على قدرة الله - تعالى - وعلى صحة
البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكى هاتين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :
أَوْ كُلَّذِى مَرَّ
عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَّ يُحِىء هَذِهِاللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللهُ مِْتَةَ عَامِ ثُمَّ بَعَثَةٌ قَالَ كَمْ لَبِئْتٌ
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ
فَانْظُرُ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَأَنْظُرْ إِلَى
حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسُِّ وَأَنْظُرْ إِلَىَ
اَلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُ هَاثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّا فَلَمَّا
تَبَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٥٩)
وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنٌ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلِىٌ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ
الطَّيْرِ فَصُرْ هُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّأَ جْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًّاً وَأَعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قال الآلوسي ما ملخصه: قوله : ﴿أو كالذى مر على قرية﴾ معطوف على سابقه - وهو

٥٩٦
المجلد الأول
قوله: ﴿ألم تر إلى الذى حاج﴾ والكاف اسمية بمعنى مثل معمولة لأ رأيت محذوفًا. أى أو أرأيت
مثل الذى مر على قرية .. وحذف لدلالة ﴿ألم تر﴾ عليه. وقيل: إن الكاف زائدة والتقدير: ألم
تر إلى الذى حاج إبراهيم أو الذى مر على قرية .. وقيل: إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه
قيل: أرأيت شيئًا عجيبًا - كالذى حاج إبراهيم فى ربه، أو كالذى مر على قرية))(١).
والذى ﴿مر على قرية﴾ قيل هو عزير بن شرخيا، وقيل حزقيال بن بوزى وقيل غير ذلك،
والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان قد خربها ((بختنصر)) البابلى .. والقرآن الكريم لم يهتم
بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن. وجملة ﴿وهى خاوية على
عروشها﴾ فى موضع الحال من الضمير المستتر فى ﴿مر﴾ والواو رابطة بين الجملة الحالية وبين
صاحبها والإِتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هى حال من قرية،
وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت ومعنى ﴿وهى
خاوية على عروشها﴾ أن جدرانها ساقطة على سقوفها، أى أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل
بها، فأصبحت خالية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو. يقال خوت الدار
وخربت تحوى خواء إذا سقطت وخلت.
والعروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش، وكل شىء يهيأ ليظل أو يكنّ فهو
عريش وعرش.
وقوله - تعالى -: ﴿قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها﴾ حكاية لما قاله ذلك الذى مر على
تلك القرية ورأى فيها ما رأى من مظاهر الخراب والدمار والمعنى: أو أرأيت مثل الذى مر على
قرية وهی ساقطة حيطانها على سقوفها، وفارغة ممن كان يسكنها، فهاله أمرها، وراعه شأنها،
وقال على سبيل التعجب كيف يحبى الله هذه القرية بعد موتها، بأن يعيد إليها العمران بعد
الخراب، ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم. فقوله: ﴿أنى يحيى هذه﴾ بمعنى كيف
فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون ﴿أنى﴾ هنا بمعنى متى أى: متى
يحبى الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية.
وقال القرطبى : قوله: ﴿أنى يحيى هذه الله بعد موتها﴾ معناه من أى طريق وبأى سبب، "
، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان، كما يقال الآن فى المدن الخربة يبعد أن
تعمر وتسكن أى : أنى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته .
التى عهد فيها أهله وأحبته))(٢).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٣ ص ١٩.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٩٩.

٥٩٧
سورة البقرة
وقوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإِعادة لا عن أصل الإِعادة لأنه كان مؤمنا بالبعث
والنشور، إلا أنه لما رأى جال القرية على تلك الصورة من الخراب تعجب من قدرة الله على
إحيائها، وتشوق إلى عمارتها واعترف بالعجز عن معرفة طريق الإِحياء. فماذا كانت نتيجة هذا
التساؤل؟ كانت نتيجته كما حكاها القرآن: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت؟ قال
لبثت يوما أو بعض يوم﴾.
أى: بعد أن قال هذا الذى مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال، ألبثه الله
- تعالى - فى الموت مائة عام ﴿ثم بعثه﴾ أی احیاه ببعث روحه إلى بدنه ﴿قال کم لبثت﴾ أى
كم مدة من الزمان لبثتها على هذه الحال؟ ﴿قال لبثت يومًا أو بعض يوم﴾.
وقال - سبحانه -: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ ولم يقل ثم أحياه، للدلالة على أنه عاد
كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإِشهار
بسرعته وسهولة تأتيه على البارى - سبحانه -.
قال ابن كثير: كان أول شىء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيى بدنه
فلما استقل سويًّا قال الله له بواسطة الملك ﴿كم لبثت﴾؟ ﴿قال لبثت يوما أو بعض يوم﴾ وذلك
أنه مات أول النهار ثم بعثه الله فى آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم
فقال : ﴿أو بعض يوم﴾(١).
وقوله: ﴿قال كم لبثت﴾ استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل: فماذا قال له بعد بعثه؟
فقيل : قال كم لبثت ليظهر له العجز عن الإِحاطة بشئون الله - تعالى - على أتم وجه وتنحسم
مادة استبعاده بالمرة.
وكم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله :
﴿لبثت﴾ .
وفى هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم، وأن البعث يشبه اليقظة بعده وأنه
لا شىء محال على الله - تعالى - فهو القائل: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾.
وفى الحديث الشريف: والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما
تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا)).
وقوله - تعالى -: ﴿قال بل لبثت مائة عام﴾ معطوف على مقدر، أى: ليس الأمر كما قلت
إنك لبثت يوما أو بعض يوم بل إنك لبثت مائة عام ثم أرشده - سبحانه - إلى التأمل فى أمور
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣١٤.

٥٩٨
المجلد الأول
فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال - سبحانه -: ﴿فانظر إلى طعامك
وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم
نكسوها لحما﴾.
قوله : ﴿لم يتسنه﴾ أى لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب طراوته فكأنه لم تمر عليه
السنون ولفظ يتسنه : مشتق من السنة، والهاء فيه أصلية إذا قدر لام سنة هاء، وأصلها سنهة
لتصغيرها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة وسجدات، ولقولهم : سانهته إذا عاملته سنة
فسنة، وتسنه عند القوم إذا أقام فيهم سنة. أو الهاء للوقف نحو كتابيه وجزمه بحدف حرف
العلة إذا قدر لام سنه واوا، وأصلها سنوه لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات.
وقوله : ﴿ننشزها﴾ أى نرفعها. يقال: أنشز الشىء إذا رفعه من مكانه. وأصله من النشر
- بفتحتين وبالسكون - وهو المكان المرتفع. وقرئ ﴿ننشزها﴾ - بضم النون والراء- أى نحييها
من أنشر الله الموتى أى أحياهم. والمعنى: قال الله - تعالى - لهذا الذى مر على قرية وهى
خاوية على عروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم فى الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن
كنت فى شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا
الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقى على حالته. وانظر إلى
حمارك كيف نخرت عظامه، وتفرقت أوصاله مما يشهد بأنه قد مرت عليه السنوات الطويلة.
وقوله : ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله بطريق
الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق، والتقدير: فعلنا ما فعلنا لترى وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة
الله، ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث وقوله: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم
نكسوها لحما﴾ أى انظر وتأمل فى هذه العظام كيف نركب بعضها فى بعض بعد أن نوجدها.
وقيل المعنى : وانظر إلى العظام أى عظام حمارك التى تفرقت وتناثرت لتشاهد كيف نرفعها
من الأرض فنردها إلى أماكنها فى جسده.
قال ابن كثير: قال السدى وغيره : تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهى
تلوح من بياضها، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع، ثم ركب كل عظم فى موضعه،
وذلك كله بمرأى من العزير))(١).
وجاء الضمير فى قوله : ﴿لم يتسنه﴾ بالإِفراد مع أن المتقدم طعام وشراب، لأنهما متلازمان
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣١٤.

٥٩٩
سورة البقرة
بمعنى أن أحدهما لا يكتفى به عن الآخر فصارا بمنزلة شىء واحد، فكأنه قال: انظر إلى
غذائك.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شىء قدير﴾ أى :
فلما تبين له بالأدلة الناصعة، وبالمشاهدة الحسية قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة، وعلى
البعث والنشور قال أعلم أى أستيقن وأومن وأعتقد أن الله - تعالى - على كل شىء قدير، وأنه
- سبحانه - لا يعجزه شىء. والفاء فى قوله: ﴿فلما تبين له ... ﴾ عاطفة على مقدر يستدعيه
المقام فكأنه قيل : رفع الله العظام من أماكنها وأكساها لحما فلما تبين له ذلك، وتيقنه قال أعلم
أن الله على كل شىء قدير. وفاعل ﴿تبين﴾ مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير: فلما تبين له
كيفية الإِحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم أن الله على كل شىء
قدیر.
تلك هى القصة الأولى التى ساقها الله - تعالى كدليل على قدرته وعلى صحة البعث
والنشور. أما القصة الثانية التى تؤكد هذا المعنى فقد حكاها القرآن فى قوله : ﴿وإذ قال إبراهيم
رب أرنى كيف تحبى الموتى﴾ أى: واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قال إبراهيم - عليه
السلام - مخاطبًا خالقه - سبحانه - : رب أرنى بعينى كيف تعيد الحياة إلى الموتى.
وفى قوله : (رب) تصريح بكمال أدبه مع خالقه - عز وجل - فهو قبل أن يدعوه يستعطفه
ويعترف له بالربوبية الحقة، والألوهية التامة، ويلتمس منه معرفة كيفية إحياء الموتى، فهو
لا يشك فى قدرة الله ولا فى صحة البعث - وحاشاه أن يفعل ذلك - فهو رسول من أولى العزم
من الرسل، وإنما هو يريد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين، ومن مرتبة البرهان
إلى مرتبة العيان، فإن العيان يغرس فى القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة والاطمئنان.
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم - عليه السلام - أسبابا منها : أنه لما قال للنمرود ﴿ربى
الذى يحيى ويميت﴾ أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة. وقد أجاب الخالق - عز وجل -
على طلب إبراهيم بقوله : ﴿أولم تؤمن﴾ أى: أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنى قادر على الإِحياء
وعلى كل شىء؟
فالجملة الكريمة استئناف مبنى على السؤال، وهى معطوفة على مقدر، والاستفهام للتقرير.
وهنا يحكى القرآن جواب إبراهيم على خالقه - عز وجل - فيقول : ﴿قال بلى ولكن ليطمئن
قلبى﴾. أى قال إبراهيم فى الرد على سؤال ربه له ﴿أو لم تؤمن﴾؟ بلى يارب آمنت بك
وبقدرتك وبوحدانيتك إيمانا صادقا كاملا، ولكنى سألت هذا السؤال ليزداد قلبى سكونا
واطمئنانا وإيمانا لأن من شأن المشاهدة أن تغرس فى القلب سكونا واطمئنانا أشد، وإيمانا
با﴾

٦٠٠
المجلد الأول
أقوى، وأنا فى جميع أحوالى مؤمن كل الإِيمان بقدرتك ووحدانيتك يارب العالمين.
قال القرطبى ما ملخصه : لم يكن إبراهيم شاكافى إحياء الله الموق قط وإنما طلب المعاينة،
وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا جاء فى الحديث (ليس الخبر
كالمعاينة)، قال الأخفش: لم يرد إبراهيم رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسين :
سأل ليزداد يقينا إلى يقينه.
وأما قول الرسول وَله: نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن
أحق بالشك منه، ونحن لا نشك فإبراهيم - عليه السلام - أحرى ألا يشك، فالحديث مبنی
على نفى الشك عن إبراهيم .. وإذا تأملت سؤاله - عليه السلام - وسائر الفاظه الآتية لم تعط
شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شىء موجود متقرر الوجود عند السائل
والمسئول، وكيف هنا إنما هى استفهام عن هيئة الإِحياء والإِحياء متقرر، - فسؤال إبراهيم إنما
هو عن الكيفية لا عن أصل القضية .. ))(١).
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف قال له ﴿أولم تؤمن﴾ وقد علم أنه أثبت الناس
إيمانا؟ قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. و﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد
النفى معناه: بلى آمنت. وقوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبى﴾ أى ليزداد سكونا وطمأنينة بمضامة
علم الضرورة - أى علم المشاهدة - إلى علم الاستدلال الذى يجوز معه التشكيك بخلاف
العلم الضرورى، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذى لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت : بم
تعلقت اللام فى قوله : ﴿ليطمئن﴾ قلت بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة
القلب)»(٢).
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كان من جواب الخالق - عز وجل - على نبيه إبراهيم فقال :
﴿قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن
يأتينك سعيًا﴾.
قوله : ﴿فصرهن إليك﴾ أى فاضممهن إليك - قرئ بضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء -
يقال: صاره يصوره ويصيره، أى أماله وضمه إليه. ويقال - أيضًا صار الشىء بمعنى قطعه .
وفصله والمعنى : قال الله - تعالى - لإبراهيم : إذا أردت معرفة ما سألت عنه فخذ أربعة من
الطير فاضممهن إليك لتتأملهن وتعرف أشكالهن وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإِحياء، ثم
اذبحهن وجزئهن أجزاء ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ أى ثم اجعل على كل مكان
(١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٩٧.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٠٨.